تسجيل الدخول

السيرة النبوية | 71. لماذا لم يفكر أبو سفيان في اجتياح المدينة بعد غزوة أحد؟

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمه الله، بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. اللهم، اللهم اجعل عملنا كله خالصا لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئا يا رب العالمين.

مرحبا بكم أيها الأحباب، طبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلا. ونسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا على طاعته أن يجمعنا في جنته ومستقر رحمته ودار كرامته. وهذا هو المجلس الحادي والسبعون من مجالس السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.

ونفتتح هذا المجلس بأن نذكر أنفسنا وإياكم بالدعاء لإخوانكم في غزة. نسأل الله تبارك وتعالى أن يمكر لهم، وأن يخالف بين قلوب أعدائهم. فالحقيقة المرحلة الآن مرحلة شديدة ومرحلة ضاغطة، يعني المسألة وإن كانت وقفا لإطلاق النار فهو وقف مؤقت، وأنتم تعرفون أن عدوهم لا عهد له ولا ذمة، وانه مدعوم بمن لا عهد لهم ولا ذمة أيضا.

فأسأل الله تبارك وتعالى أن يغير حالهم إلى احسن حال، فضروري يا جماعة الخير، ضروري أن نعرف أن الأمر لم ينته بعد، وأن الأزمة ما زالت مستمرة، وأن هذا الوقف المؤقت لإطلاق النار هو في حقيقته لاسترداد أسراهم ولكن لا يؤمن بعد ذلك ماذا يفعلون. وما تزال يعني كل الظروف مع الأسف الشديد، ما تزال كل الظروف مع هذا العدو وضد إخواننا. فنسأل الله تبارك وتعالى أن يهيئ لهم من أمرهم رشدا، وأن يفرج عنهم، وأن ينصرهم نصرا عزيزا مؤزرا.

ونعود إلى حديث السيرة النبوية، وكنا توقفنا في المجلس الماضي عند غزوة ودخلنا في سياق الغزوة، وملخص ما ذكرناه لكي نكمل الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ومعه المسلمون كانت خطتهم قائمة على منع تطويق الجيش الإسلامي، ولذلك كان من أهم عناصر هذه الخطة أن وضع النبي صلى الله عليه وسلم الرماة في ظهر المسلمين لكي يمنع المشركين من القدرة على تطويق الجيش المسلم.

غير أنه لما بدا أن المعركة قد انتهت وأن المسلمين قد انتصروا وأن بعض الناس قد صار يجمع الغنائم، نزل أربعة أخماس هؤلاء الرماه، نزل أربعون من خمسين راميا، ففرغت جبهة الحماية التي كانت تحمي ظهر المسلمين، فالتقط هذه الفرصة خالد بن الوليد ولم يكن قد أسلم بعد، فالتف بقواته فقتل هؤلاء الرماه العشرة، واستطاع جيش المشركين أن يطوق جيش المسلمين.

فذكرنا أنه قد وقع ارتباك واضطراب في صفوف المسلمين، وذكرنا أنه هذا التطويق الذي حصل جعل جيش المسلمين على جبهتين أو على مجموعتين، مجموعة فيها النبي صلى الله عليه وسلم وقلة من الصحابه معه، ومجموعة فيها أغلب الجيش الإسلامي وقد جرى تطويقهم. وتكلمنا عن هذه المجموعة الصغيرة التي كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم وكيف قاتلت وكيف دافعت عنه، ومع ذلك فقد أصاب النبي صلى الله عليه وسلم جراحات، وكسرت رباعيته، وشج رأسه، وأدمي وجهه الشريف، ودخلت حلقتا المغفر في وجنتيه، وجحشت ركبتاه، وسقط على شقه، وتلقى ضربة بالسيف على عاتقه ظل يشتكي منها شهرا، إلا أن المشهد في النهاية أن هذه المجموعة قد استطاعت أن تحافظ على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى يعني حراسته هذه الحراسة الخاصة حتى أقبل إليه كتلة أكبر من المسلمين استطاعوا في ظل هذا الارتباك أن ينحازوا إلى مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبقيت المجموعة الأكبر من الجيش الإسلامي داخل التطويق الذي فرضه جيش المشركين. فالآن، طبعا ذكرنا قبل ذلك أيضا لكي يتصل الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اشيع أنه قتل، وذلك أن أحد الذين انحازوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودافعوا عنه كان هو سيدنا مصعب بن عمير، وسيدنا مصعب كان حامل لواء المهاجرين وكان أشبه الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم، فلما قتله عبد الله بن قمئة ظن أنه قتل النبي صلى الله عليه وسلم، فصاح في الناس: قتلت محمدا. ولأن سيدنا مصعبا كان يحمل اللواء فسقط اللواء، ثم رفعه بعد ذلك سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

فظن المشركون أنهم قتلوا النبي، ولما أُشيع هذا في جيش المسلمين سبب مزيدا من الاضطراب والارتباك والاحباط، حتى إن بعض المسلمين فر إلى المدينة، وبعضهم فر رعب جبل أحد، وبعضهم القى سلاحه وظل جالسا على الأرض لا يدري ماذا يصنع. حتى نادى سيدنا كعب بن مالك، وكان قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم فعرفه بعينيه لأن النبي كان يلبس المغفر، فعرفه بعينيه فقال: يا معشر المسلمين هلم، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكان نداء كعب بن مالك مما أنعش قلوب المسلمين من جديد، وكان مما اضطربت به أحوال المشركين الذين ظنوا أو تشككوا الآن في أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل فعلا، صار الأمر إشاعة بعد أن كان يقينا عندهم.

فالان تبدا نستطيع أن نقول المرحلة الثالثة من غزوة أحد، يعني لو قلنا إن غزوة أحد يا جماعة ثلاث مراحل؛ المرحلة الأولى هي المرحلة التي اكتسح المسلمون فيها جيش المشركين حتى وصلوا إلى معسكراتهم وحتى فرت نسوة المشركين كما ذكرناه في المجلس الماضي. المرحلة الثانية هي مرحلة الاضطراب الذي وقع في صفوف المسلمين. هذه المرحلة الثالثة الآن هي المرحلة التي بدأ المسلمون فيها يعيدون الإمساك لا أقول بزمام الأمور ولكن يعيدون الإمساك بزمام أنفسهم، يعني بدأ المسلمون الآن في التكتل حول النبي صلى الله عليه وسلم، وبداوا يعني في أن يعرفوا أن المسألة لم تنته بعد وأن النبي لم يقتل بعد.

فها هنا في ذلك الوقت كان هم النبي صلى الله عليه وسلم أن يخترق هذا التطويق الذي صنعه جيش المشركين على القسم الأكبر من جيش المسلمين، وأن ينفذ انسحابا بجيش المسلمين إلى جبل أحد. طبعا جبل أحد يعني لعل عديدا منكم قد رأى جبل أحد، جبل مرتفع ولا يمكن تعقب الذي يسلك إليه، فكان غرض النبي صلى الله عليه وسلم أنه هو ومعه هذه الكتلة التي حوله تحاول أن تنفذ اختراق للتطويق عن بقية جيش المسلمين لكي ينسحب بهم إلى الجبل فيحمي ظهرهم ويحافظ على بقية جيش المسلمين من أن يعمل فيهم القتل.

فهنا في ذلك الوقت جاءت الروايات بتدخل من الله تبارك وتعالى وتدخل السماء في هذه اللحظات، وذلك قوله تعالى: وَأَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَمًا نُعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنكُمْ. فيروي أبو طلحة، وكنا قد ذكرنا دفاعه عن النبي صلى الله عليه وسلم، يروي أبو طلحة أنه كان يحمل السيف فكان السيف يسقط منه مرة ومرتين وثلاثا. هذه رواية سيدنا انس عن أبي طلحة، وذكرنا في المجلس الماضي ما العلاقة بين سيدنا انس وبين سيدنا أبي طلحة؟ هل يذكر احد؟

ايوه نعم، زوج أمه، وكان سيدنا انس ربيبا لأبي طلحة، فهو الذي روى عنه هذه الرواية. فأبو طلحة كان ممن أصابه هذا النعاس فكان يسقط منه السيف. وورد في الأحاديث الصحيحة في البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هذا جبريل يلبس أداة الحرب أخذ بزمام فرسه. وروي أيضا في الصحيحين أن سيدنا سعد بن أبي وقاص قال: لقد رأيت رجلين يقاتلان عن النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه وعن شماله عليهما ثياب بيض لم أراهما قبل ذلك ولا بعد ذلك. وفي رواية عند مسلم جرى تسمية هذين الملكين وهما جبريل وميكائيل.

طبعا ذكرنا قبل ذلك أنه الكلام في مسألة الكرامات أو مسألة المعجزات لا يتكلم فيه إلا بما يثبت بالأحاديث الصحيحة، تمام؟ فلولا أن ذلك ورد في أحاديث صحيحة ما كنا ذكرناه لأنه أمر من الغيب لا يعرف. لكن هاهنا نشير إلى أمرين؛ الأمر الأول أن نزول الملائكة يا جماعة الخير، وكما ذكرناه قبل ذلك في غزوة بدر، نزول الملائكة كان الغرض منه تثبيت المسلمين، كما قال تعالى: وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ. ولذلك ربنا وهو يقول أيمددكم ربكم بألف من الملائكة بثلاثة من الملائكة بخمس من الملائكة، ما دلالة هذه الاعداد؟ لأنه الملك الواحد قادر وحده على هزيمه جيش المشركين، ما دلالة هذه الاعداد؟ دلالتها التثبيت والطمأنة، التثبيت والطمأنة، وإلا فإن الله قادر على أن ينصر النبي فيكون قادرا على أن ينصره بأي مظهر طبيعي؛ خسف في المشركين، مرض في المشركين، ريح تهب على المشركين.

إذا فنزول الملائكة في حقيقة الأمر ليس شيئا أراد الله به أن يخرج المسلمون عن طبع البشر أو عن قوانين البشر أو عن نواميس الكون، تمام، هذا مهم فهمه، هذا مهم أن الله تبارك وتعالى إنما جعل هذه الامور تثبيتا وطمانة. هذه وإن كانت لا تظهر كثيرا في بدر تظهر الآن معنا في أحد، لأنك ترى الآن ملكين يقاتلان عن النبي صلى الله عليه وسلم في مهمة مخصوصة. المهمة هذه لم تغير ميزان المعركة. فهل يمكن أن يقال مثلا إنه جبريل وميكائيل غير قادرين على تغيير ميزان المعركة؟ لا يمكن، لا يقال هذا، وإنما هذا من حفظ الله لنبيه ومن تعهده، كما قال تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ. فنزول الملائكة هنا كان لمهمه مخصوصة وهي حراسة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا أمر إن شاء الله سنزيد في التفصيل فيه إذا قدر الله لنا البقاء واللقاء وتكلمنا عن منهج القرآن في صياغة ومعالجة دروس يوم أحد. ستاتي معنا إن شاء الله مسألة إنزال الله الملائكة، لماذا كانت في بدر ولماذا لم تكن في أحد على النحو الذي كانت فيه في بدر، والآية التي تعرضت لهذا تعرضا لطيفا، فإن فيه إن شاء الله فوائد.

يبقى إذا في ذلك الوقت بدا المسلمون بمعين بعون من الله تبارك وتعالى الآن في حالة من النعاس التي تتجدد بها طاقتهم، وملائكة نزلت تحفظ النبي صلى الله عليه وسلم، واستطاع النبي ومعه هذه الكتله من المسلمين أن يخترقوا هذا الحصار وأن ينفذوا انسحابا إلى شعاب جبل أحد. وهنا في هذه اللحظة أو في هذه المرحلة جرت محاولة جديدة لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم، وتلك هي التي قام بها أبي بن خلف.

فأبي بن خلف تذكرون لما تكلمنا عن المرحلة المكية وذكرنا أن أبي بن خلف كان يأتي للنبي صلى الله عليه وسلم ويقول له إن عندي فرسا أعلفها كل يوم كذا أقتلك عليها؟ تمام. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أنا قاتلك إن شاء الله. هذا الكلام كان في أين؟ في مكة. وهذا الكلام لما يكون في مكة يجعلنا نعيد الذكرى ونكرر أن العرب كانوا في جاهليتهم يفهمون الإسلام أكثر من كثير من المسلمين اليوم.

يعني أبي بن خلف كغيره كان يفهم أن هذا الدين دعوة ودولة، تمام، فلذلك هو كان يتكلم عن قتال وعن فرس يعلفه سيقتل عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وذكرنا قبل ذلك ما قاله المثنى بن حارثة وما قاله مفروق بن عمرو وما قاله هاني بن قبيصة: إنما جئت به يا أخ العرب مما تكرهه الملوك. وما قاله الأنصار: أتدرون على ما تبايعون هذا الرجل؟ إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس.

فالعرب حين سمعوا القرآن، سمعوا شهادة أن لا إله إلا الله، فهموا مباشرة أنه هذا ليس فكرة جديدة أو دعوة جديدة أو طقوس جديدة، وإنما هذا منهج جديد، نظام جديد، حكم جديد، وأنه دعوة ودولة وحرب وتغيير للعالم واسقاط لنظام الحكم بالمصطلح المعاصر، ولذلك قاوموه هذه المقاومة. وإلا فإن قريشا كما ذكرنا كان مجتمعا ليبراليا منفتحا، عنده 360 صنما حول الكعبة، فلو واحد عايز يجيب واحدا صنما جديدا حد هيقول له لا؟ يعني لا، اتفضل 361 صنما عادي.

تمام، فأبي بن خلف هنا في هذه اللحظة كان على فرسه هذا، وأراد أن يقتل النبي صلى الله عليه وسلم. فها هنا أمسك النبي صلى الله عليه وسلم بالحربه ورماه بها، رمى أبي بن خلف، فوقعت، وقعت رمية النبي في ترقوته اللي هذه العظمة الناتئة، هذه الترقوة فرجه بين الدرع وبين الخوذة، الدرع يحمي الصدر والخوذة تحمي الراس، فهذه الفرجه قد وقعت فيها حربة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أن وقعت فيها ارتعد لذلك أبي بن خلف، فكان أصحابه يقولون: ما عليك باس، إنما هو خدش. فكان يقول: لا والله، لقد كان يقول لي بمكة: إني قاتلك، ومحمد لا يكذب. فوالله لو بصق علي لقتلني، كما في رواية.

وهنا يا جماعة الخير نعيد التذكير بأن الصدق رأس مال الداعية. الصدق رأس مال الداعية، الشيء الذي لا الصدق أمر لو خدش لو خدش إنهارت دعوة الداعية، لأنه كما يكذب في أمر الدنيا قد يكذب في أمر الآخرة، قد يكذب ابتغاء مصلحة، قد يكذب نجاة من مضرة أو خسارة. أما الإنسان الذي لا يعرف عنه كذب، الإنسان الذي لا يعرف عنه كذب، فهذا الذي يتعامل مع كلامه بتعظيم وتقدير وتوقير. ولذلك كان من أشد ما جاء على المشركين أنهم كانوا يعرفون صاحبهم، يعرفون أن النبي لم يكذب أبدا، لذلك كما قال ربنا تبارك وتعالى: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ، أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ. وفي الآية: قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ.

وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ. فكان أشد ما على المشركين أن محمدًا لم يكذب أبَدًا.

تمام، فهذه نستطيع أن نقول هذه المحاولة من أبي بن خلف نستطيع أن نقول كانت ختام أو نهاية المرحلة الحرجة في التهديد الذي أصاب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم أحد. سيتكتل المسلمون حول النبي صلى الله عليه وسلم وسينفذون هذا الانسحاب الناجح إلى شعاب جبل أحد. وحينئذ ستفشل كل محاولات المشركين إما لتسلق الجبل وراءهم، أو لمحاولة رمي السهام وإصابة المسلمين.

فلا يجد المشركون بعد ذلك وبعد هذا الجهد من المسلمين وبعد هذا التجلد إلا أن يعزموا على إنهاء المعركة وأن يعودوا مرة أخرى إلى مكة. فخلاصة هذه المعركة كالاتي: أنه قتل من المشركين قيل اثنان وعشرون وقيل سبعة وثلاثون. وإن كان الأرجح فيما يدو من روايات المعركة هو هذا الرقم الثاني اللي هو رقم سبعة وثلاثون. يعني نحن حين نرى أن الجيش بدأ في الانهيار وحين نسمع بطولات سيدنا حمزة وبطولات سيدنا أبو دجانة وغيرهما، لا نتوقع أن الجيش قد انهار وهو احنا ذكرنا أن هو ثلاثة آلاف، لا نتوقع أن هو انهار بمقتل اثنين وعشرين فقط، وإنما لابد أن يكونوا أكثر من ذلك. وقد ذكرنا أنه أصحاب اللواء اللي هم مركز القيادة قتل منهم سبعة أو تسعة في اللحظات الأولى للمعركة. أما المسلمين فقتل منهم سبعون، وهؤلاء السعون كان أغلبهم من الأنصار؛ ستة وستون من الأنصار لم يقتل من المهاجرين سوى أربعة فقط. أما بقية الشهداء فكانوا من الأنصار، قتل منهم ستة وستون؛ منهم واحد وأربعون من الخزرج، وأربعة وعشرون من الأوس. وقتل واحد من اليهود سناتي إلى قصته بعد قليل.

الان، ما يزال خبر مقتل النبي صلى الله عليه وسلم عند المشركين أمرًا غير مؤكد، فأراد أبو سفيان أن يستطلع هذا الأمر، فوقف ينادي: أفيكم محمد بن عبد الله؟ فسكت القوم فلم يجيبوه، وكان النبي يأمرهم بالسكوت. أفيكم ابن أبي قحافة؟ مين ابن أبي قحافة؟ أبو بكر الصديق، الرجل الثاني. فسكتوا ولم يجيبوه. أفيكم عمر بن الخطاب؟ فسكتوا ولم يجيبوه. فقال لقومه: أما هؤلاء فقد كفيتموهم، يعني قتلوا.

تمام، طبعا سؤال أبو سفيان يخبرك بدرس مهم، ما هو؟ ما هو أهمية القائد؟ القيادة، كاد أن يكون قائدًا يا جماعة الخير. تمام، فهنا لم يملك عمر بن الخطاب نفسه إلا أن رد على أبي سفيان فقال: أخزاك الله يا عدو الله، إن الذين ذكرت لأحياء. فقال أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر، هل هم أحياء؟ فقال: نعم وربي وإنهم ليسمعون مقالتك الآن. فقال: أنت عندي أصدق من ابن قمئة وأبر. ونرجع تاني لمسألة الصدق.

طيب، الأمر دلوقتي تغير، كيف تغير؟ يعني كيف تغير الآن بعقلية أبي سفيان الرجل السياسي التاجر الذي هو أكثر، يعني هو سياسي تاجر أكثر منه مقاتل؟ الآن لو أنه ما فيش، استغفر الله يعني سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ما فيش، أبو بكر ما فيش، عمر، ماذا يعني هذا في الميزان العسكري؟ أو لو أنك مكان أبي سفيان، ووصلتك معلومة أنه الثلاثة الكبار في معسكر المسلمين قتلوا وبقية المسلمين موجودين في الجبل، ما هو القرار العسكري الذي تتخذه؟

والله على الأقل احنا قاعدين هنا أهو يعني هذه القصة التي اسمها الإسلام قد أشرفت على نهايتها، الرجال الثلاثة الكبار الذين هم فيها انتهوا، فبالتالي المعركة ما هي إلا قليل وينهار، تنهار بقية الصفوف، خصوصًا وأنك تحاصر قومًا معزولين ومحاصرين. لكن حين وجد أن النبي صلى الله عليه وسلم وأن أبا بكر، وأن ما زالوا أحياء، لا، هذا هنا الوضع العسكري نفسه يتغير. يعني أقربها لكم الآن، صلوا على النبي، الآن في مسألة غزة التي نتكلم فيها، تخيلوا أي الوضعين أفضل الآن في مسألة وقف إطلاق النار الذي نحن فيه الآن؟ أي الوضعين أفضل؟ أن يأتي وقف إطلاق النار بهذه الحالة، أم أن يأتي مثلاً وقف إطلاق النار وقد فشلت محاولات اغتيال أبو العبد وأبو إراهيم وأبو خالد؟ ما الرأي عندكم؟ الميزان مختلف بوضوح.

فهنا وجد أبو سفيان أنه، أو يعني على الأقل تقدير أبو سفيان وتقدير من كان معه، إنه يعني حتى بقاء المسلمين بقاء قريش في حصار هذه الثلة أو حتى أقدام قريش على أن تغزو المدينة أمر ما زال عسرًا ومتعذرًا، وفيه تكاليف كثيرة؛ لأنه القوة الأساسية، القيادة الأساسية للجيش المسلم لم تمسس بسوء. فأخذ قرار أن تكون هناك جولة ثانية.

تمام، نتوقع من قراءة هذا الكلام ومن قراءة هذا الموقف أنه لو لم يكن هذا الوضع كالذي كان، فإن المشركين إما أن يبقوا على حصار هذه الثلة من المسلمين، أو أنهم يغزوا المدينة بما بقي معهم من جيشهم، ونتذكر أنه المدينة فيها جيش من المنافقين، فالآن الوضع هو أفضل الأوضاع التي يمكن فيها اجتياح المدينة. فلذلك قال أبو سفيان: ستجدون فيكم مثلة، لم أمر بها ولم تسؤني.

هنا الحوار بدأ يتغير، الحوار بدأ يتغير ناحية أنه ما تزال القوتان تتقاتلان، يعني ما يزال هناك حوار أنداد وأكفاء. ستجدون فيكم مثلة، يعني بعضنا قد مثل بجثث القتلى منكم. ستجدون فيكم مثلة، لم أمر بها ولم تسؤني. والله أنا ما أمرتش، برضه ما زعلتش، يعني مش مشكلة يعني، فلم أمر ولم أهن ولم ولم ولم أبغض أو لم أكره ولم أسرّ. وهذه أيضًا يستفاد منها صدق العرب، العرب ما كانش عندهم الدبلوماسية بتاعة أيامنا دي، اللي هو انت بتقول إيه حقوق الإنسان والله دي أخطاء فردية أو دي دعايات كاذبة وبروباجندا. العربي لم يكن عنده هذا ال.

ثم قال أبو سفيان: اعلُ هبل. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يلقن أصحابه إجابة أبي سفيان، فكان يقول: اعلُ هبل. فكانوا يقولون: الله أعلى وأجل. يوم بيوم بدر. فيقولون: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. لنا العزة ولا عز لكم. فكانوا يقولون: الله مولانا ولا مولى لكم. فكان أيضًا حتى في هذه اللحظات التي فيها ضيق وضنك وتعب ورهق، لا يكف المسلمون على أن يراغموا أعداءهم ولو بالكلام والنداء وحده.

ثم قال أبو سفيان: موعدنا معكم بدر من العام القابل. فقالوا: هو بيننا وبينك موعد. هذا هو قرار اتخاذ الآية الجولة الثانية.

تمام، طبعا هنا يتوقف العلماء بقى وأصحاب السير والمؤرخين ويتكلمون: طيب لماذا من البدايه لم يفكر أبو سفيان لا في غزو المدينة ولا في إقامة الحصار؟ والراي الذي أرجحه، كما قلت، أنهم راوا من جهد المسلمين ومن استبسالهم حول النبي صلى الله عليه وسلم وأنقاذة من حومة القتل، ثم تنفيذهم هذا الخرق للحصار القرشي، ثم انسحابهم هذا إلى جبل أحد، وحفاظهم على قيادتهم، ما قدر معه أن البقاء والقتال هو أمر شديد، وقد تتجدد فيه هزيمة المشركين. لأنه أنت إذا وضعت نفسك أمام أبو سفيان، أيضًا أنت الذاكرة والتاريخ الذي عندك كالاتي: انتصار كاسح في بدر، انتصار في بقية الغزوات والسرايا، وانتصار حتى في الجولة الأولى من أحد؛ فكان يريد صورة نصر حتى لو لم يكن هذا النصر مكتملًا، خشي أنه إذا أطال القتال أن ينقلب عليه الأمر إلى هزيمة. فهذا هو الأرجح، وإن كان ل، يعني، للعلماء والمؤرخين في ذلك تحليلات عديدة، حتى قال بعضهم، يعني بعضهم لم يعرف سببًا لذلك، وإنما قال: صرف الله المشركين عنه. يعني علماؤنا الذين يقولون هذه الكلمة تقديرهم أنه لم يكن هناك أي سبب منطقي للعودة، وإنما صرفهم الله عنه. يستدلون على ذلك بأن قريشًا حين رجعت فبينما هم في الطريق في الطريق إلى مكة إذ تلاوموا وتعاتبوا، كيف أنهم لم يقدموا المدينة؟ فلذلك حدث ما سناتي إليه إن شاء الله فيما بعد من أنهم بعد أن رجعوا مرحلة في الطريق فكروا أن يعودوا مرة أخرى لغزو المدينة، لكن حدث هناك أمر سيصدهم عن ذلك، إن شاء الله سناتي إليه في وقته.

طيب، إذا يعني بهذا الشكل نستطيع أن نقول إنه انتهت هذه المعركة، ونبينا صلى الله عليه وسلم أرسل سيدنا علي بن أبي طالب لكي يستطلع المشركين؛ هل المشركين قرروا الرجوع ولا قرروا الاستعداد لجولة أخرى من القتال أو حتى قرروا غزوة المدينة؟ فكان سيدنا علي بن أبي طالب لما راهم، راى أنهم ركبوا الإبل وجنبوا الخيل. ركوب الإبل يعني العودة، لأن ركوب الخيل يعني القتال.

طيب، فأنبقى أن، يعني، نأخذ من هذه المعركة وهذه الغزوة بعض المشاهد التي تثبت بطولة المسلمين والتي قام بها الصحابة من المهاجرين والأنصار. أول ما نراه من ذلك، طبعا التاريخ الاسلامي وحتى السيرة النبوية فيها كثير من المجهولين الذين لا يعرفون ولا تعرف أسماؤهم، فكر رجل في غزوة أحد فعل ما فعله سيدنا عمير بن الحمام في غزوة بدر. روى الشيخان عن جابر، رضي الله عنه، جابر بن عبد الله، قال: رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد: أرايت إن قتلت فأين أنا؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: في الجنة. فالقى ثمرات في يده ثم قاتل حتى قتل.

ذكرنا سيدنا حمزة وبطولاته في المرة الماضية وانه كان يهد الصفوف هدًا، وأنه وحشي بن حرب لما راه، وتكلم عن قتاله مع سباع بن عبد العزى وعبر بهذا التعبير الجميل قال: فتركه كأمس الذاهب، كأنه ذرته ريحًا، تركه كأمس الذاهب. وسيدنا أبو دجانة، رضي الله عنه، الذي أخذ سيف النبي صلى الله عليه وسلم يروي عنه سيدنا الزبير بن العوام؛ لأن سيدنا الزبير لما تقدم لأخذ السيف أعطاه النبي لأبي دجانة، فسيدنا الزبير يعني قال: أنا ابن عمته، طبعا سيدنا الزبير ابن عمة النبي اللي هي مين؟ صفية بنت عبد المطلب. قال: أنا ابن عمته ومن قريش، ثم يضن علي بهذا السيف؟ فبقى سيدنا الزبير متابع حركة مين؟ سيدنا أبو دجانة. قال: فاخذه بحقه، ففلق به هام المشركين. وكان في المشركين رجل يتعقب قتل المسلمين، يذف، يعني يجهز على الجرحى الذي يجد به رمق يقتله. قال: فصار أحدهما يدنو من الآخر حتى سالت الله أن يلتقيا. فلما التقى اختلف ضربتين، فأخذ أبو دجانة الضربة على الدرقة أو الدرع أو الترس، ثم ضربه فقتله له.

ويروي ابن إسحاق أن أبا دجانة أيضا قال: رايت رجلًا يحمس الناس حمسًا شديدًا. قال: فلما جاء صامت له، ثم رفعت السيف على هامته، فاذا هو يولول، فعرفت أنه امرأة، فأكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه أن أقتل به امرأة. وهذه المرأة كانت هي هند بنت عتبه، كما في رواية الزبير. قال: فعلا مفرقها بالسيف، ثم رفع السيف فقلت: الله ورسوله أعلم. فعرفنا السبب من رواية ابن إسحاق.

وروى ابن إسحاق أيضا هذا موقف جميل جدا قال: رفع اليمان بن جابر وثابت بن وقش مع النساء والصبيان إلى الآطام. الآن، طبعا، نحن ذكرنا أن النساء تخرج مع الجيش الإسلامي لسقي الجرحى، سقي العطشة ومداواة الجرحى ونحو هذه الأمور التي يسمى في عرفنا المعاصر اللوجيستيكس، يعني الأشياء التي يستفاد منها بطاقة وتختجب طاقة الرجال للقتال. فكان في الجيش هنا شيخان كبيران، وهما اليمان اللي هو والد سيدنا حذيفه بن اليمان، وسيدنا ثابت بن وقش، مع النساء والصبيان في الآطام. فقال أحدهما لصاحبه: لا أبا لك! لا أبا لك يعني إيه زي ويحك زي ويلك. ما بقي، ما ننتظر؟ ما بقي لكل واحد منا من عمره إلا ظمء حمار. ظمء حمار يعني إيه الظمء يا جماعة؟ هو إيه تسميها العرب الفترة بين الشربتين؟ يعني أنت شربت دلوقتي على ما تعطش مثلا معاك ساعتين ثلاثة أربعة، هذه الفترة تسمى ظمء. طيب، الحمار عند العرب من أسرع الحيوانات ظمأ، فهو كل شوية عايز إيه عايز يشرب، على عكس مين مثلا؟ الجمل.

فبقوله: لا أبا لك، ما ننتظر؟ احنا مستنيين إيه؟ ما بقي لنا، ما بقي لكل منا إلا ظمء حمار. يعني مش باقي، مش باقي لنا في الدنيا دي إلا كم ساعة، ظمء حمار بهذا التصغير، وإنما نحن هامة اليوم أو غدا. فهل هلم بنا نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فانسلوا من بين النساء والصبيان وخرجوا فالتحقوا بجيش النبي صلى الله عليه وسلم، والمسلمون لا يعرفون بهم. فأما ثابت بن وقش فقتله المشركون، وأما اليمان، اليمان بن جابر، ذكرنا أنه قتله من قتله المسلمون في لحظة الارتباك والاضطراب التي كانوا فيها.

طيب، ومن المشاهد أيضا المشهد العظيم الكبير الجميل مشهد سيدنا حنظلة بن أبي عامر. ومشهد سيدنا حنظلة، سيدنا حنظلة بن أبي عامر هذا أبوه يسمى أبو عامر الراهب. وكان أبو عامر الراهب، كما يروى عنه، ممن ترهب رجاء أن تدركه النبوة. في عدد من الناس عند زمن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كان قد تسرب إليهم أو كانوا هم قد تنصروا أو تهودوا، فتعلموا في الكتاب ما عرفوا به أنه يوشك أن يبعث نبي، فبعضهم كان يستعد لذلك. ذكرنا بعض أخبارهم لو تذكرون لما تكلمنا عن أمية بن أبي الصلت في مكه، لا، ورقة عرف النبي، لكن أنا أتكلم الآن عن الذين تهيأوا ليكونوا هم النبي. فأمية بن أبي الصلت أحب أن يكون هو النبي، فلما بعث النبي وراى أنه ليس به كفر به. أعوذكم بالله وأعيذ نفسي بالله من من هذا العناد ومن شهوة النفس. يعني أن الإنسان إذا عرف الحق ولكن الحق ما كانش في مصلحته فيعاند، يعني سبحان الله شوف قرار تأخذه في يوم ولا في يومين لغلبة النفس نفس الأمارة بالسوء يدخلك النار.

واحد عارف أن في نبي أول ما قال مش أنا. خلاص مش كفر به. فأبو عامر هذا مما يروى فيه أيضاً أنه كان من هؤلاء لما رأى أن النبوة لم تدركه كفر بالنبي صلى الله عليه وسلم، بل لم يطق البقاء في المدينة فانحاز إلى مكة.

فأخرجه المشركون معهم في غزوة أحد، وكان يرى وكانوا يرون أنه ما زال ذا أثر في قومه وأنه لو دعاهم إلى الانفضاض عن محمد لانفضوا. فخرج لهم قبيل غزوة أحد يناشدهم أن ينفضوا ويقول لهم: أنا أبو عامر. فسبوه وردوا عليه أقبح الرد، فقال: لقد أصاب قومي بعدي شر. وقاتل مع المشركين، هذا ابنه سيدنا حنظلة، وكان النبي كان يسمى أبو عامر الراهب فكان النبي يسميه أبو عامر الفاسق.

فأما سيدنا حنظلة بن أبي عامر فهذا رجل كان حديث عهد بعرس. المشهد الذي رآه المسلمون في غزوة أحد أنه قتل، ولكنه قتل في ناحية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد رأيت الملائكة تغسله، سلوا عنه صاحبته. صاحبته والتي هي زوجة يعني. فلما سالوها عنه إذا بسيدنا حنظلة بن أبي عامر لم يسمع بنداء الجهاد إلا وهو مع زوجته في الفراش، وكان حديث عهد بعرس أن هذه أول ليلة، فنزع نفسه والتحق بجيش النبي صلى الله عليه وسلم ولم تمهله الأحداث لكي يغتسل ويتطهر من الجنابة فقتل.

فغسلته الملائكة فصار لقبه في التاريخ حنظلة غسيل الملائكة. غسلته الملائكة. وبعض كتب المناقب والتراجم تروي أن زوج حنظلة بن أبي عامر كانت تعرف بنداء الجهاد، ولكنها وهذا بقى يعني إحنا بنتكلم في الصدر الأول والجيل الفريد فالعجائب والغرائب والمدهشات أنها عرفت بنداء الجهاد فكأنها احتالت عليه حتى تصيب منه ولداً فيكون لها شفيعاً. فهو لم يسمع بالنداء يعني هي سمعت وعرفت لكنها أحبت أن تصيب منه الولد، لكنه بمجرد أن سمع نزع نفسه وأقبل إلى الجهاد.

وطبعا هذا يعني هذه مقامات عالية رفيعة. وأتصور يعني أن الذين يعيشون في عصرنا الآن ويقاسون الشهوات ويقاسون التفنن في الشهوات هم أقدر الناس على معرفة أو على تقدير الرجل الذي ينزع نفسه من اللذة ثم يلقي بنفسه في الجهاد. يعني أصلاً مقاومة الشهوة ومقاومة اللذة عمل عظيم عظيم، الإقدام على الجهاد عمل عظيم، ثاني أن واحد يروح ينزع نفسه من اللذة إلى الجهاد. والله الواحد ما يعني يتأمل في قول سيدنا يوسف مثلاً رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ. أحب مش أهون عندي السجن إيه أحب؟ خد خد بالك من اللفظ لو قال السجن أهون عندي يمشي، لكن قال رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ.

طب يعني عايز أقول كم واحد فينا يا جماعة لو خير بين السجن وبين المرأة يقول السجن أحب إلي؟ ده يعني الذي سيختار هذا الاختيار هيبقى بطل عظيم. لو قال السجن أهون عندي ولا ف- هذه مقامات لا تنال إلا بإخلاص شديد وباجتهاد في العبادة وبإقبال على الله تبارك وتعالى، لأنه يعني مثل هذه الأحوال يا جماعة الخير لو أن الإنسان ترك فيها لنفسه أنت أصلاً بتلاقي ناس قد يكون مجاهداً وتفتنه امرأة فتعيده من الجهاد إلى حمقة الشهوة.

الله تبارك وتعالى ذكر لنا عن المشركين أن مما كانوا يتعللون به في ترك الجهاد هو إيه؟ وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي ۚ أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا. ومنهم سيدنا عمرو بن الجموح، وهذا سيدنا عمرو بن الجموح أيضاً قصة أخرى. هذا رجل كان له أربعة أولاد وخرجوا للجهاد وكان هو أعرج شديد العرج، يعني معذور كما قال تبارك وتعالى: لَّيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ. فكان هو يعني معذورا، ولكنه ذهب للنبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، أرايت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل أمشي برجلي هذه الصحيحة في الجنة؟ فقال رسول الله: نعم. وفي رواية قال عمرو بن الجموح: فوالذي بعثك بالحق لأطأن بها الجنة اليوم إن شاء الله. ثم قاتل حتى قتل، وقتل معه ابنه وابن أخيه ومولى لهم. فمر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم وهم قتلى فقال: كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه الصحيحة في الجنة. فهؤلاء قوم عذرهم الله ولكنهم لم يعذروا أنفسهم، وهذا أيضاً مقام رفيع ويعني لا أطيل فيه، فكل إنسان يعني أدري كيف أن كيف هو يتعلل لكي يهرب من التكاليف ولكي يهرب من المواقف الشديدة.

طيب. وكذلك من بطولات هذا اليوم ما رواه سيدنا سعد بن أبي وقاص عن سيدنا عبد الله بن جحش رضي الله عنه قال: قال له عبد الله يوم أحد: ألا تاتي ندعو الله في ناحية؟ قال: نعم. فدعا سعد فقال: اللهم إذا لقيت العدو غدا فلقني رجلا شديدا بأسه شديدا حرده أقاتله ويقاتلني، ثم ارزقني الظفر عليه حتى أقتله وآخذ سلبه. فقال عبد الله بن جحش: آمين. ثم دعا عبد الله بن جحش فقال: اللهم لقني إني غدا رجلا شديدا بأسه شديدا حرده أقاتله ويقاتلني فيقتلني، ثم يجدع أنفي وأذني، حتى إذا قدمت عليك غدا قلت لي: يا عبد الله فيما قتلت؟ فأقول: يا رب قتلت فيك وفي رسولك. فتقول: صدقت.

قال سعد: فكانت دعوته خيرا من دعوتي. ثم قال: ولقد رايته آخر النهار وإن أذنيه وأنفه معلقات في خيط. يعني استجاب الله له على النحو الذي دعا الله به.

وروى الشيخان عن أنس، أنس رضي الله عنه أظن هذه ذكرتها في المرة الماضية، وهي حكاية أنس بن النضر رضي الله عنه أنه لما فاته موقف بدر قال: لئن أشهدني الله موقفا مع رسوله ليرين الله ما صنع. ثم خاض في المشركين فقال أنس: فما وجدناه قد أصيب بثمانين ما بين ضربة سيف وطعنة رمح ورمية سهم، فما عرفته أخته إلا ببنانه.

وروى الإمام مالك والحاكم والبيهقي وغيرهم عن سعد بن الربيع قال: قال خارجة بن زيد بن ثابت - هذا من علماء المدينة أبوه سيدنا زيد بن ثابت - قال زيد بن ثابت: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد لطلب سعد بن الربيع، يعني أن يتفقده. قال: وقال لي: إن رايته فأقرئه مني السلام وقل له: يقول لك رسول الله كيف تجدك؟ قال زيد: فجعلت أطوف بين القتلى فأصبته وهو في آخر رمق وبه وون ضربة ما بين طعنة برمح وضربة بسيف ورمية بسهم. فقلت له: يا سعد، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئك السلام ويقول لك: كيف تجدك؟ قال سعد بن الربيع: على رسول الله السلام وعليك السلام، قل له يا رسول الله: أجدني أجد ريح الجنة، وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله إن يخلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيكم شفر يطرف. الشفر هو حد الجفن الذي ينبت عليه الشعر. فلا عذر لكم أن يخلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيكم عين تطرف.

وفي هذه الغزوة أسلم مخيريق. مخيريق هذا رجل من علماء يهود بني النضير. أسلم في هذه الغزوة ودخل أقبل إلى جيش المسلمين وترك أمواله وصية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هو قتل، فقاتل حتى قتل. فصار في يوم واحد من الكفر إلى الصحبه، صحبة النبي، إلى إيه؟ الشهادة في سبيل الله.

ومثل ذلك أيضاً رجل من المشركين اسمه عمرو. عمرو بن ثابت وقيل عمرو بن أقيش وبعضهم فرق بينهما. لكن هذا أيضاً لما أقبل إلى جيش المسلمين منعه المسلمون لما يعرفونه من أنه ليس مسلما، فقال: إني قد آمنت. ثم دخل فقاتل حتى جرح فحمل إلى أهله فقال سيدنا سعد بن معاذ - اللي هو سيد الأنصار بقى - فقال سيدنا سعد بن معاذ لأخته: سليه أن كان ذلك حمية لقومه غضباً لقومه أم غضباً لله ورسوله؟ إحna ذكرنا قبل ذلك العرب كانت فيهم هذه الحمية هذه العصبية لقومهم، يعني ماذا يعني يشبه مثلاً بتعبيرنا المعاصر يعني مش جدعنة أن إيه أن أصحابك داخلين في الخناقة وأنت سايبهم، فما فيش حد يقبل أن هو إيه قومه يقاتلون وهو لا يقاتل. فسألته أخته فقال: بل غضباً لله ورسوله. فمات ودخل الجنة وما صلى لله صلاة.

ومن النساء أيضاً من كانت لهن مواقف في هذا اليوم. ذكرنا في المجلس الماضي ما كان من عمل فاطمة رضي الله عنها، كانت تغسل الدم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأته لا يزيد إلا كثرة عمدت إلى حصير فأحرقته حتى صار رمادا ثم وضعته على الجرح فاستمسك. وكانت عائشة وأم سليم تسقيان الجرح. وروي كذلك عن أم سليط الأنصارية رضي الله عنها أنها كانت تحمل القرب وتسقي الجرحى. وفي الرواية المشهورة عنها أنها كما قال عمر فإنها كانت تفرز لنا القرب يوم أحد يعني تخيط لنا القرب يعني القربة تصنعها يوم أحد وتنقل فيها الماء.

ومنهم كذلك السيدة حمنة بنت جحش الأسدية. هذه السيدة حمنة بنت جحش أيضاً كانت تسقي وتداوي الجرحى، لكن السيدة حمنة هذه في هذه المعركة أصيبت إصابة شديدة في أهلها. طبعا السيدة حمنة بنت جحش اختها أم المؤمنين زينب بنت جحش، بس ده اختها فيما بعد يعني لأن هي لسه النبي في ذلك الوقت لم يكن قد تزوج بزينب بنت جحش. وهي ابنة عمة النبي صلى الله عليه وسلم، لأن هي أمها أميمة بنت عبد المطلب فهي ابنة عمة النبي صلى الله عليه، واخت أم المؤمنين زينب بنت جحش، واخت عبد الله بن جحش الذي استشهد على النحو الذي ذكرناه قبل قليل، وزوج مصعب بن عمير، تمام؟ فلذلك وخالها حمزه بن عبد المطلب - إحنا قلنا هي ابنة عمة النبي فخالها مين؟ سيدنا حمزة - فلذلك روي عنها هذا الحديث. هو الحديث ضعيف يعني بميزان المحدثين الحديث ضعيف، لكن روي عنها أنها لما بلغها نبأ مقتل خالها حمزة استرجعت (لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون)، فلما بلغها مقتل أخيها استرجعت، فلما بلغها نبأ مقتل زوجها ولولت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن زوج المرأة منها بمكان.

طبعا مما يم- مما يروى ولا يثبت يعني روي من طرق ضعيفة فيها انقطاع ما كان من جهاد سيدة أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية. هي قصة مشهورة وطبعا لازم تبقى قصة مشهورة علشان إيه؟ إحنا في عصر النسوية الآن، يعني القصة الضعيفة دي قصة إنه السيدة أم عمارة كانت تجاهد عن النبي صلى الله عليه وسلم فك- وعنه أنه كان يقول: ما التفت يمينا ولا شمالا إلا رايتها تقاتل عني، وأنه قال: من يطيق ما تطيقين يا أم عمارة؟

هو مش مستبعد، هو مش مستبعد تمام، لكن على كل حال لم يرد عندنا بطريق صحيح. هذه الرواية فيها وضاع اللي هو أبو بكر بن أبي صبرة وفيها الواقدي يرويها عنه وهو متروك. يعني المهم الرواية مش لا تثبت بشكل صحيح، لكن هي يعني اشتد اشتهارها في زماننا هذا علشان نقول المرأة وحقوق المرأة وواجبات المرأة والكلام ده يعني تمام؟ صلوا على النبي.

طيب الآن بقي أن نرى حال قتل المسلمين. إحنا بداية منذ أن ظهر الخلل في معسكر المسلمين ذكرنا أن المشركين عادوا، طيب نساء المشركين لم يقاتلنا فماذا فعلن؟ ظلوا يتتبعون جثث المسلمين بالتمثيل. التمثيل يعني قطع الآذان، قطع الأنوف، وكانوا يصنعون منها قلائد وخلاخيل. تمام؟ يعني من لا يؤمن بالله عادة عادة ما يكون فيه قسوة، ما يكون فيه قسوة وتنكيل، فلذلك كان التمثيل هو قطع الأنوف، قطع الآذان، بقار البطون، قطع الفروج أيضاً، وكانوا يصنعون من ذلك قلائد وخلاخيل وأقراصا.

ومن أول من مثل به سيدنا حمزة بن عبد المطلب لأن هو إيه قتل في لحظة التقدم، فكان نستطيع أن نقول أول واحد يمكن أن يرى المشركون جثته فتولى التمثيل به مين؟ صاحبة الثار هند بنت عتبه. نعم، فلذلك بقرت بطنه وأخرجت كبده، وفي رواية ضعيفة أيضاً أنها حاولت أن تأكل كبده فلاكته لكنها لم تستسغ، لم تستطع أن تبتلعه فلفظتها. هذه رواية ضعيفة، أما رواية التمثيل فهي رواية صحيحة.

وروى جابر رضي الله عنه عن أبيه عبد الله بن عمرو بن حرام قال: جيء بأبي يوم أحد قد قتل ومثل به حتى وضع بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سجي ثوبا. فذهبت لأكشف عنه فنهاني قومي - يعني ما كانوش حابين أن هو يرى أباه وقد مثل به - فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع، فجعلت أكشف الثوب عن وجهي وأبكي، وجعلوا ينهونني ورسول الله لا ينهاني. فجعلت عمتي فاطمة تبكي، فسمع النبي صوت باكية أو صاحية صائحة فقال: من هذه؟ قالوا: فاطمة بنت عمرو. قال: فلا تبكي - قال صلى الله عليه وسلم: - فلا تبكي، فما زالت الملائكة تظلله بأجنحتها حتى رفع.

وفي رواية أخرى جميلة جداً عند الترمذي وابن ماجه قال النبي صلى الله عليه وسلم لجابر: يا جابر، مالي أراك منكسرا؟ قال: يا رسول الله، استشهد أبي وترك عيالا ودينا. سيدنا جابر هيكون لنا معاه قصة ثانية إن شاء الله في مسألة إيه زواجه وانه سيتزوج من ثيب ولن يتزوج من بكر وقصة كده لذيذة مع جملة الذي بعه اشتراه منه النبي صلى الله عليه وسلم، المهم يعني إيه من هذه اللحظة هيبقى في كده إيه خط كده على هامش السيرة لسيدنا جابر. فقال: استشهد أبي وترك رجالا وترك عيالا ودينا. فقال صلى الله عليه وسلم: ألا أبشرك بما لقي الله به أباك؟ قال: بلى يا رسول الله. قال:

ما كلم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب، وأحيا أباك فكلمه كفاحا، فقال يا عبدي تمنى علي أعطك.

ذروة، الذروة خلاص المقام الأرفع، فقال، تخيلوا يا جماعة ماذا يمكن أن يطلب رجل في هذا المقام وفي هذه المنزلة، اسمعوا قال يا ربي تحييني فيك، تحييني فأقتل فيك ثانية.

طبعا تعرفون حديث النبي صلى الله عليه وسلم ما من أحد من أهل الجنة يحب أن يعود إلى الدنيا إلا الشهيد، ما يحب أن يعود إلى الدنيا إلا علشان إيه؟ يقتل، لما يرى من الكرامة النبي صلى الله عليه وسلم قال لولا أن أشق على أمتي ما تركت سرية، النبي يخرج ليجاهد فيها، فقال رب العزة تبارك وتعالى إنه قد سبق القول مني أنهم إليها لا يرجعون، يعني الطلب اللي أنت بتطلبه ده إيه خارج قوانين هذه هذا الكون وهذا الوجود، لكن هذا هو المقام الرفيع الذي وصل إليه سيدنا عبد الله بن حرام بن عمرو بن حرام.

تذكرون متى احنا ذكرنا هذا أكثر من مرة، تذكرون متى أسلم هذا الرجل؟ متى أسلم؟ في بيعة العقبة، حياك الله، فكرني بجايزة، طيب، وكان لإسلامه قصة ذكرناها أيضا أكثر من مرة، وهي أنه أسلم بعد مجلس واحد لما جاء سيدنا كعب بن مالك وأخذه وقال يعني أن أنت رجل من سادتنا، وإني أظن عليك وحدثه عن الإسلام في يوم بيعة العقبة فاسلم وشهد العقبة وكان نقيبا.

وذكرنا أيضا أنه اللي بيسلم ده من أول القعدة ومن أول جلسة يعبر عن ذكاء كبير، ذكاء عقل وذكاء نفس، يعني شوفوا يا جماعة صلوا على النبي، في ناس أدركت أن الإسلام حق بس ضد مصالحها، خلاص، فده حصل عنده الذكاء العقلي وما حصلش عنده إيه؟ ذكاء النفس وطهارة النفس وطهارة القلب، أيوه ده حق بس أن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا، وفي أكيد ناس ترددت، الموضوع إيه فاكرين لما هاني بن قبيصة يقول يعني أني أرى أن تصديقنا لك واتباعنا إياك لمجلس جلسته لنا لا أول له ولا آخر لزلل في الرأي وقلة نظر في العاقبة ولكن نرجع وترجع وإن من ورائنا قوما لا نحب أن نقطع أمرا دونه، كده الموضوع فيه إيه؟ اهو فاهم اهو كويس بس ذكاء النفس دي لسه شوية، وطبعا في أغبياء ما بيفهموش عادي ما تمام.

حاصل يعني تمام، لكن الذي يسمع الإسلام ويستجيب له من اللحظة الأولى ده تعرف أن هو ذكي العقل يفهم ويرجح بسرعة، وذكي النفس أيضا لأنه يقبل على الحق مهما كانت التبعات ومهما كانت التكاليف وقليل ما هم.

وطب وبدأ بعد ذلك توافد النساء من المدينة لما وصلت الأخبار، فمن ذلك ما رواه ابن ماجه بسند صحيح عن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بنساء عبد الأشهل، قبيلة في المدينة، يبكين هلكاهن يوم أحد يعني قتلاهن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن حمزة لا بواكي له، فلشدة تأثر النبي صلى الله عليه وسلم بسيدنا حمزة وفيما يبدو أنه يعني ستاتينا بعد قليل رواية أخرى.

طيب، لكن هنا بقى جاء نسوة من الأنصار فصاروا يبكين حمزة، تركنا قتلاهم وصاروا إيه يبكين حمزة، اه طيب، طب عند هذا المشهد نتوقف، ثم نستكمل إن شاء الله في المجلس القادم، نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.