السلام عليكم ورحمة الله. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً. اللهم اجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم ولا تجعل لأحدٍ الشراكة فيه شيئاً يا رب العالمين.
مرحبا بكم أيها الأحباب طبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً. ونسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا على طاعته أن يجمعنا في جنته ومستقر رحمته ودار كرامته. وهذا هو المجلس السادس والتسعون من مجالس السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. نسأل الله تبارك وتعالى كما آمنا به ولم نره ألا يفرق بيننا وبينه حتى يدخلنا مدخله.
وققبل أن نستانف حديث السيرة أحب أن أشير إلى أمرين: أما الأمر الأول فتهنئة ممزوجة بالدعاء لإخواننا أهل غزة وحركتها المناضلة الباسلة، تهنئة على اختيار أبي الشهداء أبي أسامة حفظه الله، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يهيئ له من الظروف والأحوال وأن يفتح له القلوب والأموال وأن يجعله خير سلف بخير خلف، وأن يجعل يومه خيراً من أمسه وأن يجعل غداً خيراً من يومه وأن يقر أعيننا وأعين المسلمين بنصره أهل غزة وأهل فلسطين، ونسأله تبارك وتعالى أن يوفقه ويعينه ويسدده ويرشده. هذا هو الأمر الأول.
الأمر الثاني؛ حقيقة كان من الأخبار السيئة في هذا الأسبوع الماضي أنه جرى اختطاف أخينا المهندس أحمد فتحي رئيس حزب الفضيلة الإسلامي في ليبيا الأسبوع الماضي يوم الأحد الماضي. وأخونا محمد فتحي سياسي مصري معروف هو رئيس حزب الفضيلة كما أسلفت وعضو في تحالف دعم الشرعية المناهض للانقلاب العسكري في مصر، وقد جرى اختطافه في ليبيا وإلى الآن وعلى حد علمي لا يوجد أي تصريح من الحكومة الليبية بشأن اختطافه، وتتضارب الأخبار عن مصيره ولا يزال حتى الآن مختفياً هو وزوجته.
وهذا أمر خطير، هذا أمر خطير، هذا أمر خطير، فإن الله تبارك وتعالى يعني هذا أمر خطير من جهة اختطاف رجل من مأمنه، وامر أكثر خطورة في أنه معرض وممهد بأن يرحل إلى مصر حيث عدو الله وعدوه. وربنا تبارك وتعالى يقول: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ. ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول: المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله. ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول: ما من امرئ يخذل امرأ مسلما في موضع يحب فيه نصرته إلا خذله الله في موضع يحب فيه نصرته. الآايات والأحاديث في ذلك كثيرة ولا أحب أن أطيل بهذا.
وقد دخلت امرأة النار في هرة حبستها. دخلت امرأة النار في هرة حبستها، ليس في إنسان وزوجته.
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: منهم رجل أعطى بي ثم غدر. هذا الرجل الذي دخل إلى بلد ما بأمان وهو يظن أنه في أمان ثم غدر به، هذا رجل يضع نفسه في خصومة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونبينا يقول: أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر. وقد اتفقت كلمة العلماء على أنه يحرم تسليم المسلم لمن يظلمه ومن يؤذيه، بل مجرد ترويع المسلم حرام، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن مجرد ترويع المسلم ولو كان مزاحاً.
فحقيقه أنا هنا أنادي أهل ليبيا، أنادي شعبهم وأنادي مسؤوليهم: هذا الرجل المظلوم تسليمه لعدوه وعدو الله حرام حرام حرام، وهذا باتفاق كلمة المسلمين، وعندكم الشيخ العلامة الكبير صادق الغرياني اسألوه، هذا أمر لا يجوز.
ويعني أنا أكلم المسؤولين المسؤولين في ليبيا: لو دامت لغيرك ما وصلت إليك، والأيام تتقلب، ولا تدري ولا تأمن أن يسلط الله عليك من أنت تخدمه الآن أو أن يسلط الله عليك من يخدمه هو، فالدنيا تدور والأيام تتقلب، وأنتم في ليبيا أهل تجربة قريبة، أين القذافي؟ أين السنوسي؟ أين الذين كانوا يثيرون الرعب والفزع في ليبيا؟
وكذلك يجب أيضاً أن أتوجه بهذا الكلام أيضاً إلى المسؤولين في تركيا، هذا رجل يحمل الجنسية التركية هو وزوجته، وحمله لهذه الجنسية هو نوع من الرعاية والأمان، فلا يجوز إسلامه، لا يجوز إسلام هذا، لا يجوز خذلانه، لا يجوز تركه، وإلا لو لم تكن هذه الجنسية موضع أمان ما فكر أحد في أن يحصل عليها، فإن كانوا قد تفضلوا بالفعل وهذه من فضائلهم ومنحهم والجنسية فليكملوا هذا الفضل وهذا الجميل وأن يقوموا على هذا الشأن بما هو أهله وما يصلحه. فهذا نداء مني لإخواننا في ليبيا شعباً وحكومة وكذلك لإخواننا في تركيا: إسلام هذا الرجل المسلم إلى من يتحقق أنه يؤذيه ويقتله ويعذبه عذاباً شديداً هو وزوجته حرام باتفاق كلمة المسلمين، وأسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل له فرجاً ومخرجاً.
وحقيقة يا جماعة الخير هذا يعني موطن فيه درس مهم، قول ربنا تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ. إذا لم يكن المسلمون أولياء بعض كما الكفار أولياء بعض تمتلك هذه الدنيا بالفتنة وبالفساد الكبير. وقال ربنا تبارك وتعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ.
وهي بالمناسبه فرصة أن أكلم هؤلاء الشامتين والمتلمظين والمتشوقين، هؤلاء العبيد، هؤلاء العبيد وهم أخبث الناس وأوضع الناس وأحقر الناس، هذا الذي يتشفى أن رجلاً سيسلم إلى عدوه ويشمت فيما سينزل به من العذاب، أوضع الناس وأحقر الناس، يحمل ذنب المجرمين ولا يتمتع بما هم فيه من المتعة.
وقد قال لنا ربنا تبارك وتعالى عن أمثال هؤلاء في كتابه الكريم قال: وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَاءَكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ (32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّه وَنَجْعَلَ لَهُ أِندَادًا ۚ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. وفي الآية الأخرى في سورة الأحزاب: وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَلْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا.
هذا الذي يكتب على السوشيال ميديا وعلى شبكات التواصل يشمت بمن سيقبض عليه ويسجن ويعذب هذا أخبث الناس، أسأل الله أن يتوب عليه قبل أن ينزل به يعني يتعلق في رقبته ذنب هؤلاء المجرمين وهو لا يتمتع أصلاً بما هم فيه من المتعة، يركبونه حماراً في الدنيا ثم يسلمونه إلى عذاب الآخرة.
بالمناسبة يا جماعة الخير، والله هذا درس في مسألة أن كل إنسان معركته في هذه الدنيا هو فيها على ثغر، أن خسارة معركة واحدة في عالم من عوالم المسلمين يعود أثره بالضرر على بقية الناس، على بقية المسلمين. يعني كل هزيمة لبعض المسلمين في مكانهم يؤدي هذا إلى ضرر بغيرهم من المسلمين، وأنتم ترون كيف كان نكبة الانقلاب العسكري في مصر نكبة على سائر الدول العربية والإسلامية.
وهذا أمر يعني لا نطيل بذكره الآن، لكن القصد منه يا جماعة أحد لا أحد منكم يستهين بالثغر الذي يقف عليه ولا يستهين بالمعركة التي يخوضها مهما بدت أنها صغيرة، فالله أعلم هذه المعركه إذا خسرها المسلمون كم سيفقدون من الأرواح ومن الأموال ومن الأوقات ومن الجهود. نحن أمة مستضعفة لا نستطيع ولا نتحمل أن نخفق مرة أخرى. أمة اخفاق الأمة في أي موطن من مواطنها أو ساحة من ساحاتها أثره وضربه كبير خطير، لأننا أمة بالاصل مستضعفة.
أسأل الله تبارك وتعالى أن يفرج عن أخينا محمود الفتحي وزوجته، وأن يفرج عن كل أسرانا وكل معتقلينا، وأن يهيئ لهذا الدين أمر رشد يعز فيه أهل طاعته ويذل فيه أهل معصيته ويحكم فيه بكتابه.
ثم نستانف كلامنا في السيرة النبوية، وكنا قد توقفنا في المجلس الماضي عند الدروس المستفادة من غزوة الأحزاب، وذكرنا منها تسعة دروس، واليوم نكملها إن شاء الله، لكن نمر مروراً سريعاً على هذه الدروس التسعة: قلنا الدرس الأول أن فكرة رجل واحد قد تساهم في إنقاذ أمة كما رايتموه في فكرة سيدنا سلمان الفارسي وكما كان مع نعيم بن مسعود الأشجعي، وذكرنا أنه شرط أن تكون صاحب الفكرة التي تنقذ الأمة؛ أمراض أن تكون كفئاً وموهوباً، صاحب خبرة صاحب مهارة وأن تكون في ميدان العمل. كنت في ميدان العمل بغير كفاءة ولا موهبة ما تعبتش على نفسك لم يستفد منك، كنت صاحب خبرة وكفاءة وعازل نفسك عن ميادين العمل لم ينتفع بك. فالإنسان الذي يريد أن يساهم في تغيير هذه الأمة يجب أن يعمل على تفسير طاقته ومواهبه وقدراته وإمكانياته، وأن يكون في ميادين العمل.
وذكرنا الدرس الثاني هو شدة ما كان عليه صحابة النبي صلى الله عليه وسلم من حب النبي والاهتمام لأمره وحاله وذكرنا مشاهد ذلك.
والدرس الثالث؛ شدة ما كان عند النبي صلى الله عليه وسلم من مشاركة أصحابه ومن الرحمة بهم ومن الارتفاق بهم حتى أنه أقدم على عقد اتفاقية وقد كان عندهم من الصلابة والقوة ما كانوا يستطيعون معه أن يصمدوا فوق ذلك.
والدرس الرابع؛ قلنا من أهم ما يستفاد سياسة النبي صلى الله عليه وسلم في معالجة شأن النساء والصبيان، وأن هذا أمر من أهم الأمور لاسيما في شأن الجهاد، فإن المجاهد إن الداعية إلى الله الذي يذهب إلى مواطن الخطر يكون أهم ما يشغله هو حال أسرته وأبنائه من بعده، فالذين يقومون على رعاية أسر المجاهدين أسر الشهداء أسر المعتقلين يقومون بعمل عظيم عظيم عظيم لاسيما في عصر الاستضعاف هذا.
الدرس الخامس؛ قلنا إنه كما أيد الله نبيه بالمعجزات فإنه يؤيد عباده المجاهدين بالكرامات، وهذا أمر وباب طويل عظيم كبير غزير ولا يعرفه إلا أهل العمل.
الدرس السادس؛ قلنا إن ميدان العمل هو الذي يظهر صاحب الدعاوى الكاذبة من الصادق كما ظهر في المنافقين. وذكرنا أن الحدث الواحد يجعل بعض الناس يقولون: مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا. وبعض الناس يقولون: هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا. وذكرنا أن هؤلاء المنافقين في حال العمل، في حال الخوف، في حال الأزمة ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت، طيب في حال الأمن سقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير. فالإنسان لابد أن يدرب نفسه في باب العمل لأنه يختبر به حقيقة إيمانه وحقيقة ما في قلبه.
الدرس السابع؛ ذكرنا أن الاتفاقيات تحرس بالقوة، الاتفاقيات لا تساوي إلا الحبر الذي كتبت به، لا يحرسها إلا القوة. أنتم ترون بني قريظة نقضوا العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم بمجرد أن بدا لهم أن المسلمين لا يستطيعون حماية هذا الاتفاق الذي كان موقعاً معهم.
والدرس الذي بعده الثامن؛ قلنا إنه لهؤلاء القوم خصيصه زاهدة في هذا الباب يعني كل الاتفاقيات مع كل الناس غير لا تحرس إلا بالقوة ليس لها في نفسها قيمة، لكن الاتفاقيات مع هؤلاء القوم على وجه التحديد لابد لابد أن تحرس بقدرة أكبر، لأن هؤلاء يعتقدون عقيدة تقول: لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ، يعني نحن لسنا ملزمين باحترام أي شيء مع غيره مع الأغيار مع الأمميين مع غير اليهود.
طيب والدرس التاسع؛ ذكرنا أن هذه الأمة من بلائها أنها تبتلى أيضاً بالمنافقين، قلنا في زمان استضعافها تبتلى بالكافرين، وفي زمان قوتها تبتلى بالمنافقين، وفي زمان نهضتها تبتلى بالمنافقين والكافرين جميعاً. فهذه هي الدروس التي ذكرناها في المجلس الماضي.
وندخل الآن إلى الدرس العاشر. الدرس العاشر يا جماعة الخير الذي نستفيده من غزوة الأحزاب أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قسم العمل في الخندق قسمه على القسمة القبلية، القسمة القبلية يعني كل قبيلة عهد إليها النبي صلى الله عليه وسلم بجانب من الخندق تحفه تمام.
طيب وهذا يعيدنا إلى أمر ذكرناه كثيراً ومن الضروري أن نؤكد عليه: أن الإسلام لم يأت لكسر الروابط الموجودة بين الناس، الإسلام لم يأت لكسر القبيلة ولا كسر العشيرة ولا كسر العائلة، على العكس الإسلام أتى ليزيد هذه الروابط قوة، ولكن الفارق الذي جاء به الإسلام أنه يرفع رابطة الحق فوق رابطة الدم، يعني إن كان الجاهليون انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً بحرفيتها جاء الإسلام ليقول: نصرة الظالم بأن تكفه عن الظلم. لكن استثمار هذه الرابطة القبلية وتقويتها هذا أمر جاء به الإسلام، فلذلك تجد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان كثير الكلام في شأن صلة الرحم وتقوية صلاة الرحم، وفي النظام الاجتماعي للأمة الإسلامية الديوان مقسم على القبائل، المباني والمساكن والأراضي مقسمة وموزعة على القبائل، حتى الأعمال الحربية كانت موزعة على القبائل ومنها ما كان في الخندق، وظلت جيوش الفتح الإسلامية في صدر الإسلام يعني عصر النبي وعصر الخلافة الراشدين الخلافة الراشدة ظلت كتائبها على هيئة القبائل، فإن هذا أولاً يثير طمانينة النفس حين تقاتل مع أهلك وعشيرتك، فإنه يثير طمانينتك ثم إنه يثير منافسة محمودة بين القبائل أن لا يقال أتينا من قبل بني فلان أو من قبل بني فلان، فكان حفر الخندق من الأحداث التي تجلت فيها سياسة النبي صلى الله عليه وسلم والسياسة الإسلامية في تقوية.
القبائل تقوية صلة الأرحام وفي استثمار هذه العلاقة في الأعمال العسكرية.
الدرس الحادي عشر: ما نراه من فخر الأنصار بالإاسلام. احنا لما جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عليهم الاتفاقية التي كانت مع طعفان، ماذا قال زعما الأنصار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وفي الروايات الأخرى بقية سعود؟ ماذا قالوا؟ قالوا يا رسول الله لقد كنا في الجاهلية وما يطمع أحدهم في تمرة من تمر المدينة إلا قرى أو شراء يعني ضيافة أو اشتريها، أفبعد أن أكرمنا الله بالإسلام، شوف الفخر بالإسلام شوف ما كان في نفوسهم من أنهم ارتفعوا بالإسلام واعتزوا بالإسلام زادوا به عزة، فلم يقبلوا أن يكونوا بعد أن أسلموا أقل مما أن كانوا قبل أن يسلموا، ملأتهم العزة بالإسلام فقالوا ليس لهم معنا ليس لهم لنا أو ليس لهم منا إلا السيف.
السؤال الآن الذي يجب أن نستفيد منه نحن، هل نشكر نحن فعلا بأننا أعزة بالإسلام أم أن هذا الأمر فيه خلل يا، وهذا الأمر مهم بالنسبة لإيمان الناس. النبي صلى الله عليه وسلم يقول ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أو ذاق حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار. معيار وضعه لنا النبي صلى الله عليه وسلم، هل فعلا يا جماعة إذا ملاتك الإغراءات يعني أحاطت بك الإغراءات أو التسهيلات لكي تتخلى عن الإسلام تكون كراهتك للتخلي عن الإسلام ككراهتك أن تقذف في النار، هل فعلا الله ورسوله أحب إليك مما سواهما، هل فعلا عندك من الناس من لا تحبه إلا لله؟ هذه معايير مهمة يا جماعة معايير مهمة لكي يقيس الإنسان بها نفسه وحاله على معيار الإيمان. فمن كان فيه هذه الثلاثة ذاق طعم الإيمان ذاق حلاوة الإيمان.
وبالمناسبة ينبغي مثل هذه الأمور التي فيها معايير ومقاييس أن تفلت منا بسهولة، أنت عارف الكل إنسان حين يمتحن ويغلق ورقة الامتحان يكون أشد ما يكون تشوقا لأن يعرف نتيجة الامتحان صح، ولذلك حتى الناس إيه يقول لك روح جيبها من الكنترول فلان يعرف يجيبها، تريد مؤشرات هذه الأمور هي المؤشرات هذه مؤشرات الامتحان في الآخرة دي مؤشرات.
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ، فمقياسهم لو بتمشي من القرآن من أوله لآخره كده من غير ما تقشعره تخاف على نفسك، ميزان موضوع أهو ميزانك تمشي على القرآن من أول آخره دون أن تبكي مشكله لأنه ميزان موضوع. الَّذِينَ إِذَا، وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ، الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُمْ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا، ما كل دي مقاييس يا جماعة.
فالمهم من المقاييس هنا التي ينبهنا إليها الأنصار أنه لم يرض أن ينزل عن عز بعد الإسلام، قد كان في مثله في الجاهلية افتخار بالإسلام يجب أن تنظر في نفسك، ولذلك الأنصار قاتلوا في الخندق في أعتى الظروف احنا بنتكلم عن برد وجوع وخوف، وقاتلوا بلا ثياب ولا سلاح ولا غذاء، ذكرنا مسألة الغذاء في حديث جابر وفي حديث أخت النعمان بن بشير ما فيش غذاء، طيب في الثياب؟ في الثياب يروي حذيفة رضي الله عنه في الحديث الذي ذكرناه لما النبي كلفه بمهمة، أن النبي صلى الله عليه وسلم حين حين رجع حذيفة فكان النبي يصلي في مرط مرحل أو مرجل لبعض نسائه يعني النبي كان يستجب بكساء زي الشاي كده لمين لبعض نسائه من قلة الثياب، فألقاه على حذيفة رضي الله عنه، ويذكر حذيفة أيضا في حديث آخر عن بعض الصحابة أنه ما كان له من شيء يلبسه إلا كساء لبعض نسائه، فانت تتكلم عن قوم الأنصار قاتلوا في اشد الظروف صعوبة حيث لا غذاء ولا ثياب ولا سلاح، كانوا أيضا يتناوبون على السلاح، وسنرى بعد قليل يعني تذكروا مسألة السلاح هذه لأننا سنحتاجها بعد قليل، إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم سيبيع سبي بني قريظة ليشتري سلاحا.
يعني أنت تتكلم عن قوم يقاتلون بأشد قوتهم في أشد الظروف صعوبة، فهذا مما ينبغي أن نتوقف عنده كثيرا، وطبعا وذكرت لكم حديث عائشة رضي الله عنها درع سعد قالت فاذا هو في درع قد خرجت منه أطرافه يعني درع غير سابغ درع قصير فخرجت عليه عائشة أن يصاب وبالفعل أصيب في أكحله لأن الدرع ليس له أكمام.
الدرس الذي بعده الدرس الثاني عشر الدرس الذي، هذا الدرس يا جماعه الخير هو عكس الدرس الذي قبله، يعني أنت ترى عزم الأنصار قوة الأنصار إصرار الأنصار عكسه ما ظهر من التردد في بني قريظة. يعني بنو قريظة نقضوا العهد أولا ما كانوش عايزين ينقضوا العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم صح، أولا ما كانوش عايزين ينقضوا لولا أن جعل حيي بن أخطب يقنع كعب بن أسد يفتل في الذروة والغارب، فإذا به يتحول إلى نقض العهد، فلما تحولوا إلى نقض العهد لم يقع منهم حركة فعالة في المدينة أيوه صحيح يعني حصل بعض المحاولات الهجوم على نساء المسلمين لكن كحركه كبيرة نزل فيها مقاتل بني قريظة ما حصلش.
فاذا هم نقضوا العهد دون أن تكون لديهم العزيمة لكي ينفذوا هذا فعوقبوا عقوبة الخائين دون أن يحاولوا يعني دون أن يكون قد نفذوا هذه الخيانة تنفيذا عمليا وربما حصلوا بعض مكاسبها. وعاجز الرأي مضياع لفرصته حتي إذا فات أمر عاتب القدر، ويقول الشاعر إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة فإن فساد الرأي أن تتردد. فسيرة بني قريظة فيه هذه الغزوة سيرة القوم المترددين وسياتي معنا بعد قليل أيضا حين ندخل في الحديث عن غزوة بني قريظة كيف كانوا أيضا مترددين وكيف أودى بهم هذا إلى المهالك.
ولذلك ربنا تبارك وتعالى سمى صفوة رسله سماهم إيه أولو العزم، أولو العزم. ولذلك نبينا صلى الله عليه وسلم قال في غزوة أحد قال ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه ونزل قول الله تبارك وتعالى فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ. ما ينفعش الشورى ما ينفعش تردد الآراء يظل مسيطرا لأنه أحيانا بل كثيرا يا جماعة الخير ما يكون أي قرار أفضل من اللا قرار، يعني قرار بالمواجهه أو حتى قرار بالانسحاب أفضل من أن تبقى مكانك لا أنت تواجه ولا أنت تنسحب.
فبالتالي نستفيد من غزوة الأحزاب أنك إذا عزمت على أمر أن تبذله أن تبذل فيها فيه طاقتك كلها، وأنتم عارفين قول المتنبي: إذا غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم، فطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيم، يرى الجبناء أن العجز عقل وتلك خديعة الطبع اللئيم، وكل مزية في المرء ترجى ولا مثل الشجاعة للحكيم.
اخونا عبد الله الشريف له عبارة يقول إيه: إذا ضربت فأوجع فإن العاقبة واحدة. المعركة مع الطغاة ومع الكفار ما فيهاش الإيه ما فيهاش الإنصاف وأرباع والأث الحركات يعني، فإن الطاغية لا يغفر الطاغية لا يغفر.
الدرس الذي بعده وهذا مما يستفاد أيضا من غزوة الأحزاب الدرس الثالث عشر، وهو ما ركبه الله تبارك وتعالى في هذه النفوس من أمور مثل الإنشاد. الإنشاد الأهازيج الأغاني هذه من الأمور التي تهون الأعمال الصعبة وتهون المهمات الصعبة، ولذلك ترى في عصرنا هذا الأغاني الوطنية والحماسية وهذا لا يخلو منه مجتمع لأن لها أثرا بعيدا في صياغة النفس وفي تحميسها.
فهذا باب من الأبواب التي ينبغي أيضا أن يهتم لها المسلمون وأن ينتجوا فيها ما يسمو بهمم الناس. وهذا الدرس قد يفتح معنا مسألة الموسيقى، وهذا لا أفتحه إن شاء الله، فنحن في درس سيرة لسنا في درس فقه، لكن الخلاف الذي أريد أن أقوله الخلاف في مسألة الموسيقى هو فرع عن فرع عن الخلاف في نوعية تأثيرها في الناس، يعني الخلاف الموسيقى حلال ولا حرام ليس خلافا على تأثيرها في الناس هذا أمر مفروغ منه منتهي متفق عليه، لكن الذين يحرمونها يرون أنها أقرب إلى أن تاخذ الإنسان إلى تأثير سيء، والذين يبيحونها يبيحونها لأنه يمكن أن نستثمرها في التأثير الجيد، فكلا الفريقين يمتنع عن أو يحرم أن تستخدم الموسيقى في إفساد الناس، لكن بعضهم يحرمها على الإطلاق طبعا عندهم أدلة والذين يجيزونها يقولون لم يسلم أدلة المانعين من الصريح الصحيح، أما صحيح غير صريح واما صريح غير صحيح.
القصد فين بقى هنا الذي يجيزها يجيزها لأنه يرى إمكانية استثمارها واستعمالها في باب الخير، لكن ثمة اتفاق بينهم على أن هذا الأمر مؤثر ويفعل فعله في النفوس، تمام. فانتم ترون ما كان في الخندق من هذا الأمر هذا الأمر الذي هو الانشاد وا يعني إطلاق الأناشيد التي تحفز النفوس.
وبقي معنا بعد ذلك دروس دائمة مكررة ينبغي أن نشير إليها وهي متكررة معنا في كل شيء، أهمها أنه لا يمكن أن تبلغ التمكين بدون جهد، ولو كان أحد سوف يستثنيه الله من هذه السنة لكان من لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحيث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم لم يحصل على التمكين إلا بالجهد والتعب والعرق وفقد النفوس والأموال والصبر على المكاره، فمن الغرور من السذاجة أن يظن المرء أن التمكين قد ياتي إليه دون أن يبذل فيه جهدا، الأمم تنهض بأهل الجهد بالجهاد بالبسالة بالتضحية.
والدرس المكرر الثاني أن النصر من عند الله. ربنا تبارك وتعالى بعد جهد المسلمين في الخندق ماذا قال: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ، تمام. وقال: وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا، وسيدنا حذيفة في حديثه المشهور حديث الخندق يقول: فدخلت إليهم وجنود الله تفعل فيهم فعلها لا يستقر لهم قدر ولا تبقى لهم نار ولا يستمسك لهم بناء. فالصحابه أيضا كانوا يعرفون أنهم إنما انتصروا بتدخل لله تبارك وتعالى، ولذلك كانوا يهتفون بعد رحيل الأحزاب: لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده، تمام.
الدرس الثالث المكرر أن الحروب هي مفاصل التاريخ. الحرب هي التي تغير أوضاع الأمم، الراجل الصيني المشهور ماوتسي تونغ كانت له عبارة يقول: التاريخ يتحرك من فوهة البندقية. الحروب حروب هي التي تغير موازين الأمم، هذه قاعدة في عالم التاريخ وفي عالم السياسة.
الدرس الرابع والأخير هو أن الأحلاف هي بداية انقلاب الموازين. يعني إيه؟ تشكل الأحزاب هذا في حد ذاته دليل على أن كل أعداء المسلمين كل عدو منهم منفرد غير قادر على أن يواجه المسلمين، فحين يتشكل الحلف دل ذلك على العجز منفردا، تمام. طيب، فاذا فشل الحلف دل ذلك على بدايه انقلاب الموازين، ولذلك نحن في زماننا هذا نسال الله تبارك وتعالى مع هذه الأحلاف الدولية أن تكون إن شاء الله هذه هي مبشرات انقلاب الأمور ومبشرات عوده الأمة الإسلامية.
أنت حين ترى أنه الأمريكان حين غزوا أفغانستان الدولة الفقيرة الضعيفة المحدودة الموارد الحبيسة حين غزوها بتحالف فيه 48 دولة 42 دولة وبعدين بقوا 38، فسبحان الله نصرت بالرعب. ثم ترى ماذا فعلوا بعد ذلك في العراق، فتشكل الأحلاف على دول المسلمين وطبعا دائما تسمع الحلف الدولي لمكافحة الإرهاب والحملة العالمية لمكافحة الإرهاب، وحين ترى هذا التعاون التعاون على تسليم المطلوبين والتعاون على مراقبة الأموال والتعاون وو فهذه الأحلاف دليل إن شاء الله على بداية انقلاب الموازين وأن يعود التاريخ مجراها.
طيب ما الذي يتوقع بعد الأحلاف؟ يتوقع يتوقع ما حصل في غزوة الحديبية، الذي يسمى الآن الاعتراف بالدولة الاعتراف الإقليمي أو الاعتراف الدولي بالدولة الإسلامية. الذي حصل في صلح الحديبية كان إيه ليس إلا اعترافا دوليا اعترافا طبعا إقليميا بقى مش وقتها ما نسميوش دولي لكن اعترافا إقليميا بمثابه الدول في زماننا هذا بالدولة الإسلامية أنها طرف معترف به تعقد معه اتفاقيات يجوز أن يدخل معه في الأحلاف، ولذلك سماه الله الفتح المبين مع أنه لا كانت فيه نصر عسكري ولا حتى دخلوا العمرة، طيب فتح مبين لايه؟ الحصول على الاعتراف الدولي فقط، تمام. فلذلك أن شاء الله كما قلت نامل ونرجو الله تبارك وتعالى أن يكون هذا الزمن القادم هو على هذا النحو.
الآن بقي معنا في غزوة الأحزاب أن نتأمل في آثارها، الآن ما هي آثار غزوة الأحزاب يا جماعة الخير؟ لو مسكنا الآثار السياسية: أول أثر فيها تعاظم قوة المسلمين. المسلمون قبل غزوة الأحزاب غير المسلمين بعد غزوة الأحزاب، بعد غزوة الأحزاب تعاظمت قوة المسلمين، لم يعد أحد يفكر ويتجاسر في الهجوم على المدينة المنورة، لأنه إذا الأحلاف الحلف الكبير لم يستطع أن يشرح المدينة المنورة فمعنى ذلك إيه أن هذه الدولة قد تعاظمت قوتها ويستحيل يستحيل بمقاييس القوة في ذلك الوقت أن تجتاح هذه الدولة.
الاثر الثاني بطبيعه الحال هو تضعضع قوة المشركين، الحلف الكبير الذي شكل يعني أنت حين ترى الآن حلفا دوليا احتفل أفغانستان وظل فيها 20 سنة وبعد كده خرج لا شك أنه ميزان هذا الحلف الدولي ليس كما قبله، نفس الكلام في مساله العراق، حتى الحرب الحالية التي تجري في إيران يعني تخيل كيف كانت تكون قوة أمريكا في أذهان الناس وضمائر الناس لو أنهم مثلا اسقطوا النظام من اليوم الأول أو من الاسبوع الأول، طيب إذا احنا بنتكلم الآن بعد ست شهور فلا شك أن هذا يزيد في تضعضع قوة المشركين خصوصا وأنك حين تنظر إلى المشهد الأخير في
غزوة الأحزاب ترى التشققات قد حصلت بينهم. يعني بنو قريظة امتنعت عن النزول والقتال، وتنتظر أن تأخذ رهائن قريش وغطفان رفضوا أن يعطوهم رهائن. طيب، غطفان دخلت في ما نسميه الآن اتفاقية منفرده مع النبي صلى الله عليه وسلم حول ثلث ثمار المدينة أو نصفها ولم تتم، فهذا الاتفاق المنفرد دليل إيه تشقق في الحلف، وكذلك قرار قريش بالانسحاب كان قرارا منفردا. يعني المشهد كما رواه سيدنا حذيفة رضي الله عنه أن أبا سفيان قال: يا معشر قريش، ما هذا بدار مقام، قد نزلتم في هذا المكان وخلفتكم بنو قريظة وأنتم ترون ما تفعل بنا هذه الريح، إني راحل فارتحلوا. وقام ووثب على راحلته ولم يقطع رحلها إلا وهو فوقها. يعني الفكرة أنه قرار منفرد لم يتم بالتشاور لا مع غطفان ولا مع بني قريظة. فالمشهد الأخير في تشكل هذا الحلف أنه تشقق وتفرق، فبالتالي هذا مما زاد في ضعف قوة المشركين، ويعني ما يسمونه الآن انهيار ميزان القوة. قوة المسلمين تتعاظم وقوة المشركين تضعف. قبل غزوة الأحزاب ما كان أحد لا من المشركين ولا من الأحزاب يتصور أن ينتهي الأمر على هذه الصورة. تمام، طيب.
وكذلك إذا تنظر إلى الآثار السياسية سترى أنها هذه الغزوة كانت هزيمة أخرى في سجل أبي سفيان القيادي. دلوقتي أنت لو تأملت، احنا قلنا إن الدعوة الإسلامية نشأت في مكة لأن مكة عاصمة العرب، ولما لم يهتدي أهل مكة هاجر النبي إلى المدينة لكن كانت كل المعركة حول مكة. فالخصم الأهم بالنسبة للمسلمين، الخصم الأهم في السيرة النبوية هو مين؟ قريش في مكة. طيب، الان حين تنظر في قيادة قريش، قيادة قريش الجديدة التي تشكلت بعد بدر -احنا قلنا غزوة بدر كان من أهم آثارها أنها قضت على قادة قريش الكبار قضاء مبرما في ضربة واحدة وهذه كانت صدمة نفسية هائلة، حتى إن صفوان بن أمية لم يصدق ما جاء به ضَمْضَم بن عمرو وهو يقول: هذا رجل مجنون، سألوني عني قولوا له أين صفوان؟ قال ها هو في الحجر- ما مش مصدق! طيب، هذه القيادة لما أزيلت من الذي تولى القيادة؟ أبو سفيان. أبو سفيان منذ أن تولى القيادة لم ينجح في حرب مع المسلمين. كيف يؤثر هذا داخل مكة؟ يؤثر عليه بالسلب خصوصا بعد نجاح تشكل حلف كبير ممول من اليهود ومعه ستة آلاف من غطفان، فتلك هزيمة أخرى في سجل أبي سفيان وهذه الهزيمة كان لها أثرها في مكة. تمام، طيب.
ومن الآثار أيضا أن فريقا من هؤلاء الأحزاب وهم بنو أشجع ذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوقعوا معه صلحا منفردا بعد الأحزاب ثم أنهم أسلموا بعد ذلك. فإذا جزء من الأحزاب انضم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولهم حديثهم الذي سيأتي بعد ذلك والذي رواه سيدنا عوف بن مالك الأشجعي في صحيح مسلم وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم عاهدهم على ألا يطلبوا من أحد شيئا، فيقول: فرأيت الواحد من هؤلاء الذين عاهدهم النبي إذا سقط صوته لم يقل لأحد، لم يسأل أحدا أن يعطيه إياه. كانت بيعة مع النبي صلى الله عليه وسلم. طيب، الان هذه الآثار السياسية قلنا الآثار السياسية تعظم قوة المسلمين تضعف قوة المشركين. ومن تضعف قوة المشركين تفرق الأحزاب وتشقق هذا الحلف. وذكرنا الآثار الاقتصادية، من أهم الآثار الاقتصادية لهذه الغزوة أن قريشا فقدت الأمل في اتصال طريق تجارتها مرة أخرى إلى الشام. خلاص انتهى، ما عاد ممكنا ولا متوقعا ولا يجري في الخيال أن يستطيع قادة قريش أن يفتحوا طريقهم التجاري مرة أخرى إلى الشام وهذا سيؤثر تأثيرا كبيرا على اقتصاد قريش لأن هي كما ذكرنا كانت بقعة تجارية تتعايش على كونها مركزا تجاريا يتاجر في بضائع اليمن في الشام وفي بضائع الشام في اليمن. طيب، وبالمناسبه نحن إذا تذكرنا قريش عند مسألة التجارة والاقتصاد هذه اندلعت أول المعارك اللي هي معركة غزوة بدر. تمام، طيب، قريش كيف من أين مولت غزوة أحد؟ من يتذكر؟ القافلة، حبست القافلة على تمويل غزوة أحد. طيب، غزوة أحد لم تغنم فيها غنائم كبيرة، بل حصل هذا الكلام الذي ذكرناه من التردد في العودة وغيرها لأنهم لم يقضوا على المسلمين قضاء مبرما ولم يغنموا منهم شيئا كثيرا. طيب، الغزوة التي بعدها اللي هي غزوة بدر الموعد، قال أبو سفيان: إن هذا العام عام جدب ولا يصلحكم إلا عام خصب، واني راجع فارجعوا. إذا أنت ترى قريش طاقتها الاقتصادية آخذة في الضعف، وسيحدث معنا بعد قليل موقف آخر سيزيد من حال قريش ضعفا، ولكن ناتي إليه إن شاء الله بعد أن ندخل في غزوة بني قريظة. صلوا على النبي.
الان ندخل في غزوة بني قريظة، وهي الغزوة التي تلت مباشرة غزوة الأحزاب. لأن النبي صلى الله عليه وسلم حين رجع إلى بيته ورجع المسلمون إلى بيوتهم فبينما هو في بيت أم سلمة رضي الله عنها يغتسل جاءه جبريل فقال: أوضعت الثياب أو أوضعت السلاح؟ قال: نعم. قال: فإن الملائكة لم تضع، قم إلى هؤلاء القوم إلى بني قريظة واني سائر أمامك في الملائكة. يبقى في صباح اليوم الذي رحل فيه الأحزاب مساؤه كان المسلمون يتوجهون إلى بني قريظة، ولذلك نادى النبي صلى الله عليه وسلم: ألا من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة. تمام؟ فالان نحن ندخل إلى غزوة بني قريظة. طيب، لكي نراجع ما ذكرناه عن غزوات النبي صلى الله عليه وسلم عادتنا يعني عند كل غزوة لكي يثبت العلم، قلنا إن النبي صلى الله عليه وسلم عدد غزواته ثمانية وعشرين، حوالي ثمانية وعشرين على خلاف بسيط، ذكرنا أسباب الخلاف قبل ذلك. طيب، لكن الغزوات التي وقع فيها قتال ثماني غزوات فقط، بينما بقية الغزوات ذكرنا أن نهج النبي صلى الله عليه وسلم كان هو نهج الحرب السريعة الاستباقية الخاطفة، فكان عادة حرب النبي صلى الله عليه وسلم أن يفر القوم من أمامه، وهذا النوع من الحروب هو الذي تتحقق به أفضل المكاسب السياسية بأقل الخسائر في أسرع الأوقات. وذكرنا أن من معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم في الزعامه والسياسة والعسكره أنه ما من زعيم في كل التاريخ حقق هذه النتائج في هذا الوقت بهذه الكفاءة، هذه من معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم. يبقى ثمانية وعشرين غزوة، الغزوات التي وقع فيها قتال ثمانية فقط اللي هي بدر، أحد، الأحزاب، بني المصطلق، فتح مكة، حنين، الطائف. تمام، هذه هي الغزوات التي وقع فيها قتال.
طيب، وذكرنا أنه أهم هذه الغزوات خمس غزوات، خمس غزوات هي التي كانت غزوات فاصلة يعني وضع المسلمين قبلها ليس كوضع المسلمين بعدها وهي: بدر، والأحزاب، والحديبية، وفتح مكة، وتبوك. في كل غزوة من هذه كانت الأمة الإسلامية تقفز قفزة إلى الأمام، وضعها السياسي يتغير، قلنا غزوة بدر حصل فيها ميلاد الدولة الإسلامية، تحولت الدولة الإسلامية من كونها مجموعة من اللاجئين والهاربين والمطاردين والمتطرفين والعصبة المزعومة والدولة المزعومة إلى أن كانت إيه؟ قوة قادرة على أن تحمي نفسها وأن تهزم غيرها. طيب، غزوة الأحزاب ذكرناها اللي هو الآن نغزوهم ولا يغزوونا، الدولة دي غير ممكن اجتياحها. الحديبية سيحدث فيها الاعتراف الدولي، فتح مكة خلاص عاصمه العرب واليها وبعدها دخل الناس في دين الله أفواجا، ثم غزوة تبوك القوة العالمية، أخرج النبي ثلاثين ألفا، عدد لم تشهده جزيرة العرب، واتضح أن العرب الآن صاروا وحدة واحدة تحت قيادة واحدة بإمكانها أن تواجه الروم قوى عظمى. تمام، فخمس غزوات هي التي تسمى أو تمثل الغزوات الفاصلة.
تمام، طيب، وبالتالي واحنا كنا قلنا رقم وذكرنا حفظه من يحفظه، رقم الغزوات؟ لا، قلنا ترتيب الغزوات على السنين، هناك رقم من يحفظه يعرف في كل سنه كم غزوة؟ آه، ذهب الحفاظ يا جماعة. لا يمكن إلا أن يسجل، لا يمكن إلا أن يسجل وأن يكرر. اتفضل يا أبا المظفر، قول. لا لا لا يا شيخ لا. كان معانا عمار لكنه لم يحضر اليوم. قلنا ثمانية أربعة اثنين أربعة اثنين أربعة ثلاثة واحد. ما هو هذا الرقم؟ هذا رقم كل سنة، في كل سنة فيها كم غزوة تبدأ من اثنين هجرية. ثمانية أربعة اثنين أربعة اثنين أربعة ثلاثة واحد. الثالث كان فيه أربعة، الرابع كان فيه اثنين، الخامس فيه أربعة، السادس فيه اثنين، السابع فيه أربعة، الثامن فيه ثلاثة، التاسع فيه واحد. ثمانية أربعة اثنين أربعة اثنين أربعة ثلاثة واحد. طب، احنا دلوقتي دلوقتي في السنة الكام يا جماعة؟ لا، لا، لا، السنة الكام؟ أيوه كده، الخامسة، احنا في غزوة الأحزاب، قلنا غزوة الأحزاب في العام الخامس. طيب، السنة الخامسة دي طبقا لهذا الرقم فيها كم غزوة؟ أربع غزوات، ذكرنا منها ثلاثة، حد فاكرهم؟ ها؟
طيب، قلنا لا ينتفع بالعلم ما لم يكرر. قلنا غزوة دومة الجندل، وغزوة بني المصطلق، وغزوة الأحزاب، والآن ندخل إلى الغزوة الرابعة اللي هي غزوة إيه؟ بني قريظة. تمام. طيب، كده ألقينا موجزا على غزوات النبي بشكل عام، الآن تعالوا ندخل إلى مسألة غزوات النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود على وجه التحديد. قلنا إنه المدينة كان فيها ثلاث كتل يهودية كبيرة: بنو قينقاع، بنو النضير، بنو قريظة، وكل واحدة من هذه الغزوات كانت تلي غزوة كبرى مع قريش، فقلنا بني قينقاع وقعت بعد بدر، بنو النضير وقعت بعد أحد، بنو قريظة وقعت بعد الأحزاب. تمام، وقلنا إن كل غزوة من هذه الغزوات نزل فيها قرآن، بنو قينقاع نزلت فيها إيه، بني النضير نزلت فيها سورة تقريبا وهي سورة الحشر، والأحزاب وبنو قريظة نزلت فيها آيتان أو ثلاث في سورة الأحزاب.
وذكرنا قبل ذلك أن بعد انتهاء النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الكتل الكبيرة اليهودية الموجودة في المدينة المنورة كان بدء الصراع مع الكتل اليهودية الموجودة خارج المدينة المنورة والتي على رأسها المركز اليهودي الكبير الموجود في خيبر، وهذا ناتي إليه إن شاء الله فيما بعد. تمام يا جماعة الخير، واضح؟ وذكرنا أنه أما بقية الكتل الصغيرة هذه كتل غالبا ذابت لأنه لم يعد يذكر في السيرة -يعني ما جاء في وثيقة المدينة المنورة عن يهود بني الحارث ويهود بني عوف وغيرهم- هؤلاء لم يعد لهم ذكر كثير في السيرة وبالتالي المفهوم أنهم أسلموا أو ذابوا في المجتمع الإسلامي. وذكرنا أيضا أن بعض الشخصيات بعض الشخصيات اليهودية كانت بمثابة مراكز قوى، فأحيانا حصلت عمليات خاصة لاستهداف هذه الشخصيات مثل كعب بن الأشرف، وسياتي معنا بعد قليل أبو رافع ابن أبي الحقيق، وذكرنا قبل ذلك ما وقع مع أبي عفك وما وقع مع عصماء بنت مروان الخطمية وغيرهم.
صلوا على النبي. إذا نحن ذكرنا في المجلس الماضي أن الأحزاب رحلوا في آخر ذي القعدة، آخر ذي القعدة من العام الخامس للهجرة. ذهب النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا إلى بني قريظة يغزوهم، وسير سيدنا علي بن أبي طالب طليعة بين يديه -يعني المجموعة الأولى قادها سيدنا علي بن أبي طالب طليعة قبل أن يقدم الجيش- ونادى النبي صلى الله عليه وسلم في الناس: ألا من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة، وقام النبي في المسلمين حتى وصلوا إلى حصن بني قريظة. بنو قريظة أيضا سنرى ها هنا ما كانوا هم فيه من التردد الذي أودى بهم إلى المهالك وادخلهم في نقض الصحيفة.
الآن ذهب إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وأمر صحابته أن يحموه بالدروع بحيث يقترب من الحصن فيكلمهم. فبداية أول ما رأى بنو قريظة طليعة علي رضي الله عنه سبوه وشتموه وسبوا النبي صلى الله عليه وسلم سبا قبيحا. كانت طليعة لسه إيه مجموعات صغيرة، فلما فوجئوا بأن المسلمين -احنا قلنا عدد المسلمين كانوا كم مقاتل في غزوة الأحزاب؟ ألف وخمسمائة- تمام، لما فوجئوا أن المسلمين جيش المسلمين صار محاصرا لهم، الجيش الذي أرهق الأحزاب الآن صار إيه؟ صار عند بني قريظة. وضع مرعب تماما، لك أن تتخيل جيش خارج من الصمود أمام القوة الدولية رايح دلوقتي يحاصر إيه؟ حصنا صغيرا، فكان أمرا مفزعا، ولذلك يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم ناداهم قال: يا إخوة القردة والخنازير. هذا يدلك على شدة غضب النبي صلى الله عليه وسلم وشدة ما كان فيه من الحنق والسخط على ما فعلوا. فقالوا له: يا أبا القاسم، ما كنت جهولا. يعني إيه مش أخلاقك دي يا أبا القاسم؟ ما سمعناش، ما تعودناش منك على كده، ما سمعناش منك الكلام ده قبل كده. تمام، فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام فأبوا، فأبوا ولم يستسلموا يعني. شوف، في غزوة بني النضير كاد بنو النضير أن يستسلموا بمجرد أن راوا الجيش لولا أن أرسل إليهم عبد الله بن أبي بن سلول يقول لهم إيه: اثبتوا، لإن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قتلتم لننصرنكم. فمكثوا وقالوا: إنا لسنا براحلين. ها هنا بنو قريظة ما عندهمش وعد من أحد فكان ينبغي أو كان المتوقع أنهم إيه؟ يفاوضوا على الاستسلام لكنهم أبوا أن يسلموا ثم عزموا على القتال وأبوا أن ينزلوا من الحصن، فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم خمس وعشرين ليلة على أرجح الأقوال. تمام.
طبعا كان هذا أمرا شديدا عليه، ويروى كذلك أن زعيمهم كعب بن أسد، كعب بن أسد زعيم بني قريظة، قال لهم هذه المقولة، قال لهم: يا معشر يا بني قريظة، هلموا بنا فنسلم، فإنا لنعلم أن هذا الرسول هو رسول الله الذي نجده مكتوبا عندنا في الكتب، الذي بشرت به الكتب، فإذا أسلمنا حقنتم دماءكم وأموالكم وكنتم من المسلمين.
فماذا رد عليه؟ قالوا: لا نترك دين يهود أبدا ولا نبدل شريعتنا أبدا. طيب، قال: أما إذا أبيتم علي -طيب خلاص رفضوا هذا العرض- فهلموا بنا نقتل أبنائنا ونسائنا ثم نحمل عليهم حملة رجل واحد، فإن قتلنا لم يبق عندنا ما نبكي عليه، وإن غلبناهم فلن نعدم النساء والصبيان.
مفهوم الكلام صح؟ طيب، قالوا: نقتل هؤلاء المساكين فما خير العيش بعدهم؟ لا، برضه ده خيار مش كويس، خيار مرفوض. قال: أما إذ أبيتم علي، فإن الليلة ليلة سبت، ولعل محمدا وأصحابه أن يكونوا قد أمنونا هذه الليلة، الليلة ليلة السبت وهم عارفين إن احنا مش بنحارب يوم السبت فهيبقوا إيه الجيش في حالة تراخي، فهلموا فلننزل إليهم فلعلنا أن نصيب منهم غرة.
فقالوا: ما هذا برأي! ألا تدري ما حدث في من قد فعلوا ليلة السبت؟ -يقصدون إيه؟ الاقوام الذين صادوا في ليلة في يوم السبت أو في ليلة السبت فمسخهم الله قردة وخنازير-. فقال: أما والله ما بات منكم رجل يوما من الدهر حازما، يعني عايز أقول إيه؟ أنتو أنتو كده من أول ما أنا عرفتكم وطول عمركم وطبعكم إن أنكم إيه مترددين، ما فيش واحد منكم يعني عنده رأي ويمضي فيه.
فظل الأمر إيه ما فيش قرار. هذا مصداق الدرس الذي ذكرناه قبل قليل، أنه بنو قريظة صحيح نقضوا العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم ودخلوا في الأحزاب، لكن لم يترجم هذا إلى فعل حقيقي، أيوه في محاولات وغارات، لكن لم ينزلوا نزلة رجل واحد بعد ما خلاص غدروا وخانوا ودخلوا فعلا في المعركة، فالآن تراهم أيضا لا هم انسحبوا ولا هم قاتلوا، بل ظلوا محصورين في الحصن بدون أي وعد ياتيهم أو يطمئنهم.
لكن بدات إيه بقى مرحلة المفاوضات، ومرحلة المفاوضات دي على عادتهم يعني كان فيها إيه نوع من المناورة والمماطلة. طيب، أرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أننا نريد أن نستشير واحدا من حلفائنا، فأرسل إلينا أبا أبا لبابة بن المنذر.
لو تذكرون يا جماعة الخير، ذكرنا أنه الوجود اليهودي في المدينة المنورة هذه الكتل الكبيرة الثلاث كانت تتعيش أصلا وتعيش على الحروب بين الأوس والخزرج، ولكنهم انخرطوا في أحلاف، فكان بنو قينقاع وبنو النضير حلفاء للخزرج، وكانت بنو قريظة حلفاء لمين؟ للأوس.
وفي هؤلاء نزل قول الله تبارك وتعالى: ثُمَّ أَنتُمْ هَٰتِتَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأُوكُورُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ. يعني إيه؟ يعني كانوا إذا انخرطوا في حرب انخرط كل قوم من اليهود مع حلفائهم في الحرب، طيب حصل قتلى حصل أسرى، بعد المعركة يرجع اليهود يهود والعرب عربا، فيفادي اليهود أسرى كل فريق -يعني يتعاونوا ككتلة واحدة في مفاوضات إيه أسرى كل فريق-. فكان يقال لهم غريبة دي يعني أنتم تقاتلون معنا وبعدين تروحوا تدفعوا فدية الأسرى يعني أنتم اسرتموهم وأنتم قتلتموهم وبعدين تروحوا تدفعوا فديتهم، فكانوا يقولون: أمرنا بهذا في كتابنا -اللي هو مفاداة الأسرى-. طيب والقتال؟ يقول لك: والله ما نحبش أن حلفاؤنا يذل أو يهون، ففيهم نزل قول ربنا: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ.
حقيقة يعني يا جماعة الخير هو هذا أمر جيد أمر سيء الذي كان يفعله يهود؟ حتى أن الله اختار لفظ الكفر، لم يقل مثلا أفتؤمنون ببعض الكتاب وتتركون بعض، بل قال إيه: وتكفرون ببعض. طيب هذا الوضع الذي فيه اليهود حقيقة أشرف من الوضع الذي فيه المسلمون الآن. يعني في النهاية اليهود حين ينخرطون في المعركة أيوه يكفروا ببعض الكتاب لكن بعد ما تنتهي المعركة يسعون في الإفراج عن أسرام وفي مفاداتهم، طب الآن المسلمين بيعملوا إيه؟ يقاتلون مع عدوهم ولا يفكرون في فداء أسرهم، بل بعض المسلمين يأسر للعدو، أنتم عارفين بعض المسلمين يأسر للعدو المطلوبين؟ أنتم عارفين في مذكرات جورج تنت -جورج تنت مدير المخابرات الأمريكية أيام 11 سبتمبر له مذكرات اسمها في قلب العاصفة- فبيقول: والله احنا كنا حاسين إن في حاجة هتحصل قبل سبتمبر بس احنا مش عارفين إيه هي، فكلفنا عشرين جهاز مخابرات عربي إسلامي أن يعني إيه يدوروا هم إيه الموضوع ده ويجيبوا لنا معلومات، أنت متخيل؟
فالآن الوضع الذي نحن فيه أن حلفاء الخزرج أجلوا من المدينة، باقي مين دلوقتي؟ حلفاء الأوس. فهم مما طلبوه من النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن اشتد عليهم الحصار أن يستشيروا رجلا من حلفائهم، وطلبوا أن يرسل إليهم سيدنا أبا لبابة بن عبد المنذر الأنصاري، فذهب إليهم سيدنا أبو لبابة.
طبعا نسيت أن أقول شيئا أخطات يعني، نسيت أن أقول شيئا، كانت البداية بعد أن اشتد الحصار أن طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزلهم على حكم بني النضير، خلاص يا جماعه احنا إيه نخرج بأموالنا ونسائنا، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن ينزلوا على حكمه، يعني إيه؟ يعني بعبارتنا المعاصرة: الاستسلام بدون شرط أو قيد، هذه معنى أن ينزلوا على حكمه.
طيب، فطلبوا بعد ذلك أن يرسل إليهم أبا لبابة، فلما ذهب أبو لبابة هاجى ثار إليه النساء والصبيان يبكون، دخل إليهم فثاروا إليه يبكون، ثم قالوا له: أترى يا أبا لبابة أن ننزل على حكم محمد؟ فقال فقال أبو لبابة: نعم، وأشار بيده إلى حلقه يشير إلى إيه؟ الذبح.
فكان أبا لبابة أفضي بسر عسكري، سر للنبي صلى الله عليه وسلم أن الحكم الذي يري -يعني الحكم الذي سينزله بهم النبي صلى الله عليه وسلم- هو القتل. فأبو لبابة بعدما أشار هذه الإشارة ندم في نفسه، وقال: والله لا أرى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحدث توبة، وذهب إلى المسجد -مارجعش بقى على معسكر الأحزاب- ذهب إلى المسجد وربط نفسه في سارية، وقال: والله لا يحلني أحد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الكلام ده كان امتى؟ كان في اليوم العشرين للحصار، يعني بعد عشرين يوما ذهب أبو لبابة وحصل منه هذا الموقف. فلما وصل ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: أما والله إنه لو جاءني لاستغفرت له، ولكن أما وقد فعل ما فعل فلا أفقر شيئا حتى يقضي الله فيه.
طيب، هذا الموقف ترى فيه أمورا، ترى فيه أولا الحساسية الإيمانية عند الصحابي رضوان الله عليه تمام، رجل أشار إشارة ويبدو أنها انفلتت منه مع ما رأى، لأن الرواية تقول: فرأى النساء والصبيان فرق لهم، وهذه الحساسية الإيمانية دفعته إلى أن يعاقب نفسه، يبادر نفسه بالعقوبة.
طيب، على الججهة الأخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرضى بهذا من الصحابي، يعني صحيح هي في ميزان الحساسية الإيمانية واليقظة الإيمانية، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرض أن يبادر الإنسان إلى عقوبة نفسه، كان يفترض أو كان الأولى أن يذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيحكي له ويعتذر إليه ثم يستغفر الله له تمام.
طيب، وبعد ذلك فامتنعوا، فبقي استمر الحصار خمسة وعشرين ليلة أخرى، ثم ها هنا يا جماعه خلاف دقيق بين الروايات، أما أنهم قالوا ننزل -هم أرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقولون ننزل على حكم حلفائنا-.
حلفائهم اللي هم مين؟ الأوس. من زعيم الأوس؟ سيدنا سعد بن معاذ. طيب، سيدنا سعد بن معاذ ذكرنا في غزوة الخندق أنه كان إيه؟ كان مصابا، قلنا رماه حبان بن العرقة بسهم أصاب أكحله -العرق المتوسط الموجود في الذراع والذي كانت تسميه العرب نهر الحياة- أصابه قاتلة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم جعله في خيمة في المسجد لكي يكون قريبا منه يعوده.
فرواية تقول إنهم أرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون أن ينزلوا على حكم واحد من حلفائهم، ورواية تقول إن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي عرض عليهم أن ينزلوا على حكم واحد من حلفائهم فرضوا، تمام؟ فحلفاؤهم الذين هم الأوس وصاحب الحكم هيكون مين؟ سيدنا سعد بن معاذ.
طيب، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى سعد أن يؤتى به، فجاء راكبا على حمار ما كان قادرا على المشي حتى دخل إلى المعسكر بقى المكان الذي هم فيه. الآن يا جماعه تصوروا معي حال الأوس، هؤلاء الأوس ما هي الذاكرة التي في ما هي الذاكرة التي يحتضنونها عن الحلفاء؟ بنو قينقاع كاد النبي أن يقتلهم لولا أن تدخل عبد الله بن أبي بن سلول -فاكرين لما قلنا ادخل يده في درع النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أ يعني أربعمائة حار حاسر وثلاثمائة دارع تحصدهم في غداة واحدة قد منعوني الأحمر والأسود، النبي يقول أرسلني قال لا أفعل قال هم لك- فعوقبوا بإيه؟ بالجلاء.
حلفاؤه الآخرون من بني النضير كادوا يذهبوا لولا أن تدخل عبد الله بن أبي بن سلول فأبقاهم، وبعد هذا نزلوا على حكم النبي صلى الله عليه وسلم بالجلاء. الآن والصحابة يشعرون أن هؤلاء يستحقون القتل، لكن الذاكرة التي عندهم كيف سيكون مصير حلفاء الأوس بعد أن كان مصير حلفاء الخزرج؟
فلذلك لما دخل سيدنا سعد بن معاذ قام له قوم من الأوس يقولون: ارفق بحلفائك، فما عهد إليك رسول الله بهذا إلا لترفق بهم، ارفق بحلفائك، ارفق بحلفائك. فقال سعد رضي الله عنه: قد أن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم، ألا تأخذه في الله لومة لائم. تمام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما ترى فيهم يا سعد؟ قال: أرى أن تقتل مقاتلتهم أو رجالهم وأن تسبي ذراريهم.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد أصبت فيهم حكم الله من فوق سبع سماوات. تمام، يبقى سيدنا سعد حكم عليهم الأول قبل أن يعرف حكم الله، حكم عليهم بالإيه؟ بالقتل، وهذا يدلك على شدة ما كان فيه سيدنا سعد بن معاذ من التجرد ومن الانخلاع التام من التفكير بأحلاف الجاهلية أو بأن يقال ماذا فعل بحلفاء الأوس وماذا فعل بحلفاء الخزرج.
وها هنا لفتة سمعتها من الشيخ حازم أبو إسماعيل -الله يفك أسره- كان يقول: تأمل يعني في كفاءة النبي السياسية، لأن النبي جعل الحكم في بني قريظة لرجل هو حليفهم، الأصل أن هذا الحكم إذا خرج من النبي صلى الله عليه وسلم ربما وجد بعض الأوس في نفسه، لكنه حين يخرج من سيد الأوس لا يجدون ذلك في أنفسهم، فإنه سيدهم.
لماذا يقول الشيخ حازم؟ مثلما أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع لعبد الله بن أبي بن سلول في حلفائه من بني قينقاع، فأيضا هذه السياسة في معاملة النفوس هي من المنهج النبوي الذي يتعلم منه صلى الله عليه وسلم.
طيب، ذكرنا أنه قضوا خمسة وعشرين ليلة، هذه الخمسة وعشرين لم يقتل فيها أحد من المسلمين إلا رجلا واحدا، سيدنا خلاد بن سويد، وهذا قتل يعني على يد امرأة، امرأة من بني قريظة يعني كأنها تابعت وجود سيدنا خلاد تحت الحصن فألقت عليه رحى الرحى -حج الحجرين الكبيرين الذين يطحن بينهما القمح- فقتلته. هذا هو القتيل الوحيد، وهناك آخر مات مات ميتة طبيعية يعني، لكن القتيل الوحيد أو الشهيد الوحيد في الغزوة هو مين؟ سيدنا خلاد بن سويد، ولذلك فهذه المرأة هي المرأة الوحيدة التي قتلت من بني قريظة، ولها قصة طريفة.
لأن هذه المرأة السيدة عائشة تقول: ما عجبت من أحد كما عجبت منها. هو طبعا لما أجلوا بنو قريظة وفصل الرجال عن النساء، فالرجال كانوا في دار والنساء وزعت على الدور، فهذه المرأة كانت عند بيت عائشة رضي الله عنها، فهي تقول -عائشة طبعا لا تعرف مين المرأة دي أو يعني ما الذي فعلت- تقول: وهي عندي وتضحك ظهرا لبطن، دائما بتضحك وتهزر وتضحك وتحكي دي، وأنا بقول مالها دي يعني، حتى نودي على اسمها أين فلانة؟ قالت: أنا والله. فالسيدة عائشة بتقول لها: طب وأنت مالك؟ يعني يعني ما فيش نساء قتل، فقالت لها: حدثا أحدثته، والله أنا عملت مصيبة، عملت مشكلة، وبتقولها وهي بتضحك برضه. قالت: فما نودي عليها حتى خرجت ثم ضربت عنقها، فما زلت أتعجب كيف كانت تضحك ظهرا لبطن وهي تعلم أنها تقتل؟
فبرضه نموذج فريد، نموذج فريد يعني إيه؟ واحدة ما عندهاش هم، ما كانتش نكاديه فيمايد وفي من قتل.
احنا قدام قدامنا كام يا شيخ؟ نعم، آه طيب طيب كويس يعني تسع دقائق هذه، وكان في من قتل فيهم مين بقى؟ حيي بن أخطب. حيي بن أخطب هو إيه؟ أصل المشاكل، أصل البلاوي، أصل نقض العهد، هذا رجل لم تنقض بنو قريظة العهد إلا لما قال لهم: لكم علي أن رحلوا الأحزاب دون أن يستأصلوا محمدا أن أدخل معكم في حصنكم فينزل به ما ينزل بكم.
فدخل معهم، عاد فلما كان بمكان اسمه الروحاء تذكر العهد فعاد مرة أخرى فدخل في حصن بني قريظة. فلما جيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال حيي: والله ما لمت نفسي في عداوتك. حيي بيقول للنبي: والله ما لمت نفسي في عداوتك.
ولكن من يغالب الله يغلب. ثم قال: يا أيها الناس هذا كتاب وقدر وملحمة كتبها الله على بني إسرائيل، ثم جلس لضرب عنقه فضربت عنقه. هذا مشهد، يعني مشهد مترع بالدروس.
شوف، أولا خليني أقول لكم على حاجة، كعب بن أسد، كعب بن أسد شوف المفارقة، كعب بن أسد وهو يحرض بني قريظة على أن يحاربوا النبي صلى الله عليه وسلم، أول ما قال لهم إيه، قال لهم إيه، قال لهم: هلموا فلنسلم فإنا لنعلم أنه الرسول الذي بشرت به الكتب، فاسلموا تحقنون دماءكم وأموالكم ونسائكم ونسائكم وأبنائكم. تمام، قالوا له: لا، ما نسيبش اليهود، فراح قال لهم إيه، طيب أما إذ أبيتم هذا هلموا فلنقتل نساءنا وأبناءنا، ثم نخرج إلى محمد فنقاتله حتى يحكم الله بيننا وبينه. طيب، انتبه هنا، في البند الأول كان معترفا أن هذا هو النبي الذي أرسل الله، في البند الثاني بيقول لهم إيه؟ حتى يحكم الله بيننا وبينه. طب تيجي إزاي دي؟ كيف هذا؟ إزاي أنت من دقيقة بتقول هذا الرجل على الحق هو الرسول، وبعد سطرين ثلاثة بعد ثانيتين ثلاثة من الكلام يكون عندك ظن وتخيل أن الله قد يحكم لك على نبيه؟
هنا يا جماعة الخير سر من أسرار النفس، وهو نفس السر بتاع حي بن أخطب، اللي هو أول ما شاف النبي صلى الله عليه وسلم كما ترويه صفيته، أول ما شاف النبي صلى الله عليه وسلم يسأله أخوه: تعرفه وتثبته؟ اه، أعرفه وأثبته هو هو، هتعمل إيه؟ عداوته ما بقيت. ويعمل كل هذا، يعني يهجر قومه وفي الآخر يقول له: ما لمت نفسي في عداوتك، ويقول: ولكن من يغالب الله يغلب، أنا عارف إن اللي بيدخل معركة مع ربنا بيتهزم، ده كلامه يعني.
هذا سر من أسرار النفس، الكبر والعناد يا جماعة الخير يغلق على النفس كل المنافذ، الكبر العناد، أخبث الصفات، هي التي أخرجت إبليس من الجنة وأنزلته إلى الأرض وادخلته النار، قال: أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ، لم أكن لأَسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون. الكبر ده، الكبر العناد، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر. الكبر ده رهيب يا جماعة، رهيب يغلق على الناس يغلق على الناس كل منافذ الهداية، قال تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ، إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم، ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون، فتحنا لهم السماء لقالوا: إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ. احنا سحرنا لكن اللي احنا شايفينه ده مش حقيقي ولن نؤمن.
وذلك يذكركم بكلمة أبي جهل، أبو جهل في غزوة بدر ماذا قال؟ دعا الله تبارك وتعالى، اللهم اقطعنا للرحم وأتانا بما لا نعرف فاحنه الغداء، أو فاحنه الغداء، يعني يا رب اللي ظالم فينا واللي قطع الرحم فينا أهزمه غدا، طب يتخيل أبو جهل أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي كان أقطعهم للرحم!
استعيذوا بالله من الكبر، استعيذوا بالله من العناد، أمر يغلق كل منافذ الهداية، أهو أنت شايف ناس واحد عارف أن هذا هو النبي ورايح يقاتله! مالهالش تفسير مالهالش تفسير، ما فيش عقل، وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. سبحان الله سبحان الله، سبحان الله واحد بيدعي: يا رب لو كان هو ده الحق عذبني يا رب، لا إله إلا الله.
طيب، الكلام ده بعيد عننا يا جماعة؟ لا، هذا السلوك هو سلوك الذي يرفض مرة واتنين وتلاتة، تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودا عودا، فأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، وأيما قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، حتى تصير على قلبين: أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، وأسود مربادا الكوز مجخيا، لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه، ولذلك قال ربنا: خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ. وقال تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ.
الإنسان يا جماعة يراقب نفسه ويقهرها على أن تقهر للحق، لما يعرف أنه غلطان يقول: أنا غلطان، ويزعل، ولأن أكون ذنبا في الحق خير من أن أكون رأسا في الباطل، لأنه لو ما عملش كده هيلاقي نفسه بعد شوية غير قابل للهداية، غير قابل للهداية. فرعون كده شاف المعجزات أمامه عمل إي؟ كفر عادي برضو، شاف طريق ينشق بحر بحر انشق أمامه عمل إيه؟ دخل وراءه. يعني فعلا إذا لم تكن تؤمن خاف يا سيدي، واحد انشق له البحر يعني مشهد إن لم يدفعك إلى الإيمان يدفعك إلى الخوف، ومع ذلك خاض البحر وراءه. فحيي بن أخطب هذا رجل كان عنده كبر فلم ينفعه العلم، عارف أن ده نبي، لكن الكبر اللي موجود في القلب حجب العلم، ولذلك العلم بدون تزكية وسيلة من وسائل الجريمة.
أنتم عارفين المفتي لما واحد يقول لك: ما حكم يا شيخ؟ يقول له: أنت عايزها حلال ولا حرام؟ لأنه يعرف يطلعها حلال ويعرف يطلعها حرام، ليه؟ مش هو العلم هو آه، لكن مافيش زكاة نفس، مافيش قلب مؤمن، فأنت عايزها حلال نجيب لك الأدلة على أنها حلال، عايزها حرام نجيب لك الأدلة على أنها حرام. العلم بدون تزكية وسيلة من وسائل الجريمة.
طيب، نستكمل إن شاء الله في المجلس القادم، أسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أحياء جيل على خطى السابقين.
محمد إلهامي