تسجيل الدخول

السيرة النبوية | 44. لماذا لم ينشئ النبي مؤسسات وأجهزة أمن في بداية الدولة الإسلامية؟

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، اللهم اجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين. مرحباً بكم أيها الإخوة الأحباب، طُبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً، نسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا على طاعته وفي بيته أن يجمعنا في جنته ودار كرومته ومستقر رحمته.

وهذا هو المجلس الرابع والأربعون من مجالس سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وبداية نعتذر عن هذا الانقطاع الذي استغرق أسبوعين، وأنا أنبه مرة أخرى أنه بعض الناس الذين يحضرون لدينا مجموعة في التليجرام بعنوان مجموعة مجالس السيرة محمد الهامي، هذه المجموعة إذا وقع ظرف أو انقطاع فإننا نرسل عليها يعني الاعتذار عن مجلس اليوم. وكنت ذكرت في المجلس قبل الاخير أنني المجلس قبل قبل الأخير بقى أو يعني منذ أسبوعين أنني سانقطع، فأنا يعني أقدم اعتذاراً للإخوة الذين تجشموا عناء الحضور ولم يكن لدينا مجلس، وسبب هذا الانقطاع أنه الحمد لله رب العالمين رزقنا الله مولودة في هذين الأسبوعين، فلذلك أنا استمطر دعوات الصالحين من حضور المجلس وممن يشاهدوننا على يوتيوب أن يجعلها الله من إمائه الصالحات العابدات القانتات، وأن يختم لنا ولها ولكم جميعاً بالشهادة في سبيل الله فهي اسمى المراتب.

ولا يفوتني أيضاً أن أذكر وأن أبدا هذا المجلس بالتهنئة لما وقع لإخواننا المجاهدين في ثورة الشام المباركة وما فتح الله تبارك وتعالى عليهم من الأرض المحررة التي يستعيدونها من نظام بشار الأسد، فأسأل الله تبارك وتعالى أن يتم عليهم هذا الفتح وأن يوحد صفهم وأن يؤلف بين قلوب أعدائهم. الثورة الشامية ثورة مباركة وثورة يتيمة استغلتها القوى الكبرى لكي يستنزف بعضها بعضاً ويستهلك بعضها بعضاً، ودخلوا فيها على خطوط يعني المكر والخداع وإفساد ذات البين والتفريق بين المجاهدين، حتى يعني ذهبت كثير من دماء المسلمين، لا اقول ذهبت هدراً فإنما ذلك كله عند الله تبارك وتعالى، وإنما اقول إنه التكاليف التي بذلت في هذه الثورة لم تتحقق لنا ثمرة بمثلها، فأسأل الله تبارك وتعالى أن يكون هذا الفتح الجديد وأن يكون هذا العمل الجديد مما تستعيد به هذه الثورة المباركة ألقها وتجددها، وأن يفتح الله تبارك وتعالى عليهم من فضله وبركاته، وأن يجنبهم مكر الماكرين وغدر الغادرين، وأن يخالف بين أعدائهم من الروس والإيرانيين وممن خالفهم، فهذا مما يستفتح به.

وطبعا لا يعني لسنا في حاجة إلى أن نذكر بأنه هذا النظام الخبيث المجرم نظام الأسد هذا يحكم سوريا بالحديد والنار، وهو من اعتى واجرم واشرس الأنظمة التي ابتليت بها بلادنا والذي يكتب عن التعذيب في السجون السورية لا نظير له، لا نظير له، يعني نحن عندنا في مصر مثلاً السجون يعني حافلة بالتعذيب، وكان سيدنا الشيخ كشك رحمه الله يقول: تسعة أعشار الظلم موجودة في مصر، والجزء العاشر يطوف في الدنيا ثم يبيت في مصر. حقيقة هذا يعني هذه من المبالغات، فأنا متصور لو اطلع الشيخ كشك على ما يحصل في السجون السورية لكان عرف بأنه ما يكون لدينا في مصر قد يسمى مزاحاً ولعبة أطفال بالنسبة لما يجري في سجون سوريا، فهذا النظام من أشرس وأعتى الأنظمة المجرمة التي حكمتنا، ولا ريب في أن الخلاص منه هو من البركة والفتح على أمة المسلمين، ويكفيكم أن هذا النظام حبس شعب الشام المبارك عن إنجاد إخوانه وعن التحرك في قضية فلسطين. وعلى كل حال يعني الكلام يطول في هذا، القصد والغاية والغرض أن ندعو لإخواننا أهل الشام وللمجاهدين الكرام أن يتم الله عليهم هذا الفتح وأن يحرر بهم هذه الأرض، وأن يجمعنا واياهم في ساحات الجهاد والنصر والشهادة باذن الله.

نستانف ما كنا توقفنا عنده في مجالس السيرة النبوية، وكنا ذكرنا في المجلس الماضي حديثاً عن مجتمع المدينة الذي لا يصدق، مجتمع المدينة الذي لا مثيل له والأحداث التي لا تصدق. ومن طريف ما وقع أنني بعد المجلس الماضي أوقفني أخ هنا وقال لي: أنا أيضاً لا أصدق أن أحد الناس يتنازل عن زوجة من زوجاتيه لأخيه المهاجر وأنا معه في هذا! أنا ذكرت لكم أنه لولا أنها وردت بالأسانيد الصحيحة لأنكرناها، فإن هذا مما لا يعني لا تسمح به النفوس، ولكنها وردت بأسانيد لا شك فيها، وهذا هو العجب، وهذا هو المثال النادر الذي ضربه الأنصار للعالمين. وذكرنا بعض الدروس المستفادة من واقعة الإخاء بين المهاجرين والأنصار، وبقي منها درس أحب أن أشير إليه قبل أن ندخل في الذي بعده. وهذا الدرس الذي بقي كان من قدر الله تبارك وتعالى أنه يرتبط بالموضوع الذي نتكلم فيه في مجلسنا هذا، الدرس الذي نريد أن نركز عليه يا شباب يا أيها الإخوة الأحباب، وهذا درس ينفعنا في مسيرتنا الإصلاحية، هو أن المجتمع أقدر على حل المشكلات من الدولة.

المجتمع أقدر على حل المشكلات من الدولة، يعني إذا وقعت مشكلة لو أننا تركناها لمن ينهض لها من أهل الخير ومن أصحاب الفضل فإنهم يستطيعون حلها بأكثر مما ستفعل الدولة إذا نزلت أجهزتها الإدارية أحصائية وقوات الجيش وقوات الشرطة لكي تحلها. ونحن سنرى في سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم بالذات في الفترات الأولى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُكوّن جهاز شرطة، النبي لم يُكوّن في المدينة جهاز شرطة، وإنما كان اعتماده في إقرار الأمن الداخلي على قوة المجتمع وقوة قبائله وعشائره كما سنرى في مجلس اليوم، لكن القصد هنا الآن أنك مسألة زي مسألة اللاجئين والمهاجرين التي يعني طرأت على المدينة المنورة، والمدينة المنورة بالحالة التي وصفناها هذه المسيلة لو أننا الآن، مش عايز أقول لو أننا الآن، أريد أن اقول الآن الدول الكبرى ذات الأجهزة وذات البيج داتا البيانات الكبيرة وذات الأجهزة المحترفة والمؤسسات المتخصصة لا تستطيع أن تحل مشكلات اللاجئين ما حلها النبي صلى الله عليه وسلم في مجتمع المدينة حينما أعطيت هذه الصلاحيات للمجتمع.

وإذا تدبرتم في مسيرة يعني مسيرة التاريخ حتى واقعنا المعاصر هذا لرايت أن الناس اهل الخير، أهل الفضل، أهل المساجد، الزعماء في الحارة وفي الشارع وفي القبيلة، أقدر على حل المشاكل وبسرعة من لو هذه المشاكل وصلت إلى أجهزة الدولة، تمام؟ فانت قد تجد القضية العميقة العميقة تحل في مجلس واحد في مجلسين في ثلاثة مجالس، بينما هي تأخذ في أروقة الدولة من عشر سنين تحاكم، عشرين سنة تحاكم، ثلاثين سنة تحاكم، بل حتى أن بعض البرامج الإعلامية الآن دخلت على الخط واستطاعت في خلال الحلقة والحجلقتين والثلاث حلقات أن تحل مشكلات قديمة وعتيقة زي مشاكل الثار وغيره، لا تستطيع الدولة أن تحل مثل هذه المشكلات.

ولذلك يا جماعة الخير هناك فارق جوهري يجب أن نتمثله بين منهج الاسلام في بناء الدولة وفي بناء المجتمع وبين الدول المعاصرة التي نعيش فيها، منهج الإسلام في بناء الدولة والمجتمع يعتمد على تعظيم قوة المجتمع، وعلى أنه المجتمع هو أول من يبادر إلى حل المشكلات وينتهج حل المشكلات ويحاول حل المشكلات، تاتي الدولة متأخراً يعني إذا عجز المجتمع عن حل المشكلة ساعة إذن تتدخل الدولة بقوتها، هذا هو الأصل في الاسلام، الأصل في الاسلام أن المجتمع يكون قوياً وقادراً، ونحن ذكرنا وسنذكر، ذكرنا أنه طبيعة الاسلام هي أنه حريص على تقويه الروابط بين الناس، رابطة الرحم، رابطة العشيرة والقبيلة، حتى رابطة الجوار حقوق الجوار، لازم المجتمع يكون مجتمعاً متماسكاً ومجتمع الناس فيه مبادرة إلى خدمة بعضها بعضاً. ذكرنا: والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، من فرج عن أخيه كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، حق المسلم على المسلم ست، وصلت إلى: وإذا عطس فحمد الله فشمته، تمام.

فالأصل أن الإسلام يبني مجتمعاً قوياً متماسكاً مبادراً إلى إعانة الناس وحل المشكلات، تمام. اريد أن أقول لكم بانه الغرب اللي هو منبع الدولة الحديثة ورائدها ومؤسسها وناشرها في بلادنا بالحديد والنار لما اكتشف هذه الخاصية بدأ يمنح كثيراً من الصلاحيات لما يسمونه منظمات المجتمع المدني، لماذا الغرب يمنح كثيراً من الصلاحيات لمنظمات المجتمع المدني؟ لأنه يعرف أنه عمل المتطوعين وثقة الناس في المتطوعين يوصل إلى الحل إلى يعني التعامل مع المشكلات بأفضل مما يستطيعه جهاز الدولة البيروقراطي. طبعا فارق ضخم بين مجتمع دولة حديثة ودولة مركزية يمنح مساحة منظمات المجتمع المدني وبين المجتمع الاسلامي الذي يقوم بالأساس على قوة المجتمع وعلى المبادرة الذاتية للمجتمع، تمام؟

فلذلك هذا أحد الدروس المهمة التي نستفيدها من الإخاء بين المهاجرين والأنصار وكيف أن مشكلة اللاجئين حقيقة جرى حلها باسرع وأفضل ما يكون حين تولى أمرها هذا المجتمع، فكيف إذا كان المجتمع مجتمعاً ربانياً على هذا الهدي القراني ويقوده نبينا صلى الله عليه وسلم، تمام؟

ثم ندخل في الإجراء أو الخطوة الثالثة التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة، لو كان أحد منكم يذكر ما هما الخطوتان الأوليان؟ بناء المسجد ممتاز، والمؤاخاة بين المسلمين، وبعض وبين المسلمين واليهود، يعني هم طبعا المؤرخون القدامى كانوا يتكلمون عنها باسم الصحيفة أو الكتاب، يقولون: كتب النبي كتاباً وادعى فيه اليهود، أو كتب صحيفة،. لكن الجماعة المعاصرين لأنهم متاثرين بنظام الدولة المعاصر فيحبون أن يسمونها وثيقة المدينة أو يحبون أن يسمونها دستور المدينة، لأنه الآن ثقافتنا المعاصرة أنه الدولة لها دستور مكتوب ينظم علاقتها، ويحب الكثيرون أن يقولون إنه هذا هو أول دستور في التاريخ، وهذا صحيح لا يعرفه قبل الآن أنه يعني كتب دستور بهذا المعنى. طبعا هناك مدونات قانونية في الحضارات القديمة من الفراعنة والبابلية والآشورية وغيرها، يعني هناك مدونات قانونية، إنما دستور لتنظيم العلاقات بمعنى أنه يعني يعني المدونة القانونية التي كانت تكتب قبل ذلك هي إرادة الحاكم بالتعاون مع الأحبار والرهبان والكهنة، تمام؟ كيف كيف نحول شرعية المتغلب أو كيف نحول وضع المتغلب إلى وضع قانوني ودستوري، تمام؟ إنما أن يحدث قدر من العدالة في إدارة المجتمع بمعنى أن المجتمع له أكثر من طرف وأكثر من جهة، ويوضع عقد يمنح الحقوق والواجبات على هذا النحو، هذا هو الدستور الأول. ولذلك بعضهم يحب أن يشبهه بالمجنا كارتا، تعرفون المجنا كارتا؟ طيب مش مهم، المجنا كارتا هي وثيقة الحقوق الأساسية التي كانت في بريطانيا، يعني على كل حال الجماعة اللي هم مشتبك مع الحالة السياسية أغلب ثقافتهم أوروبية، فالمجلا كارتا دي صنم كبير عند الغربيين والأوروبيين، فلذلك حين يعني حين يقال بأن هذه الوثيقة أسبق من المجنا كارتا فده نوع من التباهي والتفاخر على الغربيين، طبعا أحيانا نضطر إلى عقد المقارنات مع الغربيين لكن الأصل أننا نعتز بما وجدنا عليه، أو بما لقينا، أو بما يعني وجدناه في ديننا، لا أقول بما وجدنا عليه آباءنا، ولكن أقول بما لقيناه في ديننا وإن خالفه الناس اجمعون، تمام؟

طالب وثيقة المدينة الان لدينا ملاحظات ما تهمنا، يعني إنما أذكرها لأننا في درس يتناول السيرة: هل هذه الوثيقة صحيحة أم ضعيفة؟ سؤال: هل هذه الوثيقة كانت وثيقة واحدة ولا كانت وثيقتين ثم ضُمّتا في وثيقة واحدة؟ هذه أمور تهم المتخصصين. ما الذي يهمنا نحن؟ يهمنا نحن أن الوثيقة وردت بأسانيد متعددة، وورد بعضها في روايات صحيحة في كتب السنة الصحيحة، مما يجعل الوثيقة ترتقي إلى مرتبة الحديث الحسن، فهي صحيحة يعني صحيحة بمعنى مقبولة علشان لا أدخل الآن في اصطلاحات المحدثين، يعني الوثيقة تعتبر حقيقة تاريخية بمنهج المؤرخين، تمام؟

الأمر الثاني فرق، بعض العلماء قالوا بأنه كان في وثيقة لتنظيم العلاقات بين المسلمين وحدهم ووثيقتين لتنظيم العلاقات بين المسلمين واليهود، هاتان الوثيقتان أما كتبتا معاً، واما كتبت إحداهما أول دخول المدينة وكتبت الأخرى قبل بدر، أيضاً هذه التفاصيل تفاصيل تهم الباحثين والمتخصصين. احنا ما الذي يهمنا؟ يهمنا المحتوى الذي جاء في هاتين الوثيقتين، يعني هاتان الوثيقتان اعتاد المؤرخون وأهل السير أن يجعلوهما وثيقة واحدة، تمام جميل.

طيب الآن أنا جئت معي بهذه الآية، هذا الدستور دستور من أربع ورقات، وهو عادة يعني الدستور بيكون كتاب صغير، هذا الدستور اللي هو كتاب صغير بعد كده يعني تنسج حوله المدونة القانونية التي تفسره وتفصله، فاحنا سنقرا معا ونقف عند الأمور التي تهمنا، صلوا على النبي صلى الله عليه وسلم. النص يقول: هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، ده كده البند الأول. البند الثاني: أنهم أمة واحدة من دون الناس، أنهم أمة واحدة من دون الناس.

هذه هي اللحظة إذاً التي نشأت فيها الأمة المسلمة، والأمة المسلمة، يعني أنت ترى في هذه الكلمة ترى أمرين: الأمر الأول أن رابطة الدين فوق سائر الروابط، المسلمين من قريش والمسلمين من يثرب والذين سيلحق بهم ويتبعونه ويجاهدون معهم من سائر القبائل هؤلاء صاروا ماذا أمة واحدة من دون الناس، يعني الناس ناس، وهؤلاء أمة من دون الناس، فالرابطة الدينية هي فوق كل الروابط الأخرى. هؤلاء الناس مختلفين في القبائل، مختلفين في البلاد، مختلفين في الأنساب، ولكنهم بهذا الدين صاروا أمة واحدة. جميل، طيب هذه الأمة الواحدة يجب أن ننظر فيها أيضاً إلى معنى جديد، الأمة يا جماعة

الخير هو يعني معنى من معاني الانتماء، معنى من معاني الانتماء؛ أنت لما تشعر أنك يعني، ماذا أقول الآن؟ كل إنسان فينا له عدد من الانتماءات والروابط، يعني أنت لما تشعر أنك من العائلة الفلانية أو من البلد الفلاني أو أنك مهندس مثلاً، فأنت ورابطة المهندسين أمة من دون الناس، جماعة مهندسين.

أنتم عارفين المهندسين مشهور عنهم أنهم عندهم قدر من الغرور، صح؟ بيقول لك هم خلصوا المجال بتاعهم ورايحين بقى إيه يصلحوا مجالات الآخرين، فعموماً جماعة المهندسين بيبقى عندهم قدر من الفخر.

وبعدين وجدت برضه جماعة الأطباء عندهم نفس القدر من الفخر، لدرجه أنه مثلاً لما دكتور ما يحبش شغل التاني فيقول له: إيه اللي أنت عامله ده يا باشمهندس؟ فهو دليل على إيه؟ على أنه ما يفهمش حاجة في الطب، ممكن يكون بي فهم في الهندسة يعني.

أمة واحدة من دون الناس فيها معنى يا جماعة يسميه الشيخ سيد قطب الاستعلاء الشعوري، معنى التمايز، تمام! معنى إيه؟ التمايز.

هذا الاستعلاء الشعوري أو هذا التمايز قد يكون بحق وقد يكون باطل، قد يكون نوع من العنصرية، يعني لما يبقى واحد شايف نفسه مثلاً: أنا من العرب أو أنا من الهوارة أو أنا من الترك أو أنا من مصر حضارة 7000 سنة، يعني هذا الانتماء قد يكون بحق أو قد يكون بباطل.

طيب، سريعا كده استطرد معكم استطراد سريع: ما مزية الأمة الإسلامية؟ مزية الأمة الإسلامية أن الانتماء إليها لا يرتبط بشيء لا تملكه.

يعني اللي بيفكر أنه مصري ده، هل هو له فضل في أنه مصري؟ له فضل أبدا، هو لقى نفسه ولد مصري، الذي ينتمي إلى العراق ولا إلى الاتراك ولا إلى يعني أي أي حاجة يعني، الذي ينتمي إلى اللون الأبيض أو اللون الأسود يفخر، الذي يفخر بأنه أبيض ولا يفخر بأنه الذي يفخر بأنه إنجليزي وبيتكلم إنجليزي كويس.

الأمور التي لم يخترها الإنسان، الأمور التي لم يخترها الإنسان ويفخر بها هي كده في حد ذاتها نوع من العنصرية، الإسلام جعل سبيل الانتماء إليه هو الأمر الذي يختاره الإنسان، فالذي يدخل في الأمة المسلمه هو دخلها بإرادته، يملك طبعا أن يغادر الإسلام أيضا.

حتى الأمر الذي لم يختار الإنسان بنفسه وهو اللغة العربية ولسان العرب، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث وهو حديث يضاعفه بعض المحدثين ولكن قال ابن ولكن معناه صحيح: ليست العربية بأحدكم باب ولا بام إنما العربية اللسان، فمن تكلم العربية فهو عربي، يعني حتى الجزء الذي قد تولد به الإنسان غير العربي حين يتعلمه يصير من أمة العرب.

طيب، العربي إذا فقد لسان العرب راح وهاجر و يعني أن ذرية في بلاد غربية أو بلاد شرقية ونسي لسان العرب هذا، مع أنه في نسبه عربي قرشي هاشمي، لم يعد بهذا الحديث من أمة العرب.

إذاً، فالانتماء إلى أمة الإسلام وحضارة الإسلام انتماء مفتوح يملكه الإنسان بنفسه، فلذلك الإسلام ليس فيه معنى العنصرية.

لكن أخبركم بظاهره، ظاهرة مططردة عبر التاريخ: كل الناس، كل الأمم التي سادت ونهضت وتفوقت كانت ترى عند نفسها، كانت ترى عند نفسها أنها أحق بالسيادة والتفوق، سواء كان هذا حقا أو كان هذا باطلا، يعني حقيقة من مقومات النهوض والتفوق والسيادة أن تشعر الأمة في نفسها باستحقاقها وجدارتها لهذا التفوق.

يعني مثلاً ما قراته قبل سنين لمؤلفين يهوين في كتاب اسمه الاستغراب، هذا كتاب بروما وافيش مارليت، كان يقولان في كتابهما هذا: إنه لم توجد أمة في نهضتها إلا ورات أنها مكلفه باخراج الناس من الظلمات إلى النور، أي أمة! تمام.

فحقيقة شعور الإنسان بأنه مسلم، وأنه ينتمي لأمة الإسلام، وأنه كَخَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ أحد الاساسات التي تنبني عليها نهضة هذه الأمة، أي مسلم يشعر بأنه في مرحله دونيه يتطلع إلى الحضارة الغربية أو إلى غيرها من الحضارات بنوع من الإعجاب ونوع من الانبهار، هذا يفقد أول وأهم الأساسات التي تجعله على طريق النهضه.

يعني مسلمان، لو أننا أمام مسلمين: أحدهما ينظر إلى الحضارة الغربية باعتبارها جاهلية، والاخر ينظر إلى الحضارة الغربية باعتبارها أرقى ما وصل إليه الفكر الإنساني؛ نتوقع إذا حصلت حركة نهضة ولا تغيير، من الذي سينخرط منهما فيها؟ الذي يراها إيه؟ الذي يراها جاهلية، لأن الذي يرى ذروة الفكر الإنساني هيبقى شايفها ازاي؟ هيبقى شايف هذه الحركة التي تغيرها هو نوع من الارتداد إلى الخلف والعودة إلى عصور الظلام، صح؟

فهنا هذه اللحظة، لحظة ميلاد الأمة الإسلامية.

طيب، إذاً، أنهم أمة واحدة من دون الناس، رقم ثلاثة: والمهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

ما معنى هذا الكلام؟ عليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

المهاجرون من قريش على ربعتهم، ربعتهم يعني على حالهم الذي كانوا عليه، تمام، يتعاقلون بينهم، يعني إيه يتعاقلون بينهم؟ يعني القوم كانوا إذا ارتكب واحد منهم جريمة قتل فإن القوم يتضامنون ويتكاسلون لكي يؤدوا الدية أو العقل إلى أهل المقتول، فهذا معنى يتعاقلون بينهم.

فالآن انظر، احنا الأول وضعنا أساس أن هؤلاء المسلمون من قريش ومن يثرب ومن تبعهم كلهم إيه؟ أمة من دون الناس.

كويس، نيجي بقى ندخل داخل هذه الأمة: المهاجرون من قريش على ربعتهم على حالهم يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم، يفدون عانيهم يعني يفدون أسيرهم، الناس أو القوم الذين منهم أسير، هم يتضامنون في دفع فديته، خلاص، بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

وبعد هذا يبقى كده المهاجرون من قريش قسم داخل الأمة، وبعد هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم أو يعني هذا الكتاب: وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفه تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو الحارث اللي هم ابن يعني من الخزرج على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم، وبنو ساعده وبنو جشم وبنو النجار وبنو عمرو بن عوف وبنو النبيت، ويعدد النبي صلى الله عليه وسلم الإيه الأقوام، ويضيف نفس هذه الجمله: على ربعتهم وهم يتعاقلون معاقلهم ويفدون عانيهم بالقسط والبر بين المؤمنين.

وبالتالي هذا يعيدنا إلى قول قلناه قبل ذلك، وهو أن الإسلام لم ياتي ليكسر الروابط القائمة بين الناس، الإسلام جاء ليرفع رابطة الدين فوق الروابط الموجودة، يعني انصر أخاك ظالما أو مظلوما، عدلنا معنى كلمة ظالما: كيف أنصره ظالما؟ قال: بأن تردعه عن الظلم.

لكن يظل الأخ في النسب الأخ في الرحم الأخ في العشيرة الأخ في القبيله له مزيه على غيره داخل إطار الأمة الإسلامية، تمام!

فالنبي حين يتكلم عن بني عوف عن بني الحارث عن بني ساعده عن عن عن عن عن هذا دليل على أن الإسلام قد أتى بتقويه هذه الروابط، تثبيت هذه الروابط، ترسيخ هذه الروابط، تمام!

الأمر الثاني: مسألة التعاقد يا جماعة الخير، اللي هي يتعاقلون، مسألة القوم المتضامنين على دفع الدية والقوم المتضامنين على فداء الأسير، يعيدون إلى ما ذكرناه قبل قليل، وهو أنه المسائل الكبرى تلقى وينهض المجتمع بعبئها أولا قبل أن تتدخل فيها الدولة.

القوم يذهبون إلى حل مشكلاتهم بأنفسهم قبل أن تتدخل السلطة، قبل أن تتدخل الدولة، وتعرفون يعني من من الظواهر التي ما تزال مستمرة حتى الآن في كثير من بلادنا، مثلا ظاهرة مثل ظاهرة الثار، ظاهرة مثل ظاهرة الثار هذه لم يفيدها أنه الدولة تدخلت عليها.

يعني احنا عالمنا المعاصر على الأقل الدولة الحديثة في بلادنا عمرها لا يقل عن 100 سنة ويمتد إلى 200 سنة في بعض المناطق، يعني احنا عندنا في مصر بدات من 1805 أو بدقة يعني بعد 1811، تفاصيل تاريخية.

فاحنا بنتكلم في أكثر من 200 سنة، بقية الدول نشات فيها بقية بلادنا العربية نشات فيها الدولة بعد الحرب العالمية الأولى، تمام!

الخلاصه دلوقتي لما دخلت الدولة على ظاهرة كهذه الظاهرة منعت الاقوام أن يحلوا هذه الأمور بأنفسهم، وتدخلت هي كمحكم جناية ومحاكم نقد وإجراءات تقاضي وتشريح وتحقيق: ما الذي حصل؟

ما تزال الظاهرة مستمره حتى الآن، لأن الناس لا تثق حقيقة في إجراءات الدولة ولا تثق في أنه أحكام ومحاكم الدولة تعطي كل ذي حق حقه.

فهنا الأصل، الأصل أن هذه القضايا تترك أولا للمجتمع، لا تتدخل سلطة الدولة إلا بعد أن يعجز المجتمع عن حل لها، تمام!

وطبعا هذا مما يرفع العب اساسا على سلطة الدولة، يعني أنت الآن المحاكم التي تتراكم فيها القضايا ويتاخر فيها التقاضي هذا من الأفضل أنه طالما وجدت المجالس الشرعية، وطالما وجد أهل يعني شيوخ البلد وأعيان البلد، أن يتولوا هم حل هذه المشكلات.

طيب، فبالتالي يعني انظر، انظر هنا إلى أن نهج النبي صلى الله عليه وسلم في بناء الدولة لم يكن حذف القوى الموجودة في الدولة في البلد، بل كان استثمار هذه القوة الاجتماعية الموجودة لكي تحل هذه المشكلات ولا تتدخل سلطة الدولة إلا فيما بعد.

جميل، الأمر الثاني الذي نستفيده من هذا هو التدرج في التشريع، التدرج في التشريع وهذه ظاهرة بشرية لا يمكن أن تجاوزها المصلح.

نحن يجب أن نفرق بين امرين: احنا قلنا في مجالس ماضية أنه يا جماعة الخير الدولة إذا اتيحت الفرصة لقيامها فهذه لحظه فارقة لا تحتمل التأجيل ولا تحتمل التدرج، يعني ما ينفعش يبقى عندك فرصة لإقامة دولة إسلامية وتقول إيه: لا والله، ما احنا ممكن نقيمها ان شاء الله بعد خمس سنين أو بعد 10 سنين أو ان شاء الله المره دي سندعم رئيس علماني علشان ان شاء الله بعد اربع سنين أو بعد ثمان سنين نبقى نرشح رئيس إسلامي، ما فيش الكلام ده، هذا غير واقعي لا يسمح به أحد أصلا.

فرصة إقامة الدولة هي الفرصة التي لا تؤجل وليس فيها تدريج، إنما هذه الدولة التي قامت لا يمكنها أن تطبق الشريعة دفعة واحدة، وإنما يتدرج تطبيق الشريعة فيها حسب ما يحتمل الناس، وهذا الذي فعله نبينا صلى الله عليه وسلم، تشريع ظل ينزل على المسلمين سنين، الخمر ظلت موجودة، الربا ظل موجودا، حتى التظلم بين الناس وأخذ الثار ظل موجودا إلى أن أسقط النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع الربا وأسقط الدماء وقال: كل ربا موضوع وكل دم موضوع، وأول ما أضعه ربا العباس، وأول دم أسقطه دم الحارث اللي هو من قرابته.

فالدولة تقوم وبعدين نطبق الشريعة بالتدريج، مش تطب مش تقيم الدولة بالتدريج، ما فيش ليس هناك شيء بهذا في عالم الناس.

فأنت ترى هنا: على ربعتهم التي كانوا عليها أو على ربعتهم الأولى، يعني إيه؟ يعني على حالهم، فلا تتصور أن النبي من أول ما دخل المدينة طبق شريعته، لا، يحتاج الأمر إلى قدر من التدريج ومن تثبيت الوضع الحالي.

ولذلك كثير من إخواننا العاملين والغيورين والمتحمسين عندما يجد أمامه تجربة إسلامية، سرعان ما يكفر بالتجربة الإسلامية عشان التجربة الإسلامية لم تطبق الحدود، يا عم الشيخ يا عم الشيخ، احنا المسلمون غير ممكنين في أي دولة من الدول حتى الآن، ولا دولة المسلمون مكنون فيها، فلا بد أن لا بد أن يفهم العامل لدين الله أنه لن يستطيع أن يغير أحوال الناس وأحوال المجتمعات بشكل مفاجئ، وقد كان هذا في الصدر الأول.

الصادر الأول يعني سيدنا عمر بن عبد العزيز، الرجل الذي حكم من 99 هجرية إلى 101 هجرية يعني أدرك زمنا، أدرك من الصحابه وهو من التابعين، قال: إني رايت أني لا أستطيع أن يعني لا أستطيع أن أجعل الحق مقبولا عند بعض الناس إلا إذا وسعت عليهم بشيء من الدنيا.

وفي أمور لم يستطع أن يعيدها كما كانت، تمام!

طيب فالآن أنا نركز على أن مسألة على ربعتهم التي كانوا عليها في مسألة التدرج وما كان من التعاقد قل وما كان من فداء الأسير على النحو الذي كانوا عليها.

وأرجع وأقول: لاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشكل جهاز شرطة، يعني أنا عايزك تتصور لو أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بمؤسسات الدولة الحديثة ومن تاني يوم في الهجرة عمل وزاره داخليه وعمل وزاره خارجية وعمل وزارة قضاء وقال لك: أي حد عنده فلوس يجيبها لي وأنا الذي ساحل مشكلة اللاجئين، وأي حد قوي كده وينفع يشيل سلاح هنعمل جهاز شرطة، ما الذي كان يحدث؟

كان يكون العبء فوق فوق الطاقه، فضلا عن أن هذا حقيقة لا يساهم في استقرار المجتمع، لكن تجزئة المشاكل وأن يتعامل معها المجتمع في بدايتها هو كان الأمر الأسلم، وهذا الذي نراه من سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم.

طيب، يبقى احنا كده إيه داخلين في البند الثاني عشر، كل اللي احنا قلناه ده: المسلمون المسلمون من قريش ومن يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجهد معهم أمة واحدة من دون الناس.

بقية هذه البنود النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن قريش المسلمون من قريش على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم ويفدون عينيهم، والأقوام بنو عوف وبنو الحارث وبنو النجار وبنو النبيت وبنو جشم، كل هذا إلى أن ناتي للبند الثاني عشر: وإن المؤمنين لا يتركون مفرحا بينهم أن يعطوا بالمعروف من فداء أو عقل وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه.

معنى إيه لا يتركون مفرحا؟ المفرح هو المدين كثير العيال، المدين أو كثير العيال، وقال بعضهم: المفرح هو الرجل الذي لا مولى له، يعني ليست له القبيلة والعشيرة، واحد وجد يعني وجد في المدينة، وجد في دولة المسلمين، في بلد المسلمين، ليس له الموالي، ليس له النسب وأو الناس الذين يتولون أمرهم.

الناس الذين ليس لهم نسب دول، شوف احنا عمالين نقول ان احنا بنستفيد من القوى الاجتماعية الموجوده، وأن الإسلام لم يكسر الروابط، والإسلام اهتم بتقوية القبائل والعشائر. طب اللي مالهمش قبائل وعشائر، هؤلاء يرجع أمرهم إلى جماعة المؤمنين، حتى قبل الدولة، جماعة المؤمنين؛ وأن المؤمنين لا يتركون مفرحًا بينهم أن يعطوه بالمعروف من فداء أو عقل. يعني خصة الموضوع يا جماعه الخير، بدون ما أفصل، هذا الذي ليس له أهل أو هذا المدين، هذا إذا ارتكب جناية فبيت المال هو الذي يتولى عنه دفع الدية، أو إذا أُسير يتولى عنه الفداء، بيت المال هم جماعة المؤمنين، تمام.

طيب، إذا أراد شيئًا وليس له أولياء يقومون به، المؤمنون أولياؤهم، تمام. ولذلك كثير من الناس حقيقة لا يعرف عظمة المجتمع الإسلامي لأنه لم يرَ المجتمع الإسلامي. سيدنا عمر أصلاً تخوف من إيه؟ إنما يعني سيدنا عمر خشي من اللحظة التي ينشأ فيها في الإسلام من لم يعرف الجاهلية، احنا حقيقة نشأنا في الجاهلية ولم نعرف إلا صورة مشوهة ممزقة من الإسلام. يعني الأصل أن المجتمع الإسلامي مثلاً، المرأة في المجتمع الإسلامي الطبيعي يا جماعه أن المرأة في المجتمع الإسلامي لا تنفق على نفسها ولا تكفل نفسها، دائماً المرأة لها رجل ينفق عليها، كان أبوها، كان أخوها، كان زوجها، كان ابنها، كان عصبتها، زعيم عشيرتها وأسرتها، كان قبيلتها.

طيب اللي مالهاش حاجة من دول خالص؟ مولاها القاضي، اللي مالهاش؟ مولاها السلطان. دلوقتي أول ما تفتح مسألة عمل المرأة تلاقي كل الناس يقول لك: طب والمراة لما جوزها يموت تعمل ايه؟ ما هو يعني صح، ده واقع فرضته هذه الدول اللي فاكرة، يعني التي تسمي نفسها دول حديثة، والتي تقول بأنها أعطت المرأة حقوقها، وأنها مكنت المرأة من تحرير نفسها، وأن المرأة تحقق بالعمل ذاتها، وهي حقيقة ألقت المرأة إلى الشارع لكي تواجه معضلات الدنيا وخشونة الدنيا وتعامل الرجال وتعامل الصعاب. لا، الأصل أن المرأة في المجتمع الإسلامي ليس لها أن تعمل وأن تنفق على نفسها، هناك من هو مسؤول عنها، حتى لو أنها يعني ليس لها مورد رزق، لها الراتب الذي ينزل إليها من الدولة من بيت المال ولا تتكلف أن تعمل. ومثلها في هذا مثل كل ضعيف وكل من لا مولى له.

طيب، يبقى البند الثاني عشر: وأن المؤمنين لا يتركون مفرحًا بينهم أن يعطوه بالمعروف من فداء أو عقل، وألا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه. يعني طبعًا زمان كان في مسألة الموالاة والولاء والتابعون بالولاء، يعني القصد هنا بدون ما ندخل في تفاصيل، أنه النظام الاجتماعي القائم الآن لا ندخل عليه بالتخريب أو بالافساد، بنحترم الأحلاف والموالي، حالات الولاء التي كانت قائمة، ولا يدخل مؤمن ألا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه.

البند الثالث عشر: وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم، على من بغى منهم مش على من بغى عليهم الآن، على من بغى منهم يعني إذا خرج منهم من ارتكب شيئًا فهم يد عليه، على من بغى منهم أو ابتغى دسي ظلم أو إثمًا أو عدوانًا أو فسادًا بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعًا ولو كان ولد أحدهم. يبقى الآن استدعينا مرة أخرى قوة جماعة المؤمنين معًا لكي يكونوا هم القائمين بما نسميه الآن في مصطلحنا المعاصر بأعمال الجيش والشرطة والقضاء ووزارة الداخلية، أنه هؤلاء المؤمنون إذا فسد منهم أحد، بغى منهم أو ابتغى دسي ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد، كلهم عليه ولو كان ولد واحد منهم.

هذا البند يذكرنا مرة أخرى بالوحدة الإيمانية، أن المسلمين أمة من دون الناس، وأن هذه الأمة، هذه الوحدة الإيمانية، هذه الرابطة فوق رابطه النسب والرحم، تمام، تمام. ونستفيد من هذه القوة الإيمانية في استقرار هذا المجتمع وفي دفع ما يكون من الظلم الذي يقع فيه، تمام. ولا يقتل مؤمن مؤمنًا في كافر، ولا ينصر كافرًا على مؤمن. هذا هو التخلص من الروابط الجاهلية، الأمة الإسلامية أمة من دون الناس، أمة من دون الناس، فبالتالي قد يقع بين المسلمين وبين غيرهم حروب، قد يقع قتل، فالآن حقيقة الانتماء للأمة المسلمة أن رابطه الإيمان أرفع من رابطه النسب، ولذلك لا يقتل مؤمن مؤمنًا في كافر، ولا ينصر كافرًا على مؤمن، تمام.

وأن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض من دون الناس، داخل في نفس المعاني التي تكلمنا فيها. وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرين. وهذه الأمة من أراد من اليهود أو من الأقليات أن يدخل فيها داخل هذا النظام، فمن دخل في هذا النظام فانه له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين، تمام.

وأن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم. يعني إيه؟ يعني بالمصطلح المعاصر: قرار الحرب والسلم قرار تأخذه جماعة المؤمنين وتأخذه قيادة هذه الجماعة الممثلة الآن في نبينا صلى الله عليه وسلم. يعني هذا البند من البنود التي ترى فيها إخراج الاسلام الناس من حالة الفوضى وحالة القبلية وحالة التفرق إلى حالة الجماعة، حالة النظام، حالة الدولة بالمصطلح المعاصر، تمام. أنه قرار الحرب والسلم لا يأخذه إيه واحد من تلقاء نفسه، يعني ما فيش واحد يغير أو واحد يشعل حربًا: إن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم. فهو تخلص من حالة الفوضى، تخلص من حالة القبائلية والعشائر التي يمكن أن تورط المسلمين في سلم.

وأن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضًا. يعني إيه؟ يعني الجهاد ليس حكرا على قوم دون قوم، الجهاد هو عمل المسلمين جميعًا، يخرج فيه المسلمون إرسالاً يعقب بعضهم بعضًا، ما فيش حد معفو أو يعني ما فيش حد ليس من صلاحياته الجهاد، تمام. وأن كل غازية معنا يعقب بعضها بعضًا، وأن المؤمنين يبي بعضهم عن بعض بما نال دماءهم في سبيل الله. يبي يعني يمنع. وأن المؤمنين يبي يعني يمنع بعضهم عن بعض، يمنع بعضهم عن بعض بما نال دماءهم في سبيل الله. هذا أيضًا داخل فيما ذكرناه من وحدة المؤمنين ومن التناصر على من يبتغي بغيًا فيهم أو حدثًا فيهم.

البند الذي بعده: وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدي وأقومه. وأنه لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفسًا، ولا يحول دونه على مؤمن. يعني واضح البند أنه ليس من صلاحيات أحد في الدولة الإسلامية في المدينة المنورة أن يجير، يعني يحمي مالاً لقريش أو نفسًا، ولا يحول دونه على مؤمن. قوم حالة الحرب معلنة بينهم وبين المؤمنين، فما ينفعش حد من الجماعة الذين هم سلمهم واحد وذمتهم واحدة ويجير أدناهم، ما ينفعش حد من هؤلاء ينفرد بايه بأن هو يحمي أو يجير مالاً لقريش أو أحد المشركين أو يمنع المؤمنين منه.

وأنه من أُعتبط مؤمنًا قتلاً، أُعتبط يعني قتل دون سبب أو جريرة أو حق، أُعتبط يعني قتل. لعل الناس تذكر بيت قطري بن الفجاءة الذي يقول فيه: ومن لا يعتبط يسأم ويهرم وتسلمه المنون. حد فاكر هذا الشعر؟ قطري بن الفجاءة أحد الخوارج، والخوارج قوم شجعان متطرفون وغلاة، لكن إيه؟ شجعان، وهذا كان قائدًا وفارسًا وكان شاعرًا أيضًا، فكانت له قصيدة من عيون قصائد العرب سجلتها له كتب التاريخ وكتب الشعر، وتجدونها في ديوان الحماسة لأبي تمام، وهي التي مطلعها: أقول لها وقد طارت شعاعًا، يقول لنفسه: أقول لها وقد طارت شعاعًا من الابطال ويحك لن تراعي، ويثبت نفسه، بيقول لها إيه أول ما بدات تخاف في الحرب يقول لها: ويحك لن تراعي، فإنك أ... فإنك إيه؟ سبحان الله، لو طلبت بقاء يوم على الأجل الذي لك لن تطاعي. أقول لها وقد طارت شعاعًا من الابطال ويحك لن تراعي، فإنك لو طلبت بقاء يوم على الأجل الذي لك لن تطاعي، فصبرا في مجال الموت صبرا، فما نيل الخلود بمستطاع. ومن لا يعتبط، يعني ومن لا يقتل، خلي واحد كده ما يقتل: ومن لا يعتبط يسأم ويهرم. هيحصل ايه؟ يطول به الزمن ويشيخ، يسأم يمل ويهرم، وتسلمه المنون إلى انقطاع، ويبقى قاعد وحده في نهاية عمره، أصحابه ماتوا وتفرقوا عنه، الجيل اللي معه جيل جديد يستثقل: ومن لا يعتبط يسأم ويهرم، وتسلمه المنون إلى انقطاع، تمام.

كلمة يعتبط هي التي فتحت علينا هذا الموضوع، يعتبط يعني إيه؟ يقتل، كويس. عشان هي بقى لها إيه مدلول مخالف في زماننا هذا، ولذلك في كلام العرب العرب الدم العبيط يعني الدم الكثير، الدم العبيط يعني الدم الكثير، تمام. يبقى: وأنه من أُعتبط مؤمنًا قتلاً عن بينة فانه قود به، إلا أن يرضى ولي المقتول. يعني أي واحد يقتل مؤمنًا فانه قود به، قود به يعني يقاد به، إلا أن يرضى ولي المقتول، يعني يرضى بالفداء.

المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه. وهذه أيضًا معالجة للعصبية الجاهلية التي تجعل الناس قد تنحاز إلى ابنها القاتل ضد المقتول، فهو هنا المؤمنين كلهم إيه؟ عليه، عليه، ولا يحل لهم إلا القيام عليه، تمام.

وبالمناسبة طبعًا هنا نحن قلنا إنه خروج من الفوضى وخروج من الجاهلية، روابط الجاهلية، وفيه كذلك تعظيم للشريعة يا جماعه الخير، فيه تعظيم للشريعة. وهذا أمر في غاية الأهمية، أمر في غاية الأهمية لا ينتبه إليه كثير من الناس. الناس يا جماعه تحترم القانون أكثر ولا تحترم الدين أكثر؟ طيب، لا، أنا عايز أقول: الناس في نفوسهم يعني الآن الناس في نفوسهم يقدسون الدين أكثر مما يقدسون القانون، ولذلك أنت حتى في يعني في كبار الديمقراطيات القانونية المعاصرة إذا انقطعت الكهرباء مثلاً هيحصل إيه؟ يهرع الناس إلى نهب المتاجر والمحلات، لأنه خلاص تعطلت، ما فيش حد، ما فيش حد هيعرف يجيب المجرمين، أو قد تنشا الجريمة المنظمة التي تستطيع أن تتحيل بنظامها على القانون.

فدائمًا القانون إذا كان هو الشريعة فإن عدد الذين يطبقونه وينفذونه سيكون أكثر بكثير، عدد الذين يدافعون عنه سيكون أكثر بكثير، عدد الذين يلتزمون به أكثر بكثير. فمن مزايا المجتمع الإسلامي أن قانونه هو شريعته. الدين في الاسلام ليس مجرد طقوس وشعائر، وهذا مما يدركه الباحثون في القانون حتى من غير المسلمين، ومن المباحث التي يعني منذ قراتها لم أنساها مبحث لمستشرق إيطالي اسمه دافيد دي سانتيلانا، هذا له كتاب، له بحث اسمه القانون ومجتمع منشور في كتاب لمجموعة من المستشرقين اسمه تراث الإسلام، أشرف عليه المستشرق الإنجليزي الكبير توماس أرنولد.

خلاصة هذا البحث يقول: إنه الإسلام لأن القانون فيه هو دين وقانون معًا، فتطبيق المسلمين له ليس مجرد التزام بالقانون بل هو التزام بالشريعة، دفاع المسلمين عنه ليس مجرد دفاع عن القانون بل هو دفاع عن الدين، رغبة المسلمين في تنفيذه ليست مجرد رغبة في احترام القانون بل هي رغبة في الدار الآخرة. ويرجع في آخر البحث ويقول: إن القانون الإسلامي رقى مفاهيمنا العصرية، وأن له الفضل على مدوناتنا القانونية حتى آخر الدهر.

فهنا أنت ترى قومًا من الناس لم يدخل عليهم إلا الإسلام لكي يجعلهم يتخلوا عن أبنائهم الذين ارتكبوا جريمة ويسلمونهم إلى حكم الله، بينما كانوا قبل ذلك إيه؟ يتعصبون له ويذودون عنه ويقاتلون دونه، تمام. ولا يحل، وأن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا القيام عليه. وهذا أيضًا لا تنسوا دائمًا أنه الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمد في استقرار المجتمع وفي تنفيذ أحكامه على قوة المجتمع وقوة قبائله، أنه لم يشكل، لم يشكل جيشًا من الشرطة ولم يشكل جيشًا من المخابرات، وإنما اعتمد على إيه؟ هذا التغيير الإيماني الذي أصاب هؤلاء الناس وحول كل واحد منهم إلى حارس للشريعة وقائم على أمن هذا المجتمع، تمام.

البند الذي بعده، البند 22: وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثًا أو يؤويه. يعني المحدث هو الايه بالمصطلح المعاصر: الهارب من العدالة، الخارج عن القانون، تمام. وأن من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه، فان عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل، تمام.

البند الذي بعده: وأنه مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله وإلى محمد صلى الله عليه وسلم. هذا البند اللي هو بند المرجعية القانونية، المرجعية القانونية يحب الجماعة بتوع العلوم السياسية أن هم يسمونها السيادة أو يعني مش يحبون هي اسمها عندهم هكذا: صاحب السياده هو إيه؟ هو الذي يصدر القانون، فهذه الوثيقة كانت تنص على أن المرجعية القانونية الحاكمة في هذا المجتمع لمن؟ لله وإلى محمد صلى الله عليه وسلم.

وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. نبدأ ندخل الآن في واجبات الأقليات: وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. يعني البلد في حال حرب، المؤمنون ينفقون، وعلى اليهود أيضًا على الأقلية أن تساهم في هذا الإنفاق، الإنفاق الحربي. هنرجع هنا نرى نظير ما رايناه قبل قليل، شوف النبي هيقول إيه: وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ومواليهم وأنفسهم، وأنفسهم، وأنفسهم، إلا من ظلم نفسه وأثم فانه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته. يعني إيه الكلام؟

ده يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ومواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم، يعني ارتكب جريمة بالمصطلح المعاصر، فإنه لا يوتغ، لا يوتغ يعني يهلك، فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته.

تمام، البنود التي بعده بتقول إيه؟ بتقول: وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف، ولهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف، ولهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف، ولهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف، وسمى النبي صلى الله عليه وسلم اليهود في هذه القبائل. طيب، أولا نحن الآن أنظر إلى هذه المناظرة والمشابهة، بأنه ما كان للمسلمين هو هو نفسه الذي احتفظ به النبي أو أعطاه النبي حقا من حقوق اليهود، وايضا هذا الحرص على التركيب الاجتماعي وأن لا تكسر هذه الروابط، تمام؟ لأنه صار النبي يعامل كل قوم، كل يهودي قوم باعتبارهم إيه؟ كتلة منفصلة أو متميزة أو مستقلة.

طيب، نستكمل إن شاء الله في المجلس القادم، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إحياء جيل على خطى السابقين.