تسجيل الدخول

السيرة النبوية | 60. كيف سمع الصحابة سورة الأنفال؟ وكيف وقعت عليهم بعد انتصار بدر؟

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله، وعليكم السلام. بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم اجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين. مرحباً بكم أيها الأحباب، طبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً. نسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا على طاعته أن يجمعنا في جنته ومستقر رحمته ودار كرامته.

وهذا هو المجلس الستون من مجالس سيرة النبي صلى الله عليه وسلم. وكنا توقفنا في اللقاء الماضي -أو في المجلس الماضي- عند نهاية غزوة بدر وما وقع من الخلاف بين المسلمين في مسألة... مسألة إيه؟ الأسرى والغنائم. تمام، ما شاء الله. واليوم إن شاء الله رب العالمين نريد أن نعيش معكم ما عاشه صحابة النبي صلى الله عليه وسلم. نريد أن نرى كيف نزلت عليهم سورة الأنفال، كيف سمعوها وكيف فهموها وماذا كانت تفعل في نفوسهم.

فمجلسنا هذه الليله إن شاء الله مع سورة الأنفال، التي تسمى أيضاً سورة بدر، وتسمى سورة الجهاد. وسورة الأنفال، مختصرها ومقصدها الأساسي أنها تبين أصول الجهاد في الإسلام. سورة الأنفال تبين أصول الجهاد في الإسلام، يعني لو اردنا أن نلخص سورة الأنفال في عبارة أو في فقرة، فسورة الأنفال تقول الآتي: تقول بأن الجهاد هو عقوبة الله للكافرين بيد المؤمنين، وأنه آخر الدواء. عقوبة الله للكافرين بيد المؤمنين، وأنه آخر الدواء. وعلى المؤمنين إذا جاهدوا جهاداً يرضي الله تبارك وتعالى أن يتمسكوا بالإيمان والطاعة والتحابب، وأن يتجنبوا فتنة المال.

فهذه هي سورة الأنفال. سورة الأنفال تقول: الجهاد هو عقوبة الله للكافرين بيد المؤمنين، والجهاد آخر الدواء؛ لأن هؤلاء الكافرين لم يعد ممكناً معهم أن تفلح وسيلة أخرى إلا وسيلة الجهاد. ولكي يقوم به المؤمنون على الوجه الذي يحبه الله ورسوله فيجب أن يتحلى هؤلاء المؤمنون بالإيمان والطاعة والتحابب فيما بينهم والنجاة من فتنة المال. تمام.

والإمام البقاعي رحمه الله -طبعاً الإمام البقاعي هذا رجل مفسر مشهور عرف بتفسيره الذي يسمى... حد عارف تفسير البقاعي؟ اسمه نظم الدرر في تناسب الآي والسور. الإمام البقاعي مزية تفسيره أنه حاول أن يركز على موضوعات السور وعلى تناسب الآيات والموضوعات في داخل كل سورة وفي ترتيب السورة بالنسبة التي قبلها وبعدها- فهو يقول، يعني لما أراد أن يلخص سورة الأنفال يقول: بأن سورة الأنفال مقصدها هو فراغ اليد أو تبرؤ العباد من الحول والقوة، تبرؤ العباد من الحول والقوة، وأن يؤمنوا أن الفعل لله وحده، وأن الأمر ليس إلا لله. فيثمّر ذلك أن يعتصموا بحبل الله، ويثمر ذلك أن يجتمعوا على الحق، ويثمر ذلك نصر المؤمنين وإذلال المفسدين، وهذا نتاج كل خير. تمام.

فلذلك يا أحباب، سورة الأنفال هذه هي السورة التي يتبين فيها مقاصد الإسلام في الجهاد، مقاصد الإسلام في القتال. فنريد أن يعني نعيشها، أن نفهمها، أن نسمعها كما نزلت على صحابة النبي رضوان الله عليهم أجمعين بعد غزوة بدر. لو تأملنا في هذه السورة، هذه السورة خمسة وسبعون آية تمام، يمكن أن نقسمها إلى ثلاثة أقسام. السورة خمسة وسبعون آية يمكن أن نقسمها إلى ثلاثة أقسام: أول ثلاثين آية تتكلم عن مجتمع المؤمنين الذي يحبه الله وينصره، مجتمع المؤمنين الذي يحبه الله وينصره. ثاني ثلاثين آية تتكلم عن أحوال الكافرين الذين يبغضهم الله تبارك وتعالى، وكيف استدرجهم الله تبارك وتعالى لعذابهم في الدنيا وكيف يعدهم العذاب في الآخرة. بقية السورة، اللي هي حوالي خمسة عشر آية أخرى، يعود الحديث على تأكيد ما كان في الثلاثين آية الأولى، وهي مجتمع المؤمنين وما يجب أن يكون عليه من التماسك والتعاضد والتحابب والتآلف والبعد عن النزاع والبعد عن فتنة المال. تمام.

نقول تاني: لو أننا تأملنا في سورة الأنفال سنجد أنها على ثلاثة أقسام؛ ثلاثين آية في البداية تتكلم عن مجتمع المؤمنين وصفات المؤمنين وكيف أن هذا المجتمع هو الذي يحبه الله وهو الذي ينصره ويؤيده، مع بذلهم -يعني مع بذل المؤمنين، مع ما سينفقونه من الجهد والعمل- لا يتنزل فضل الله، لا تتنزل معية الله على قوم من الكسالى. تمام، فأول ثلاثين آية صفة مجتمع المؤمنين الذي يحبه الله وينصره ويدبر له. القسم الثاني، ثلاثين آية تانية عن صفة الكافرين الذين يعاقبهم الله تبارك وتعالى في الدنيا بالجهاد والهزيمة على يد المؤمنين، ويعاقبهم في الآخرة، وكيف يدبر الله عليهم وكيف يمكر الله بهم. بقية الآيات، الخمسة عشر آية الأخيرة، يرجع الحديث على التأكيد على صفة مجتمع المؤمنين وما ينبغي أن يكون عليه من الحب والتآلف والتآذر والحذر والانتباه لفتنة المال. تمام يا جماعه الخير.

طيب، نمسك القسم الأول. القسم الأول كم آية ذكرنا؟ ثلاثين آية. القسم الأول، تعالوا ندخل إليه دخولاً فرعياً، احنا دلوقتي عملنا الأقسام بتاعة السورة كلها. سنجد أن هذا القسم الأول فيه ثلاثة أقسام فرعية: من الآية الأولى إلى الآية الرابعة صفة المؤمنين، وذلك قوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ۖ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ. يبقى هذا القسم الأول في القسم الأول. تمام.

فيما بعد من الآية خمسة إلى الآية تسع عشرة، كيف نصر الله تبارك وتعالى هؤلاء المؤمنين في بدر نصراً هم لم يسعوا إليه ولم يتوقعوه، بل في الحقيقه كانوا يكرهونه. فكيف كان تدبير الله لهم خيراً من تدبيرهم هم لأنفسهم؟ كيف ساقهم الله تبارك وتعالى إلى نصر لم يكونوا هم يسعون إليه بل لم يكونوا هم محبين له؟ تمام، هذه من الآية الخامسة إلى الآية التاسعة عشرة، وذلك قوله تعالى: كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ. الحق في هذه الآية بمعنى القتال يا جماعة الخير. يجادلونك في الحق. والشيخ الطريفي فك الله أسره له كلمة جميلة في تفسيره يقول: تفسير الشيخ الطريفي التفسير والبيان في أحكام القرآن أربع مجلدات، كتاب فاخر في كتب أحكام القرآن، يقول فيه: وسمى الله القتال حقاً؛ لأنه يحق به الحق ويبطل به الباطل، فإن الله يحق الحق بالقتال. تمام. فقوله تعالى هنا: يجادلونك في الحق، بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ -يعني تودون ألا تواجهوا الجيش اللي هو ذات الشوكة، وأن تواجهوا إيه؟ القافلة التي ليس فيها شوكة- وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ. وتستمر الآيات في وصف ماذا فعل الله تبارك وتعالى في التدبير لهؤلاء المؤمنين وتحقيق هذا النصر: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ. وتمضي بقية الآيات في بقى نزول الملائكة.

فهنا تدبير الله تبارك وتعالى لهؤلاء المؤمنين وإعانتهم على النصر، مع بذل المؤمنين. وهذا أمر مهم، مع بذل المؤمنين؛ لأننا سنرى ربنا تبارك وتعالى يأمر المؤمنين بالفعل بالجهاد، يعني لم يكن هؤلاء المؤمنين باقين في بيوتهم أو قاعدين أو تكاسلوا، وإنما يقول ربنا تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ. زحفاً، هذا تعبير عربي، انتم تعرفون الجمع، جمع الناس، جمع الناس الكثير حين يتحرك، حين يتحرك جماعة جمعاً يبدو وكأنه إيه يزحف زحفاً. الانسان لما يمشي مفردأ يبدو أنه إيه يمشي، لكن الجماعة حين تمشي تبدو وكأنها إيه تزحف: إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ -يعني كمين، يعني من يرجع أمامهم إلا لو كان كمين أو كان متحيزاً إلى فئة، يعني ينحاز إلى فئة أخرى من المسلمين- أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ. الآية التي بعدها: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رمَيْتَ إِذْ رمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رمَى. يبقى إعانة الله تبارك وتعالى للمؤمنين نازلة على قوم هم بالفعل يجاهدون، إذا واجهوا الجيوش لم يفروا منها وهم يرمون وهم يقتلُونَ، ولكن إصابة الهدف، ولكن إصابة الرمي، ولكن فعل الله تبارك وتعالى مركب على هذا الجهد الذي يبذله المؤمنون. تمام، ولذلك تمضي بقية الآيات في وصف هذا.

طيب، يبقى هذه من الآية الخامسة إلى الآية التاسعة عشرة، هذا القسم الثاني في القسم الأول. تمام. القسم الأول في القسم الأول كان اسمه إيه؟ ما شاء الله، ده يعني الجنب ده مركز.

طيب، القسم الثاني ذكرنا أنه تدبير الله للمؤمنين وإعانتهم تمام، القسم الثالث في هذا القسم الأول وهو مجموعة من التحذيرات والتنبيهات التي يذكرها ربنا تبارك وتعالى للمؤمنين، من الآية العشرين إلى الآية الثلاثين. اسمع بقى معايا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ. دعاكم لما يحييكم، ما يحييكم في هذه الآية بمعنى الجهاد، فالجهاد حياة. تمام؟ ولذلك يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: ما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا ذلوا. تمام، وكان سيدنا علي رضي الله عنه ينسب إليه بيت شعر يقول: من لاذ بالسيف لاقى فرصة عجباً، موتاً على عجل أو عاش منتصفاً. الأمم المجاهدة دي هيحصل إيه؟ الإنسان المجاهد ما مصيره في الحياة؟ إما نصر أو شهادة، موتاً على عجل أو عاش منتصفاً. طيب، لكن الذين يتركون الجهاد -الناس من خوف الذل في ذل- صحيح.

وتعرفون قول قطري بن الفجاءة: اقول لها وقد طارت شعاعاً من الابطال: ويحك لن تراعي، هو يشجع نفسه فيكلم نفسه ويقول لنفسه وقد بدات تخاف يعني عن اقتحام المعركة: أقول لها وقد طارت شعاعاً -خوفاً من الأبطال- ويحك لن تراعي، فإنك لو سالت بقاء يوم على الأجل الذي لك لن تطاعي. فصبرا في مجال الموت صبراً، فما نيل الخلود بمستطاع. وما ثوب الحياة بثوب عز -اللي هيعيش في ذل- وما ثوب الحياة بثوب عز فيطوى عن أخ الخنع اليراعي. ومن لا يعتبط -يعني من لا يموت في دمه، أن يعتبط يعني يصاب ويسيل دمه- ومن لا يعتبط يسام ويهرم، وتسلمه المنون إلى انقطاع. الواحد لما بيطول عمره يا جماعة بيحصل إيه؟ ويفقد الناس اللي كانوا يعرفهم. مش يتمنى الموت؟ يسام ويهرم وتسلمه المنون إلى انقطاع. اه، كان الشيخ أبو إسحاق الحويني رحمه الله حين يذكر موتى العلماء ما يذكر قول حماد بن زيد إذا لم تخن الذاكرة، وهو يسأل عن المحدثين في عصره، فكلما سأل عن محدث يقولون: مات مات مات، فقال: خلت الديار فست غير مسودي، ومن الشقاء... ومن الشقاء تفرد بالسؤدد.

فالخلاصه يا جماعة الخير: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ. ما يحييكم هنا هو الجهاد. وهذه نظيرة الآية في سورة البقرة: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ. والتهلكة في الآية ترك الجهاد، وهذا حديث رواه سيدنا أبو أيوب الأنصاري قال: نزلت فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام، فقالت الأنصار: قد أعز الله الإسلام فهلم بنا نصلح دورنا وزرعنا. فنزلت هذه الآية: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ. فالآيات من عشرين إلى ثلاثين آيات في تنبيه المؤمنين وتحذيرهم كما سمعتم: أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ.

هذه يا جماعة الخير آية مرعبة: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ. وللعلماء فيها كلام طويل، ولكن خلاصه معناها أنه الإنسان حين يعصي وحين يصد عن أمر الله، يحول الله بينه وبين قلبه، يعني إيه؟ يصدر عنه بعد ذلك من المعاصي ومن الذنوب ما لم يكن هو يتخيل أنه يفعله. ألم يحدث قبل ذلك أنه وقع منك شيء فقلت: وأنا إزاي عملت كده؟ هذا هو الخذلان، هذا هو أن يحول الله بين المرء وقلبه. وذلك نظير قول ربنا تبارك وتعالى في سورة الأنعام: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، يعني جاءهم الحق في البداية فصاروا إيه؟ يصدون عن الحق، يبتعدون عنه، يتجافون عنه، فما الذي حصل؟ صار ربنا تبارك وتعالى يقلب أفئدتهم وأبصارهم كي لا يؤمنوا: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ. ولذلك الإنسان

يعني من عقوبة الله تبارك وتعالى لهذا الذي يصد عن الحق: أن يختم الله على قلبه، فإذا ختم الله على القلب لم تنفع معه حياة، عبر عنها نبينا صلى الله عليه وسلم في حديث: تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودا عودا، فأيما قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين، أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، وأسود مربادا كالكوز مجخيا، الكوب المقلوب، لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه. أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ عَلَى عِلْمٍ أضله الله مع أنه على علم، وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ.

فأما الذين يصدون عن دعوة الله تبارك وتعالى لما يحييهم يعاقبون بأن يحول الله بينه بين المرء وقلبه، وآية بعدها أشد منها، يعني المرء عقوبته أن يحول الله بينه وبين قلبه، الأمة عقوبتها أن تصيبها الفتنة العامة، تصيبها الفتنة العامة، ولذلك يقول الله: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً، يعني هؤلاء الظالمين يتسببون في الفتن، لكن هذه الفتن لا تصيب الظالمين وحدهم، ولكن تصيب الأمة كلها.

ولذلك هذا في حديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يعمكم، يعمكم بعقاب من عنده ثم تدعونه فلا يستجيب لكم. فلذلك الدعوة إلى الجهاد أو الاستجابة للدعوة للجهاد وإنكار المنكر مقارعة الظالمين، هذا إذا تم الأمة في عافية، المرء في نفسه في عافية والأمة في عافية، إذا حادت عنه الأمة حال الله بين المرء وقلبه وعمت الفتنة الأمة ولم تقتصر فقط على الظالمين.

تمام، ومن بقية التوجيهات أيضا احنا قلنا من الآية عشرين إلى الآية ثلاثين توجيهات، فاحنا عندنا اهو توجيه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ، وعندنا: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا لِمَا يُحْيِيكُمْ تمام، وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً، هذا التنبيه القادم تنبيه يذكرهم بالنعمة التي صاروا إليها ألا يفقدوها، وذلك قول قول ربنا: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ. احنا لسه قبل ثلاث سنوات من غزوة بدر كنا فين؟ كنا فين؟ في مكة، وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ. يتخطفكم الناس دي عاملة زي إيه دلوقتي؟ عاملة زينا كده حقيقة يعني لو بيبقى قاعد في بيته ما يضمنش هذه الليله سيبيت في بيته ولا هيبات في أمن الدولة.

تمام، لسه من حوالي ساعتين ثلاثة كده قريت خبر إنه السلطات في الكويت تعتزم سحب الجنسية ممن سيسيء للقيادة أو للدوله أو للشعب على مواقع التواصل الاجتماعي معي اللي هو أنت فعليا ممكن تبقى قاعد كويس كده فواحد يكتشف لك تغريدة ولا بوست من كم سنة فتلاقي نفسك بالليل بدون جنسية بدون إيه، وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ، لا يأمن المرء منكم على نفسه، فآواكم، آواكم يعني في المدينة، وأيدكم بنصره في بدر بالملائكة ورزقكم من الطيبات بالغنائم، لعلكم تشكرون.

ما أضيق الفارق بين لحظة الاستضعاف والخوف وانعدام الأمن والخشية من تخطف الناس وبين الوضع الحالي خرج من معركة أهلك فيها قاده قريش وصار قوة إقليمية وفي عز ومنعة ومعه أموال وغنائم، فلذلك ربنا يذكر عباده المؤمنين: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.

الآن صارت صار الدين، صار الإسلام، صارت هذه الدولة الإسلامية أمانة عند هؤلاء المؤمنين، طبعا يا جماعة تذكروا دائما أن هذه السورة نزلت وهم بعد نصر بدر، بعد نصر بدر يعني المفترض أن النفوس في حالة من النشوة، أي حد أصلا يعني أي جيش ينتصر إنما تبدأ التهاني والتبريكات والتحيات والمدائح وقصائد الشعر والأغاني، لكن الخطاب القراني لأنه رأى تسربا في نفوس المؤمنين، تسربا لحب الدنيا وتعلقا بالغنائم، جاء عليهم بكل هذه التوجيهات، وهذه التوجيهات وصلت إلى هذه يعني هذه الآية الشديدة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ، وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.

هنا يا جماعة الخير يعني سبحان الله القرآن كما يقول الشهيد سيد قطب القرآن كائن حي، لأنك تشعر حين تقرا القرآن وكأنه يخاطبك، وإذا نبت في ذهنك سؤال فإنك ترى الآيات تجيبك عن هذا السؤال، يعني الآن أنت تقرا هذه السورة، اسمع يعني تلبس حالة مؤمن قد خرج من غزوة بدر وهو يرى هذه الآيات تطرق سمعه وقلبه اللي هو: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُمُّ البُكْمُ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ا وَاذْكُرُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ أَعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ.

هذا الإنسان المؤمن فعلا يداخله في تلك اللحظة: طيب ماذا يمكن أن يفعل في الأموال والأولاد؟ يعني هذه الأموال والأولاد بقدر ما هي فتنه يخاف منها ويخشى عليها بقدر ما أن لله تبارك وتعالى حقا فيها، فمتى متى يعرف الانسان أنه يقوم بهذا الواجب الشرعي ارضاء لله أم يتعامل مع الأموال والأولاد بطبع اللذة وطبع الحب وطبع الحرص؟ هنا تأتي الآية: إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا.

أشياء كثيرة يا جماعة الخير أشياء كثيرة في حياتنا نفعلها وتختلط فيها النوايا، يعني أبرزها وأبسطها المال والولد، كل الناس يحبون ولادهم خيرا منهم صح، فلذلك كل الناس ينفقون ويجتهدون ويبذلون في مقابل تربية الأولاد تربية صالحه، لكن أي هؤلاء يفعل ذلك لكي يخرج إنسانا صالحا لله وللآخرة أو يفعلها ليخرج إنسانا صالحا للحياة الدنيا؟

الإنسان المؤمن الإنسان المتدين هنا حقيقة هذه من مواطن الاختلاط أن يختلط غرض النفس الذي هو حب الولد بغرض بغرض اطاعة الله تبارك وتعالى في هؤلاء الأولاد يختلط، لا يمكن التفريق بين هذه الأمور إلا بتقوى الله التي تجعل للإنسان فرقانا يفرق به بين الحق والباطل، كذلك صاحب المال لا يمكن أن تجد متدينا صاحب المال إلا وهو ساع في تكثير أمواله وفي تنميتها، صح.

طيب، هذا السعي في تكثير المال وتنميته متى يكون لله ويكون تنفيذا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: نعم المال الصالح للعبد الصالح، ومتى يكون تنفيذا لطبع النفس وغرض الدنيا موضع التباس واشتباك، لا يفيد فيه إلا تقوى الله، ولذلك لما قال ربنا: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ، فعلا لن ياتي السؤال: كيف يمكن تجنب الفتنة في المال والولد؟ فتاتي الآية لتقول: إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.

طيب هذا هو القسم الأول من السورة، القسم الذي يتحدث عن مجتمع المؤمنين، تمام قلنا هذا القسم اسم يتحدث عن مجتمع المؤمنين الذي يحبه الله وينصره ويدبر له مع بذلهم، وقلنا داخل هذا القسم في ثلاث أقسام فرعية، الآيات الأولى آيات عن صفات المؤمنين، والآيات الثانية الآيات التي تليها اللي هي من خمسة إلى تسعة عشر آيات عن كيف مهد هذا النصر للمؤمنين ودبره لهم وأعانهم عليه، والآية آية من عشرين إلى ثلاثين مجموعة من النداءات لهذا المجتمع المؤمن لكي يظل على ما يحبه الله منه وما يرضاه له.

طيب ندخل في القسم الثاني، القسم الثاني مين فاكره؟ مجتمع الكافرين، لا ما شاء الله عليكم غريبة النهارده الناس كلها صاحية ما شاء الله، الناس دي شربت شاي قبل الدرس ولا إيه؟ أسال الله أن يعلمنا وإياكم.

القسم الثاني يا جماعة عن مجتمع الكافرين، ولكن كعادة القرآن الكريم أأسلوب القرآن لمن يكثر قراءته القرآن منساب سلس متدفق يعني الآية ما تعرفش الآية اللي تبع الموضوع ده ولا تبع الموضوع ده في تداخل يسميه أهل البلاغة حسن التخلص اللي هو انك تطلع من موضوع لموضوع دون أن ينتبه إلى أن أنت إيه طلعت من الموضوع للثاني، فالآن خدوا عندكم آية ينفع تحسبها على اللي فات وينفع تحسبها على إيه على الجاي، وهي آية: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ، يثبتوك يعني يحبسوك يسجنوك، وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.

الآن احنا دخلنا في سيرة الذين كفروا ومكروا، لكن برضو ما تقدرش تقول أن احنا طلعنا من إيه من تمهيد الله للمؤمنين، صح الآية فيها إيه فيها هذا وذاك: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ. طيب، لكن هنا سنبدأ قسم الذين كفروا، فقسم الذين كفروا ده برضو عندنا ثلاث أقسام في داخله.

نعم قسم السورة كلها ثلاث أقسام قلنا قسم ثلاث أقسام وكل قسم ثلاث أقسام، تمام، قلنا القسم الأول مجتمع المؤمنين الذي يحبه الله وينصره ويمهد له مع بذلهم، القسم الثاني مجتمع الكافرين وما فيه من تحذيرات وما فيه من يعني مجتمع الكافرين الذين جعل الله الجهاد دواء لهم فكيف يعاقبهم وكيف يمكر بهم، والقسم الثالث قلنا عودة إلى مساله المجتمع المسلم وما ينبغي أن يكون عليه من التحابب والولاء والتلازم والجهاد.

طيب القسم الثاني دلوقتي دخلنا فيه مجتمع الكافرين، عندنا ثلاث أقسام داخل القسم الثاني، القسم الأول في القسم الثاني عشر آيات، معناه معناها ذكر جرائم الكافرين وكيف أنهم لم يعد لهم دواء إلا الجهاد، ولذلك اربطوا هذا يا جماعة الخير بخلاصة السورة، خلاصة السورة أنه هذه السورة هي تحكي عن اصول الجهاد في الإسلام، فالجهاد في الإسلام هو آخر الدواء، يجاهد ويقاتل المشركون الذين ارتكبوا جرائم ولم يعد لهم حل إلا الجهاد، ومع ذلك يبقي الله لهم الباب مفتوحا للتوبة، فالجهاد في الإسلام ليس جهادا فيه علو وعتو وطغيان وانتقام، ولكن جهاد يريد أن يعيد هؤلاء إلى رحاب الله مرة أخرى ويفرح بتوبتهم وبإسلامهم لا يفرح بقهرهم والانتقام منهم.

تمام، فأول عشر آيات من ثلاثين إلى أربعين هذا المعنى اسمع معي يقول ربنا تبارك وتعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ.

يبقى الجهاد آخر الدواء ولا لا؟ دول ناس وصلوا إلى القول بانه إيه: إن كان هذا هو الحق فاحنا عايزين العذاب ومش عايزين نهتدي، من كان فيه ذرة من عقل أو من كان فيه شيء من صفاء قلب ماذا يقول؟ إن كان هذا هو الحق من عندك إيه فاهدنا إليه، يسرنا إليه، اشرح صدورنا له، لكن طالما وصل إلى مرحلة إن كان هذا هو الحق من عندك فايه أمطر علينا حجارة، فإذا هم الذين طلبوا الجهاد، وسيأتي في آية بعد قليل: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ، وهذا قول أبي جهل لما قال: اللهم اقطعنا للرحم واتانا بما لا نعرف فاحنه الغداء، وضبطت في كتب أخرى: فاحنه الغداء، هذا موجود وهذا موجود في دواوين السنة يعني أهلكه غدا، فأبو جهل طلب من الله الفتح فقال ربنا: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ.

تمام، فهنا يظهر أن هؤلاء المشركين انتبه معي لما جاءهم رسول من أنفسهم هم يشهدون له بالصدق والأمانة انتهوا معه إلى أن يثبتوه يسجنوه أو يقتلوه أو يخرجون أنما يهتدوا لا اغلقوا هذا الباب، بل قالوا: إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ اللهم إن كان هذا هو الحق فايه أمطر علينا حجارة من السماء، فماذا يبقى مع هؤلاء؟ لا يبقى إلا الجهاد.

تمام، وقال بعض المفسرين بأن الذي قال هذا هو النضر بن الحارث، نضر بن الحارث ذكرنا في المجلس الماضي أنه كان من أسرى بدر الذين قتلهم النبي صلى الله عليه وسلم، ذكرنا أن النبي قتل من أسرى بدر اثنين فقط هما نضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط بارك الله فيك.

فالآن الصحابي يسمع الآية ويتذكر النضر بن الحارث ويتذكر كروا مصيره الذي صار إليه، ولكن قال ربنا تبارك وتعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. وهذه كرامة عظيمة للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، لأن وجود النبي في قوم هو أمانة، لا يعذب الله القوم والنبي فيهم، ولذلك هذه ملاحظة انتبه لها، انتبه لها اق يعني قوم من أقوام الأنبياء وهم قوم يونس، هؤلاء هم الذين لما أنذرهم يونس عليه السلام بالعذاب قالوا تفقدوه فإن كان خرج من قريتنا فهو صادق، فلما خرج هو من قريتهم فعلا وذهب إلى البحر والتقمه الحوت لما تفقدوه فافتقدوه تابوا إلى الله تبارك وتعالى ورجعوا، فكانوا هم القوم الآيه الوحيدين الذين أنجاهم انتباههم لهذه السنة أن الله لا يهلك القوم وفيهم النبي، بينما بقية الأقوام خرج عنهم النبي وكانوا في غيرهم سادرين وهلكوا.

فلذلك يقول ربنا تبارك وتعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. يذكر المفسرون أنه كان من هتاف المشركين عند البيت قولهم: غفرانك غفرانك، ويحملها بعض المفسرين على أن المؤمنين المستضعفين الموجودين في مكة كانوا يكثرون الاستغفار، فلذلك هؤلاء كانوا أمنة أن ينزل العذاب بهؤلاء المشركين، طيب فكيف نزل العذاب؟ نزل العذاب بسيوف المسلمين في بدر لما خرج عنهم النبي ثم خرجوا هم من الدار التي يستغفرون فيها.

او التي فيها مستغفرون فهنا جاءهم العذاب. فما زلنا الآيات العشر الأولى التي تتحدث عن جرائم الكفار وأن الجهاد هو آخر الدواء، يقول ربنا تبارك وتعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ يصدون يمنعون المسلمين من المسجد الحرام وما كانوا أوليائه إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.

جريمة أخرى غير الصد، ما يفعلونه وما يرتكبونه في البيت الحرام من الباطل وما كان صلاتهم عند البيت إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً يعني تصفيقا وتصفيرا، المكاء والتصدية هو التصفير والتفيق، فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون.

إن الذين كفروا جريمة أخرى اهي ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، عارف أنت في كافر نشط، كافر يعني عنده تضحية، ولذلك ينفق ماله ويهلك جهده ويستنفذ نشاطه في الصد عن سبيل الله. قال ربنا تبارك وتعالى: فَسَيُنفِقونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ، لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ.

ليميز الله الخبيث من الطيب، أو قبل ذلك، قبل ذلك قول ربنا تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ، تعرف جريمة الكفر هي جريمة، لكن جريمة الصد عن سبيل الله هي، آه الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّو عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ. في واحد كافر في نفسه، وفي واحد عدو لله، تمام؟

هذه الآية يا جماعة انتبهوا سيأتي لنا نظيرها بعد قليل، وهي قول ربنا تبارك وتعالى: وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ، ما بقية الآية؟ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ. فكان الله تبارك وتعالى ينبه إلى أمرَيْن: الأمر الأول أنه انفاق المال من أهم أوجه الإعداد قوة ورباط خیل، ولكن في آية جهاد بالمال، والأمر الآخر أنك أن الله تبارك وتعالى وهو يخاطب عباده المؤمنين ويقول لهم وأعدوا، مهد لهم بقوله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ، فلا يليق بالمؤمنين أن ينفقوا أموالهم لنصرة دين الله وللجهاد في سبيل الله، بينما المشركون الكافرون ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل، ليميز الله الخبيث من الطيب.

صلوا على النبي. من الأمور التي هي من طبائع البشر، من طبائع البشر لا يمكن تغييرها، كان الشيخ عبد العزيز الرنتيسي يقول إن ألف قذيفة من كلام لا تساوي قذيفة من حديد. دي أنت مهما كنت فصيحا، مهما كنت بليغا، مهما كنت حسن البيان، مهما كنت بارعا في الشرح، إذا لم يكن لديك إلا لسان ترشد به إلى الحق، فالذين يتبعوك قلة، طيب، خلي معاك الكلام ده كله ثم معك سلطة وقوة وانتصار، ما الذي يحدث؟ يتبعك الناس.

فالنصر هو في حقيقة الأمر النصر النصر العسكري، النصر القتالي، حيازة القوة، هو من اعظم وسائل الهداية. ولذلك بعض الناس، أنتم عارفين بيت شعر أبي العلاء المعري، أبو العلاء المعري كان يعني يصف مشهدا فهو يقول: أَتَوْنَا بِإِقْبَالِهِمْ وَالْحُسَامِ، حسام اللي هو السيف، فَشُدَّ بِهِ زَاعِمٌ مَا زَعَمَ. طالما في سيف الكلمة بقى لها إيه؟ قوة بقت مشدودة. أَتَوْنَا بِإِقْبَالِهِمْ وَالْحُسَامِ فَشُدَّ بِهِ زَاعِمٌ مَا زَعَمَ، تَلَوْا بَاطِلًا وَجَلَوْا صَارِمًا وَقَالُوا أَصَبْنَا فَقُلْنَا نَعَمْ. هكذا الناس يا جماعة.

فلذلك ربنا تبارك وتعالى بعض المشركين، لا أقول بعض، أقول أغلب المشركين، كانوا ينتظرون ما يكون بين النبي وبين قومه، هل يظهر عليهم أم يظهرون عليه؟ فإذا ظهر هو عليهم علموا أن الحق معه فتبعوه، ولذلك بعد ما النبي فتح مكة إيه اللي حصل؟ دخل الناس في دين الله أفواجا. فلذلك انتصار انتصار بدر جعله الله تبارك وتعالى أحد العلامات التي يتميز بها الخبيث من الطيب، أحد الدلائل على أن الله كان مع هؤلاء، مع هؤلاء المسلمين، لأنهم في قلة عددهم وفي عدم استعدادهم استطاعوا أن ينتصروا نصرا عزيزا مؤزرا على جيش قريش الذين كانوا أكثر منهم عددا وكانوا في استعدادهم.

تمام؟ ومع ذلك، مع كل هذه الجرائم التي ذكرناها: ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، يصدون عن المسجد الحرام، وما كانوا أولياءه، وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية، أخرجوه أو أثبتوه، مع كل ذلك يقول ربنا تبارك وتعالى: قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ.

وهذه يا جماعة الخير أرجع وأكرر وأقول: من أهم اصول الجهاد في الإسلام. الجهاد في الإسلام لا يبتغي قهر الناس، لا يبتغي الانتقام من الناس، لا يبتغي الطغيان على الناس، دائما حتى أعدى أعداء المسلمين الباب له مفتوح: أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سَلَفَ، وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين، وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، وَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ.

ير طيب، يبقى هذا هو القسم الأول من القسم الثاني من السورة، قسم يتحدث في جرائم الكافرين وأن الجهاد هو الدواء الأخير وأن الباب مفتوح. ندخل إلى القسم الثاني من القسم الثاني تمام، القسم الثاني هذا من الآية 40 إلى الآية 48 هذا يمكن أن نضع له عنوانا يقول: مكر الله بالكافرين. هؤلاء الكافرين الذين ارتكبوا هذه الجرائم، كيف يمكر الله تبارك وتعالى بهم ويسوقهم إلى هزيمتهم وإلى نكبتهم التي كانت في بدر؟

فلذلك يقول ربنا تبارك وتعالى، وانتبه هنا إلى أمر ذكرناه في المجلس الماضي، احنا قلنا السورة اسمها سورة إيه؟ الأنفال، وأول آية فيها يسألونك عن، ومع ذلك فإن أجابة هذا السؤال وموضوع السورة لم يستغرق آية واحدة، وذلك قوله: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

يعني الآية أقل من آية أجابة السؤال، ثم مضى السياق يذكر للمؤمنين كيف مكر الله بهؤلاء الكافرين وكيف رتب ودبر أمر هذه المعركة بما لم يكن سيحدث لو أن الطرفين اتفقا على هذا الترتيب: إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يعني من التثبيت والتأييد والملائكة، يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا.

فاكرين لما تكلمنا عن خريطة بدر وقلنا في ثلاث منافذ: واحد اسمه العدوة الدنيا أقرب للمدينة، والثاني بالعدوة القصوى اللي هو أبعد بعد عن المدينة إلى جنوبها؟ إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ، الركب قافله، وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ. يعني لو أن المسلمين والمشركين اتفقوا على أن يفعلوا ذلك لم يكونوا سينجحون كما رتبه الله تبارك وتعالى، وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ.

والبينة هنا هي ذاتها تمييز الخبيث من الطيب. يعني يقول أهل التفسير البينة هنا هو هذا النصر البين الذي انتصر فيه القلة من المؤمنين على الكثرة من المشركين، هذه بينة من راها كان قد يعني كان قد تلقى برهانا يعرف به إلى من ينحاز، لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ.

كيف مكر الله بالمشركين؟ إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعُيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعُيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ.

صفة المشركين في خروجهم أنهم خرجوا إيه؟ كبرا، بطرا، والناس من مقاصدهم. وذلك قول أبي جهل لما بلغهم أنه العير إيه أفلتت ونجت، قال: لا والله حتى نردى بدرا فننحر الجزور ونشرب الشراب وتعزف القيان وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا أبد الدهر. خرجوا من ديارهم إيه بطرا ورئاء الناس وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ.

ربنا تبارك وتعالى ينبه المؤمنين إلى أن لا يكون خروجهم للجهاد على هذا النحو: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِم بَطَرًا، وهذا هو أيضا أحد اصول الجهاد في الإسلام: أنه لا يبتغي به المرء نصرة نفسه ولا اعزاز قدره، وهذا واضح في الحديث: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة طبع شجاع، ويقاتل حمية يحفظ نخوه يعني يحفظ أهله، ويقاتل ليرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، بس.

طيب، ومن مكر الله تبارك وتعالى بالمشركين: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ. نحن ذكرنا أن الشيطان تمثل لهم في صورة سراقة بن مالك، كانوا بدأوا كده يتخوفون أن تهاجمهم بعض كنانة من أعدائهم، فتمثل لهم الشيطان في صورة سراقة بن مالك وهو يقول: أنا جار لكم فأقدموا. وكان من مكر الله لهم فلما لما تراءت الفئتان وراى الشيطان الملائكة نقص على عاقبيه قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مَّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ. فكان هذا من مكر الله بالكافرين ومن سوق الله لهم إلى هزيمتهم.

طيب، ويذكر ربنا تبارك وتعالى، إذا هذا هو القسم الثاني يا جماعة، القسم الثاني من القسم الثاني. القسم الثالث من القسم الثاني من السورة: يذكر ربنا تبارك وتعالى أنه هذا العذاب اللي هو عذاب الكافرين بسيوف المؤمنين، عذاب الكافرين الذي يقع عليهم بالهزيمه في الجهاد، ليس هو منتهى الأمر، إنما منتهى الأمر أن يعذبهم الله في الآخرة، فجمعوا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.

ولذلك يذكر ربنا تبارك وتعالى فيقول: وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ، كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ من قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ.

وهذه مزية عند المسلمين ليست عند غيرهم. المسلم يرى نفسه امتداد موكب الأنبياء الذي بدأ بآدم عليه السلام، المسلم يرى نفسه منتميا إلى آدم ونوح وهود وصالح ولوط وإبراهيم وموسى وعيسى وبقية الأنبياء، كما يرى أن هؤلاء الكفار هم أيضا امتداد هذه المسيرة التي تبدأ بإبليس وقابيل الذي قتل أخاه وباقي الأنبياء الذين كذبوا. فربنا تبارك وتعالى هنا يذكر أن هذه ما هي إلا حلقه في سلسلة المواجهة بين الحق والباطل، بين الأنبياء وأعدائهم، بين اتباع الله واتباع الشيطان. والنموذج البارز دائما في هذه السلسله هو فرعون، لأن هذه الحالة هي الحالة التي تعاظمت حتى قالت: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى، مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّن إِلَهٍ غَيْرِي.

فيقول ربنا تبارك وتعالى بأن هذا العذاب هو نفسه العذاب الذي ينزل بهؤلاء الاقوام، كدأب، كدأب يعني كعادة، يعني العادة في الكفار أن تكون نهايتهم على نحو هذه النهاية عذاب الآخرة، كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ.

ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ. يعني كفار قريش أنعم الله تبارك وتعالى عليهم بالبيت الحرام، أولم يروا أن أ جعلنا لهم حرما آمنا ويتخطف الناس من حوله؟ في الآية الأخرى: يَجْتَبِي ثَمَرَاتِ كُلِّ شَيْءٍ، وفي الآية الجامعة: أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ.

فكيف وصلوا إلى هذا المصير؟ بأنهم كفروا بايات الله مثل فرعون الذي يقول ربنا فيه: فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ. فالله تبارك وتعالى لم يكن مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، حتى يكفروا بالحق لما ياتيهم، حتى يعادوا ويصادوا ويشاقوا أنبياء الله تبارك وتعالى.

وهذه الآية يا جماعة، لابد لابد هنا من تنبيه مهم: كثير من كثير من الناس نسأل الله أن يهديهم يأخذون هذه الآية آية ويحرفون معناها على غير حقيقته، وهي يريدون أن يقولوا: الأمة فيها جراح في فلسطين، فيها جراح في السودان، فيها جراح في كشمير، في الرهنجا، يقول لك: يا أخي اصلح نفسك، يا أخي أنت بتصلي الفجر حاضر، بتقوم الليل، كم وردك من القرآن؟ اصلح نفسك وبعدين الأمة تتصالح، ويذكر لك هذه الآية اليه، أو يذكر لك الآية الأخرى في سورة الرعد: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ.

انتبهوا يا جماعة انتبهوا وركزوا: كلا الآيتين عن قوم، جماعة، وليس عن أفراد، ذلك لأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم، إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيرون. طب إيه الفارق؟ الفارق هائل جدا، الفارق هائل جدا جدا. لو أن صلاح الامم يكون بصلاح كل فرد في نفسه كلنا هنقعد في الجوامع يا جماعة، ونعطل باب الجهاد كله، ونعطل باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كله، ونعطل أحكام الشريعة كلها، كلنا نقعد فين؟ في الجوامع.

إنما إصلاح القوم إصلاح القوم ليس بمجرد الصلاة الصلاة والصيام والزكاة والعبادات الفردية، إصلاح القوم يكون بهذه الواجبات الجماعية، بالامر بالمعروف، بالنهي عن المنكر، بالجهاد في سبيل الله، بمقاومة الظالمين، بتغيير أنظمة الحكم التي لا تحكم بدين الله، هذا هو هذا هو التغيير الذي يصلح الله به الناس، لأنه إذا صلحت في نفسك

إذا صلحت في نفسك فرداً، فلن ينتشر صلاح، متى يبلغ البنيان يوماً تمامه، إذا كنت تبنيه وغيرك يهدمه؟ أنت عايز تقول: إن في واحد يحرص على الأوراد والصلاة والصيام يصلح قوماً السلطة تفسد فيهم بقوة السلطة، وقوة المال، وقوة الإعلام، وقوة أجهزة الأمن والجيش، مش ممكن! فلذلك الإصلاح المقصود في الآيتين ليس إصلاح كل فرد فينا لنفسه، ولكن إصلاح الجماعة، إصلاح القوم، إصلاح المجتمع.

طيب، معنى كده بلاش نبطل صلاة وصوم؟ ده برضه الآية دي الفهم المعكوس، لا، هو الأصل أن أنت تحرص على واجباتك وفروضك وعباداتك وأورادك، ولكن لكي تعد نفسك لمهمة التغيير والإصلاح هذه، وهما أمران لا ينفصمان ولا يسيران إلا معاً، والإنسان المنزوي في جامعه إن استمر صالحاً ولم يغزوه الفساد في جامعه فسيكون ساذجاً لا يستطيع أن يصلح العالم أصلاً.

طيب، الآية التي بعدها: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ، مرة ثانية: وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَخَذْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، فاهلكناهم بذنوبهم وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ.

إيه الفرق بين هاتين الآيتين؟ احنا عندنا آيتين دلوقتي: كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بايات ربهم، في هنا كفروا بايات الله وهنا كذبوا بايات ربهم.

العلماء لهم تفريق مهم، يقولون: الكفر اللي في الآية الأولى كفر عقيدة وإيمان، ولذلك قال: كفروا بايات الله وقال فاخذهم الله، كفر عقيدة وإيمان.

أما الكفر المذكور في الآية الثانية فهو كفر النعمة التي أنعم الله عليهم، مش احنا لسه قايلين: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ؟ فهم كفروا بالله عقيدة، ثم كفروا بالنعمة التي أنعم الله بها، فلذلك ناسب هنا أن يقول: كفروا بايات الله فاخذهم الله، وهنا يقول إيه؟ كذبوا باياتنا بايات ربهم فاخذناهم، فهنا الرب الرب اللي هو المنعم المتفضل، وهنا الله تبارك وتعالى.

إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. هذا يذكرك بالآية التي تقول: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ. يقول ربنا تبارك وتعالى: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ، فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ.

فشرد بهم يعني فاجعلهم عبرة لمن خلفهم، اجعلهم عبرة، الجماعة بتوع القانون أول من المبادئ اللي بتدرسها في القانون: أن العقوبة يجب أن تكون رادعة. لماذا؟ لماذا يجب أن تكون رادعة؟ أي لكي لا يتجرا أحد على هذه الجريمه مرة أخرى، فلذلك يوصي ربنا تبارك وتعالى المسلمين بأن مواجهتهم مع الكافرين يجب أن تكون عبرة. يقول تبارك وتعالى في آيتين: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ، وهنا: فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ، وفي آية بعد قليل: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ. وهذا نظير قول الشاعر: وقسى ليزدجروا، ومن يك راحماً فليقسوا أحياناً على من يرحم.

لما ابنك يعمل غلطة كبيرة بتعمل إيه؟ تعاقبه عقوبة كبيرة. هل لأنك تكرهه؟ ولا ولا لأنك ترحمه؟ ترحمه، الرحمة تدفع هنا إلى القسوة، لأنه إذا رحمته الآن واستهنت معه ما الذي سيحصل؟ سيكرر هذا مرة أخرى، فالرحمة هنا فالقسوة هنا هي عين الرحمة، تمام؟

وهنا ينتهي القسم الثالث من: وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ، هذه نزلت يعني تستطيع أن تقول على نحو أسلوب القرآن الذي وضحناه، الآية دي ممكن تبقى في القسم ده، وممكن تبقى في القسم الذي بعده. احنا قلنا القسم ده قسم مجتمع الآية الكافرين، القسم الذي بعده هو قسم إيه؟ هنرجع للمؤمنين تاني، هذه الآية تذكر شيئاً عن مجتمع الكافرين، وفيه فيه تنبيه لمجتمع المؤمنين، وهو أنهم أهل غدر، وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ، يعني الآن في معاهدة أو اتفاق أو هدنة بين المسلمين وبين غيرهم، ثم بدأت بوادر لأنهم يذهبون إلى نقض هذا العهد، ما الذي ينبغي أن يفعله المسلمون في وقتها؟ أن يعلنوا من طرفهم لهؤلاء القوم انتهاء هذا العهد، فالمسلم لا يغدر، بينما يجب أن يتوقى وينتبه ويستحضر أن الذي أمامه يمكن إيه؟ يمكن أن يغدر وأن يخون، تمام؟

وهنا نبدا بالقسم الثالث. وهذا القسم الثالث، لو حد فاكر القسم الأول كان كم آية؟ ممتاز، 30، والقسم الثاني 30، 30 آية تقريباً، تمام؟ القسم الثالث بقي معنا كام؟ 15، جميل جداً.

يبقى هذه الآية يا جماعة الخير يمكن أن تحسب في التمهيد للعودة إلى مجتمع المؤمنين مرة أخرى، لأن هذا القسم الثالث هو الذي يتحدث عن المجتمع الإسلامي وما ينبغي أن يكون عليه من التماسك، من التحابب، من التالف، من الصبر، من الجهاد، من النجاة من فتنة فتنة المال، تمام؟

يبدأ بقول الله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِمْ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ. يبقى التوصية الأولى في الآية التي تمهد بين القسمين: توصية التنبه واليقظة والحذر من الغدر.

الآية التي بعدها: أمر للمسلمين بايه إيه؟ بالاعداد: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ، ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل. وتشير الآية إلى أهمية هذا الإعداد في أنه لا يرهب فقط العدو، بل يرهب آخرين من دونهم لا تعلمونهم.

العالم يا جماعة، كما يقول أهل السياسة، العالم ليس فيه فراغ، يعني الآن دلوقتي في حرب مع إسرائيل وإيران، تمام؟ الصين تأتاثر بنتيجة المعركة ولا لا؟ الروس يتاثروا ولا لا؟ طيب بتوع البرازيل والأرجنتين يتاثروا ولا لا؟ كل هؤلاء يتاثر مع أنهم بعيدون تماماً.

قيمة الدولة التي ستخرج منتصرة من هذه الحرب في النظام الدولي وفي عالم السياسة وفي القدرة على الاتفاقيات وفي الشروط التي تطرحها أو الشروط التي تقبلها تختلف، كذلك قيمة المنهزم، المنهزم قبل هذه الحرب ليس كالمنهزم بعد هذه الحرب، فلذلك إعداد القوة لا يقتصر تأثيره على العدو المباشر العدو الظاهر، وإنما يمتد تأثيره إلى الهيبة والرهبة والتحفز الذي يكون لدى العدو البعيد. المسلمون هنا كانوا يواجهون قريشاً، يقول الله لهم: وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ، وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ. ذكرنا أنها نظيرة آية: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ.

ثم تأتي آية: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ. وهذه أيضاً من اصول الجهاد، نعيد ونعود ونكرر بأن الجهاد في الإسلام ليس للقهر، ليس للانتقام، ليس للطغيان، وإنما للهداية، الجهاد في الإسلام كعمل الطبيب يا جماعة، لذلك: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا، تمام.

وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ، دلوقتي في جماعة طلبوا السلام، تمام؟ عندنا احتمالان: احتمال أنهم يكونوا صادقين، واحتمال أنهم يكونوا إيه؟ مخادعين مناورين، فهنا يقول ربنا تبارك وتعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ. طيب في احتمال أنهم يكونوا مخادعين وأن يريدوا أن يخدعوك؟ يقول ربنا: وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالمُؤْمِنِينَ.

يعني المسلم لا ينبغي له أن يترك فرصة هذا السلام والجنوح للسلم لمجرد وجود الظن أو وجود الاحتمال بأن هذا نوع من الخدعة. كيف نقربها؟ النموذج المصغر لهذه الآية هي ما فعله سيدنا أسامة بن زيد، لما كان يقاتل أحد المشركين، تمام؟ فلما كاد يغلبه، راح المشرك قال إيه؟ قال: أشهد أن لا إه إلا الله. الموقف ده يدل على إيه؟ سيدنا أسامة قتله: أنت جاي دلوقتي بعد ما تعبتنا كل الفترة اللي فاتت دي جاي دلوقتي تقول أشهد أن لا إه إلا الله؟! سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع قال: أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ سيدنا أسامة قال: يا رسول الله، إنما قالها خوفاً من السيف! قال النبي: أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ يقول: فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت يومئذ.

تمام يا جماعة، المسلمون المسلمون حريصون على هداية الناس، إن الله بعث محمدا هادياً ولم يبعثه جابياً، فطالما في فرصة لهداية الناس فالمسلمون حريصون عليها، فلذلك ربنا تبارك وتعالى يقول هنا: وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ.

هنا سنعود لمسألة المجتمع المتحابب المتماسك المتألف، لأن هذا المجتمع هو الضمانة لصد أي خداع. الآية بتقول إيه؟ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ. المجتمع المتفكك، المجتمع غير المتماسك هو الذي تفعل فيه الخيانه فعله، لا يمكن يبقى في مجتمع متماسك يا جماعة والاعداء يستطيعون اختراقه، الاختراق يكون في المجتمعات اللي فيها تفكك، فيها فساد، ليس فيها تألف.

طبعاً، احنا بنتكلم على حرب إسرائيل وإيران، الناس كلها صحيت لقيت إيه؟ نص قادة الجيش الإيراني، نصهم يعني، اللي هو معدل اختراق هائل هائل. ولذلك ذلك، ولذلك هنا يا جماعة تذكروا دائماً الله تاحنا الآن في آخر السورة، ربنا تبارك وتعالى من بداية السورة: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ.

غير مسموح أن مجتمع المسلمين يبقى فيه فساد ذات البين، ويبقى فساد ذات البين ده متعلق بالفلوس، بالأموال، بالغنائم، بأمر الدنيا، هذا خطر، النبي يقول: ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تفتح عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتكم. هنا الضمانة للمجتمع المسلم ضد محاولات الغدر والخيانة والاختراق هو هذا التألف.

وربنا تبارك وتعالى امتن على النبي بالنصر الذي من عنده هو، وامتن على النبي بالتألف الذي بين المؤمنين: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

إذا كان الله معك، إذا كان هؤلاء المؤمنون على هذا القدر من التألف، لا خشية، لا خشية من محاولة الآية الخداع أو الغدر أو الخيانة.

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلَى القِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ. إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، كم ضعف؟ 10 أضعاف، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ.

الآية التي بعدها: الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ. النسبة كام؟ ضعف واحد، في الآية السابقة كان 10 أضعاف، ولذلك استنتج العلماء من هذه الآية الوضع الآتي: أن المسلمين إذا كانوا أقل من 10 أضعاف عدوهم جاز لهم الانسحاب، تمام؟ إذا كانوا أقل من 10 أضعافهم. طيب وإذا كانوا أكثر من ضعفهم، حرم عليهم الانسحاب. طيب بين هذين الأمرين؟ هذا تقدير الإمام، هنواجه جيش أكبر مننا بثلاث مرات، أربع مرات، ست مرات، سبع مرات، هنا إيه؟ تقدير الإيمان، الأمور الخاضعة.

الإمام البقاعي في تفسيره يقول: وإنما سنة أن تقرا سورة الأنفال في قبيل الحروب لكي تعين المؤمنين على الجلاد، الجلاد يعني التجلد والصبر، فانه لم يجاهد أحد من المسلمين إلا كان العدو أضعفهم، السنة في قتال المسلمين غيرهم أن المسلمين كانوا أضعف وأقل عدداً، هذه السنة في قتال المسلمين.

طيب: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. هذه الآية ذكرناها في المجلس الماضي، أشير فقط إلى عبارة واحدة وهي: الآن المسلمون، نحن ذكرنا أن المسلمين حريصون على هداية الناس، صح؟ كويس. وهناك من حرص المسلمين على هداية الناس فيجب أن تكون وقائعهم شديدة وقوية بحيث يرتدع الناس إذا سمعوها، وقسم ليزدجروا، تمام؟

الموازنة بين هذين الأمرين هنا في هذه الآية: إذا تعارضت المصلحة البعيدة للمسلمين مع المصلحة القريبة، المصلحة القريبة اللي هي مصلحة المال ومصلحة الأسرى، فالمقدم دائماً هي مصلحة الدين المصلحة البعيدة. وأذكر أ مش عارف مناسب ولا مش مناسب والله، طب أنا أذكرها ويعني إيه للعبرة والفائدة: أحد أهم اسباب فشل الثورة المصرية أنه القيادة التي القيادة الإسلامية التي تولت في زمن الرئيس مرسي رحمه الله كانت حريصة جداً على إقامة محكمة قانونية نزيهة لحسني مبارك، علشان المحكمة القانونية النزيهة دي هي التي ستقنع العالم بأنه مدان إدانة قانونية نزيهة، فتخلينا نسترجع الأموال التي هربها خارج البلاد.

فكان الحرص على أموال حسني مبارك المهربة خارج البلاد من أسباب الحفاظ على القضاء الشامخ والحفاظ على أركان النظام القديم، طبعاً أنتم شايفين المصير، لا حصلنا أموال من الخارج، ولا حصلنا حياة في الداخل حتى.

لذلك يا جماعة الخير من سنن التاريخ أن الدول لابد لها في بداياتها من قوة وهيبة، لابد لها من قوة وهيبة، يعني أنت لو فرّطت في كم مليار، لكن أثبتّ أنك قوي وأنك مهاب، لكان الأمر يختلف.

الإخوة يشيرون بانتهاء الوقت، بقي معنا في القسم الثالث قسم آيتين تفتح الباب للأسرى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى، وبقية الآية وبقية السورة في تعاضد المسلمين وتماسكهم وتلاحمهم.

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أحياء جيل على خطى السابقين.