طيب، السلام عليكم ورحمة الله. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. اللهم اجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين. في حد فوق؟
مرحباً بكم أيها الإخوة والأحباب، طبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلة، ونسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا على طاعته أن يجمعنا في جنته ومستقر رحمته ودار كرامته.
طيب، نحن توقفنا في المجلس الماضي، هذا هو المجلس السادس والستون من مجالس سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وكنا توقفنا في المجلس الماضي عند السؤال المهم: وهو لماذا كانت قريش ترى في هجرة المهاجرين خطراً عليها؟ يعني كان ينبغي أنها ترى أن في هجرة المسلمين من لديها راحة لها، ويعني إعادة التماسك الاجتماعي وانتهاء الانقسام الذي كان حاصلاً في مكة، لكن هذا لم يحدث، وإنما سعَت قريش بكل ما لديها من قوة وبكل ما عندها من طاقة أن تمنع هجرة المهاجرين إلى المدينة.
ذكرنا في المرة الماضية كيف كانت قصة سيدتنا أم سلمة رضي الله عنها مع زوجها أبي سلمة ومع ولدها سلمة، وذكرنا أيضاً قصة صهيب الرومي، وأن الصحابة كل الصحابه كانوا يهاجرون متخفين، وذكر أنه حتى ما قيل عن هجرة سيدنا عمر رضي الله عنه من أنها كانت جهرة وأنه هدد القرشيين إنما وردت من طرق ضعيفة، والصحيح أن سيدنا عمر أيضاً هاجر سرا.
وهذا الأمر الذي نبدأ به هذا المجلس إن شاء الله، سيدنا عمر رضي الله عنه توافق مع اثنين من الصحابة، الصحابي الأول اسمه عياش بن أبي ربيعة، عياش بن أبي ربيعة، أبو ربيعة هذا اسمه عمرو، وهو ابن عم أبي جهل، عياش بن أبي ربيعة بن المغيرة، وأبو جهل اسمه إيه؟ عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب إلى آخر النسب، فعياش بن أبي ربيعة كان ابن عم أبي جهل وكان أخاه لأمه أيضاً.
تمام، تعاقد مع عياش بن أبي ربيعة ومع هشام بن العاص، هشام بن العاص هذا هو أخو سيدنا عمرو بن العاص، تمام، هشام بن العاص بن وائل السهمي، وذكرنا أنه أبو سيدنا عمرو بن العاص أيضاً كان من أكابر المجرمين في مكة، فكان سيدنا عمرو رضي الله عنه يقول عن أخيه هشام: سبقني بالحسنيين بالسلام وبالشهاده، لأنه هشام أسلم قبل عمرو، وعمرو سيسلم بعد صلح الحديبية، وبالشهادة لأن سيدنا هشام بن العاص مات في معركة أجنادين، وهذه معركة كانت في بداية عهد سيدنا عمر بن الخطاب كانت مع الروم قبل اليرموك، فكان عمرو إذا ذكره يقول: سبقني بالحسنيين بالإسلام والشهادة، ونبينا صلى الله عليه وسلم وصف سيدنا عمراً وسيدنا هشام بالإيمان فقال: ابنا العاص مؤمنان، فأثبت لهما الإيمان صلى الله عليه وسلم.
طيب، إذا اتعدوا يعني توافقوا تواعدوا على مكان، المكان هذا اسمه التناضب، التناضب مجمع شجر عند مكان يسمى أضاه بني غفار، أضاه يعني غدير بني غفار، مكان في وادي صرف من أودية مكة التي دخلت الآن في العمران، فتواعدوا في هذا المكان وقالوا: أينا لم يصبح هناك فقد حبس، فهذا يخبركم أيضاً عن شدة المراقبة القرشية لهذا الأمر، فلما أصبحوا إذا هشام بن العاص قد حبس وفتن، ففتن يعني حبس وبقي في مكة.
طيب، الآن من معنا من المهاجرين؟ سيدنا عمر وسيدنا عياش بن أبي ربيعة، فهاجرا معاً حتى وصلا إلى قرية قباء التي نزلها النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الآن نحن نتكلم قبل أن ينزلها النبي، تمام، فلما كانوا في قرية قباء إذا بأبي جهل بن هشام وأخوه الحارث بن هشام قد وصلوا يطاردون ويطلبون أخاهم عياش بن أبي ربيعة، يعني المسالة لم تتوقف فقط عند محاولة المنع والحبس والمراقبة، وإنما كان هناك إيه؟ مطاردات ومتابعات وإرسال فرق خاصة يعني بالمصطلح المعاصر.
فلما أدركوا عياش بن أبي ربيعة قالوا له: إن أمك قد أقسمت أن لا يمس شعرها مشط وأن لا تستظل من شمس حتى تراك، يعني إيه الكلام ده؟ أمك قد أقسمت بالله أنها يعني لن تسرح شعرها، بمعنى أنها إيه يعني مش هتستحمى مش هتسرح شعرها، ستعلن عليك الحداد، تعلن عليك الحزن، وأن تبقى في الشمس وأن تبقى في الشمس لا تستظل من شمس حتى تراك.
فرَقّ لها عياش بن أبي ربيعة وقال: أبر قسم أمي، يعني أرجع ثاني أبر قسم أمي، ولي مال هناك آخذه، هو طبعا كان هاجر وقد ترك ماله؛ لأن العملية كلها عملية سرية يعني هجره سرا، فقال قال سيدنا عمر: ويلك، إن يريدك القوم إلا ليفتنونك، فوالله لو قد أذى أمك القمل لم تشطت، يعني صحيح هو الموضوع صعب وموضوع مؤثر، لكن في النهاية يعني إلى أي مدى ستتحمل؟ فوالله لو قد أذى أمك القمل لم تشطت، ولو آذاها حر الشمس لاستظلت.
وهو يا جماعة الخير حقيقةً -طبعاً الإنسان مركب من عقل ومن عاطفة- لا شك الناجحون في الحياة عقلهم أسبق إليهم من العاطفة، يجب أن نكون معترفين بهذا، الإنسان الذي تغلبه عاطفته هذه نقطة ضعف فيه، فانظر الفارق بين سيدنا عمر وسيدنا عياش، طب هم الاثنين عارفين هذا الكلام، يعني هم الاثنين عارفين أنه أمه لو قد آذاها القمل لم تشطت، ولو آذاها حر الشمس لاستظلت، لكن سيدنا عياش لم يتحمل هذه الأيام، لكن سيدنا عمر واجهه بهذا المنطق.
فقال عمر رضي الله عنه -وهو يروي هذه القصة- قال: فأبى علي، فقلت: انك لتعلم أني من أكثر قريش مالاً، فلك نصف مالي ولا ترجع، الآن هو رد على مسألة أمه، ثم الآن يرد على مسألة إيه؟ المال. فأبى علي، فواضح أن المسألة ما كانتش مال، المسألة كانت إيه؟ كانت العاطفة، عاطفته تجاه أمه.
فقال: أما وقد أبَيْتَ عليَّ فخذ ناقتي هذه، فإنها ناقة نجيبة ذلول -بالمصطلح المعاصر: طالما مش موافق، خذ العربية بتاعتي، عربية كويسة إمكانياتها كويسة- فإن رابك من القوم ريب فانجُ عليها.
فعاد معهم فعلاً، أخذ ناقة سيدنا عمر وعاد معهم، حتى إذا كانوا في الطريق قال أبو جهل -هو ابن عمه- قال: يا ابن أخي، إنِي قد استُغلِتُ بعيري هذا -برضوا بالمصطلح المعاصر: العربية بتاعتي تعبت، حصل لها مشاكل، الفرامل أي حاجة يعني- أني قد استغلبت بعيري هذا، فلو أردفتني على بعيرك؟ قال: نعم. فلما أناخ وثبوا عليه أبو جهل وأخوه ثم قيدوه وأوثقوه ودخلوا به إلى مكة، فحبس بمكة سيدنا عياش بن أبي ربيعة فلم ينجُ من هؤلاء الثلاثة إلا سيدنا عمر رضي الله عنه.
فكان يقول سيدنا عمر -يعني يكمل الرواية، وهذه الرواية يا جماعه نرى فيها عظمه الهجره وأهمية الهجرة ومركز الهجرة- قال عمر: فكنا نقول في شانهم: إن الله لا يقبل من مسلم صرفاً ولا عدلاً ولا توبة، قوم عرفوا الله ثم رجعوا إلى المشركين، وكان هذا قولهم لأنفسهم، وهم أيضاً الذين لم يخرجوا كانوا يرون أن هذا ذنب لا يقبل الله منه التوبة حتى هاجر النبي صلى الله عليه وسلم، ثم نزل فينا وفيما كنا نقول ويقولون لأنفسهم، نزل قول الله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ، وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُم لَا تَشْعُرُونَ.
قال عمر: فلما نزلت كتبتها في رقعة، ثم بعثت بها إلى هشام بن العاص، فيقول هشام: فلما جاءتني صرت أصوب النظر فيها ولا أفهمها، وأصعد النظر فيها ولا أفهمها، فقلت: أي رب فهمنيها! فألهمني الله أنها نزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسهم من هؤلاء النفر الذين في مكة وافتتنوا، قال: فركبت راحلتي فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم.
طبعا أول ما نستفيد من هذه الحكاية إيه؟ الصحبه الصالحة، أول ما نستفيده من هذه الحكاية الصحبة الصالحة، الصحبه الصالحة يا جماعة الخير أمر فارق في حياة الإنسان حقيقة، ويعني قل لي من صاحبك أقل لك من أنت، هذه قاعدة سائرة أن القرين إلى المقارن ينسب، فانت انظر هنا سيدنا عمرو بن العاص، هم متفقون معاً على الخروج، ثم سيدنا عمر عرض عليه نصف ماله وأخلص له النصيحه ثم تخلى له عن ناقته، ثم أرسل إلى صاحبه القديم الآية حين نزلت في شانه لعله يحفزه.
تخيل نتخيل معاً أنه سيدنا عمر لو لم يكن موجوداً في هذه القصة ما الذي ماذا كان يكون مصير عياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص؟ نعم. ف حقيقة وخصوصاً يا جماعة الخير في هذا الزمن الذي نحن فيه، لا يكاد إنسان يثبت على إيمانه ويستطيع الثبات على إيمانه لو لم تكن له صحبة صالحة، المغريات الآن كثيرة، ويعني أبواب الشهوات، أبواب الشبهات، وحتى مشغلة الدنيا حتى بعيداً عن الشهوات والشبهات، مجرد الاهتمامات.
يعني الإنسان إذا عاش بين أناس يهتمون بالمال فإنه سيهتم بالمال بالطبع، يهتمون بالشهرة سيهتم بها، يهتمون حتى بالملذات وهكذا، فمسألة الصحبه هذه مسألة فارقة في حياة الإنسان.
لكن ما يهمنا الآن ونحن نتكلم في سياق السيرة النبوية هو أهمية هذه الهجرة التي كان الصحابه يرون أن الذي تخلف عنها أو نكص عنها أو تراخى فيها هو من المفتونين ممن لا يقبل الله منهم صرفاً ولا عدلاً ولا توبة؛ لأنه حقيقة يا جماعة الخير وكما سناتي ونذكر إن شاء الله بعد قيام الدولة الإسلامية، صارت الهجرة فرضا على المسلمين من سائر القبائل، صارت الهجرة فرضا على المسلمين، متى لم تعد فرضا؟ لما فتحت مكة بعد ذلك، ساعة إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا هجره بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم -يعني إلى الجهاد- فانفروا.
لكن في هذه الفترة كان لابد -كانت الدولة الإسلامية مع شدة الظروف التي حكيناها في المجالس الماضية- كانت تحتاج إلى كل طاقة بشرية، وحقيقة الأمر أن الطاقة البشرية هي أهم الطاقات، الطاقة البشرية هي أهم من الموارد واهم من الكنوز وأهم من الأموال، الطاقة البشرية هي الأصل، كل هذا مهم، لكن الطاقة البشرية هي الأصل.
وأنتم ترون ربما توجد الدول التي فيها يعني أموال وفيها نفط وفيها معادن، ولكن ليس فيها بشر، ما الذي يحصل؟ تكون داخلة تحت نفوذ القوة الكبرى، لا تستطيع أن تستقل بنفسها ولذلك لا تكاد تجد انساناً تهمه نهضة بلد إلا وهو مهتم بأن يكثر الأولاد وتكثر نسب المواليد في هذه البلد.
الدول التي تريد النهضة حكامها ويعني سلطتها يحفز الناس على الإنجاب، إذا رايت من يحاول أن يكبح الناس عن الإنجاب أما أنه مغفل وإما أنه خائن، يعني أما أنه جاهل وإما أنه خائن، تمام. ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول: تزوجوا الودود الولود فاني مباه بكم الأنبياء يوم القيامة.
طيب، فلذلك مركزية الهجرة تبدو لنا في هذه القصة من حرص سيدي- من حرص الصحابة عليها ومن نظرتهم إلى من لم يهاجر، ومن حرص سيدنا عمر على ألا يعود الذين هاجروا إلى بلدهم مرة أخرى.
وطبعا يعني لابد أن نتذكر أيضاً أن الصحابة بشر، وأحياناً بعضهم قد تغلبه نفسه في مواطن، والصحابي ليس معصوماً، وطبعاً يعني نحن الصحابه كلهم هم السادة السابقون السابقون، لكن أيضاً الصحابة على مراتب ودرجات، يعني أنت ترى في قصة عياش بن أبي ربيعة الفارق مثلاً بينه وبين قصة سيدنا أبو سلمة، شوف سيدنا أبو سلمة حبست عنه زوجته وخلع كتف ولده، ما لم يتردد، لم يفكر حتى، وإنما استكمل طريق هجرته.
تمام، لكن هنا لما داخلت العاطفة سيدنا عياش بن أبي ربيعة آثر أن يرجع وكان في ذلك خسارة له؛ لأنه طبعا حُرم من النبي صلى الله عليه وسلم سنين.
ويجب أن نقول أيضاً بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو للمحبوسين في مكة، فمما ورد عنه في الحديث الصحيح أنه كان يقول: اللهم نجِّ عياش بن أبي ربيعة، اللهم نجِّ سلمة بن هشام. سلمة بن هشام أيضاً أخي عياش وأخي أبي جهل، سلمة بن هشام بن المغيرة، والوليد بن الوليد لأن الوليد بن الوليد أُسر في معركة بدر ثم افتداه أخوه خالد بن الوليد ثم حبسه، فكان من جملة المحبوسين على الإسلام في مكة.
فالقصد أنه حتى النبي وهو في المدينه وهو منشغل بإقامة الدولة وتأسيس الدولة والعلاقات الداخلية والعلاقات الخارجية وسائر هذه الأمور، كان يتذكر هؤلاء الأسرى الذين حبسوا في مكة. تمام، طيب صلوا على النبي.
الآن نحن ذكرنا قصة أم سلمة أبو سلمة، ذكرنا قصة صهيب، ذكرنا قصة عياش بن أبي ربيعة، السؤال لماذا كانت قريش يعني ترى في هجره المهاجرين خطراً عليها؟
نعم، لأن المسلمين هناك سيقيمون دولة، وقلنا إن أشد شيء على الباطل أن تقوم للحق دولة، أشد شيء على الباطل أن تقوم للحق دولة، يعني الحق قوي في نفسه، وأنتم ترون كيف أن قريشاً أزعجها وأفزعها أن يوجد مسلمون في قريش تحت سلطتها، تحت قهرها، تحت حكمها، فكيف لو أن هؤلاء قد صارت لهم دولة كيف تكون قوتهم؟ فالدولة تزيد أهل الحق قوة إلى قوة.
قوتهم أمر أمر كبير، أمر رهيب. ولكم أن تتذكروا أن قريشاً أرادت أن تستعيد المهاجرين إلى الحبشة، مع أنه المهاجرين هناك ما كان عندهم أمل في إقامة دولة، يعني الحبشة وضع الحبشة وضع تسود فيه الديانة النصرانية، فيه إمبراطور مستقر النجاشي، فما كان يرجوه المسلمون الذين هاجروا أن يفروا بدينهم الأمن فقط. طيب، تصور معي أنه الدولة التي لم تستطع التي لم تستطع أن تكبح هجرة الناس إلى الحبشة الفارين بدينهم، فأرسلت مبعوث خاص وأرسلت سفارة خاصة لكي يؤتى بهؤلاء الفارين بدينهم! تخيل كيف تفعل إذا كانت هذه الهجرة هي هجرة إقامة دولة وإقامة سلطة والتجاء إلى قوم قد بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على الحرب. فاكرين بيعة العقبة الثانية؟ شيء خطير، شيء كبير وشيء لا يمكن أن تطيقه الجاهلية. الجاهلية لا تطيق وجود الحق في نفسه، فكيف إذا قامت للحق دولة؟
أمر ثالث يا جماعة الخير، وهذا أيضاً يجب أن تتأملوه جيداً: الإسلام، الإسلام ليس لمجرد مذهب روحي، الإسلام بديل حضاري. يعني إيه؟ يعني أقول لكم: بعض الباحثين الغربيين كان يقول: لماذا أوروبا يمكن أن تتسامح مع البوذية ومع الكونفوشيوسية ومع المذاهب الروحية ولا تتسامح مع الإسلام؟ ليه؟ لأنه البوذية والكونفوشيوسية والطاوية الغربية ليس كالبوذية ليس كالكوفشيوسية. ولذلك ذكرت هذا وأكرر الآن مستشرق مهم اسمه هاملتون جيب، هاملتون جيب هذا كتب كتاباً منذ 100 سنة اسمه وجهة الإسلام، في مقدمته في صفحة تسعة، لو لم تخن الذاكرة، يقول: الإسلام ليس ديناً، الإسلام نظام، فلا يمكن أن نَصِف الإسلام وصفاً حسناً إذا قلنا إنه يقابل المسيحية، بل يقابل الغرب. ولا يمكن أن يكون وصفاً حسناً لو قلنا إن الإسلام يقابل الكونفوشيوسية، لا، الإسلام يقابل الصين! يعني الإسلام ليس مجرد مبادئ روحية، ليس مجرد شعارات هائمة، ليس مجرد طقوس وشعائر. الإسلام إيه؟ نظام حضارة بديلة. نعم، ينشئ نظاماً، يعني المسلم لا يستطيع أن يعيش في ظل الجاهلية، لا يستطيع أن يعيش في ظل نظام غير إسلامي، طالما أنه مسلم سيسعى دائماً إلى نشر الإسلام وإلى تبديل هذا النظام الذي هو فيه بطبيعته.
فيعني، ولذلك يا جماعة الخير الإسلام الآن مطارد، لما لانه يعني أيام أيام الشيو- الشيوعية والاتحاد السوفيتي الإسلام كان يمثله بديلاً، بديل عن المادية الشيوعية، بديل عن هذه الاشتراكية، كما أنه الآن يمثل بديلاً للغرب، بديل عن العلمانية، عن الليبرالية، عن الرأسمالية. كل هذه المبادئ لا يستطيع المسلم أن يكون مسلماً وعلمانياً، أو أن يكون مسلماً وليبرالياً، أو أن يكون مسلماً ورأسمالياً أو اشتراكياً أو شيوعياً. لا يمكن، هذه أنظمة مختلفة بل متناقضه، لا يجتمعان في قلب رجل واحد.
ولذلك حتى بدون أن أدخل معكم في التاريخ، انتم ترون انه أي محاولة لإقامة دولة اسلامية بل لإقامة دولة تتسامح مع الإسلام تواجه بكل العنف. يعني هذا الموضوع يا جماعة مات فيه زعماء وقاده. الموضوع اللي احنا بنتكلم فيه ده مات فيه زعماء وقادة. يعني حتى هنا في تركيا: من عدنان مندريس، تورغوت أوزال، نجم الدين أربكان -حبس- والانقلاب الذي حصل أخيراً على أردوغان في 2016. طيب في مصر: مرسي. طيب في الجزائر: أول التسعينات الجبهة الإسلامية للانقاذ حصل الانقلاب عليها. طيب كل الحروب التي تجري حول على حماس في غزه من أجل إيه؟ هذه البذرة والارض التي يمكن أن تقام فيها دولة إسلامية. اغتيال الجنرال ضياء الحق في باكستان... الأمثلة كثيرة.
لكن الخلاصه انه هذا العالم المعاصر لا يمكن أن يسمح بقيام دولة إسلامية. يعني الدولة الإسلامية لابد أنها تقوم بعد كثير من الكفاح والعنف والتصلب والثبات وبعد جهاد طويل. حتى لعلكم يعني كثيرون سمعتم عن كتاب وائل حلاق. وائل حلاق نعتبره مستشرق، وطبعا يدرس الجامعة الأمريكية، هو أصله فلسطيني وهو مسيحي، كتابه المشهور الدولة المستحيلة. يقصد به أنه العالم يعني ذكر هذا صراحة من ضمن يعني ما يقصده بالدولة المستحيلة، أنه العالم الآن لن لن يسمح بقيام دولة إسلامية لأنها دولة تخالف أسس النظام العالمي الموجود وتناقضه. فبقدر ما أن الدولة ضرورية للدين كما ذكرنا في المجلس الماضي، بقدر ما أن هذا النظام العالمي وهذا النظام الجاهلي بشكل عام يعني يستميت لئلا تقوم للمسلمين دولة.
وهذه مسألة يعني إن لم نتعلمها بالنظر وإن لم نتعلمها من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، طيب نتعلمها من التاريخ القريب المعاصر الذي نحن فيه. يعني نحن هنا الآن موجودين في تر- تركيا، مجتمع من اللاجئين حقيقة. لو لو تاملنا وتدبرنا لوجدنا انه هذا المجتمع من اللاجئين هو ناتج عن محاولات فاشلة لإقامة دولة إسلامية. يعني الغربيين لم يكن عندهم أي مانع أن تباد الشام، تباد سوريا، ويقتل مليون ويجرح يعني 10 مليون، وتباد نص البلد، طالما أنه لم يجد البديل المناسب مكان بشار الأسد. بشار الأسد طالما هيجي بعده إسلامي؟ لا، خليه بشار الأسد موجود، ولو كان يعني ولو كان الثمن هو إبادة وإفناء هذا الشعب وتدمير هذه البلد.
فالغربيون حقيقة يا جماعة الخير ضحوا بأموالهم وضحوا بجنودهم ونزلوا الينا بجيوشهم لكي يحولوا دون أن تقوم دولة إسلامية في بلادنا. طيب، الآن حين نقول إن الإسلام بديل، مكة كيف كانت ترى الإسلام؟ قريش في مكة كيف كانت ترى الإسلام؟ كانت تراه المهدد والبديل للدين الذي هي تقوم عليه.
الآن جاء النبي صلى الله عليه وسلم بدين جديد، هذا الدين يزاحم الزعامة الدينية لقريش بل ويزاحم على بيت الله الحرام. طبعا سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم من نسل إبراهيم، هم القرشيون جميعاً من نسل إبراهيم، تمام؟ فهناك منافسة على الدين الذي قريش الآن تتولى زعامته وبتولي هذه الزعامة وأنها سادن البيت. فهذا الدين الذي يخرج به محمد صلى الله عليه وسلم يمثل تهديداً لنفوذها الديني، نفوذها الروحي، فضلاً عن التهديد لوضعها الاقتصادي. لأن كل هذا يعني النفوذ الديني والروحي يا جماعة الخير ما هو بينقلب في النهايه إلى مكاسب أيضاً اقتصادية وينقلب إلى نفوذ سياسي. وقالوا: وَإِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُخْتَطَفْ مِنْ أَرْضِنَا. فانت طبعا حتى لو أن هذا البيت -عايز أقول لكم إيه- لو أن لو أن البيت الحرام يعني لو اعتبرنا أن البيت الحرام السلطة القائمة عليه تراه مجرد مزار سياحي فقط، ألا يكون من مصلحتها أن يبقى هذا المزار السياحي يجتذب أكبر عدد من الناس لكي تزيد ثرواتهم وأموالهم حتى لو أن القائمون على هذا البيت لا يؤمنون أصلاً بهذا الدين؟
فكيف وقد نشا حول البيت فوق هذه الزعامة الدينية والنفوذ الروحي تجارة لعبادة الأصنام، وتجارة يتبادل فيها الناس في المواسم بضائع القبائل وما جلبوه من مضاربهم وما يشترونه من بضائع الشام وبضائع اليمن! فكل هذا كان تهديداً. يعني أنت إذا نظرت إليها من المنظور الديني وجدت إقامة دولة إسلامية تهديد على المستوى الديني، حتى على المستوى الاقتصادي والتجاري تهديد، حتى على المستوى السياسي تهديد. طيب، كيف إن كانت هذه الدولة ستقوم على طريق التجارة إلى الشام؟ الوضع إيه؟ الوضع لا يحتمل! فكان لابد من التفكير في كيف يمنع هذا الرجل محمد صلى الله عليه وسلم من إقامة هذه الدولة.
طيب، هنا فكرت قريش في اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم. تذكرون يا جماعة الخير، كنت ذكرت لكم في يعني مجلس ماضي لا أذكر يعني رقمه الآن، ذكرت لكم أنه المؤسسه البحثية الأمريكية المشهورة مؤسسة رند كانت اصدرت تقريراً عنوانه كيف تنتهي الحركات الإرهابية. عملوا إحصائية، الحركات المتمرده، الحركات التي هذه الحركات ماذا كان مصائرها؟ فقلنا النتيجة التي وصلوا إليها أنه 43% منها انتهى بعد استيعابه في النظام السياسي، ده يعتبر يعني من جهة يعتبر نصر لهذه الحركة أنها فرضت نفسها دخلت في الدولة، ومن جهة أخرى يعتبر هزيمة للنظام الذي كان قائماً أنه خلاص هذه لكن هي حين اندمجت بالنظام السياسي وحين دخلت فيه توقف إيه؟ توقفت مهمتها الرسالية والنضال والكفاح. 43%.
طيب الرقم اتنين، المصير التاني: 40% انتهت بالانكشاف الأمني والوصول إلى القادة والزعماء المهمين واغتياله. اغتيال القادة والزعماء والشخصيات المهمة يؤدي بالحركات عادة إلى الانهيار، الانقسام، الضعف، الذبول. ف43% بينتهوا بعد استيعابهم في العملية السياسية، و40% بينتهوا إيه؟ اه، باغتيال القادة. 7% فقط بينتهوا بالانتصار العسكري فقط 7%. 10% يعني بينتهوا بشكل إيه معقد كده، في تنازلات متبادلة، المهم أو يعني بيحققوا أهدافهم، ينتصرون انتصاراً كاملاً.
هذا التقرير يقول ملحوظة مهمة، يقول: أن الحركات العقائدية غالباً ما تفشل معها الطريقة الأولى، هي طريقة الاستيعاب في النظام السياسي. الناس اللي عندهم رسالة، عندهم دين، عندهم عقيدة، الجماعة دول إيه؟ صعب استيعابهم في النظام السياسي، فلذلك طبعا التقرير مكتوب للأمريكان ومكتوب عشان الإسلاميين، فلذلك كان كانت التوصية الأخيرة بتاعة التقرير يعني هو محاولة الإيه؟ العمل الأمني للانكشاف الشخصيات المهمة والقدرة على اغتيالها.
وأنا ذكرت وأكرر: لا تسمعوا لمن يقول لكم إذا إذا مات منا سيد قام سيد، لا لا لا، لا هذا يحدث أحياناً، ولكن حقيقة القائد الذي يذهب لا يعوض، والقيادات بشكل العام شخصيات نادرة، القيادات شخصيات نادرة. وكثيراً من انهار الدول بانهيار مؤسسيها وبانهيار رجالها الكبار. وذكرت لكم أن سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم بقدر ما أنه كان يربي صحابته على هذه الصلابه الايمانية التي تمنع من استيعابهم وتمنع من انكسارهم أمام المغريات والشهوات، بقدر ما أنه أيضاً كان في يعني منتهى الحذر لهذه المساله الأمنية، فكان طوال الفترة المكية في حماية قومه بني هاشم، وبعد الفترة المدنية كانت للنبي صلى الله عليه وسلم حراسة دائمة، كانت له حراسة دائمة حتى نزل قول الله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، فصرف الحراسة.
فهذان أمران ضروريان لكل حركة تحرر: الصلابة الإيمانية التي تمنع من وقوعها في المغريات والشهوات، وكذلك الحس الأمني والحمايه القوية حول القيادات والكفاءات. كلاهما لا غنى عنهما لحركات التحرر وحركات الكفاح وحركات الجهاد، والذين يريدون أن يقيموا دولة، خصوصاً يعني الفكرة الإسلامية والرسالة الإسلامية. واضح يا جماعة الخير؟
طيب، فهنا ذهبت قريش إلى اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم ووقعت الحادثة المشهورة وهي حادثة دار الندوة. حادثة دار الندوة هي حادثة صحيحة لا شك فيها، لأن القرآن الكريم أورد خلاصتها، فالقرآن الكريم تحدث عنها في قوله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتوكَ -يُثْبِتُوكَ يعني يعني إيه؟ يسجنوه نعم يعني بالمصطلح المعاصر يسجنوه- ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
هنا حقيقة عند قوله ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين، الشهيد سيد قطب كان له كلام جميل، ارجعوا إليه في الظلال، كان يقول: ويمكرون ويمكر الله، أنها صورة ساخرة وهي أيضاً صورة مفزعة. فأين هؤلاء البشر الضعاف المساكين المهازيل من قدرة الله تبارك وتعالى، من هذه القوة القادرة القاهرة؟ أين هؤلاء من الله الذي هو غالب على أمره وهو قادر على كل شيء؟ فعلا لما تنظر إلى الآية: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ جزاكم الله خير.
فالمسألة يا جماعة الخير، الذي يقف أمام الإسلام حقيقة يقف أمام القدر، يقف أمام التاريخ، يقف أمام هذه القدرة العلوية الجباره، أمام الله تبارك وتعالى. يعني فليحذر الإنسان، ليحذر حقيقة. والله الإنسان أحياناً يشفق على أهل الباطل هؤلاء: من أول حكامهم، للعاملين في أجهزة الأمن والمخابرات والشرطة، إلى يعني إلى أمين الشرطة، والى الخفير وإى الأشياء يعني هؤلاء قوم بارزوا الله بالعداوة. فأين تذهبون؟ فأين تذهبون؟ فأين تذهبون؟
شيء عظيم جداً أن يعني يبلغ غرور الإنسان أنه يصور له قدرته على أن يواجه الله تبارك وتعالى. وكثير من هؤلاء الذين يبارزون الله بالعداوة يعرفون في قرارة أنفسهم أنهم على ضلالة، قال تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً. وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ، يا يعني أنا أذكر نفسي وأذكركم وأذكر سائر من يسمعنا يا جماعة: من الخطر الشديد جداً أن يجعل الله أن يجعل الإنسان نفسه في جهة والله في جهة أخرى. شيء عظيم، لانه في النهاية الدنيا أيام، أيام.
طيب، فدار الندوة ذكرت لكم أن محتوى ما جرى فيها محتوى صحيح ثابت بالقران الكريم، وأن الحلول التي طرحت في دار الندوة هي السجن وهي النفي وهي القتل. ولكن الرواية المشهورة الوارده في كتب السيرة، الرواية التي تحكي دار الندوة هذه، رواية على شهرتها فيها ضعف تماماً. هذه الرواية تقول الآتي: نحكي لكم الرواية ثم نعلق على إيه بعض الملاحظات. أن قريشاً لما رات أن المسلمين قد صاروا يهاجرون بأموالهم بأولادهم وصاروا يتفلتون منها وصار لهم دار دار منعه في المدينه عرفوا انهم يعني ائتمروا وعرفوا ان هذه الهجرة ليست كهجره الحبشة، فاتمروا في دار الندوة وممن حضر هذا الاجتماع سادة قريش -نعتبره اجتماع قمة طارئ، نعتبره اجتماع عاجل يعني في النهاية الرؤوس الكبيرة كلها كانت موجودة-.
ما يهمني التركيز عليه هنا هو أنه من بين من حضروا من بين من حضروا بنو عبد شمس بن عبد مناف، منهم عتبة بن ربيعة ومنهم أخوه شيبة بن ربيعة ومنهم أبو سفيان صخر بن صخر بن حرب بن أمية. هؤلاء هؤلاء القادة الثلاثة لبني عبد شمس بن عبد مناف تمام يلتقوا مع النبي في من؟ في عبد مناف. يعني نحن ذكرنا هذا نذكركم به: محمد صلى الله عليه وسلم هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كعب، قصي هذا مؤسس قريش كما قلنا. طيب عبد مناف الآن -وذكرنا هذا في المجلس الذي تكلمنا فيه عن الحصار، حصار
الشعب، فقلنا إن الذين دخلوا في الشعب كان فرعين من عبد مناف: بني هاشم وبني المطلب، وإن أبا طالب أراد -ويعني- أنشد شعراً يحاول فيه اجتذاب الفرعين الآخرين، اللي هما بني عبد شمس وبني نوفل. وذكرنا قصيدته: جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا عقوبة شر عاجلاً غير آجل، قصده اللامية المشهورة.
تمام، طيب الآن موجود معنا في هذا المجلس من بني عبد شمس: عتبة بن ربيعة، شيبة بن ربيعة، أبو سفيان؛ وموجود معنا من بني نوفل بن عبد مناف: طعيمة بن عدي، أخو المطعم بن عدي، اللي هو الذي يعني أجاره النبي صلى الله عليه وسلم، وابن المطعم اللي هو جبير بن مطعم؛ تمام، وموجود بعد هذا -طبعا- رؤوس بني مخزوم: أبو جهل -طبعا- وموجود الحجاج وابناه، منبه، الزعماء الكبار. طيب، تقول الرواية بأنه تمثل لهم إبليس في صورة شيخ نجدي، تمثل لهم إبليس في صورة شيخ نجدي، راوه واقفا، قالوا: من الشيخ؟ قال: رجل من نجد، شيخ من نجد، جئت قد علمت بما تمرون به، وجئت وجئت معكم فيه، ولعلكم لا تعدموني رأسي.
طيب قال صفوان بن أمية: نثبته نسجن... يعني، فقال الشيخ النجدي -اللي هو مين؟ إبليس-: ليس هذا برأي، فإنكم إن أثبتموه فلا تأمنوا أن يأتي أصحابه فيعدوا عليكم فيكسروا بابه وينتزعوه من بينكم، يبقى احنا إيه ما فعلنا شيئاً، فانظروا رأياً آخر. طيب، فقال أحدهم: نخرجه، فإنا لا ندري بأي البلاد حل ولا ماذا فعل؛ قال الشيخ: إنكم لتعرفون حلاوة لسانه وسلطانه على العرب، ولعلكم لا تأمنوا أن يصير له بينهم أصحاب، يبقى ما عملناش حاجة، يعني الذي نقترح هو الذي نفر منه.
فقال أبو جهل: والله لقد... والله إن عندي رأياً ما أراكم قد وقعتم عليه، قد فرق لي فيه رأی، ما أراكم وقعتم عليه، ما هو؟ قال: أن نأخذ من كل قبيلة رجلاً جلداً، ونضع في يد كل واحد منهم سيفاً صارماً، ثم يضرب محمداً ضربة رجل واحد فيقتلونه، فيتفرق دمه بين القبائل، فلا يقدر بنو عبد مناف على أن يقاتلوا العرب كافة، فرضوا منا بالدية فودينا له.
فقال الشيخ -اللي هو مين؟ إبليس-: لله در الفتى، هذا هو الراي.
فانتم عارفين كما يقال إبليس يتعلم منه، وهذا يا جماعة الخير أصله ثابت في قول الله تعالى: شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً. طيب، فين هذه الرواية على هذا التفصيل؟ فيها ثلاث ملاحظات؛ تمام، أنا أؤكد أن محتوى الحكاية صحيح؛ لأنها ثابتة بالقرآن، لكن هذه التفصيلات فيها مشكلات. الملاحظات الثلاثة إيه هي؟ هذه ملاحظات علمية -يعني- لا نطيل فيها؛ لأن مجلسنا هنا ليس مجلساً في تحرير المسائل علمياً.
الملاحظة الأولى: أن هذه الرواية على شهرتها وترددها في كتب السيرة ليس لها إسناد صحيح متصل، طبعا هي واردة عن غير طريق لكن ما فيش طريق منها صحيح، أصلها عند ابن إسحاق، وابن إسحاق لم يُسمِّ شيخه، قال: حدثني من لا أتهم عن ابن أبي نجيح، فيعني غم شيخه، وحيث إن الإسناد في حد ما نعرفوش، فالمرء يتركونه، وبقية الأسانيد أما فيها الواقدي والواقدي متروك كما ذكرنا، واما أنها مرسلة يعني رواها الزهري مرسلاً والزهري حافظ لم يدرك الصحابة، الخلاصة أنه ليس -طبعا هي الرواية من رواية ابن عباس- لكن الخلاصة أنه ليس لهذه الرواية إيه طريق صحيح.
الأمر الثاني: هو حضور إبليس فيها، هو طبعا هل يتمثل الشيطان بشرا؟ نعم، يمكن يجوز، لكن المسائل الغيبية هذه يا جماعة، وإن كانت ممكنة عقلاً، لكن لا تقبل إلا بنقل صريح، يعني بنقل صحيح، تمام؟ يعني لا نجرؤ على أن نثبت شيئاً من هذه الغيبيات إلا أن ثبتت بطريق صحيح، حيث إنه ما فيش طريق صحيح فلذلك تجدون العلماء الذين يرفضونها على نوعين: الناس اللي عندهم نزعة نقدية عالية، يعني نزعة عقلانية، الشيخ الغزالي مثلاً، الشيخ صادق عرجون، وبقية المشايخ اللي هم إيه يعني ينقدون هذه الروايات ولا يتقبلون ما يكون فيها من مبالغات أو مجازفات؛ أو المشايخ المتشددون في علم الحديث وفي منهجية الحديث: طالما الرواية لم تصح فلا تذكر.
وهناك ملاحظة ثالثة، أنا لا أذكر أني اطلعت عليها قبل ذلك، ولكن يعني بدأت لي إن كانت صواباً فمن الله، وإن كانت خطأً فمن نفسي، وهو يعني هذه أيضا مما تضعف الرواية، وهو قول أبي جهل: فلا يقدر بنو عبد مناف على أن يحاربوا قريشاً؛ طيب ما هو بنو عبد مناف موجودين في الجلسة، لو كان لو كان الأمر يعني الأصح أن يقال في مثل هذا المجلس: فلا يستطيع بنو هاشم، لكن لا يقال: لا يستطيع بنو عبد مناف ورؤوس بني عبد مناف معه في الجلسة، فهذا أيضا مما يعني يطرح ملاحظة أخرى على الرواية في في ثبوتها.
لكن الخلاصة أن قريشاً اتفقت على قتل النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه آخر يعني آخر الآية آخر الوسائل التي تملكها قريش لمحاولة منع إقامة دولة إسلامية باغتيال النبي صلى الله عليه وسلم، وبالمناسبه -يعني- أساليب الباطل هي هي، أذكر الآن مثلاً لعلكم قراتم أو كثير منكم سمع عن كتاب: الاقتصادي للأمم، كتاب مشهور اشتهر -يعني- صدر ربما من عشر سنوات الآن أو أكثر، هذا رجل اقتصادي كان يعمل في شركات مالية كبرى تقرض الدول الضعيفة لكنها تقرضهم كجزء من المنظومه العالمية، بحيث أن الدولة تظل متعثرة في الديون وبهذا الشكل تبقى تحت السيطرة، فهذا الرجل يقول: أنا ادركت بعد تجربتي أنه أمريكا عندها ثلاث وسائل للقضاء على الدول التي تحاول الاستقلال، الوسيلة الأولى هي وسيلة الانقلابات العسكرية -يعني الآن هو مهمته كرجل اقتصادي أن يوقع هذه الدولة في الديون، الدولة تظل تتعثر في الديون، وطبعا هذا المعنى لابد له من أن يكون رئيس هذه الدولة شخص فاسد، الشخص الوطني الناجح لا لا يرضى بهذا بهذا الأمر- فهو لازم يكون فاسد؛ لأن هو هيتمتع هو وأهله وحاشيته وستبقيه بهذه الأموال، فهو سينضم إلى النخبة العالمية، مين اللي هيدفع الثمن؟ الشعب والدولة، فهذه مهمته هو أن يقدم يعني دراسات الجدوى الاقتصادية التي تقول بأنه أخذه هذه الديون سيساوي القدرة على بناء هذه المشاريع، سيساوي القدرة على تسديد الديون، وهو بيقول: دائماً كنا نقدم يعني أمور خياليه لا يمكن أن تتحقق.
الشخص اللي ما ينفعش معاه هذا الموضوع، الحاكم الوطني اللي هو مش بيستجيب لرغبات صندوق النقد وتوصيات البنك الدولي، هنا لدينا ثلاث وسائل لإزالته، الوسيلة الأولى: الانقلابات العسكرية، وذكر عدداً من الانقلابات العسكرية التي نفذتها المخابرات الأمريكية -طبعا في أمريكا اللاتينية؛ لأن هذه كانت ساح عمله-.
فإن لم تستطع -يعني كان الرئيس قابضاً على أزمة الجيش وعلى أزمة الأجهزة الأمنية وما حدش عارف يعمل عليه انقلاب عسكري- فالاغتيال.
فإن لم يستطع اغتياله، الاحتلال.
فهذا يعني لأنه خروج أي دولة عن سياق النظام العالمي هذا يهدد بنية النظام العالمي نفسه.
فهنا نجد أن قريشاً ستذهب إلى الاغتيال، ولما تقوم الدولة ستذهب إلى الاحتلال، في المواجهات التي ستكون ذروتها في غزوة الأحزاب تمام.
طيب، فهذه رواية دار الندوة أيضاً رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم يعني أنهم اجتمعوا وأحاطوا بداره في تلك الليله وأنه نثر تراب على رؤوسهم وهو يتلو: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ، أيضاً هذه رواية ضعيفة لم تثبت أيضاً بطريق صحيح، تمام.
ما الذي ثبت بطريق صحيح؟ الذي ثبت بطريق صحيح، هو -وبالمرة- أيضاً رواية العنكبوت والحمامة أيضاً رواية ضعيفة، الذي ثبت بطريق صحيح هو اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة في عملية الهجرة وفي التخطيط لها، وهذه الرواية جاءتنا يا جماعة الخير من أربعة من الصحابه بشكل أساسي، الرواية الصحيحة طبعا أولاً جاءتنا عن السيدة عائشة رضي الله عنها، طبعا السيدة عائشة دي يعني نقول إيه أول مؤرخه في الإسلام مثلاً، يعني السيدة عائشة دي أصلها شاهد عيان في أهم موقع في الإسلام، يعني هي كانت بين رجلين: زوجها النبي صلى الله عليه وسلم، وأبوها صاحبه الأول، يعني هي قاعدة في غرفة العمليات، هي قاعدة في قصر الرئاسة -قصدي أقول الرواية- وترى من النبي ومن أبي بكر ما لا يراه الناس، فالسيدة عائشة دي أهم راوية وأهم مؤرخة في سيرة الإسلام؛ لأن موقعها موقع لا يصل إليه أحد، فطبعا السيدة عائشة روت حديث الهجرة؛ لأنها كانت في ذلك الوقت شاهد عيان وكانت في بيت أبيها أبي بكر رضي الله عنه.
طيب ورواها لنا كذلك سيدنا البراء بن عازب، البراء بن عازب أنصاري عن أبيه عازب، وأبوه هذا أخذها من أبي بكر رضي الله عنه، يروي سيدنا البراء أن سيدنا أبو بكر كان يشتري رحلاً للناقة من عازب فلما اشتراها منه قال: ارسل ولدك يحملها علي، المهم فهو خرج البراء بن عازب يحمل الرحل وخرج عازب لكي يأخذ المال، وهم ماشيين في الطريق قال: حدثني يا أبا بكر عن اليوم الذي هاجرت فيه مع النبي صلى الله عليه وسلم، يبقى احنا برضه الرواية منتهاها إلى أبي بكر، وأبو بكر يعني جزء وطرف من الموضوع، وكذلك تروى عن سيدنا أنس بن مالك، وأنس بن مالك هو خادم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو رجل من الأنصار، وبرضه يعني إذا كانت السيدة عائشة يعني رقم واحد في الاطلاع على النبي صلى الله عليه وسلم، فخادم النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً ألتصق الناس به، فروايات الهجرة أيضاً وردت عن سيدنا أنس رضي الله عنه.
طيب ما خلاصة ما جاء في هذه الرواية؟ اه، أنا نسيت برضه أقول إنه الراوي الرابع -الراوي الرابع أظنكم تتوقعوه- الذي روى الهجرة من؟ ها... لا، علي لم يرو رواية الهجرة، لا من؟ لا أبو هريرة أسلم فيما بعد، لا يا جماعة ده واحد مشهور، أيوه سراقة، تمام، سراقة أيضا روى حديث الهجرة؛ لأنه شاهد عيان أيضا على مرحلة في الطريق.
ما خلاصة رواية الهجرة؟ قالت عائشة رضي الله عنها -أنا الآن سأجمع وألفق بين هذه الروايات الصحيحة- أن النبي صلى الله عليه وسلم... قالت: كان أبو بكر يتجهز للهجرة قبل المدينة، احنا ذكرنا في المجلس الماضي أن بعض من هاجر إلى الحبشة لما سمع ببيعة العقبة الثانية عاد مرة أخرى إلى مكة وتحول إلى الهجرة إلى المدينة، تقول عائشة: فتجهز أبو بكر للهجرة قبل المدينة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: على رسلك لعل الله أن يجعل لك صاحباً، طبعا سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم يعني إيه غاية المنى، فأمسك أبو بكر رضي الله عنه واستعد لذلك براحلتيهما وصار يطعمهما انتظاراً لهذه اللحظة، قالت عائشة: حتى جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقت لم يكن يأتينا فيه... يأتينا فيه في الظهيرة، وطبعا الرواية التي ترويها عائشة رضي الله عنها تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف بخبر قتله، أو يعني بخبر ائتمار بقتله؛ لأن حركه النبي صلى الله عليه وسلم كان فيها قدر عالي من السرية، وكذلك حركة البيت عند أبي بكر كان فيها قدر عال من السرعة -يعني حتى السيدة عائشة تقول: فجهزناهما أحث جهاز، أحث يعني أسرع- وتقول مثلاً: فأسماء فلم تجد ما يعني تربط به أو ما تغطي به السفرة -الجراب الذي وضعوا فيه أكلاً وطعاماً للنبي صلى الله عليه وسلم- فشقت جزءاً من نطاقها، فأنت طبعا لما تبقى... لما تبقى السيدة اسماء في البيت واحنا عايزين مثلاً خيط فهي لا تبحث عنه وإنما يعني تشق نطاقها، النطاق هو الحزام أو القماش الذي يربط على الوسط، فلذلك سميت ذات النطاقين رضي الله عنها، فالقصد يعني أن حركة النبي وحركة بيت أبي بكر تدل على السرعة.
فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أخرج من عندك؛ قال لأبي بكر: أخرج من عندك؛ قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إنما هم أهلك، حتى مش أهلي، إنما هم أهلك -يعني بالمصطلح المعاصر: الدنيا أمان، ما فيش شيء- قال: إنه قد أُذِنَ لي بالهجره؛ قال: الصحبة يا رسول الله؛ قال: الصحبة؛ هنا بدات حركه تجهيز الراحلتين وإعداد الطعام ونحو ذلك.
أبطال عملية الهجرة كالاتي: النبي صلى الله عليه وسلم... الوقت انتهى، طيب نستكمل معكم إن شاء الله خمس دقائق علشان نستكمل القصة.
طيب، احنا نقول أبطال الهجرة سريعا، طبعا أبطال الهجرة: أولا بيت أبي بكر: عائشة وأسماء رضي الله عنها دول الجنود الخلفيين، ثم مولى أبي بكر عامر بن فهيرة هذا سنرى بعد ذلك، ثم ابن أبي بكر عبد الله بن أبي بكر أيضا كان له دور في التعمية على حركة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي نقل الأخبار للنبي صلى الله عليه وسلم.
ورجل مشرك كان من أبطال الهجرة اسمه عبد الله بن أريقط، هذا رجل مشرك ولكنه كان مؤتمناً، كان خبيراً بالطريق، وقد استؤجر ليدله على الطريق، ومع أنه كان مشركاً إلا أنه لم تغره الجائزه، ويعني أدى مهمته خير أداء، وهذا من الأشياء التي يثبت الله لنا بها أنه كل نظام جاهلي وكل نظام بشري دائما فيه ثغرات يمكن استثمارها تمام، ثم طبعا سيدنا أبو بكر رضي الله عنه، وإن شاء الله تبارك وتعالى نبدأ في المجلس القادم إن قدر الله لنا البقاء واللقاء في قصة هجرة النبي صلى الله عليه وسلم.
الله عليه وسلم، وإقامة الدولة الإسلامية. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إحياء جيل على خطى السابقين.
محمد إلهامي