بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم اجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين.
مرحباً بكم أيها الأحباب، طبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً. نسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا على طاعته أن يجمعنا في جنته ومستقر رحمته ودار كرامته. ونسأل الله تبارك وتعالى أن يتقبل منا ومنكم رمضان، وأن يعيده علينا وعليكم أعواماً عديدة وأزمنة مديدة، وأن يعيده علينا وعليكم والأمة في عز ونصر وغلبة وتمكين وسيادة، وأن يعيده علينا وعليكم بنصر المجاهدين في سبيل الله في كل مكان.
ونذكر أنفسنا ونذكركم بالواجبات المفروضة علينا لنصرة إخواننا المجاهدين في سبيل الله في كل مكان، وهذا أمر لا يجوز أن نَفْتُرَ عنه ولا يجوز أن نكسل عنه ولا يجوز أن نفرط فيه. لا يليق أن نمل نحن من الكلام، وأن نمل من أدنى القليل الذي هو التبرع والمقاطعة والدعاء والكلام، لا يليق أن نمل نحن من هذا، وإخواننا وأهلنا تنهمر عليهم الصواريخ والقذائف ويعانون الموت والمرض والجوع والعطش. فاسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يقومون بواجب النصرة، وأسأله تبارك وتعالى أن ينتقم من كل من يخذلهم ويسلمهم ويتآمر عليهم.
كنا توقفنا قبل شهر رمضان في المجلس الماضي عند الحديث عن تحويل القبلة. وحديث تحويل القبلة من الأحاديث التي أشعر أنها لم تأخذ حقها كثيراً عند الذين يتكلمون في السيرة فيما شهدته -طبعاً- ويجب على المسلم أن يعرف أن هذه الحادثة كانت بمثابة -لو أني أريد أن أقرب وأشبه يعني بما يحدث في زماننا هذا- كانت بمثابة إنشاء نظام عالمي جديد؛ يعني نقطة تحول في التاريخ الإنساني وفي التاريخ الإسلامي.
الجماعة المهتمين بالسياسة إذا حدثتهم عن نقاط التحول المعاصرة يحكي لك مثلاً انهيار الاتحاد السوفيتي، سقوط جدار برلين الذي يعبر عن انهيار الاتحاد السوفيتي، قبل ذلك الحرب العالمية الثانية، قبل ذلك الحرب العالمية الأولى، كل هذه اللحظات، قبلها الثورة الفرنسية، قبلها الثورة الصناعية، كل هذه لحظات ما كان بعدها ليس كما كان قبلها. فهذه اللحظة، لحظة تحويل القبلة، هي في تاريخ العالم، هي في تاريخ الأديان، هي في تاريخ المسلمين، بمثابة إنشاء نظام عالمي جديد، لأن هذه اللحظة كانت لحظة فاصلة افترق فيها الإسلام عن أهل الكتاب.
وقد كان المسلمون إلى قبيل هذه اللحظة يتألفون أهل الكتاب، وكان القرآن الكريم يتألف أهل الكتاب، لأن أهل الكتاب عندهم علم من الله تبارك وتعالى، وعندهم النبوءات التي تثبت لهم أن هذا الرسول هو رسول من عند الله حقاً، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم. فلما وقف أهل الكتاب هذا الموقف الذي يحادون فيه الله ورسوله، عند هذه اللحظة لحظة تحويل القبلة، نستطيع أن نقول أنها كانت لحظة إعلان تأسيس أو إعلان استقلال الأمة الإسلامية. تمام، إعلان تأسيس أو إعلان استقلال الأمة الإسلامية.
ولذلك فهذه اللحظة هي لحظة كانت لحظة شديدة على المسلمين وعلى غير المسلمين أيضاً. نحن افتتحنا الكلام في المجلس الماضي حول هذا الموضوع فلا أعيد ولا أكرر ما كنا تكلمنا فيه، ولكن أذكركم بأنه حادث تحويل القبلة كان محنة للجميع؛ محنة للمسلمين، ومحنة للمشركين الكفار، ومحنة لأهل الكتاب، وهو أيضاً لا يزال محنة للمسلمين المعاصرين.
وقد ذكرنا أنه مسألة تحويل القبلة من الأمور التي نعرف بها أن ارتباط المسلمين ببيت المقدس بدأ منذ بداية الإسلام؛ منذ لحظة نزول الوحي، كان أول ما علمه جبريل النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين، كان المسلمون يتجهون إلى بيت المقدس. فبيت المقدس هو القبلة الأولى.
تمام، وكنا ذكرنا أنه -يعني- المجلس الماضي لو اعتبرناه محاولة رسم للأجواء التي كانت مسيطرة في هذا، بأننا نريد أن تناول هذه الحادثة كما جاءت في القرآن الكريم، كيف عالج القرآن الكريم هذه اللحظة المفصلية التاريخية؟ تمام.
فذكرنا -أو يعني هنا توقفنا في المجلس الماضي- عند أن سورة البقرة، سورة البقرة بشكل عام هي أطول سور القرآن الكريم وهي سوره مدنية، واستمر نزولها من أول دخول النبي إلى المدينة، وكان آخر ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم هي أيضاً آية في سورة البقرة. فهي سورة تابعت تطور الدولة الإسلامية وتابعت تطور المجتمع المسلم.
وذكرنا أنه هذه السورة نستطيع أن نقسمها إلى قسمين كبيرين؛ القسم الأول هو تاريخ بني إسرائيل، تاريخ الأمة التي كلفها الله بالرسالة وحملها الأمانة وأنزل عليها الكتاب ولكنها نكثت عهدها مع الله، فيضربها الله مثلاً لنا لكي نتعلم منها. هذا النصف الأول. النصف الثاني هو الأحكام والتشريعات والتكاليف التي نزلت على المجتمع الإسلامي. فلذلك تجد في سورة البقرة أحكام الزواج، وأحكام الطلاق، وأحكام الصيام، وأحكام القتال، وأحكام النفقة، وأحكام الرضاعة، وأحكام الجهاد والانفاق، والقصاص. لدينا أحكام كثيرة.
ومن حكمه الله في تسمية هذه السورة سورة البقرة، أن حادثة البقرة هذه هي حادثة فارقة بين الأمتين؛ أمة ينزل عليها التكليف فتظل تتردد في تنفيذ أمر الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا، ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ، ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا، ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا. لكن المسلمين هم الذين إذا جاءهم أمر من الله يقولون: سمعنا وأطعنا. فلذلك ضرب الله مثلاً بقصة البقرة هذه لكي حين تأتي التكاليف والتعاليم نقول: سمعنا وأطعنا، دون أن نكرر سيرة بني إسرائيل.
طيب، فالآن ونحن نتكلم في مسألة النسخ، النسخ بمعنى أن الله تبارك وتعالى أنزل حكماً ثم نسخه، وأن هذه المسألة مسألة شديدة وقد لا -يعني- تتقبلها بعض النفوس، يعني يقول قائلهم: كيف يكون الأمر الذي نزل من الله تبارك وتعالى هو نفسه الأمر الذي يتغير؟ فيتخذون من هذا مطعناً على القرآن الكريم، ويقولون بأن هذا القرآن ليس كلام الله ولكنه كلام محمد وقد بدا له فيه أن يغيره تماماً. فكان أول ما نسخ هو أمر القبلة.
طيب هل يا جماعة هذه المسألة مسألة النسخ، أقول لكم كيف عالجها القرآن الكريم هنا وكيف مهد بها لمسالة تحويل القبلة لكي ندرك أيضاً كيف كان الأمر شديداً، أمر تحويل القبلة لما حصل؟ فالآن نحن في مسار سورة البقرة يتلو علينا ربنا تبارك وتعالى سيرة بني إسرائيل وما فعلوه، حتى نصل إلى قوله تعالى: مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّن خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
أورد بعض المفسرين في أسباب نزول هذه الآية أنه الأنصار لما أسلموا كان بعض الأنصار يقولون لحلفائهم من اليهود -إحنا عارفين زي ما قلنا قبل كده إنه كان في أوس وخزرج، هؤلاء لهم حلفاء وهؤلاء لهم حلفاء- فكانوا يقولون لهم: آمنوا، فكانوا يقولون: ما عندنا خير مما عندكم، ولو كان الذي عندكم خير لأمنا به تماماً. وكانوا يتخذون كل المطاعن -الآية التي قبل هذه الآية فيها توجيه من الله تبارك وتعالى لعباده: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرُوا وَاسْمَعُوا- المؤمنين حين كانوا يخاطبون رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانوا يقولون: راعنا، بمعنى الرعاية يعني، أي واحد يطلب من قائده من نبيه من أبيه يطلب منه شيئاً، فهم كانوا يميلون ألسنتهم بها لكي تدل على معنى الرعونه لا ليس معنى الرعاية راعنا. فوجه الله عباده لكي لا يقول الكلية التي يشتبه فيها اللفظ أو تشتبه فيها النوايا، فان تستقل الأمة حتى على مستوى الألفاظ، وطبعا هذا باب طويل لا نفتحه الآن، باب النهي عن التشبه بالكفار. تماماً، هذا باب لا نفتحه الآن، لكن الآن أنا نحكي على مسألة إنه كانت بنو كان اليهود يتخذون كل المطاعن، حتى الألفاظ التي يمكن أن يميلوها لكي تؤدي معنًى سيئاً، فالله تبارك وتعالى قص هذه القصة على عباده المؤمنين لكي ينتهي إلى قوله تعالى هنا: مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّن خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ. ما هو الخير الذي نزل على المؤمنين؟ هو هذه الرسالة، هو هذا الدين، هو هذا الإسلام تماماً.
ثم ياتي الله تبارك وتعالى لقوله: مَّا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُسِْهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا. الآن أنتم عارفين يا جماعة، إحنا إلى عصرنا هذا في بعض المسلمين، وحتى -يعني- بعض الفضلاء منهم وبعض الناس المنسوبين إلى العلم، يقولون بأن القرآن ليس فيه نسخ، ليه يا مولانا القرآن ليس فيه نسخ؟ يستعظم أن يقول إن الله حكم حكماً ثم غيره، يستعظم أن يقول هذا، لا يتقبله، ويتاثر في ذلك بما يقال من المستشرقين ومن غير المسلمين.
لكن السؤال يا جماعة: الله تبارك وتعالى حين ينزل أمراً ثم يغيره، المعنى هنا، المعنى هنا هو أن الله بدا له شيء فغيره، ولا المعنى أنه الناس يحتاجون إلى التدرج وإلى الإصلاح؟ يعني الآن أنا حين آتي إلى والد في البيت فأخطأ ولدان له، أعاقب هذا بعقوبة وأعقب الثاني بعقوبة أخرى، ماذا أفتراض؟ أفتراض أن الوالد كان مطلعاً على أنه هذا يصلحه كذا وهذا تصلحه كذا، لا أفترض أن هو -يعني- هو غير الحكيم أو غير العليم أو غير الخبير، أفترض اختلاف الظروف الواقعة في الناس.
ولذلك الآن لما أي نسخ جاء في القرآن، ألم يكن لمصلحة الناس؟ يعني مسألة زي مسألة تحريم تحريم الخمر، مسألة زي مسألة تحريم الربا، هذه المسائل أغير الله قوله فيها؟ -طبعا استغفر الله أن نحن الآن نحاول أن نبسط المسألة- أم أن الناس لم يكن يصلحهم إلا التدرج؟ فالنسخ هو أمر في مصلحة الناس، ليس أمراً يعود على حكمة الله تبارك وتعالى بالخدش أو بالانتقاص. فلذلك ربنا تبارك وتعالى وهو يهيئ عباده لفهم مسألة النسخ يقول لهم: مَّا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُسِْهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ.
يعني إيه الآن الذي ينسخ ويأتي باية أخرى أو مثلها؟ أليس على كل شيء قدير؟ بلى. طيب أليس له ملك السماوات والأرض؟ بلى. فالاعتراف له، الاعتراف لله بأنه على كل شيء قدير وأنه مالك السماوات والأرض يؤدي إلى أن الله لم ينسخ ولم يثبت إلا بمقتضى حكمة.
يعني الله الذي خلق السماوات والأرض على هذا النحو البديع هل كان يعجزه أن يقول من البداية الحكم النهائي؟ يعجزه؟ طيب إذاً لماذا لم يقل من البداية؟ لحكمة تقتضيها هذه الأحوال. فالحكمة كما تبدت وكما تجلت وكما ظهرت في خلق الله تظهر في نسخ الله.
وأنظر بقية الآية: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ. يعني معنى أن النسخ الذي يأتي الحكم الذي يتغير هو مظهر من مظاهر ولاية الله للمؤمنين ونصرة الله للمؤمنين، مظهر من مظاهر رعاية الله للمؤمنين.
ولذلك هنا تأتي الآية بعدها حقيقة سبحان الله، الآية تقول: أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ. أنت أيها المتشكك الذي دخل نفسك بعض الريب من حكم النسخ، يا ترى ستكرر ما فعله بنو إسرائيل مع موسى لما قالوا: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً، لَن نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً؟ يعني وكانه قد دار بنفوس بعض المسلمين -ويعني- داخلها الشك فبالتالي صاروا يطلبون أدلة وبراهين على أن النبي رسول من عند الله، فيذكرهم ربهم بسيرة بني إسرائيل من قبل الذين سالوا موسى نفس هذه الأسئلة.
أنتم عارفين بنو إسرائيل قالوا يعني، قالوا لسيدنا موسى في الآخر إيه؟ لَن نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً. صح؟ مع أن بنو إسرائيل هؤلاء الذين قالوا هذه الكلمه هم الذين عبروا بمعجزات لا مثيل لها، أشهرها معجزة إيه؟ انشقاق البحر، بحر انشق لهم وعبروه، يعني عاشوا معجزة، وبعدما عبروا البحر الذي انشق لهم أغرق فرعون. لذلك ستاتي معنا الآية أنه هذا الطريق، طريق طلب المعجزات وطريق دخول التشكك، آخره الضلال آخره الكفر، لأن المسألة ليست مسألة معجزات، إنما مسألة نفس بدأت تستنيم إلى الشك وتلتصق بالريب وتفكر وتولد المعجزات.
أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ؟ آخره هذا الطريق إيه؟ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ. بنو إسرائيل عملوا إيه بعد المعجزات كلها؟ نكثوا.
لذلك سبحان الله هنا الشهيد سيد قطب رحمه الله يقول لك، يقول في هذه "ألم تعلم" "أم تريدون" يقول هنا تبدو في العبارة رائحة التذكير ورائحة التحذير. هذه إحدى بدائع العبارات التي قرأتها في التفسير. الكلمة هذه وأنت تحاول أن تتصور كيف نزلت على مجتمع المؤمنين فيها رائحة التذكير وفيها رائحة التحذير.
وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنْفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ. هذا هو أصل المعركة الآن. إحنا لسه ما حولناش القبلة خد بالك، إحنا كلنا ما زلنا فين؟ في التمهيد. فالتمهيد يخبرك عن إنه أهل الكتاب الذين كان هذا تاريخهم مع نبيهم، الآن تاريخهم مع المسلمين كالاتي: مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ، واحذروا خذوا بالكم أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ.
أصل المعركة هو على هذا الأمر الذي تميزتم به. الخير الذي نزل عليكم من ربكم. وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، هذه آية نزلت قبل تشريع القتال: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ. يقول المفسرون يعني أمر الله هنا هو القتال، تمام. إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
ما معنى هذه الآية؟ أن المسلم ينبغي عليه أن يستزيد من العمل الصالح لكي يقوي هذا الإيمان في قلبه فلا يتأثر بشبهات وبدعايات وبأقوال أهل الكتاب الذين يريدون أن يردوا هؤلاء المسلمين كفاراً بعد إيمانهم. ولذلك أنتم تعرفون منهج مذهب أهل السنة أن الإيمان يزيد وينقص، وأن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي. فالإنسان كلما شعر أو كلما أقبل على فتنة أو كلما أقبلت عليه شبهة أو كلما تعرض لدعاية ينبغي أن يرجع فيستزيد من رصيده الإيماني. وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
طيب، الآن نحن ذكرنا أن مسألة أن الطعن في النسخ هو طعن في الملك والقدرة، هذا أمر يجب ألا ننساه، طيب جميل. الآيات التي تلي ذلك، آيات شوفوا يا جماعة أسلوب القرآن أسلوب عجيب، ويعني أنت ترى أنا ذكرت لكم قبل ذلك ابن سيد قطب يقول في مقدمة تفسيره لسوره الرعد: أنا أحيانا أخشى أن أمس هذا القرآن ببياني القاصر، يعني أخاف أن أنا أشرح فأخدش صورة الآية النقية. واحد مثلا زي شيخ العربية محمود شاكر له مقدمة بديعة على كتاب مالك بن نبي الظاهرة القرآنية. محمود شاكر يحاول أن يصف إعجاز القرآن اللغوي ولكنه يرى أنه لا يستطيع في هذه المقدمة، كلما اقتربت من أسلوب القرآن كلما أعجزك أن تحاول تيسيره. طبعا نحن مع الأسف يعني بعد العهد بنا ولدينا عجمة، لكن من التصق بالقران ومن حافظ عليه فانه ينفتح له من أسراره.
الآيات القادمة، آيات فيها معنى واحد وهو معنى أنه أهل الكتاب دول والمشركين اللي احنا اتفقنا أنهم لا يريدون خيراً للأمة الإسلامية وأنهم يودون لو كفروا، هؤلاء أهل الكتاب الذين يشنعون على الأمة الإسلامية هم أساساً يشنعون على أنفسهم، وهم في تشنيعهم على أنفسهم واختلافهم على أنفسهم يتفقون في أصول عامة، تمام. منها مثلاً أول اتفاق: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ. اليهود بيقولوا لن يدخل الجنة إلا اليهود، والنصارى بيقولوا لن يدخل الجنة إلا النصارى: تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. يعني حتى لو أن المسلم سيتاثر بدعاية أهل الكتاب، طيب ما هو دعاية أهل الكتاب؟ هم أهل الكتاب أنفسهم ليسوا صنفا واحداً ولا هم متفقين على أصل واحد. يعني من تاثر بدعايات اليهود فانه سيفاجا أنه داخل إلى النار على لسان النصارى، أو من سيتاثر بدعاية النصارى فسيفجا بأنه داخل النار على لسان اليهود. وأطلاقهم هذا الكلام اليهود والنصارى معا مجرد أماني ليس عندهم عليه أي دليل: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. دعاوى.
بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. بقية الآية. الأمر الثاني اهو: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ. من الذين لا يعلمون؟ المشركون اللي ما عندهمش كتاب. يبقى دلوقتي إذا نظرنا نحن كنا أمة الإسلام ووجدنا الأسهم آتية إلينا من ثلاث جهات: يهود ونصارى ومشركون. هؤلاء اليهود يقولون ليست النصارى على شيء، ويقولون لن يدخل الجنة إلا من كان هودا. طيب هؤلاء النصارى يقولون لن يدخل الجنة إلا النصارى وليست اليهود على شيء، وكلاهما يقول إن الكفار دول هيدخلوا فين؟ هيدخلوا النار ومش داخلين الجنة، طيب كويس. الكفار دول المشركون يقولون أنه لا اليهود ولا النصارى على شيء، وأنه الأساطير اللي عند اليهود والنصارى زي الأساطير اللي عندنا احنا العرب، وإلا فقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم في أرض العرب فكانوا يعبدون الأوثان، حد فيهم كان مؤمن بموسى؟ حد فيهم كان مؤمن بعيسى؟ القلة القليلة النادرة الأحناف الذين ذكرناهم. فبالتالي خروجك من الحق الواضح الذي جاء به نبي صادق، كما وصفه جعفر نعرف صدقه وأمانته ونسبه، لن يؤدي إلى هداية وإنما يؤدي إلى تحير وضلال. ما هو كل هؤلاء يقولون بالأماني، تمام. فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.
يبقى إذا اليهود والنصارى والمشركون اجتمعوا على أن كل فرقة منهم ليست على شيء ولن يدخل الجنة إلا أحدهم. من الأمور التي اجتمعوا عليها أيضاً أنهم جميعا يمنعون مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ويسعون في خرابها. ترى اليهود تاريخهم مع النصارى وفي بيت المقدس في الدولة الرومانية، وترى النصارى حين غزوا فيما بعد اليهود وقتلوهم، ترى كل واحد من هؤلاء هدم المعابد والمساجد والهياكل التي يعتنقها أو التي يعبد الله فيها الطرف الآخر الدين الآخر. حتى المشركون أيضا روعوا في هذا المسجد الذي هو البيت الحرام، روعوا أهله حتى اضطروهم إلى الهجرة. فإذاً مما اتفقوا فيه من أشكال الظلم أنهم يمنعون مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ويسعون في خرابها. ولذلك قال تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ. والراجح من أقوال المفسرين هنا: أي هو فيه تلميح للجهاد، وأن هؤلاء ينبغي ألا يدخلوا بعد ذلك المساجد إلا خائفين، يعني المسلمون سيجاهدون سيستردون البيت الحرام ويستردون المسجد الأقصى، وينبغي ألا يدخل هؤلاء هذه المساجد إلا وهم تحت ظل المسلمين وبإذن منهم وبخضوع لهم. وهذه من الإلماس أو الإلماحات التي سبقت مسألة فرض الجهاد، تمام. لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ. وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.
طبعا هذه الآية حين نزلت فيها تمهيد لمسألة تحويل القبلة: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. وهي فيها أيضاً تميز لهذه الأمة الإسلامية، لأن اليهود والنصارى يرون أن العبادة لا تجوز إلا في المعابد والهياكل، فكانت هذه الأمة كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأينما أدركت امرؤ أمر الصلاة فليصلي، تمام. فمما تميزت به هذه الأمة أنها تعبد الله تبارك وتعالى، وفيها معنى وفيها إشارة إلى أنه المسألة ليست متعلقة بالأماكن، وإنما متعلقة بوجه الله تبارك وتعالى.
طيب، ومما اتفق فيه، يعني دلوقتي هم اتفقوا في تضليل بعض، واتفقوا في حصر الجنة فيهم هم، واتفقوا في الظلم ومنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، واتفقوا أيضاً في قولهم بأن لله ولدا: وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ ۖ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ. طيب، اليهود قالت: عزير ابن الله. وقالت النصارى: المسيح ابن الله. وقال المشركون العرب: الملائكة بنات الله. فمن أصول الضلال التي اتفقوا عليها هو القول بأن لله ولدا. فهذا القول منهم كيف رد الله تبارك وتعالى عليه؟ قال سبحانه: بَل لَّهُ، له يعني ملكه، يعني هؤلاء عبيده، لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ. وأي شيء يعني لا يمكن أن يكون الولد، لا يمكن أن يكون الولد ملكاً، لا يمكن أن يكون الولد عبداً. فالذي يخلق والذي يملك لا يحتاج أن يتخذ ولداً، تمام. بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ.
بديع السماوات والأرض يعني خلقهما على غير مثال سابق، فهو خلقهما. أنتم تعرفون في آية سورة المائدة: قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْءًا إِن أرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا. لأنه منطق النصارى في مسألة أن لله ولداً وأن المسيح هو الله، إيه منطقهم؟ منطقهم أن آدم لما أخطأ وأكل من الشجرة سرت الخطيئة فيه ثم في نسله من بعده، فصار كل انسان من ولد آدم يحمل الخطيئة الأصلية الخطيئة الأولى. طيب، فتصارعت -استغفر الله وحاشى لله إنما نحكي مذهب القوم- فتصارعت في الله خصلتان -استغفر الله- خصلة رحمة يريد أن يرحم هؤلاء، وخصلة عدالة يريد أن يعذبهم بالذنب الذي اقترفوه والذي سرى فيهم. فلذلك أراد أن يفديهم فلم يجد منهم من يمكن أن يفدي لأنه كلهم ملوث بالخطيئة. فماذا فعل؟ تجسد -تعالى عما يقولون علوا كبيرا- تجسد بشراً لكي يفدي هذا البشر المتجسد نفسه بفداء هذه البشرية.
فرد القرآن عليهم طب يعني لو باللهجه العامية يعني طب وليه الدوشة دي؟ وهل يحتاج الله إلى كل ذلك؟ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْءًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا. تعرفون قول الشاعر وهو حتى وهو يغازل فيقول: إن شئت تعذيبي فانت محكم من ذا يحاسب سيدا في عبده تمام، فهو هذا هو الله تبارك وتعالى في مثل هذه المواضع يذكر أن الله غني عن الشريك، غني عن الزوجة، غني عن الولد. وأنه كل ما في هذا الكون مخلوق له، ملك له، كلهم عبيد عنده، تمام.
يبقى هذا أصل آخر من أصول الضلال التي اتفقوا فيها، كل زعم أن لله ولداً، وهو إنقاص من عظمة الله تبارك وتعالى لا يليق بالمسلم أن يعتنقه. شوف الله تبارك وتعالى يذكرك بأصول الضلال عند الذين سيتكلمون في مسألة تحويل القبلة. وأصل آخر هو أنهم طلبوا المعجزات وتفننوا فيها مع أنهم كفروا بهذه المعجزات، ولذلك اسمع الآية: وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ. احنا قلنا مين الذين لا يعلمون؟ المشركون، لأنه ليس لهم كتاب. قالوا إيه؟ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ. الكلام ده قاله مين قبل كده؟ حين قالوا: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً. كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَت قلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ. إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ -بالحق وقف كده عند كلمة بالحق وما في هذه الكلمه من جرس وقوة- بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۖ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ.
الآية التي بعدها: وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ. المسألة يا جماعة عمرها ما هتكون إيه؟ حكم هنا شعيرة هنا مسألة هنا قول هناك، متى يرضى اليهود والنصارى؟ حتى تتبع ملتهم. ولذلك ستاتي معنا بعد قليل في مسألة تحويل القبلة قوله تعالى: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ. وهذه هذه آية جليلة عظيمة نور وهدى. أنت الآن في حتى معاركنا الحالية حتى المسألة السياسية، يعني أنت حين تؤمن أنه لن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم هذا يا جماعة شيء فارق جداً في السلوك السياسي المسلم، في سلوك المقاتل المسلم، لغاية حتى سلوك العامل المسلم: وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ.
وشوف التحذير والتهديد الشديد: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَّلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ. طبعا هذه الآية المقصود بها أمة النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي ارفع مكانا من أن يفكر في اتباع أهواء الذين كيف وهو الذي ينزل عليه الوحي. لكن هذه رسالة لأمته من ورائه وهي لهجة أشد أن يعني أن يكون فيها هذه اللهجه العالية الصارمة للنبي صلى الله عليه وسلم. وتأمل هذا التناظر بين قوله هنا: مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَّلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ، بما جاء قبل صفحة اللي هو: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَّلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ. يعني الله ولي ونصير الذين آمنوا طالما أنهم متمسكون بهذا الإيمان، اتباعهم الأهواء، اتباعهم الشهوات، الشبهات، تأثرهم بأقوال الكفار يؤدي إلى أن ترتفع عنهم هذه الولاية وهذه النصرة من الله تبارك وتعالى.
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ. يذكر المفسرون هنا أنه في هذه الفترة جاء بعض أهل الكتاب من الحبشة فرأوا النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا، فكان هذا مما ينبغي أن يثبت الذين آمنوا، لأنه الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ -يعني يتبعونه حق اتباعه- أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ.
هنا آيتان أيضاً يسميهما الشهيد سيد قطب رحمه الله: هنا يبدو وكأن الله تبارك وتعالى يهتف ببني إسرائيل الهتاف الأخير بعد أن خلاص غربت شمسهم ونزعت الأمانة منهم ووضعت وودعت عند أمة محمد صلى الله عليه وسلم: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ، يعني أهل زمانهم. وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ.
يبقى هذا الربع الذي تلوناه، لو احنا حابين نختصره ماذا نقول؟ نقول إن الله تبارك وتعالى ذكر أن المسلمين في عداء من ثلاث جهات أو ثلاث جبهات: اليهود، النصارى، المشركون. وأن الله تبارك وتعالى حين ينسخ آية أو ينسها إنما يفعل ذلك بمقتضى العلم المطلق والحكمة المطلقة والرحمة المطلقة والرعاية المطلقة لعباده، لأن هذا هو الذي يصلحهم، وهذا الذي فيه حكمة الله تبارك وتعالى لهم.
تمام، وأنتم أيها المؤمنون ينبغي أن تتقبلوا هذا الأمر بالنسخ بقولكم سمعنا وأطعنا، لأنه محاولة أو التأثر بشبهات اليهود أو النصارى أو المشركين إنما سيجعلكم تكررون سيرة بني إسرائيل حين كانوا إذا نزلت عليهم أحكام الله وتعاليمه ترددوا وارتابوا وطلبوا المعجزات، وهؤلاء الذين يقاتلونكم ويعادونكم يتفقون في أصول من الضلال ذكرناها، ولن يرضوا عنكم أبداً مهما فعلتم إلا أن تتبعوا ملتهم.
تمام، طيب، حاول أن تعيش معي في ظل المؤمن الذي يعيش في المدينة، والذي ينزل عليه هذا الكلام، كيف يثبت القرآن أهل الإيمان، وكيف يبصرهم بأهل الكفر؟ ثم يتوقف السياق هنا مؤقتاً ليحكي الله تبارك وتعالى قصة إراهيم وإسماعيل حين يبنون البيت، لكن ما المعنى؟ ما المعنى هنا؟ المعنى هنا أنه من الأصول التي يتفق فيها هذه الجبهات الثلاث أنهم يرجعون إلى إراهيم عليه السلام، أما اليهود والنصارى فيرجعون إلى إراهيم باعتبار أنهم أتباع أنبياء بني إسرائيل من نسل إسحاق يعقوب، يعقوب الأسباط أولاد يعقوب ومن نسل هؤلاء الأسباط الأنبياء، أنبياء بني إسرائيل حتى يصلوا إلى موسى وعيسى، يبقى اليهود والنصارى ينسبون أنفسهم إلى إراهيم. طب الجماعة المشركين ينسبون أنفسهم إلى إراهيم إزاي؟ من إسماعيل، يبقى إراهيم الآن هو مركز واتفاق، أو بالتعبير القراني هو إمام اتفق عليه الجميع.
وهنا يذكر الله عباده المؤمنين بأنه متى كان إراهيم إماماً؟ حين وفى، تسمعون قول الله تعالى في سورة النجم: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى. هنا: وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ، يعني هناك تكاليف وتعاليم أنزلها الله على إراهيم فأتمهن، قال: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا، يبقى طريق الإمامة بالقيام برسال الله وباتتمام كلمات الله تبارك وتعالى. سيدنا إراهيم من إمامته أنه قال: وَمِن ذُرِّيَّتِي، أنتم تعرفون الأنبياء والمرسلين يفيضون بالرحمة على الناس، فالله تبارك وتعالى كافاه بالإمامة، ما اكتفاش وقال الحمد لله وخلاص، قال: يا رب ومن ذريتي، فقال تعالى: لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ، يعني ومن ذريتك من يكون أئمة لكن إلا الظلمة. وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا، فبيت إراهيم هذا الذي بناه بيت إراهيم جعلناه يعني يقول الله تبارك وتعالى جعلناه مثابة للناس يعودون إليه، يثوبون يعني يعودون، يعني يرجعون إليه، وأمناً مع أنه في جزيرة عربية تأكلها الحروب، وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ.
طيب، يبقى إذا هنبدا هنا قصة البيت الذي بناه إراهيم وإسماعيل، وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ، احنا جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً لأن إراهيم قد دعا: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، شوف أنت، شوف سرعة التعلم عند سيدنا إراهيم، سيدنا إراهيم قال له الأول إيه: ومن ذريتي؟ قال الله: لا ينال عهد الظالمين، فسيدنا إراهيم راح قاله المرة دي إيه: وارزق أهله من الثمرات من آمن بالله واليوم الآخر، سرعة التعلم والاستجابة والأدب مع الله تبارك وتعالى، فنبهه ربنا تبارك وتعالى أنه لا مش في دي، أما الرزق فاللّٰه يرزق الجميع الكافر والمسلم، الإمامة لا تنال إلا بالعمل الصالح، لكن الرزق تعرفون حديث النبي صلى الله عليه وسلم: لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء. النبي لما مر على جدي أسك، جدي ميت وأسك أذنه مقطوعة، قال: أيكم يحب أن يشتري هذا؟ قال: يا رسول الله، لو كان حياً ما أحب أحد يشتريه ده حاجة تعبانة خالص، قال: الدنيا أهون عند الله من هذا عندكم.
فقال: اللهم صل على محمد، اه: وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ... باليوم واليوم الآخر، قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، يعني مسألة الرزق مسألة إيه؟ يستوي فيها الجميع. وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، احنا دلوقتي بنشوف إيه؟ بنشوف قصة بناء البيت. رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا. توقف هنا، بلاش توقف هنا، خليني أقولها لكم سؤال: ما معنى هذا الكلام يا جماعة في مسألة تحويل القبلة؟ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا. اه، هذا البيت، الله، ما شاء الله عليك، ما عنديش جائزة بس لك جائزة إن شاء الله، احنا مش قلنا المره اللي فاتت أن اليهود كانوا يقولون إن الأنبياء يأتون منهم؟ هم دلوقتي احنا عندنا إراهيم، كل الأنبياء جاؤوا من نسل من؟ من نسل إسحاق، صحيح، أما نسل إسحاق فلم يأتي منه أنبياء، فكان من تشغيبات اليهود على المسلمين أن هذا لو كان نبياً لكان منا، احنا البيت، احنا السلالة، احنا الفرع الذي يأتي منه الأنبياء، فهنا يذكر الله أن إراهيم وإسماعيل حين كانوا حين كان يبنيان البيت دعوا الله تبارك وتعالى أن يكون من أهل هذا البيت رسول: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
تمام، قال تعالى: وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ، يعني إراهيم هذا هو الإمام هو الأصل، من يرغب عن ملته هو من سفه نفسه، ذكر بعض المفسرين أنها نزلت في عبد الله بن سلام، تعرفون عبد الله بن سلام؟ عبد الله بن سلام هذا كان حبر اليهود الذي أسلم أول ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم، كان له ابني أخ، واحد اسمه سلمة وواحد اسمه مهاجر، فعرض عليهما الإيمان، فأسلم سلمة ولم يسلم مهاجر، ففيهما كما يقول بعض المفسرين نزل قول الله تعالى: وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ، إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، يبقى دين إراهيم هو الإسلام، وإراهيم دعا برسول من أهل هذا البيت.
جميل، وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ. أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي، هذا رد على قول أهل الكتاب للنبي صلى الله عليه وسلم أن يعقوب حين مات وصى أولاده باليهودية، فنزل قول الله تعالى: أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ، هل كانوا شهداء؟ بالتأكيد لا، فيذكر الله هنا ما الذي وصى به يعقوب بنيه عند الموت؟ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. طب تأمل هنا، أولاد يعقوب، إسماعيل بالنسبة لهم أب أو عم؟ ولكن العرب يطلقون على العم أباً للتغليب، لكن هذه الآية فيها رد عجيب، منذ حوالي سنة كنت استمع لحاخام يهودي وهو يتكلم عن مسألة أنه نعم لابد أن نقتل حتى أطفال الفلسطينيين وحتى الرضع وحتى وحتى، لأنه هؤلاء هم فيهم بذرة الشر، فقال هذا الحقائق اليهودي، الفيديو منشور على الإنترنت يعني، فقال -لان تعالى الله عن قوله علواً كبيراً بس أنا الآن أذكره حكاية عنه- قال: إن الله تبارك وتعالى أراد أن يستخلص جانب الشر من إراهيم فجعله في إسماعيل، فبقي إسحاق هو جانب الخير الذي كان في إراهيم. هذا هو توصيفهم وفلسفتهم للأمر.
فهنا هذه الآية ترد على هذه المزاعم التي عند اليهود أن أبناء يعقوب ذكروا أن من آبائهم من؟ إسماعيل عليه السلام، إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ. هنا يا جماعة يعلن الله تبارك وتعالى هذه القطيعة بين إراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأنبياء وبين اليهود والنصارى والمشركين، لا يجوز للنسل المنحرف، النسل الذي فسق، النسل الذي كفر، أن ينسب نفسه إلى إراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، فقطع بذلك النسبة بين اليهود والنصارى من جهه وبين بإراهيم وبين العرب من جهة أخرى. وإراهيم لا نسبة، النسب لا نسبة النسب أو النسل هي النسبة المعتبرة عند الله تبارك وتعالى، ما المعتبر عند الله؟ نسبة الدين، نسبة الدين. فلذلك قال تعالى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. قُولُوا هذا خطاب للمؤمنين: آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. هذا هو هذا هو الانتساب الحقيقي، انتساب الدين، انتساب الإيمان، انتساب العقيدة. لذلك يقول ربنا: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ، في شقاق يعني في جبهة أخرى، في شق آخر، في ناحية أخرى، شقاق فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ صِبْغَةَ اللَّهِ، بمعنى دين الله فطرة الله، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ. قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ. أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ؟ في آية سورة عمران وهم يقولون أن يرد الله تبارك وتعالى يقول عليهم: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا. وقال: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُونَبِ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ؟ ينفع أنت تقول مثلاً فلان أهلاوي ولا زملكاوي قبل ما يبقى في أهلي ولا زمالك؟ تمام.
هَا أَنتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ. فهنا: أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ؟ يقول أهل البلاغة هذا سؤال لا يجاب عليه، لأنه الإجابة عليه يعني لا يطرح بمعنى انتظار الإجابة، وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
إذاً معانا ربعين أهو في التمهيد لمسألة تحويل القبلة. الربع الأولاني هو ربع يصف فيه ربنا تبارك وتعالى موقف هؤلاء الأعداء من المسلمين والأصول التي ضلوا فيها واتفقوا عليها على خلافهم فيما بعد. وفي الربع الثاني يذكر أن إراهيم هو الإمام، وهذا البيت هو نموذج متبق في الأرض شاهد على إمامة إراهيم، لكن هذا البيت نقص اليهود والنصارى لا يعظمونه، والعرب المشركون وإن كانوا يعظمون البيت لكنهم نقصوا عن عقيدة إراهيم، فكان لابد من تحويل القبلة لكي تنسجم هذه الإمامة ولكي يعود الأمر إلى أصله، ولكي يعظم بيت الله الذي بناه إراهيم ويسود دين إراهيم الذي هو الإسلام الذي حرفه اليهود والنصارى والذي انحرف عنه المشركون العرب.
فهذه التهيئة التي كان يتلقاها المسلم في هذا المجتمع ولذلك يدخل بعدها إلى قوله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ، قلنا في آية سابقة كانت تمهيداً لها اللي هي: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا، الآية التي بعدها: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، هنا يقول ربنا تبارك وتعالى يعني: لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا.
هذه اللحظة التي قلت لكم عليها: إعلان استقلال الأمة الإسلامية. إعلان استقلال الأمة الإسلامية أن هذه الأمة هي الأمة الوسط التي عادت بالحق إلى أصله إراهيم عليه السلام وهي التي جعلها الله شهيدة على بقية الأمم، وبعض أهل العلم يجعل هذه الآية دليلاً في الإجماع في أنه الأمة لا تجتمع على باطل، لأنها لو اجتمعت على باطل لم تكن تصلح أن تكون شهيدة على الناس. تمام، قال تعالى: لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبَعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حين توجه إلى بيت المقدس الذي هو قبلة أنبياء بني إسرائيل كان ينبغي أن يتبعه اليهود والنصارى، لأنه عمل عمل الأنبياء قبله، واحد موجود ولد في مكة، عاش في مكة، لم يتعرض لأديان اليهود والنصارى، لم يسافر إلى بيت المقدس، فهذا حين يتوجه إلى بيت المقدس أليس دليلاً على أنه نبي من أنبياء الله؟ ومع ذلك لم يتبعوه.
وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبَعُ الرَّسُولَ، وقلنا المره اللي فاتت برضه كانت محنة للعرب، لأنه هو نشأ في قوم يعظمون الكعبة، فكان ينبغي -يعني كان من نزع رواسب الجاهلية- الكعبة دي هل هي تراث قومي، تراث الأجداد، آثار لها آلاف السنين، حضارة، ولا هي أمر الله؟ فأراد الله أن يوجه الذين يعظمون الكعبة إلى بيت المقدس لينزع منهم المعنى القومي التراثي الحضاري ويجعلهم مسلمين لأمر الله.
مع الأسف الوقت انتهى، وكنت أتمنى أن أختم هذا، لكن إن شاء الله لا نطيل به في المجلس القادم، أسأل الله تبارك وتعالى أن يععلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إحياء جيل على خطى السابقين.
محمد إلهامي