السلام عليكم ورحمة الله، بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم اجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين.
مرحباً بكم أيها الإخوة الأحباب، طبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً. ونسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا على طاعته أن يجمعنا في جنته ومستقر رحمته ودار كرامته. وهذا هو المجلس التاسع من مجالس السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
وقبل أن نشرع في السيرة النبوية، يجب أن نذكر أمرين. أما الأمر الأول، فهو ما بلغ إسماعكم من تحرك قافلة برية أو قوافل ومجموعة قوافل برية لمحاولة فك الحصار عن غزة. ولا ريب أن هذا عمل جليل وعمل مشكور وعمل محمود، وإن كنا جميعا نعرف أنه قليل الجدوى.
وحقيقة يا جماعة الخير، مثل هذه الأمور الرمزية وهذه المجهودات لا شك في أنها مطلوبة لمن لم يكن يملك غيرها. يعني من لم يكن يملك غير الكلام، من لم يكن يملك غير أن يخرج في تظاهر، من لم يكن يملك يعني هذه الوسائل، وسائل مهمة؛ لأنها ما تزال تذكر الناس بالأمر، وما تزال تحيي الفكرة في النفوس، وما تزال تشجع الساكت على أن يتكلم، والقاعد على أن يتحرك. هي كلها وسائل جيدة ومحمودة.
ولكن بقدر ما إنه ينبغي أن تدعم هذه الفاعليات بما يستطاع، بقدر ما يجب أن نوقن وأن نعرف وأن نعلم بأن هذه كلها وسائل العاجزين، وسائل الضعفاء، وسائل المحبوسين، وسائل المقهورين. فهي خير، ولكن خير منها الإعداد الحقيقي لإزالة هذه العوائق. لا أدري أن كنتم قرأتم تغريدة إيدي كوهين نشرها أول أمس. هذه تغريدة كاشفة، قال: القافلة ستتوقف في المكان الذي تتوقف فيه. تعرفون حدود إسرائيل؟ وصدق وهو كذوب.
فحقيقة، نحن أمة محبوسة، أمة يعني الدول فيها زنازين، والاوطان فيها سجون، والحكام فيها سجانون. وذكرت قبل ذلك وأكرر وأكثرت من ذكر هذا ولعلي مللت وأمللت أيضاً بأنه بيت المقدس لا يتحرر إلا بعد تحرر القاهرة ودمشق، بعد تحرر مصر والشام. ونسأل الله تبارك وتعالى أن يكون هذا قريباً غير بعيد عاجلاً غير آجل.
هذا الأمر الأول. وأاما الأمر الثاني، فهو هذه الحرب التي نشبت بين إسرائيل وإيران، ولا أدري طبعا إلى أي شيء يمكن أن تصل. وأقول والحمد لله الذي نجانا من نفاق الحكام فهو ينجينا أيضاً من نفاق العوام؛ لأنه نفاق الحكام ليس أقل خطرا من نفاق العوام. شوفوا يا جماعة الخير، الشيعة اختلف الناس، اختلف العلماء في كفرهم في أنهم كفار أم مسلمون، ولكن جمهور العلماء على أنهم مسلمون، جمهور العلماء على أنهم مسلمون، مما فيهم رأس السلفية إن صح التعبير شيخ الإسلام ابن تيمية. ولما سئل عن رجل يفضل اليهود والنصارى على الروافض، قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: كل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم خير من كل من كفر به، حتى وإن كان في الذي آمن به نوع بدعه، وذكر كالشيعه والخوارج والمرجئه وغيرهم من انواع المبتدعه، ولو انه كان يرى يعني هذا المبتدع كان يرى انه موافق للنبي صلى الله عليه وسلم فلا يكفر بذلك، ولو قدر انه يكفر بذلك لم يكن كفره مساويا لكفر اليهود والنصارى، فان كفر هؤلاء معلوم من الدين بالضرورة.
فهذا من جهة الدين، هذا من جهة الدين. ولا نعرف في تاريخ المسلمين أن المسلمين فرحوا لأن كافراً أصلياً تسلط على مبتدع منهم. يعني هذا أمر لا نعرفه في أزمان المسلمين. نعرف أن بعض الأقليات يمكن أن يخون، بعض الأقليات يمكن أن يتحالف، أما أن أهل السنة يسعدهم أو يحالفون كافراً أصلياً على مبتدع، هذا على حد علمي على الأقل لا أعرفه في تاريخ المسلمين، ولا أعرف أن أحداً من علماء المسلمين أجازه.
فهذا كما قلنا من جهة المسألة الشرعية في صورتها المجردة. فاذا اتينا الى جهة المسألة السياسية في صورتها الواقعة، فلا يكاد عاقل أن يسوي بين خطر إيران وبين خطر الصهاينة والأمريكان. هذا لا يلتبس عند عاقل. وشرح هذا الأمر فعلا هو كما قيل من المعضلات: توضيح الواضحات. وكما قيل: وكيف يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل؟
غاية ما كل ما نجحت فيه إيران، كل الجرائم التي ارتكبتها إيران كانت حيث توافقت معها المصلحة الأمريكية والإسرائيلية، في اليمن، في لبنان، في سوريا، في العراق، حيث توافقت المصلحة الإسرائيلية الأمريكية. طبعا في أفغانستان قبل ذلك. هنا يمكن أن تلمس نجاحاً لإيران، أما حيث تعارضت الملفات فإيران فاشلة في كل ملفاتها. يعني لا يمكن أن يقارن أحد بين القوة الإيرانية والقوة الإسرائيلية ووراءها القوة الأوروبية والأمريكية. فحتى لو سلمنا جدلاً، ولا أسلم بهذا، ولو تنزلنا ولا أتتنزل، وقلنا بأنهم كفار أصليين على قدر اليهود والنصارى، لكان نداء العقل يقول بأن قوة هؤلاء غير قوة هؤلاء. ولا ريب يضرنا لو أنه قد انفرد عدو كالإسرائيليين والأمريكان بالقوة.
يعني بالنهاية، الاتحاد السوفيتي أيام ما كان موجود، الاتحاد السوفيتي وهم ملحدون ملحدون، لما انهار الاتحاد السوفيتي انفرَدت أمريكا بالعالم. لما كان موجود الاتحاد السوفيتي، كان هناك مساحة يتحرك فيها الضعفاء والمستضعفون. فلا يحب أن ينتصر الإسرائيليون ولا الأمريكان في هذه المعركه مسلم، ولا يحب أن ينتصر فيها عاقل حقيقة.
والذي يقول: إيران تسيطر على أربع عواصم عربية ولا خمس عواصم عربية، طيب يا جماعة، ما أمريكا واسرائيل بتسيطر على الثمانية عشر عاصمة الباقيين، ولا احنا فاكرين أن هم مستقلين؟ يعني لا نخدع أنفسنا برضه، ما هي بقية العواصم حقيقة تحت الهيمنة اليهودية الصليبية والإسرائيلية. والذي يقول: إيران في اسرائيل تحتل مساحة فلسطين اللي هي كم كيلو، بينما إيران تحتل مش عارف كم كيلو، لا حقيقة إسرائيل تهيمن على سائر المنطقة العربية. فلذلك كان هذا أمر يجب ذكره الآن؛ لأنه حقيقة لا اتصور أن يوجد مسلم عاقل قد يقف هذا الموقف ويتمنى أن ينتصر الإسرائيليون والأمريكان على الإيرانيين. وفارق القوة بينهم ضخم جداً للغاية. وطبعا أكيد أنه أمريكا وإسرائيل تضرب إيران لما عندها من التهديد، ليس لما عندها من البدعة، صح ولا لا؟ اكيد يعني مش بيدافعوا عن اهل السنه.
تمام، زي كده يعني يجب أن تفرق في مقامات الخصومة وفي مقامات العداوة بين هذه الأمور. الإخوان المسلمين ولا الجهاديين ولا السلفيين ولا التبليغ ولا أي جماعة إسلامية، حتى هناك من يبغضهم لما عندهم من الحق وهناك من يبغضهم لما عندهم من الباطل. طيب، إذا جاء مبطل طاغية سفاح وضربهم، يضربهم لما عندهم من الحق ولا لما عندهم من الباطل؟ لما عندهم من الحق. طيب، هذا ينبغي أن يفرح له مخالفهم؟ وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل. أو كما قال الآخر: ومن يك ذا فم مر مريض، يجد مرّاً به الماء الزلالا. المسألة تكون واضحة، لكن لأن العيون ولان الآذان عليها غبش وعليها ران، تتشوش أمامهم المسألة.
فأسأل الله تبارك وتعالى أن ينجي المسلمين في كل مكان، وأسأل الله تبارك وتعالى أن يأذن لهذه الأمة بفرج قريب وتحرير قريب.
ونواصل ما كنا تكلمنا فيه في غزوة بدر. وكنا قد وصلنا، انتهينا من أحداث غزوة بدر، وقلنا إنه بقي في هذه الغزوة أمران قد اختلف فيهما المسلمون. فالامر الاول هو الخلاف في الغنائم، والامر الثاني هو الخلاف في الاسرى. نبدا بالخلاف في الغنائم.
وقد روى عبادة بن الصامت رضي الله عنه لما سئل عن سورة الأنفال فقال: نزلت فينا أهل بدر لما اختلفنا في الغنائم وساءت فيه أخلاقنا. وخلاصه القصة، كان الناس وكانت العرب في الجاهلية إذا انتصروا كانت العرب في الجاهلية أولاً إذا انتصروا غنموا وسلبوا، وذهب كل مقاتل بما استطاع أن يحويه، استطاع أن ينهبه.
وأما الغنائم في الأمم السابقة، فإن الله تبارك وتعالى كان يحرم الغنيمة على هؤلاء القوم. تماماً، كانت تنزل نار تحرقها من السماء، لكن كانت الغنيمة محرمة على القوم. ولكن الغنائم أُحِلَّت لامة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه من خصائص أمة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في الحديث: وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد كان من قبلي.
فما الذي حصل؟ الذي حصل أنه مع انتهاء المعركة وتفرق جيش المشركين، انقسم المسلمون إلى ثلاث فرق، يعني بغير ترتيب بغير اتفاق. هذه قسمة يعني أدت إليها تطورات المعركة: فأغلب الشباب، أغلب الشباب اندفع يتعقب الكفار، وأغلب المشيخة الكبار بقوا في موقع الجيش عند الغنائم، وفريق من هؤلاء يعني التف وحمى وحرس النبي صلى الله عليه وسلم خشية أن يصيبه من العدو غرّة، يعني يبقى في خلية نائمة، كمين، حد يفكر، فحرسوا النبي صلى الله عليه وسلم.
فلما انتهت المعركة وجمعت الغنائم، وقع هنا خلاف بين هذه الأقسام الثلاثة. فأما الذين حووا الغنائم فعلى مذهب العرب قالوا: نحن حويناها وحفظناها تماماً. واما الذين تعقبوا الكفار قالوا: نحن طردنا الكفار عنها ولولا ذاك لم تحفظوها. وقال الذين كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم: نحن حرسنا النبي صلى الله عليه وسلم أن يصيبه من العدو غرة فلستم بأولى بها منا. تماماً، فهذا هو الخلاف الذي وقع بين الصحابه رضوان الله عليهم في مسألة تقسيم الغنائم.
وتورد بعض الروايات مثلاً أنه بعض الناس، الصحابه، يعني مثلاً سيدنا سعد بن أبي وقاص سلب أو غنم سيفاً فأعجبه هذا السيف، فقبل ما يحطه في الغنائم ذهب للنبي صلى الله عليه وسلم وقال: هبني هذا السيف. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: رده مكانه. فيسيدنا سعد يروي ويقول: فذهبت أرده فنازعتني فيه نفسي، فعدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقلت: فاجعل هذا من نصيبي. قال: رده مكانه، وشدد عليَّ في الصوت، يعني كان النبي قالها بحزم، فوضعه سيدنا سعد رضي الله عنه مكانه. يقول: وركبني من الهم قتل أخي عمير وأخذ مني سلبي.
فيروي هذا. وحقيقه يا جماعه الخير، من افضل أو من أكثر ما يسعد القلب في شأن الصحابة هو بشريتهم؛ لأن هؤلاء الناس لو لم يكونوا بشراً، يعني لو لم تند منهم هذه المواقف لقلنا: هؤلاء قوم لا يمكن الاقتداء بهم. والأصل أصلاً أن الله تبارك وتعالى جعل النبي بشراً لكي يكون أسوة وأهلاً ليقتدى به، قل: لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا. بشر.
فطبعا لكن النبي مقام آخر، وقد عصمه الله تبارك وتعالى وينزل عليه الوحي لتسديده، لكن الصحابة تظهر بشريتهم في مثل هذه المواقف. فهذا مما يطمئن القلب؛ لأنه لو كان هؤلاء جرداً تماماً للآخرة لما كان ممكناً أن يكونوا قدوة وأسوة.
فهنا ما الذي حصل؟ الذي حصل أنه نزل قول الله، نزلت سورة الأنفال وفيها في مطلعها قول الله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ. وهنا وقفه مهمة: يسألونك عن الأنفال. يسألونك عن الأنفال فيها إقرار من الله عز وجل بأن الصحابة مسلمون وخاضعون وملتزمون بما سيقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يعني مثلاً لم يقل الله تبارك وتعالى: يسألونك الأنفال، وإنما قال: يسألونك عن الأنفال. إيه الفرق بين الاثنين؟ ما الفارق بينهما؟ يسألون عن، ينتظر الفتوى، ينتظر الحكم، ينتظر الجواب وهو له مسلم خاضع، لكن يسألونك الأنفال يعني يطلبون الأنفال.
يسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِح ذات بَيْنِكُمْ. فنزع منهم الأنفال ووجههم إلى إصلاح ذات البين، وهذا أمر نأتي له إن شاء الله.
طيب ومضت سورة الأنفال ٤٠ آية تذكر المؤمنين بما صنع الله لهم في هذه المعركة. ٤٠ آية يعني شوف: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ، كده الموضوع انتهى، الإجابة انتهت. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وبقية الآيات: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنُونَ لَكَارِهُونَ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ. وتحكي الآيات قصة المعركة، ولكن بخبر السماء، بخبر السماء. كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنُونَ لَكَارِهُونَ.
فالآيات ذكرت كيف صنع الله تبارك وتعالى هذه المعركة من جهة المسلمين، وكيف صنعها من جهة الكافرين، حتى وصلنا إلى هذه النتيجة. بعد ٤٠ آية يا جماعة تأتي الآية وتقول: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ. جاءت الآية بالحكم، وهو إيه؟ أنه أربعة أخماس الغنيمة توزع على المقاتلين، والخمس يوزعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في مصالح المسلمين.
لكن لم تكتمل الآية إلا وعدنا من جديد لقصة المعركة. يعني السورة التي اسمها سورة الأنفال، موضوع الأنفال فيها ما أخدش آية واحدة، ما كملش آية واحدة: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ، والآية ما كملتش. وهنا: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى، بقية الآية، والآية ما كملتش، وما فيش حديث تاني عن الأنفال.
ما شأن بقية السورة؟ السورة ٧٥ آية، ما شأنها؟ شأنها في إصلاح المجتمع المسلم، وفي مداواة هذا النزاع الذي قد حدث بين بعض المسلمين، وفي التنبيه والتحذير من فتنة المال، وفي التنبيه والتحذير من فتنة التنازع. هذه كل السورة، سورة الأنفال. ولعلنا
نأتي إن شاء الله إلى وقفة أخرى معها؛ لكن الآن ما الذي حصل؟ الذي حصل أنه موضوع الأنفال نزل على مجتمع هو بالأساس مسلم للمرجعية وخاضع لما سيقوله رسول الله، وبالفعل انتهى التنازع وسلم الجميع بما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالتالي قسم النبي صلى الله عليه وسلم هذه الغنيمة بين المقاتلين بالسواء.
تمام، ومما يمكن أن نقوله هنا أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل لتسعة من الصحابة لم يشهدوا الغزوة سهماً لهم في الغنائم، في تسعة من الصحابة لم يشهدوا الغزوة وجعل لهم النبي سهماً في الغنائم، طيب كيف؟
أحدهم سيدنا عثمان بن عفان؛ لأن سيدنا عثمان كان خارجاً إلى الغزوة، ولكن حصل إيه؟ من فاكر؟ أيوه، مرض زوجته رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم، تمام.
طيب صحابي تاني كده زي سيدنا عثمان اسمه أبو أمامة الأنصاري، سيدنا أبو أمامة الأنصاري كانت أمه مريضة، تمام، فقال له خاله أبو بردة: أقم على أمك يا ابن اختي. فقال له أبو أمامة: بل أقم أنت على اختك، سباق إلى الجهاد، المفروض أي واحد دلوقتي جت له فرصة يهرب من المعركة مثلاً يعمل إيه؟ عندي عذر والله، صح ولا لا؟ مش كل الناس كل الناس تمسك في الأعذار الشرعية.
فهو سيدنا أبو أمامة يقول له: أقم على اختك، وأبو بردة يقول له إيه: أقم على أمك، حتى ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لأبي أمامة: بل أنت أقم على أمك، واصطحب معه أبا بردة إلى المعركة، فأعطي سيدنا أبو أمامة سهماً من هذه الغنيمة.
طيب، منهم أيضاً سيدنا حذيفة بن اليمان وأبوه، هؤلاء كانوا خارجين يعني بعيداً عن أرض المعركة عائدين إلى المدينه، وهم عائدون إلى المدينه أمسك بهم جيش قريش، تمام، أمسك بهم جيش قريش، أخذوا عليهم العهود والمواثيق ألا يقاتلوا مع محمد مقابل أن يطلقوهم، فلما أطلقوهما جاءا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرانه.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نوفي لهما، نفي لهم بعهدهم ولم يقاتلا، ولكن أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم من إيه؟ من السهم، منهم هم كذلك سيدنا أبو لبابه الذي أرجعه النبي صلى الله عليه وسلم أميراً على المدينة.
منهم صحابيان: خوات بن جبير وآخر نسيتُ الآن، كُسرت رجلهما وهما في الخروج إلى بدر يعني قبل أن يصلوا إلى أرض المعركة، كل واحد فيهم حصل له حادث كُسرت فيه رجله فعاد إلى المدينة، فأَسهم لهم النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً في هذه المعركة.
منهم كذلك سيدنا طلحة بن عبيد الله وسيدنا سعيد بن زيد، هؤلاء كانوا من فرقة الاستطلاع الإسلامية التي خرجت قبل المعركة، فخرجت لكي ترصد جيش المشركين، ولكنها ضلت في الصحراء يعني ضلا في الصحراء فلم يعودا إلا بعد انتهاء المعركة، فهم صحيح على القوة العسكرية، ولكنهم ما لم يشاركوا في هذه المعركة، فهؤلاء أسهم لهم النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر.
وكذلك من شهد غزوة بدر واستشهد فيها، أعطى النبي صلى الله عليه وسلم سهمه إلى ذريته وذويه، ولعل هذا يعني فيما يتكلم الشيخ أبو شهبه رحمه الله يقول إنه هذا يعني سبق من النبي صلى الله عليه وسلم لرعاية أسر الشهداء وأسر المحاربين، وحقيقة أنا يعني لا أستحضر الآن ما إن كان هذا سبقا أم أن له أمثلة في أمم سابقة، ولكن هكذا قرر الشيخ أبو شهبه رحمه الله.
طيب، يبقى إذا هذا هو الخلاف في، الخلاف في إيه؟ حد صاحي يا جماعه؟
طيب، الموضوع الثاني كان الخلاف في إيه؟ في الأسرى، جميل.
قبل الخلاف في الأسرى أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل رجلين من الأسرى، تمام، يعني قبل أن، نحن لدينا أسرى، قبل أن يصل هؤلاء الأسرى إلى المدينة ويبدأ النقاش فيهما، أمر النبي بقتل رجلين من الأسرى.
أولهما هو النضر بن الحارث، النضر بن الحارث، لمن يتذكر، كان الرجل الذي قلنا إنه أنشأ أول قناة فضائية للهجوم على الإسلام في مكة، أو أول مسرح للهجوم على الإسلام في مكة.
قلنا إن هذا الرجل لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم اختار أن يواجه دعوته في مكة بالأسلوب الإعلامي، فسافر في بعثه مخصوصة إلى فارس، زي كده لما تروح هوليوود دلوقتي وتتعلم فيها قصص رستم وأسفنديار قصص الفرس، ثم عاد إلى مكة، الرجل كان مخلصاً حتى في مهمة الحرب، ما اكتفاش بإمكانياته الذاتية ولا بحصيلته من الأشعار، رايح يجيب الإيه؟ المادة الأجنبية ويترجمها، طبعاً لا أدري إذا كان يعني تعلم اللغة أم تعلم على يد من يجيد اللغة، لكن يعني اعتبر أن هو إيه، عارفين قناة إم بي سي 2؟ يعني جيلنا نحن قبل 20 سنة كانت قناة إم بي سي 2 دي النافذة الأولى والأهم للشباب على الحياة الغربية، وبعدين بقى في إم بي سي 4 كمان، بس إم بي سي 2 كانت أكثر إثارة لأنها كلها أفلام أجنبية، فالمهم صاحبنا ده انتدب نفسه للمهمة الإعلامية.
وبعدين لما رجع بعد ذلك اتخذ جارية عشان يبقى الإيه؟ الإمتاع مضاعف والجاذبية مضاعفة، فكان كلما سمع بأحد جلس إلى محمد صلى الله عليه وسلم أو بمجلس كان فيه محمد، جاء بعد النبي فجلس في هذا المجلس وحدثهم بقصص ملوك الفرس، ثم كان يقول: أينا أحسن قصصاً أنا أم محمد؟ أو حين اتخذ جارية كان إذا سمع أحداً سمع من النبي صلى الله عليه وسلم وتأثر له استدعاه إليه، عمل له عزومة محترمة، عمل له عرض خاص في البيت، فكانت تغنيه الجارية وكان يتلو عليه قصص الفرس.
فهذا الرجل قتله النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى كل حال يعني طبقة الإعلاميين دول نحن إن شاء الله إذا قدر الله لنا البقاء واللقاء فيما بعد سنجد خطاً في تعامل خاص شديد لرؤوس الإعلام الجاهلي، تعامل خاص شديد يعني فيما بعد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، النبي سيكلف بعض الناس بمهمات خاصة، بمهمات خاصة لاغتيال فلان واغتيال فلان واغتيال فلان، أغلب هذه المهمات الخاصة كانت لاغتيال شعراء، شعراء في ذلك الزمن القديم يعني كبار الإعلاميين في هذا الزمن، ومنهم شاعرة سناتي لها إن شاء الله، لكن يقال من تأثيرها فلما قتلت فشا الإسلام في بني خطمة، دي واحدة كانت قاعدة ما حدش عايز يسلم خوفاً من إيه؟ من لسانها، بتدي له القصيدة يخلد بها، فما حدش عايز يسلم خوفاً من لسانه، وحتى لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة فاتحاً وأطلق عفواً عاماً استثنى من العفو العام 10 أو 12 أو 16 على اختلاف الروايات، ثلثهم من الإعلاميين الشعراء الذين كانوا يهجون النبي صلى الله عليه وسلم.
وطبعاً هذا أمر أنا أظن أني لا أحتاج إلى إيضاحه الآن في الزمن اللي احنا فيه يعني، احنا طبعاً يعني شفنا ماذا يفعل الإعلام بعقول الناس وبنفوس الناس، وكيف أن الإعلام فجر بيوتاً ومزق بيوتاً، وجعل الأخ يعدو على أخيه والابن يعدو على ولده، تمام.
فهذا النضر بن الحارث أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله، وحاول النضر أن يتشفع بمصعب بن عمير، هما كلاهما من بني عبد الدار، فقال مصعب: قد قطع الاسلام العهود، لم يرضى سيدنا مصعب أن يتشفع فيه، وحاول أن يتوسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرفض النبي صلى الله عليه وسلم توسله وقُتل.
وهنا أمر يعني مما يشتهر عند رواة السيرة ويشتهر كذلك في باب حكم الأسير، يقال يقال وإن كان هذا ضعيف فيما يعني ضعيف فيما يترجح عندي، وحتى ابن هشام لما رواه قال: وهذا الشعر مصنوع، يقال إن قتيلة إما أنها اخت النضر أو بنت النضر يعني إما أنها قتيلة بنت الحارث أو قتيلة بنت النضر بن الحارث، أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم شعراً تتوسل فيه وتتشفع فيه في أخيها أو في أبيها، وهو شعر عذب حقيقة ولذلك يشتهر عند أهل الأدب، وهو قولها:
يا خير ضنء كريمة في قومها والفحل فحل معرق، أمحمد؟ يا خير ضنء كريمة في قومها والفحل فحل معرق ما كان ضرك لو مننت وربما من الفتى وهو المغيظ المحنق النضر أقرب من قتلت قرابة وأحقهم إن كان عتق يعتق وظلت سيوف بني أبيه تنوشه لله أرحام هناك تشقق مشياً يقاد صبراً يقاد إلى المنية متعباً في قيده وهو موثق
فيقال إن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه هذا الشعر دمعت عيناه وقال: لو بلغني هذا قبل قتله ما قتلته.
ذكرت لكم أن هذه الرواية ضعيفة والشعر مصنوع كما يقول ابن هشام، ويزيد في ضعفها عندي أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الرحم الرحمة المهداة ما كان يمكن أن يقتل رجلاً إلا لو كان هذا الرجل قد إيه؟ جاوز كل مراتب العفو يعني، ليس النبي بالذي يمكن أن يقتل أحداً وفي قوس الصبر منزع أو وفي قوس العفو منزع، وحتى الشعر عباراته بعضها يدل على أنه قيل بعد قتله، تمام.
فلكن على كل حال يعني ذكرت هذا، بعضهم يذكر هذا الشعر يدل على أن قتل الأسير هو قرار سياسي يجوز أو لا يجوز بحسب ما يرى الإمام، وهو أمر صحيح طبعاً في الفقه يعني، ولكن يعني الدليل ضعيف، تمام.
فهذا من خلال من خلال هذا النضر بن الحارث، الثاني، الرجل الثاني الذي قتله النبي صلى الله عليه وسلم هو ذلك الطاغية الفاجر عقبة بن أبي معيط، وهذا عقبة بن أبي معيط من كبار من أذى النبي صلى الله عليه وسلم، وله الموقف المشهور، الموقف المشهور الذي تحين فيه أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي عند الكعبة ويسجد، وقال: أيكم، وقيل: أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيأتي به فيطرحه على هذا وهو ساجد؟
فانبعث أشقى القوم عقبة بن أبي معيط فجاء به وطرحه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، فمكث النبي ساجداً، أنتم عارفين القذر والوسخ؟ أمحاء أمحاء الجزور اللي هو الإبل الصغيرة، فالقذر والوسخ ظل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، فمكث ساجداً وصار القوم يتضاحكون ويتمايلون، حتى انطلق منطلق إلى فاطمة بنت محمد رضي الله عنها وهي جويرية، جويرية يعني جارية صغيرة مراهقة يعني بتعبير هذا الوقت أو أقل من ذلك، فجاءت فصارت تزيل هذا الوسخ عن النبي صلى الله عليه وسلم وتدعو عليهم، ولما قام النبي صلى الله عليه وسلم قال: أتعرفون يا معشر قريش إنما جئتكم بالذبح؟ وقال: اللهم عليك بعمرو بن هشام، وبتبة بن ربيعة، وبشيبة بن ربيعة، وبالوليد بن عتبة، وبقبّة بن أبي معيط، وبـعمارة بن الوليد، وحدد أقواماً يقول ابن مسعود راوي الحديث: فرأيتهم جميعاً صرعى في بدر.
فهذا ربما أشد موقف حصل للنبي صلى الله عليه وسلم في مكة كان صاحبه من عقبة بن أبي معيط.
وحقيقة حقيقة يعني مما يمكن أن أذكره هنا: العلاقة عادة بين البنت وبين أبيها علاقة خاصة، ولذلك تقول العرب: كل فتاة بأبيها معجبة. البطل الأول والرجل الأول والمثال الكامل الأول في نظر كل ابنة، في نظر كل بنت هو من؟ أبوها، فلذلك أن يهان أبوها هذا موقف شديد الصعوبة عليها وعلى أبيها أيضاً.
وأنا إن كنت رويت هذا الموقف قبل ذلك فبين هذه الأيام رزقت ببنت، فسبحان الله كأني أشعر بهذا الموقف بشكل مختلف، يعني حقاً عاطفة الوالد نحو البنت عاطفة مختلفة.
تعرفون هنا أحد الشعراء كان يتمنى أن تموت ابنته قبله، لماذا؟ لكي لا تعاني من بعده ذل اليتم ولا جفاء الأخ ولا فظاظة العم، وله في هذا شعر جميل يقول فيه:
يقول لولا أميمة لم أجزع من العدم لولا أميمة بنته لا أخاف من الفقر لا أخاف من الموت حتى، لولا أميمة لم أجزع من العدم ولم أجب في ليالي حندس الظلم يعني لم أتجول في الليل المظلم الشديد الظلمة يعني لا أخرج في طلب المال، تمام. لولا أميمة لم أجزع من العدم ولم أجب في ليالي حندس الظلم وزادني رغبة في العيش معرفتي ذل اليتيمة يجفوها ذو الرحم تهوى حياتي وأهوى موتها فرقاً والموت أكرم نزال على الحرم أحاذر الفقر يوماً أن يلمَّ بها أستر عن لحم على وضمِ أخشى فظاظة عم أو جفاء أخ وكنت أخشى عليها من أذى الكلم
ومن يعني لابد أنكم أدركتم أناساً كباراً ماتوا وفي أولادهم بنات صغيرات، فما تكون الوصية غالباً؟ تكون الوصية إيه؟ البنت.
صاحبنا الشاعر ده يروى عنه أن ابنته ماتت في حياته، وكتب شعراً يقول يعني معناه إنه صحيح أنا زعلان، لكن أنا كده مرتاح.
فنبينا صلى الله عليه وسلم بشر، ولا ريب أن مثل هذا الموقف كان أشد موقف نزل به من أذى القرشيين وأذى أهل مكة عليه، ولذلك نبينا صلى الله عليه وسلم لما يعني جاء عقبة بن أبي معيط قال: أتدري ما فعل هذا؟ وقص النبي صلى الله عليه وسلم ما فعله هذا، تمام.
فاذا يبقى فيما عدا هاتين الحالتين كان لدينا سبعون أسيراً من المشركين، طيب، سبعون أسيراً من المشركين.
قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: استوصوا بالأسرى خيراً، فسيقوا إلى المدينة، وفرق الأسرى على بيوت الصحابة؛ طبعاً لأنه ما كانش في سجون في ذلك الوقت، نحن تكلمنا في مسألة السجون هذه في مجالس ماضية.
فكان كل يعني أسير أو أسيرين عند واحد من الصحابة، فقال: استوصوا بالأسرى خيراً، فيُنقل أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يكرمونهم ويؤثرونهم على أنفسهم. فإذا مثلاً كان هناك الخبز وكان هناك التمر -وطبعا العرب لأن أرضهم مليئة بالتمر فالخبز كان أحب إليهم من التمر- فكان الصحابة يؤثرون الأسرى بالخبز ويجعلون لأنفسهم التمر. وهذا أمر تأثر به عدد من الأسرى فاسلموا بعد أن فدوا وفك أسرهم.
ولكن الآن الأصل في معاملة الأسرى أنه كان جيداً، ثم استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه: ما ترون في هؤلاء الأسرى؟ طبعا النبي صلى الله عليه وسلم له وزيران كبيران هما من تمام. فأما أبو بكر فقال: يا رسول الله، هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام. تمام، طيب فما ترى يا عمر؟
سيّدنا عمر كان عنده رأي آخر، قال: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكننا منهم فنقتلهم؛ فتمكن علياً من عقيل -عقيل أخو علي بن أبي طالب، عقيل بن أبي طالب كان في الأسر- وتمكنني من فلان، فلان هذا كان نسيباً لعمر فاقتله؛ فإن هؤلاء أئمة أئمة صناديد الكفر ورؤوس قريش. تمام.
طيب في رواية وفي زيادات -وإن كانت لم تثبت- قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما مثلك يا أبا بكر كمثل من -ها- من في الأنبياء كانت له كان له هذا الموقف من قومه، آه ماذا قال؟ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. طيب مين بقى من الأنبياء أشبه بسيدنا عمر؟ سيدنا نوح قال: رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا. ومثله أيضاً سيدنا لما قال: رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا أيوه فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ.
تمام. وكان مع سيدنا عمر سيدنا عبد الله بن رواحة، وكان معه سيدنا سعد بن معاذ، ولكن جمهور الصحابة كان مع سيدنا أبي بكر. وقال سيدنا عمر: فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهوى ما قلت. وكان النبي صلى الله عليه وسلم أقرب إلى إيه؟ إلى مسألة الفداء.
طبعا سيدنا أبو بكر رأيه واضح: أنه الدولة الإسلامية دولة وليدة، دولة محتاجة إلى المال، والمال فيه قوة للمسلمين على الكفار، وفيه كذلك إنقاص من قوة الكفار الاقتصادية، وإلا فإنه أصل خروج المسلمين كان لاعتراض القافلة، وهي وهو هدف اقتصادي، وكذلك في هذه الفدية فرصة لهؤلاء أن يسلموا.
سيدنا عمر نظر نظرة أخرى، وهو نظر إلى هيبة الحكم، هيبة الدولة تمام. وهو أن المسلمين يعني أن تؤسس الدولة فيكون لها قوة ويكون لها هيبة، هذا مما يخذل ويضعف قلوب الناس عن أن يفكروا في مواجهة هذه الدولة. فبالتالي صحيح الآن لن يكون لدينا أموال، لكن كسبنا ماذا؟ كسبنا الهي كسبنا الهيبة، كسبنا الخوف، كسبنا الرعب الرهبة، وهذا يوفر علينا فيما بعد معارك.
لانه دلوقتي لازم تبقى عارف لو دخلت في معركة مع المسلمين -طبعا وفق وفق وجهة نظر سيدنا عمر- حاجة من اثنين: إن قتلت في المعركة فشرق قتل، وإن أسرت فشرق تله برض. فيبقى إيه؟ حسبة الدخول في مواجهة مع الدولة الإسلامية خطيرة، حسبة خطيرة. تمام.
طيب وفيما بعد نزل قول الله -يعني خلاص سعى النبي صلى الله عليه وسلم في الفداء وأعلنوا لكل واحد فداءه على قدر ما عنده من الغنى ومن المال وعلى قدر مكانته- لكن بعد هذا القرار نزل قول ربنا تبارك وتعالى: مَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَفْضْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، أخذتم عذاب عظيماً أو أفضتم عذاب عظيم، أفاضتم فيه عذاب عظيم. تمام.
طيب، يبقى الآية نصرت قول من؟ آه فلما نزلت الآية قال عمر: فقدمت فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يبكيان، فقلت: ما يبكيكما؟ فإن وجدت بكاء بكيت -احنا دلوقتي المفروض في انتصار وفي لحظات سعادة يعني فل فلما وجد النبي وأبا بكر يبكيان قال: فان وجدت بكاء بكيت وإلا تباكيت لبكائكما- وهنا لفتة من الشعور العام ال يعني للأمة المسلمة، الشعور الذي نقص في زماننا هذا.
تمام. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أرايت إلى هؤلاء الأسارى؟ لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة. فكانت يعني إذا كانت الآية وكان الله تبارك وتعالى يصحح رأي عمر رضي الله عنه في مسألة الأسرى، وفي مسألة أنه الدولة في أول أمرها في مبتدا أمرها لابد أن يكون لها من القوه والهيبة ونشر الرعب ما يمنع غيرها من أن يجترئ عليها ويقتحم عليها.
وهذا ابن خلدون له في المقدمة فصل جميل جداً يقول: فصل في أن في أن القلم والسيف كلاهما آلة لصاحب الدولة. ما فيش دولة بتقوم إلا على قوة عسكرية وعلى إيه؟ قوة أيضاً علمية وفكرية وأعلامية، القلم والسيف.
ثم يقول ابن خلدون: إلا أن أهل هذه الدولة ما داموا في تمهيد أمرها بحاجة إلى السيف أكثر من حاجتهم إلى القلم. في مراحل التأسيس السيف أهم من القلم. في مرحلة القوه والرخاء والتمكن والازدهار يبقى عندك قوة ناعمة، يبقى عندك قوة فكرية، قوة إعلامية هي ماشي، ده بعد ما توصل لإيه؟ لتمهيد الدولة.
يقول: لأن السي لأن القلم في هذه الفترة خادم للسيف. طبعا هذه سيرة الدول كلها، هذه سيرة الدول كلها. وكما يقول شوقي: فقل لبان بقول ركن مملكة على الكتائب يبنى الملك للكتب. السيف أصدق أنباء من الكتب في حدّه الحد بين الجد واللعب. تمام.
فلكن لولا كتاب من الله سبق -يعني ما ما معنى لولا كتاب من الله سبق؟ يعني طبعا هناك أقوال للمفسرين، لكن التي يعني الأظهر منها والله أعلم أنه لولا أن الله تبارك وتعالى لا يعذب أحداً حتى يقيم عليه الحجة أو حتى يعرفه الحق لكان المسلمون قد مسهم عذاب عظيم؛ إلا أن المسلمين اجتهدوا لأنهم لما علموا حل الغنائم جعلوا الأسرى ضمن هذه الغنائم وقاسوا عليها، فاجتهدوا في المسألة ولم يكن قد نزل قول من الله تبارك وتعالى.
طيب فيما بعد لما قويت الأمة ولما ق لما يعني تمكنت الدولة نزل قول الله تعالى في الأسرى: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً في سورة محمد. ولذلك لما سئل ابن عباس عن هاتين الآيتين قال: كان هذا في مبتدا الأمر والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثر المسلمون نزل قوله تعالى: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً. المنّ يعني الإطلاق بغير مقابل، والفداء هو الإطلاق بالمقابل.
طيب، ولكي لا ندخل في اشتباك فقهي، فخلاصه حكم الإسلام في الأسرى أنه على خمس صور. تمام، الخمس صور كلها جائزة ولكن يختار فيها الإمام الإمام -يعني اللي هو الحاكم الشرعي أمير المؤمنين أو أمير الجهاد- ما هو أوفق للمصلحة في هذه اللحظة. من اللي هو: الإطلاق بغير مقابل، الفداء الإطلاق بمقابل، الحبس في السجن، الاسترقاق -طبعا هذا كان قديماً الاسترقاق يعني اتخاذهم عبيداً- أو القتل.
فالخمس أمور جائزة، وإنما يتعلقها يتعلق الأمر بالمصلحة التي يقدرها المسلمون في ذلك الوقت. وبشكل عام يا جماعة الخير عادة المسائل السياسية أو الأمور السياسية فيها مرونة واسعة في الفقه الإسلامي، لأنه الأمور السياسية دائماً تتناوشها العديد من المصالح أو العديد من المفاسد.
تمام. فربما يكون لديك أسرى عند العدو، ربما تكون الدولة الآن في حاجة إلى المال، ربما تكون في حاجة إلى نشر الهيبة، ربما تكون في حاجة إلى كسر العدو وكسر نفسه. تمام؛ فهذه الأمور مخير فيها الإمام الإمام. ولذلك يؤمر المسلمون بالسمع والطاعة للإمام الشرعي، ده مهم!
يؤمر المسلمون بالسمع والطاعة للإمام الشرعي، يعني كما ذكرت أظن في المجلس الماضي، لا نريد أن يكون يعني أن يكون لنا رد فعل متطرف مقابل فيه غلو لغلو المداخلة. لا، مسألة السمع والطاعة للإمام وللأمير الشرعي دي مسألة ضرورية، لا تستقي تقيم الحياة إلا بها؛ لأنه طبيعي لا توجد سلطة ولا يوجد أمير ولا يوجد إمام إلا ولديه من المعلومات ومن تقدير الأمور ما لا يتيسر لعموم الناس، ولو كان عند كل قرار سيبسط عذره لكل الناس لربما فسد هذا القرار أصلاً، أو لو بسط عذره لكل الناس يبقى ليس معنى ليس هناك معنى لأن يحكم أصلاً! صح؟
ولو بسط رأيه لعموم الناس ثم خرج له من لا يفهم أو من يرى نفسه أذكى وأعلى وأعلم -وأنتم شايفين يعني لما حصل انحلال العلم يعني لما الفضائيات كثرت، وفيما بعد لما المنتديات وفيما بعد مواقع التواصل الاجتماعي- أنتم عارفين ا-لا أدري الآن من الذي قال- ا لما اخترع أحدهم المسدس قال: الآن زال الفارق بين الشجاع والجبان، كله هيضرب من بعيد تمام. صح؟
فقیاساً عليه كنت قرأت كلمة حكيمة والله لأخ على الفيسبوك ولا أتذكره وليتني يعني أتذكره، كان يقول: اللي اخترع الفيسبوك قال لك: الآن زال الفارق بين الفيلسوف والحمار، ضحك، وهي كلمة حكيمة جداً جداً. الآن صار كل من يستطيع أن يكتب يرى أنه صاحب علم وصاحب عقل وصاحب رؤية، وحتى إذا كتبت أمامه فتوى فقهية دخل يعترض عليها وهو لا يتأهل أن يفهمها أصلاً وحصلت ضلالات كثيرة.
فالحاكم يا جماعة الخير لا يمكن أصلاً أن يبسط يعني والحاكم الشرعي أرجع وأقول لأن هذا أمر مهم وفي غاية الأهمية. طيب تمام يبقى إذا هذا ا هذا حكم الإسلام في الأسرى.
طيب في الأسرى وقعت بعض المواقف التي ينبغي الإشارة إليها. جاءت الأنصار تعرض على النبي صلى الله عليه وسلم أن يدفعوا فداء العباس بن عبد المطلب. العباس بن عبد المطلب هو مين؟ ما قربته للنبي أمه. فقالوا له: اجعل لنا فداء ابن اختنا! اجعل لنا فداء ابن اختنا! طبعا من يتذكر منكم كنا ذكرنا قبل ذلك أن عبد المطلب عبد المطلب أمه كان اسمها سلمى بنت عمرو من بني النجار.
فالأنصار قرابتهم من النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي في نسل ابنتهم. تمام؛ فلما جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم -وهذه فيها معنى من الأدب الرفيع- كانوا يمكن أن يقولون له أن يقولوا له: اترك لنا فداء عن عمك، ولكن في هذه الكلفة مجاوزة -لا أقول مجاوزه أدب، أقول في حساسيه عالية عند الأنصار- فجعلوها لهم فقالوا: اجعل لنا فداء ابن اختنا.
طبعا سيدنا العباس كان رجلاً صاحب مال، فرفض النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لا تحملون منه ولا درهماً. ومما يروى هنا أن العباس قررت عليه فدية على حسب غناه، وطبعا والعباس كان أغنى بني هاشم رجلاً، العباس ده هو راجل الأعمال بتاع بني هاشم في مكة. تمام، أمواله كثيرة وله في في السيرة قصص عديدة في هذا.
تمام، فقال أمام النبي صلى الله عليه وسلم: لا مال عندي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فكيف بالمال الذي جعلته عند أم الفضل وقلت لها: إن حصل شيء فهذا للفضل وهذا لقسم وهذا؟ فقال: أشهد أنك رسول الله. وطبعا هذه الرواية فيها ضعف، أنا ذكرت لكم أن العباس رجل مختلف في إسلامه: هل أسلم قبل بدر؟ هل أسلم بعد بدر؟ المؤكد أنه أسلم وأعلن إسلامه قبيل فتح مكة. فالذين يثبتون إسلامه قبل بدر أو بعد بدر، الذين يثبتون إسلامه قبل بدر يقولون: كان مسلما يكتم إسلامه وكان عيناً للنبي صلى الله عليه وسلم في مكة. والذين يقولون: أسلم بعد بدر عمدتهم هذه الرواية. والمؤكد أنه أسلم عند فتح مكة.
فإذاً سيدنا العباس عباس ا يعني حمله النبي صلى الله عليه وسلم على أن يفدي نفسه ويفدي من كان معه، لأن كان معه في الأسر أيضاً اثنين من أبناء أخويه. فلذلك يقال: دفع العباس مئة أوقية ذهباً، وإن كانت يعني اختلفوا في اختلفت الرواة في قيمة هذا الفداء.
طيب وفي الأسرى نزل قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ. فالعباس رضوان الله عليه يقول: قد أبدلني قد أبدلني الله خيراً مما أخذ مني وأرجو المغفرة منه. لأن فيما بعد سيدنا العباس يعني سيدنا العباس إلى موته كان رجلاً غنياً وافر الغنى، وفيما بعد أيضاً فتح على المسلمين وكان يأخذ من الغنائم.
طيب وممن كان في الأسر أيضاً -ذكرناه في المجلس قبل الماضي- أبو عزيز أخو مصعب بن عمير؛ أبو عزيز بن عمير فهذا فدته أمه بأربعين أوقية أيضاً، وفيما بعد أسلم أبو عزيز.
ومن المواقف الجميلة في مسألة مسألة الأسر هذا: أُسر في هذه المعركة سهيل بن عمرو. نحن ذكرنا سهيل بن عمرو لما راته السيدة سوداء بنت زمعة قالت له: أبا يزيد، أعطيتم بأيديكم، أما كنتم قتلتم خيراً لكم؟ فقال النبي على الله ورسوله: تحرضين! لأن هي قلنا أنها كانت زوجة أخيه قبل النبي السكران بن عمرو.
سهيل بن عمرو أُسر؛ تمام فحصلا موقفان لطيفان في أسر هذا. الموقف الأول: جاء صديقه مكرز بن حفص وصار يفاوض على فديته، ولما انتهى من مفاوضة المسلمين على فديته وصلوا إلى اتفاق؛ طيب هات المال، قال: اجعلوا رجلي مكانه ثم يذهب هو فيأتي بفدائه -يعني راجل كان كان صديقاً وفياً وكان شهماً صاحب مروءة معهوش فلوس، فماذا فكر؟ فكر أن هو يروح ويتفاوض علشان نوصل
للسعر، وبعد ما نوصل للسعر سيرهن نفسه هو، ويجعل نفسه أسيراً مقابل أن يذهب سهيل بن عمرو ويأتي بفدائه. تمام، طيب، الأمر الثاني، وهذا رؤيا بسند حسن أن سيدنا عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله، هذا سهيل بن عمرو، سهيل بن عمرو ده خطيب قريش، بمصطلحنا المعاصر المتحدث الإعلامي، تمام، راجل فصيح بليغ يستطيع أن يسحر أعين الناس آذان الناس، فأذن لي يا رسول الله أن أنزع ثنيتيه؛ السنتين الأماميتين أنزعهما، فيدلع لسانه، مش هيعرف ينطق أغلب الحروف، فلا يقوم خطيباً، العرب كانت تنفر من اللي مش عارف يتكلم، احنا قلنا قبل كده: العرب كانت تحتفل إذا ولد فيها شاعر، وعبد الملك بن مروان فيما بعد كان يقول: إنما يعني يزعجني أو يؤذيني تكلف اللحن. يعني عبد الملك بن مروان كان يتعب لما واحد خطيب يركز في الضمة وفي الكسرة وفي... لأن العرب كانوا يفعلون هذا سجية، طبعا احنا حالنا منهار الآن، يعني ما... يعني قصدي أقول: أخطب خطيب في عصرنا الآن لو بعث في زمنهم لرجموه بالحجارة، اللي هو أنت تمشي بعيد يعني.
فسيدنا عمر، الراجل ده اللي هو برضه بمثابة إعلامي وقناة فضائية، فرصة أن نحرمه من... طبعا أنا قلت لك: العرب لو طلعت الحرف من غير مخرجه وقعت خلاص، يعني فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في أن يفعل هذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا أمثل، لا أمثل به فيمثل الله بي وإن كنت نبياً. وفي رواية، هذه عند ابن أبي شيبة مرسلة، وفي رواية الحاكم قال: لعل الله أن يريك منه موقفا يسرك. تمام، وفيما بعد -فيما بعد بعد فتح مكة- أسلم سهيل بن عمرو، واستأمن له ولده النبي صلى الله عليه وسلم، ولما ارتد بعض أهل مكة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، كان سهيل بن عمرو ممن قام فيهم خطيبا، وكان من أسباب تثبيتهم على الإسلام.
تمام، فهذا سهيل بن عمرو. طيب، وكذلك مما وقع في مسألة الأسارى هذه، قول النبي صلى الله عليه وسلم: لو كان المطعم بن عدي حيا، ثم كلمني في هؤلاء الننتى، لوهبتهم إياه. يعني المطعم بن عدي نحن ذكرنا له عدد من المواقف، منها دخول النبي في جواره لما رجع من الطائف، ومنها أنه كان أحد الخمسه الذين ساهموا في شق الصحيفة صحيفة الحصار. فالنبي صلى الله عليه وسلم حفظ له الموقف وقال: لو كان المطعم بن عدي حيا وكلمني في هؤلاء الننتى لوهبتهم إياه. وهو درس يعلمنا أيضا في ضرورة وزن الرجال، وفي حتى أهل الباطل وحتى أهل الكفر، بعض الشر أهون من بعض، وهذا يعود بنا إلى ما كنا قلناه في صدر هذا المجلس في مسألة العداوة التي تتفاوت ومراتب العداوة.
تمام، فكان هذا مثالا في وفاء النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن فيه أيضا مثال على أن جهاد المسلمين لم يكن جهادا من أجل المال. يعني الذين يجاهدون من أجل المال يا جماعه لا يمكن أن يخرج منهم كلمة كهذه: لو كان فلان حيا وتشفع في هؤلاء لاعطيتهم إياه. وهذا أمر سيتضح معنا إن شاء الله بعد قليل.
ومن أكثر المواقف المؤثرة التي كانت في الأسر، أنه كان من بين الأسرى أبو العاص بن الربيع. أبو العاص بن الربيع هذا هو زوج السيدة زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. نحن ذكرنا -احنا قلنا يا جماعه بنات النبي، كم بنتا للنبي صلى الله عليه وسلم؟- أربعة، من ومن؟ زينب وهي الكبرى، رقية، أم كلثوم، فاطمة. جميل، هؤلاء هم الأربعة. لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم، كانت زينب قد تزوجت بأبي العاص بن الربيع، وكانت رقيه وأم كلثوم قد عقد عليهما أبناء أبي لهب أولاد عمهما، تمام، لكن لم يدخلا بهما، يعني عقد فقط. فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم، كان من إجراءات أبي لهب لصد ولإذائه أن أمر ولديه بتطليق ابنتي النبي صلى الله عليه وسلم، يبقى إذا عادتا رقيه وأم كلثوم مطلقتان بهذا الشكل، أما فاطمة فكانت صغيرا.
فأبو العاص بن الربيع كان زوج زينب بنت محمد رضي الله عنها، أبو العاص لم يكن... طبعا هو كان يحب زينب زوجته، وكانت زوجته زينب تحبه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يثني على خلقه الحسن، وكان مجتنبا هذه المسألة مسألة عداوة النبي صلى الله عليه وسلم، رغم أنه من بني عبد شمس الذين زعيمهم عتبة بن ربيعة. يعني قصدت القول: أنه كان من القوم الذين كانوا في صدر عداوة النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه تجنب هذا، ولما أريد منه أن يطلق زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم قال: زوجي لا أبغي بها بدلا. رفض أن يطلق زينب رضي الله عنه.
وقصة السيدة زينب حقيقة من القصص المؤثرة للغاية. طيب، طبعا الآن لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم، لم تستطع هي أن تهاجر، وبقيت في مكة تحت زوجها أبي العاص بن الربيع. أبو العاص خرج في هذه الموجة موجة بدر، وأريد أن تتخيل الآن ماذا كان يكون موقف زينب؟ يعني لو أن كل امرأة، لو أن كل رجل... تصور أن يكون مكان زينب رضي الله عنها الآن، المعركة تجري بين من ومن؟ أبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي مسلمة، وبين زوجها التي تحبه أبو العاص بن الربيع. فانجلت المعركة على أفضل نتيجة ممكنة، يعني هي لو أنك قدرت الأمر، هي إما أن تكون أرمله وإما أن تكون يتيمة، يعني أما أن تفقد أباها واما أن تفقد زوجها. لكن المعركة أنجلت على أفضل نتيجة، أنه انتصر أبوها وأسر زوجها.
طيب، فأرسلت في فدائه بقلادة كانت عندها، وهذه القلادة كانت قلادة خديجة أهدتها إياها في يوم زواجها، أدخلتها بها على أبي العاص. فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم قلادة خديجة، رق لها رقة شديدة، وطلب من صحابته هذا الطلب الحيي: إن اردتم أن... رايتم أن تردوا عليها قلادتها وتطلقوا لها أسيرها فافعلوا. هذا طلب حيي من النبي صلى الله عليه وسلم، أنه يمن على أبي العاص بدون فداء، لما رأى قلادة خديجة رضي الله عنها. طبعا قصة النبي مع خديجة هذه لا يمكن تمر عليها إلا ويداخلك منها رقة. خديجة -احنا دلوقتي في سنة كم هجرية؟- اثنين هجرية. يعني بين ذلك الوقت وبين وفاة خديجة كم سنة؟ ممتاز، خمس سنوات.
فإن هذا مما حصل. وفي الأسر أيضا من مواقف الأسر، أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل فداء من لا مال عنده ويحسن الكتابة أن يعلم عشرة من أبناء الأنصار الكتابة. فكان هذا أيضا من... إن صح التعبير أو استخدمنا التعبيرات المعاصرة، أول... نقول أول بعثه علمية مثلا، أو أول إجراء تتخذه الدولة في... يعني تسيير وتوظيف أدواتها في نشر التعليم والقراءه والكتابه بين أبنائها.
طيب، ومن لم يكن له مال ولا كان يعرف الكتابة، أطلقه النبي صلى الله عليه وسلم منا بغير فداء. ومن أشهر هؤلاء رجل تعيس الحظ بائس اسمه أبو عزة، أبو عزة الجمحي الشاعر. هذا رجل شاعر، وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم، ولما أسر توسل للنبي صلى الله عليه وسلم ببناته وبفقره. تمام، في شخصية اتكبت كده في هذه الحياة، حقيقة والله في واحد منافق تطوعا، يعني هو مش كسبان من النظام القائم حاجة بس شغال لجان إلكترونية متطوع هو حاسس إن هو وطني، أو مثلا واحد بيشجع الكورة ومحترق يموت نفسه أعصابه تبوظ ضغطه يرتفع يكسر التلفزيون، مع أن اللي بيلعبوا كورة دول مجموعة مليونورات، لو كسبوا كسبانين ملايين ولو خسروا كسبانين ملايين، وهو يعني لا يعود عليه هذا لا بخير ولا بنفع.
فهو في... طيب، أبو عزة هذا فقير، لا مال عنده ولا حتى عارف قراءة وكتابة، وطالع يحارب ولا يذكر له موقف في الحرب، وأسر. طيب، كويس كده، كويس. توسل للنبي ببناته، فأطلقه النبي... عايز حاجة تاني؟ المفروض دلوقتي يعمل ايه؟ أطلقه النبي وقطع عليه عهدا ألا يهجوه مرة أخرى. فأبو عزة قال له: بس كده يا سلام! وراح كمان... قال شعرا يمدح به سماحة النبي صلى الله عليه وسلم.
تمام، عاد إلى مكة، وفي غزوة أحد استنهضه الكفار لكي يخرج: يا جماعه، والله أنا متفق مع محمد أنه لا أهجوه ولا أحرض عليه ولا أسعى في حربي. سحرك يا محمد، وأنت بقى... يعني ما بقيتش وطني، ونسيت أهلك، بعت نفسك بكام؟ والكلمتين التعبانين دول. راح طالع معاه تاني في أحد، وبرضه اشتغل شعر واشتغل حرب. فأسر مرة أخرى في أحد.
قال له يا محمد، أمن يا محمد، فالنبي ماذا قال له؟ قال: لا والله، لا تمسح عارضيك بمكة تقول خدعت محمدا مرتين. لا تمسح عارضيك، يعني لا تقف موقف التباهي والتفاخر وتقول إيه: خدعت محمدا مرتين، لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين. وقتله.
ف... يعني صلوا على النبي، لابد من... لابد من توازن بين الحلم والعفو وبين الحزم. يعني النبي رحمة للعالمين، النبي رؤوف، النبي عفو، حلو، جميل، لكن الآن أنت عفوت عن أحدهم مرة فنكث بهذا العهد، العفو مرة ثانيه ده اسمه عفو؟ اسمه حلم؟ اسمه رحمة؟ لا، هذا اسمه تفريط، هذا اسمه سوء خلق. فلذلك حقيقة أحد ما تنكب به -أو أحد ما ينكب به المسلمون الآن وما تنكب به كثير- إنه أنت تشعر أن كثير من المسلمين عندهم فائض في التسامح للمجرمين، فائض في التس... فائض، اللي هو هذا لم يعذب مرة، لم يقتل مرة، لم يصرخ مرة، يعني تلاقي الواحد حكم 30 سنة خرب البلد وبعدين طلع قال لك: أنا والله ابن البلد وأحب أموت على البلد وأحب أعيش في البلد، تلاقي الدنيا قلبت: وارحموا عزيز قوم ذل. أنا أتمنى أن نتخلص من هذه السذاجة، شوفوا يا جماعه، النبي الذي هو أرحم الناس بالناس، الذي سماه الله رحمة للعالمين، قتل في بعض الأحيان. هتيجي أنت تظن نفسك أحلم، أراف، أرحم، أحكم من النبي صلى الله عليه وسلم؟ ما هذا يا...
طيب، وممن أطلقهم النبي صلى الله عليه وسلم، وهب بن عمير بن وهب. نحن ذكرنا قبل ذلك أن عمير بن وهب كان قد جاء في اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم بعد مؤامرة دبرها مع صفوان بن أمية، وأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بما كان منه مع صفوان، فاسلم ورجع إلى مكة، ونادى باسلامه وقال: لا أترك موطنا أذيت فيه النبي صلى الله عليه وسلم إلا نصرته فيه. فاكراما له، أطلق له النبي صلى الله عليه وسلم ولده وهب بن عمير بن وهب، وأيضا وهب هذا قد أسلم فيما بعد.
طيب، ما بقي في هذا يا جماعه حقيقة من الأمور الجيدة التي يمكن الإشارة إليها هنا، كان الشيخ شهاب البدري رحمه الله له كتاب اسمه غزوة بدر كما تراها، وهذا الكتاب ذكر فيه أمرين أحب أن نطلع عليهما: جمع عدد من أسلم من أسرى بدر، فجمع منهم 18، وهو المؤكد أنهم أكثر من ذلك، لكن لأن هؤلاء ثبت في اسلامهم وذكروا في مواقف أخرى من السيرة عرفنا فيها أنهم أسلموا، فيعني نسبتهم... نستطيع أن نقول كانوا 18 من 70، فتعتبر نسبة كبيرة من نسبة الأسارى. ومن التفاتاته الجيده أيضا أنه حسب عدد من ماتوا من بني مخزوم، بنو مخزوم اللي هم قوم أبي جهل، فإذا بهم 26 قتيل في بدر، مع 26 قتيل يعني حوالي 37% من الإحصاء، يعني أكثر من الثلث، بينما أصلا مشاركتهم في الغزوة على أقصى التقديرات أنهم كانوا 180 واحد، يعني 18% يعني كانوا أقل من الخمس، لكن قتل منهم أكثر من الثلث، وهذا من شؤم أبي جهل عليهم، وفيه يصدق قول ربنا تبارك وتعالى: يَقُدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ.
ويا جماعه، يعني أحيانا الواحد فينا قد يبتلى بأن يكون... شيخ العائلة ولا شيخ القبيلة، ولا يعني الذي يقود زمامه في أي شكل من الأشكال الاجتماعية الآن. واحد كأبي جهل، هذه فتنة وهذه محنة، لأنه حقيقة الذي يسلم قيادة لمثل هذا، فإنما يسلم قيادة لفرعون وشبيه بفرعون. وقلنا قبل ذلك ونكرر قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا يكن أحدكم إمعة، إن أحسن الناس أحسنتم، وإن أساؤوا أساؤوا، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا أن تجتنبوا إساءتهم.
تمام، طيب، هنا نحتاج حقيقة أن نتوقف وقفة قصيرة -إن شاء الله لا تطول- مع سورة الأنفال، وأنا أتمنى أن تقرأوا سورة الأنفال قراءة من يشعر أنه كان في غزوة بدر، وإن كنت مرشحا تفسيرا فأرشح أن تقرأوها من كتاب الظلال، فالشيخ الشهيد سيد قطب رحمه الله أبدع في تفسير هذه السورة. سورة الأنفال يا جماعه الخير، أنا الآن أضيء فيها إضاءات عامة لكي نبصر فيها بعض أمور. أهم ما ركزت عليه سورة الأنفال: أهمية تماسك المجتمع المسلم والتحذير من فتنة المال. المال... فتنة المال. المال بشكل عام يوغر الصدور، وهذه مسألة أكيد كلنا عرفناها وجربناها. عدد الأصدقاء الذين كانوا في غاية الصداقة فلما دخلوا شراكة حصل إيه؟ آه... ولذلك أعرف كثيرا من الناس يتجنب أن يشارك صديقه أو حبيبه أو حتى أخاه في المال، وكم من أخ وأخيه... وأخوه أو أخيه بقى...
أفسد بينهما النزاع على الميراث. النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تفتح عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم. العشاء.
طيب، ننجز سريعا إن شاء الله، بس أوصيكم بقراءة السورة والتركيز فيها، فمن هنا ربنا تبارك وتعالى بمجرد... استغفر الله، ربنا تبارك وتعالى يعني حين نبت في المجتمع المسلم نزاع ولو بسيط على المال نزلت السورة تقول: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ۖ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ.
فالسورة تظل تذكر بالرابطة بين المؤمنين وبفتنة المال وبأهمية تماسك المجتمع المسلم، هذا طيف عام في السورة تمام، اسمعوا مثلا يعني بداية السورة: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ۖ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ، آخر السورة: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ، الآية اللي بعدها: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ، تمام.
طيب، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا، يبقى المؤمنون حقا في أول السورة الذين يصلحوا ذات بينهم، وهنا الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا والذين آوو ونصروا، وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَٰئِكَ مِنْكُمْ ۚ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ.
التماسك الاجتماعي والتنبيه إلى مسألة الرحم، ولذلك تجد في السورة أيضا: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ. طيب، وفي آية تحذر من فتنة المال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ، وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ.
ومن الآيات التي تحذر أيضا في شأن المال آيات الأسرى: مَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لأن الأمة ما ينفعش في بدايتها وفي تمهيد أمرها تبقى مهتمه بامر المال ومهتمه بامر السبي وامر الفداء لأن هذا يضعف هذه الطاقة الإيمانية والطاقة الجهادية لدى الأمة بالذات في بداية أمرها، تمام.
طيب، ومنهم ومن هذه الآيات أيضا التي تتكلم عن فتنة المال وتتكلم عن التماسك بين المجتمع المسلم الآيتان في الأول وفي الآخر هذه الإشارة، قول ربنا تبارك وتعالى في أول السورة: أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ، يشير ربنا تبارك وتعالى إلى أنه هذا الايمان وهذا المجتمع المؤمن سيرزقه الله تبارك وتعالى فوق الدرجات وفوق المغفرة أيضا رزقا كريما، وأيضا في آخر السورة تتكرر، فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا، أو قوله تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ.
طيب، وقوله تبارك وتعالى أيضا في الغنيمة: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. يبقى السورة تحرص على بقاء المجتمع متماسك، متماسك من حيث ناخذ منهم المال أصلا علشان نذكرهم بإصلاح ذات البين، نحذرهم من فتنة المال، نحذرهم بنعمة الله في التأليف بين قلوبهم، نحذرهم بنعمة الله في الهجرة والجهاد وبنعمة الله في الإيواء والنصره، وهؤلاء لهم عند الله أيضا رزق كريم.
تمام، طيب، كذلك مما يرد في سورة الأنفال معنى جميل جدا وهو ربنا تبارك وتعالى ذكر مرتين أولئك هم المؤمنون حق، مرة في أول السورة ومرة في آخر السورة، المره التي في أول السورة أغلبها أمور في النفس وفي المجتمع داخليا: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا. في آخر السورة نجد المؤمنون حقا لهم وصف آخر وهو وصف الجهاد والهجرة والنصرة، فالمؤمنون حقا ذكروا هنا بهذه الصفات وذكروا هنا بهذه الصفات.
فإذا لا يمكن يا جماعة الخير أن ينقسم الإيمان، الإيمان كما فيه عبادات وكما فيه أمور نفسية وكما فيه خشية لله فيه أيضا عمل في الواقع، فيه جهاد، فيه نصرة، فيه إيواء للمهاجرين، كلاهما جعله سماه ربنا تبارك وتعالى الإيمان الحق.
وكذلك مما يأتي في سورة الأنفال أن الجهاد حياة وأن الجهاد هداية، وذلك قول ربنا تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ، دعاكم لما يحييكم ما هو الذي يحييكم؟ الجهاد في سبيل الله. وانتبهوا يا معشر المؤمنين أنكم إذا لم تفعلوا هذا سيعممكم الله بعقاب: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً.
الفتنة والعقاب حين يقع يشمل الظالم ويشمل من كان تحت هؤلاء هؤلاء الظالمين، الفتنة لا تصيب الظالمين وحدهم، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليشكن الله أن يعمكم بعذاب من عنده يعمكم، وقول نبينا صلى الله عليه وسلم: إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم، يعني لا خير فيهم: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ. وأما الهداية ففي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ.
وتشير أيضا السورة إلى أنه الجهاد الإسلامي جهاد أخلاقي رفيع، لأنه جهاد لا يتعلق بالاموال، لا يتعلق بالمكاسب، وإلا فالمؤمن يجاهد وقد نزعت منه، ينزع منه الأنفال فيسلم ويستسلم لله تبارك وتعالى.
بقيت أمور بسيطة استكملها إن شاء الله في المجلس القادم، أسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحياء جيل على خطى السابقين.
محمد إلهامي