بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. اللهم اجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين.
مرحباً بكم أيها الأحباب، طبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً. نسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا على طاعته أن يجمعنا في جنته ومستقر رحمته ودار كرامته.
وهذا المجلس الخمسون من مجالس السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. ونبدأها بتهنئة كبيرة نُهديها لإخواننا المجاهدين المرابطين الباسلين في غزة؛ غزة التي يعني يعد ما وصلت إليه الآن من وقف إطلاق النار نصراً عزيزاً مؤزراً.
وما حصل يا أحباب حقيقة هو معجزه بكل معنى الكلمة. معجزة؛ غزة ما كانت تحارب إسرائيل وحدها، غزة كانت تخوض حرباً عالمية تواطأ عليها الغرب وتواطأ عليها العرب أيضاً، وقل النصير وقل الظهير وقل الحليف، فخاضت معركة لو أنها وضعت أمام أي محلل أو عسكري أو يعني خبير لما توقع أن تطول هذه الحرب شهراً أو شهرين؛ فاذا بها قد بلغت 15 شهراً، ثم إذا بالإسرائيليين يوقعون على اتفاق وقف إطلاق النار.
هذا مش زيكم الله خير الله يبارك فيك، سلمت.
وهو نفسه هذا الاتفاق الذي طالما ماطلوا في عدم توقيعه، وقد أسفرت هذه الفترة الطويلة عن عجزهم عن استنقاذ أسراهم، وهذا هذه حقيقة معجزة أمنية ومعجزة عسكرية؛ أن تستطيع الاحتفاظ بأسرى العدو في قطاع مكشوف جغرافيا، مكشوف أمنيا، محاصر عسكرياً، سلطت عليه التقنيات الغربية، الطائرات، طائرات التجسس، وسائل التنسيق، هذا هذا الذي حصل آية من آيات الله، معجزة من معجزات الله، ولا ريب ولا شك في أنه سيكون إحدى لحظات التاريخ الفارقه.
فمن هنا نسأل الله تبارك وتعالى أن يتم على أهل غزة نصره وفتحه وتمكينه، وأن يذل عدوهم، وأن يقذف في قلوب عدوهم الرعب، ونسأله تبارك وتعالى أن تكون هذه الحرب هي مقدمة التحرير لبيت المقدس، فنحسب أنه قد أضل أوانه.
والأمة الإسلامية الآن، وإن كانت تعاني من كثير من الجراحات في أماكن كثيرة، إلا أن ما يحدث في هذه السنوات الثلاث الماضية أمر أمر جديد؛ يعني أنتم ترون كيف أن أفغانستان انتصرت على التحالف الدولي، وما أفغانستان وما طالبان، ما هذه الرقعه الصغيرة الفقيرة الضعيفة المحاصرة، ما هذه الإمكانيات الضعيفة لكي تستطيع أن تخرج الأمريكان ومعهم حول نحو 40 دولة؟
ثم تحدث الثورة الكبيرة في بنجلاديش وتذهب بواحده من أعتى الحكام العلمانيين، ثم هذا النصر الذي رأته الأمة كلها في سوريا المباركة وسقوط نظام الأسد بعد 60 سنة 60 سنة من حكم البعث. وأيضاً التقدم الذي يحصل الآن؛ يعني التقدم الذي يحصل في السودان والانتحار الذي تعانيه قوات الدعم السريع. وعسى الله أن يفتح علينا بليبيا فما يزال فيها أهل ثورة، وعسى الله أن يفتح علينا بالقاهرة فهي مفتاح هذا العالم الإسلامي.
و يعني من رأى الأحداث بعين التاريخ فانه يشعر أن الأمة مقبلة على النصر الكبير. وهذا النصر الكبير لابد أن تسبقه ملاحم كبيرة ولابد أن تتلوه ملاحم كبيرة أيضاً. ف يعني هذه الأمور، قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوهُ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.
ومن عجيب الاتفاق أنه الآن ونحن في هذا المجلس الخمسين سنتكلم عن بدء تشريع الجهاد في السيرة النبوية، وهذا من فضل الله علينا، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا ويسدد ويلهمنا الإخلاص والقبول.
ذكرنا في المجلس الماضي أن نبينا صلى الله عليه وسلم ما انقضت السنة الأولى من حياته في المدينة حتى بدأت عداوة المشركين في قريش تطاله في المدينة، وذكرنا أن أهل مكة أرسلوا إلى المشركين من أهل المدينة رسالة تهديدية يحذرون فيها، يقولون: إنكم آويتم صاحبنا، وانه ما كان ما كانت الحرب أكره أو أبغض لقوم بيننا لقوم منها بيننا وبينكم، ولكنكم آويتمونا وآويتم الصباة من ديننا، وانا لنقسم بالله لتخرجونه ولتنفرن إليكم باجمعكم ولنقاتلنكم ولنستبيحن نساءكم.
وذكرنا أن المشركين وعلى رأسهم في ذلك الوقت عبد الله بن أبي بن سلول الذي سيصير فيما بعد رأس المنافقين -في ذلك الوقت لم يكن قد أسلم أو قد أظهر الإسلام، هو لم يسلم حقيقة هو ظل منافقاً، سيسلم بعد غزوة بدر أو سيظهر إسلامه بعد غزوة بدر- ففي ذلك الوقت تحشد المشرקים في المدينة لقتال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
فلما راهم كذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما خرج إليهم فخطبهم وخفضهم وقال: لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ؛ يعني يعني الخطاب أو الخطاب التهديدي أو الرسالة القرشية هذه فعلت فيكم بالمصطلح المعاصر يعني يعني يعني بالغت في يعني بلغت منكم ما لم يكن طبيعيا أن تبلغه؛ يعني لقد بلغ عيد قريش منكم المبالغ، ما كانت لتكيد بأشد مما تكيد به أنفسكم، تقتلون أهلكم وإخوانكم.
وما زال بهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى خفضهم، وانتهى القوم. وذكرنا في المرة الماضية أن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا استخدم ما نسميه الآن الخطاب الوطني؛ اللي هو الخطاب المتعلق بالرحم، الخطاب المتعلق بالقبيلة، بالعشيرة، الخطاب المتعلق بالوطن. وهذا خط في سيرة نبينا وفي السياسة الشرعية في الإسلام.
وقد ذكرنا أن الإسلام لم يأت ليهدم الروابط التي كانت قائمة بين الناس، وإنما أتى لتعزيزها وتمتينها، ولكنه جعل رابطه الدين فوقها، وجعل هذه العلائق والروابط مرهونه بالحق؛ أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قالوا: يا رسول الله، ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟ قال: بأن تكفه عن الظلم.
فالإسلام لم يأت لتمزيق الروابط ولا لتمزيق الانتماءات ولا لتمزيق الشعوب، وإنما جاء ليجعل هذه القوة، هذه الانتماءات، هذه الروابط تحت سياق الحق هذا حين يقع التعارض والمخالفة.
والآن ذكرنا أن النبي استخدم هذا الخطاب الوطني لكي يجنب المدينة حرباً، فمن هنا أيها الإخوة الأحباب يجب أن نعرف قاعدة من أهم القواعد البشرية التي تحكم الناس وتحكم التاريخ، بل هي أهمها إطلاقا، وهي الصراع بين الحق والباطل؛ لا تعايش بين الحق والباطل، هذه الدنيا يا جماعه بنيت على هذا، ولذلك أول ما قصه الله تبارك وتعالى علينا من التاريخ الخبر بين إليس وبين آدم؛ تمام، هذه هذه لحظة المعركة الأولى التي ستظل سائرة عبر التاريخ إلى أن تقوم الساعة.
الباطل لا يستطيع أن يتعايش مع الحق، والحق لا يستطيع أن يتعايش مع الباطل، وهذا هو الصراع الذي يبتلى به الإنسان في هذه الدنيا، وهو الذي سيحاسب عليه يوم القيامة وبهذا الصراع سيكون مصيره في الآخرة المصير الأبدي، ولذلك أول أمر وأول نهي وأول تحذير تلقاه آدم أبو البشر: فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ، ده أول أمر.
فلذلك يجب أن يكون واضحاً ويجب أن يكون معروفا أنه الإنسان في حياته الدنيا لا يستطيع أن يعتزل الصراع بين الحق والباطل؛ لا يستطيع، حتى لو أراد هو، حتى لو أراد أن لا يصارع لا يستطيع أن يعتزل الصراع بين الحق والباطل، فالإسان إما في ظل حق أو في ظل باطل، فانت ترى أن النبي قد خرج من مكة وأهل مكة الآن يطاردونه.
بل وقعت حادثة أخرى أشد في الدلالة على ما نقول من هذه الحادثة، وهي سعد بن معاذ؛ سعد بن معاذ زعيم الأوس، وسيد الأنصار، كانت بينه وبين صفوان بن أمية، كانت بينه وبين أمية بن خلف صداقة في الجاهلية؛ تمام، هذا إذا ذهب إلى مكة يعني سعد إذا ذهب إلى مكة نزل عند أمية، وأمية إذا ذهب في تجارة إلى الشام نزل في المدينة عند سعد.
والآن مكة هذه عاصمة دينية فيها الكعبة المشرفة التي يقصدها كل العرب، فما ظن سعد؟ ما ظن سعد أن الكعبة تدخل في هذا الخلاف؟ ظن أن الكعبة آية تحوز على الخلاف، وأن قريشاً ترعى البيت الحرام، ولكنها لا تتصرف فيه كما تتصرف في الأملاك والعقارات. فذهب سعد ليعتمر في مكة؛ تمام، فلما ذهب ليعتمر في مكة راه أبو جهل -نزل عند صاحبه أمية بن خلف- راه أبو جهل، فأبو جهل نبهه بفعله هذا إلى أنه قد خرق القانون أو أن قريشاً قد غيرت القانون.
قال: إني أراك تطوف آمناً بمكة، وقد آويت الصباة، والله لولا أنك في جوار أبي صفوان لما رجعت آمناً. هذا آية؟ هذا مستوى جديد في القانون الدولي الآن؛ يعني المناطق الخارجة عن النزاع والخارجة عن الصراع، البلد الحرام، الكلام ده كله الذي كان مستقرا في الجاهلية، الآن تعلن قريش أنه آية لم يعد متاحاً أمام هؤلاء الذين آووا محمدا صلى الله عليه وسلم؛ يعني ببعض المصطلحات المعاصرة: الحرية للشعب ولا حرية لأعداء الشعب، الحرية لكل القبائل العربية، لكن ما فيش حرية لمين؟ لأهل المدينة، هؤلاء الناس كلها من حقها تزور الكعبة، إلا مين؟ هذه الدولة الإرهابية وهذه المجموعة الإرهابية وهؤلاء الذين آووا الرجل الخارج عن العدالة والجماعة الخارجين عن العدالة القرشية.
فسعد بن معاذ لما فجئ بهذا الوضع، قال: والله لو منعتني البيت الحرام لأمنعن عنك تجارتك إلى الشام. خلاص، الأمور آية سبنا من القوانين ودخلنا في الآية في هذه النديات والمصالح: لو منعتني البيت الحرام لمنعنك تجارتك إلى الشام، طريقك إلى الشام.
قال وكان يتكلم فيرفع صوته، فإذا بصاحبه أمية بن خلف يقول له: لا ترفع صوتك على أبي الحكم، إنه سيد أهل الوادي. ده آية؟ هذا صاحبه الذي ينزل في جواره. فهنا وجد سيدنا سعد بن معاذ، أو يعني دلت هذه الحادثة على أن الوضع الوضع المستقر الوضع القانوني قد تغير في مكه، وقد أعلنت الحرب بين مكة وبين المدينة؛ تمام.
وبالتالي هنا كان يجب على الدولة الإسلامية أن يكون لها القوة وأن يكون عندها العده وأن تستعد لخوض المعارك، لأن خلاص الأمور آية؟ دخلنا في اعلان الحرب، وقد حرمان اهل المدينة من زيارة بيت الله الحرام. فبالتالي يا جماعه الخير، أول ما نزل في هذا هو قول الله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبَّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْفَعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ.
هذه الآية روى ابن عباس فيها رواية مهمة للغاية أحب أن نتأمل معا، ورواية ابن عباس رواها أحمد وأصحاب السنن إلا أبو داود، قال: أول ما نزل في الأذن بالقتال قول الله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا. فقال أبو بكر: قوم أخرجوا نبيهم، والله ليهلكن هؤلاء القوم، أخرجوا نبيهم. فلما نزلت هذه الآية، قال أبو بكر: لقد علمت أنه سيكون قتال.
طيب، صلوا على النبي. هذا هذا النص نص مكثف جداً في فهم الجهاد في الإسلام. الأول سيدنا أبو بكر رضي الله عنه، هذا الفهم العالي منه أن القوم طالما أخرجوا نبيهم فإنهم قد بدأوا الهلَكة. كيف ذلك؟
المعروف في سير الأنبياء أن النبي صلى أن النبي في قومه يخرج يخرج من البلد قبيل أن ينزل عليهم العذاب؛ تمام، فاذا خرج النبي نزل العذاب، هذا مذكور في الآية، مذكور في قصص الأنبياء جميعاً تعرفونها، حتى سيدنا نوح لجأ هو وأصحابه إلى آية إلى السفينة لأنها الشيء الوحيد الذي سينجو، والقوم الذين كذبوا هذا النبي لا يأبهون بخروجه لأنهم يكذبون، فاذا خرج هلكوا؛ أصابتهم الريح، أصابتهم الصاعقة، أصابهم عذاب يوم الظلة؛ تمام.
القوم يعني يرى أن القوم الوحيدين الذين كان أذكياء في هذا هم قوم قوم يس عليه السلام، لأن أنذرهم نبيهم بعذاب يقع عليهم، قالوا: لئن أصبح وهو بين ظهرانينا فإنه كاذب، فإن افتقدناه فإنه صادق، فلما خرج من قريتهم وافتقدوه جاروا إلى الله يتوبون ويستغفرون؛ تمام.
إذاً، ففهم أبي بكر رضي الله عنه أن خروج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة هو نذير وعلامة الهلكة التي ستصيب أهل مكة. طيب، جميل، هذا فهم متسق مع آية مع رجل يعيش مع القرآن الكريم.
لكن قول أبي بكر: لقد علمت أنه سيكون قتال، هذا فهم عال من أبي بكر رضي الله عنه. لماذا؟
نحن ذكرنا أيها الإخوة الأحباب أن الله تبارك وتعالى كانت سنته في الأنبياء يرسلهم، فمن آمن نجى ومن كفر أهلكه الله بعذاب من عنده. ذكرنا أن ذلك انتهى عند إغراق الله لفرعون، ما بعد ذلك صارت سنة الله في الأنبياء أن ينزل كتاباً ويكلف أمة بالدعوة إليه وتبليغه، فإذا جاهدت الأمة كان عذاب الكفار على أيديها، إذا لم تجاهد الأمة التي كلفت بتبليغ الرسالة وحمل الكتاب هزمت ونكبت ولو على يد الكفار والمشركين. وتلك سيرة بني إسرائيل، وتلك سيرة أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ يعني بعد أن كلفت الأمة بحمل الرسالة، لم يعد العذاب الذي ينزل على الكفار هو آية العذاب القدري أو الكوني، بل ينزل العذاب الذي هو آية جهاد حمله هذه الرسالة والكتاب لهؤلاء الكفار، إذا لم يجاهدوا نُكِبوا، حتى لو كانوا أقرب إلى الله ممن هزموهم.
فأنت تجد هنا هذا الفهم من أبي بكر رضي الله عنه أنه سيكون قتال، مش أنه ستنزل على أهل مكة صاعقة، لن يعذب أهل مكة بالطوفان، لا، إنه سيكون قتال. ونحن ذكرنا لو أن بعضكم
يذكر أن الله تبارك وتعالى في سورة القمر عدد مصارع أقوام الأنبياء، تمام عاد بريح صرصار عاتية، أرسلنا تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل خاوية، فهل ترى لهم من باقية؟ لا هذا في سورة الحاقة. لكن في سورة القمر: فَدَعَا رَبِّي أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ، تمام عند عاد ما الآية؟ عند عاد ذهبت عني، اللهم صل على محمد، إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ، هذه في ثمود.
لا، المهم طيب، على كل حال يعني سورة القمر محفوظة، سبحان الله. نسأل الله أن يحفظنا وإياكم القرآن، وأن يرزقنا حسنى الاستشهاد به. المهم الأنبياء في سورة القمر كلهم هلكوا بهذا التدخل القدري، فلما جاء خبر كفار قريش قال تعالى: أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكَ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ، ها سَيَهْزُمُ الْجَمْعُ، سَيَهْزُمُ الْجَمْعُ وَيُولُونَ الدُّبُرَ، سَيَهْزُمُ الْجَمْعُ هذه ما معناها؟ أنه يكون قتال، تمام.
فلذلك ما كان ما كان من فهم أبي بكر رضي الله عنه في هذه الآية أنه سيكون قتال، أن عذاب القرشيين سيكون على يد المؤمنين. طبعا هو أيضا فهم مسألة أنهم أخرجوا نبيهم، فقد حل عليهم الهلاك من قوله تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، تمام. طيب، وبالتالي فنحن سنرى أنفسنا الآن منذ السنة الأولى، منذ السنة الأولى في حياة النبي صلى الله عليه وسلم في المدينه، وقد بدأت حركة الجهاد، بدأت حركة الجهاد، حركة السرايا وحركة الغزوات.
الفارق بين السرية وبين الغزوة: السرية هي فرقة الجيش أو هي يعني الرجل والرجلان والثلاثة، يعني فرقة مهمة خاصة لم يخرج فيها النبي صلى الله عليه وسلم. الغزوة هي الغزوة التي المعركة التي خرج فيها النبي صلى الله عليه وسلم، سواء وقع في ذلك قتال أو لم يقع قتال، تمام. يعني النبي صلى الله عليه وسلم الغزوات المعروفة عندنا سبع وعشرون غزوة، قاتل النبي في تسع منها فقط، فسميت غزوات رغم أنه لم يقع فيها قتال. فالغزوة والسرية هي المهمة العسكرية حتى لو لم ينشب فيها القتال، تمام.
طيب ما هنا ونحن يعني إذا أردنا أن نتأمل في مسألة الجهاد نفسه، صلوا على النبي يا جماعة الخير. مسألة الجهاد هذه من المسائل أو من أكثر المسائل التي تثار كشبهة على المسلمين في عصرنا الحاضر، مع أن المسلمين هم أكثر أكثر الناس الذين يعتدى عليهم، والذين يذبحون في أراضيهم، والذين يضطهدون في بلادهم، يعني يعني المسلمين الآن مش في حالة من حالات الفتح، فعلشان كده يثار إليهم الشبه. المسلمين الآن هم الذين تغزى بلادهم، وهم الذين أخذت مقدساتهم.
وكما قال الشاعر: إن نظرت إلى الإسلام في أرض تجده كالطير مقصوصا جناحاه أني تذكرت والذكرى مؤرقة مجدا تليدا بأيدينا أضعناه إن نظرت إلى الإسلام في أرض تجده كالطير مقصوصا جناحاه
أو كقول الآخر: قد استرد السبايا كل منهزم لم يبق في أسرها إلا سبايانا وما رايت سياط الظلم دامية إلا رايت عليها لحم قتلانا وما نموت على حد الظبا أنفا حتى لقد خجلت منا منايانا
طبعا هذا قاله في زمن قديم. الحمد لله الآن الأمور تغيرت، والأمة تدافع تدافع وتصيب من عدوها، لكن هذا كان حالنا، ففي هذا الحال تثار مسألة الجهاد. فلذلك يا جماعه الخير يجب أن نقف وقفة في مسألة ضرورة الجهاد.
الآن السؤال الأول: لماذا يكون هناك الجهاد أصلا؟ الجواب الأول: لأن الناس لا يهتدون بمجرد معرفة الحق. جواب واضح وسهل وبسيط، وكل إنسان فينا يعرفه من نفسه، يعني لو أن الناس يتعايشون، فكل من عرف فيهم الحق اتبعه وخضع له، كانت هتكون الحياة كلها إيه؟ حياة هانئة سليمة وردية، ولا كان سيظهر ما كانتش ستظهر أصلا حاجة اسمها دولة ولا حاجة اسمها جيش ولا شرطة ولا محكمة ولا قضاء ولا مخابرات ولا حتى عشيرة ولا قبيلة ولا أي حاجة. لأنه أي خلاف بين اثنين من الناس يجلسان معا، يحاول أحدهما إقناع الآخر، إن أقنعه كان خيرا، ما أقنعه يحتكم إلى طرف ثالث، ده الوضع لو أن كل الناس إيه إذا عرفت الحق اتبعت الحق خضعت الحق.
طيب حيث إن هذا لم يحدث، فكان دليلا على ماذا؟ كان دليلا على أن الإنسان قد يعرف الحق ولا يتبع الحق، بوضوح كده، يعني الإنسان فينا جميعا يرتكب المعصية ويرتكب الذنب وقد يرتكب الجريمة، وهو يعلم أن هذا ذنب، وأن هذه معصية، وأن هذه جريمة. أغلب الناس لا يرتدع عن الجريمة إلا الخوف من العاقبة، ولاجل هذا ظهرت الدولة، وظهرت السلطة، وظهر القضاء. هو إيه أصلا فايدة الدولة؟ إيه فايدة السلطة؟ إيه فايدة إيه فايدة أي ترتيب سلطوي إلا أنه يحجز القوي عن الضعيف؟ أليس هذا هذا هو الهدف الأصلي؟ إذا الناس يتناصحون إلى دولة، لكن الناس حقيقة لا يتناصحون فيما بينهم، فلذلك قبلوا أن يتسلطن عليهم أحدهم، وضحوا بجزء من حريتهم، وقبلوا بجزء من القهر والسلطة لكي ينصف هذا القوي الضعيف من القوي، وياخذ حق الضعيف من القوي.
فأمر يعني أمر في غاية الوضوح، في غاية في غاية السطوع، أنه أغلب الناس لا تتبع الحق إلا إن كان الحق معه قوة، شيء في غاية الظهور. طيب وبعدين؟
الامر الثاني: نسال هذا الانسان، طيب لماذا الناس لا يتبعون الحق إذا عرفوه؟ والله أسباب كثيرة. واحد من الأسباب أنه غلبته الشهوة، كما قال تعالى عن قوم لوط: قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ. هم ناس عايشين في الرجس والنجس وفرحانين بكده. الجماعة اللي تطهروا دول ما ينفعوش معانا في البلد يا جماعة، اخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون، احنا كده إيه فرحانين.
وهذا تجده حتى الآن، بل حتى الآن في بلادنا يا جماعة. احنا في بلادنا هناك قرى سياحيه وهناك شواطئ لا يمكن أن تشتري فيها بيتا، ولا أن تنزل فيها إلا حين يطمئن إلى أنه البيت ده ما فيهوش حد، ما فيهوش واحدة محجبة، ما فيهوش واحدة ما بتفبلش تلبس البكيني، ما فيهوش واحد يعمل لنا مشاكل. احنا ده الكوميونتي يعني إرشادات المجتمع بعبارة الفيسبوك، فاللي مش زينا كده ومش شبهنا مش إيه: فَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ، احنا فرحانين بالوضع اللي احنا فيه، فقد تغلب الإنسان، قد تغلبه الشهوة، فيبقى عارف إنه هذا هذا تطهر وهذا رجس.
سمعتوا أنتم التسريب بتاع ممدوح شاهين؟ الراجل اللي هو الخبير القانوني في المجلس العسكري، لما هو كان في تسريب صوتي كده، يزور أوراقا ويقول لك يعني التزوير على ودنه اهو، يعني هو عارف إنه بيزور ويفخر بأنه يزور، حتى ما سماهاش اسم آخر. فالناس الناس قد تغلبهم شهوتهم.
طيب الأمر الثاني: الناس قد ينحازون إلى المصلحة، المصلحة والمنفعة. والله الحق الذي جئت به هذا الحق ده هيعمل لنا مشاكل، هياثر على الاقتصاد، هياثر على السياحة، هياثر على الدخل القومي، ولذلك أنت هتعمل إيه في الشواطئ العارية؟ هتعمل إيه في الخمرة؟ هتعمل إيه في السياحة؟ كل دي مصادر دخل قومي.
فالمصلحة، ولذلك قال قال أهل مكة للنبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: وَإِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا. فسموه إيه؟ هدى. والله ده كان كلام كويس والله، بس يعني إيه مضر بالمصالح بتاعتناء والله يهدد الأمن القومي، هيخلينا إيه ندخل في معركة مع محيطنا الإقليمي ومع الحالة العربية. الناس كلها الجزيرة العربية كلها تعبده الأصنام، جاي أنت تقول لي لا إله إلا الله، طب نروح فين بتجارة الأصنام، ونروح فين بالناس اللي جاية تشتري وتبيع أصنام؟ وَإِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا.
طيب قالوا يا شعيب أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ. أنت دلوقتي عايزني لا أطفف المكيال والميزان وزي ما بعت اشتري، طب أنا أكسب فين بقى؟ يعني المكسب ده يروح فين ولا يجي من يعني ماذا أفعله بهذه الخسارة الاقتصادية؟ الاقتصاد كله قائم على أن أنا أطفف في الميزان، أنت جاي تقول لي أَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ؟ لا يا عم، أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ.
فالمصلحة والمنفعة، قد تكون غلبة العادة والتقليد أيضا مانعا من اتباع الحق. لن أفعل هذا، أكره أن أخالف قومي. أكره أن أخالف قومي، يعني زي مثلا ما يحدث ما يحدث في بلادنا الآن، تجد مثلا كثيرا من القرى والبيوت لا تورث النساء، ليه يا عم لا تورث النساء؟ والله عاداتنا وتقاليدنا كده، ده ده ده الكلام اللي ماشي.
طيب يا عم الشيخ ده شرع ربنا؟ يقول لك إن شاء الله ربنا يغفر لي. طيب يا عم ربنا مش هيغفر لك الله ياخذهم في النار، هذا هذا واقع يعني في ناس تنطق بهذا الكلام، فعادي جدا.
قال تعالى: وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ. هو ده، احنا عندنا دساتير، عندنا قوانين، عندنا عادات وتقاليد ضاربة في القدم، فلا استطيع. فقد تكون غلبة العادة والتقليد مما يمنع الإنسان من اتباع الحق رغم معرفته بأنه الحق، كثيرا ما يحدث.
قد يكون الكبر، مجرد الكبر. ألم يقل الكفار: وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ؟ يعني القرآن في هذه المقولة القرآن ده حاجة كويسة اهو، إنما مشكلته فين؟ نزل على هذا الرجل الراجل التعبان ده، الراجل الفقير اليتيم ده، لكن لو كان نزل على عتبة بن ربيعة سيد أهل مكة، أو نزل على عروة بن مسعود الثقفي سيد الطائف، كان والله يبقى حلو وجميل. لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ.
ولذلك من ضمن هذا المعنى قول أبي جهل: تنافسنا وبنو عبد مناف تنافسنا وبنو عبد مناف، الشرف: أطعموا فأطعمنا، سقوا فسقينا، حتى إذا تاذت منا الركب وكنا كف فرسي رهان، قالوا: منا نبي، فأنّى يكون لنا ذلك؟ طب احنا نجيب نبي منين؟ فعقلية أبو جهل هو يفهم الدنيا من خلال تنافسا القبلي مع بني هاشم بني عبد مناف، فالآن طلع منهم نبي، يعني موضوع صعب مش مستوعب هو مش مستوعب إلا أن يكون الأمر تنافسا.
كقول اليهودي الذي ذكرناه قبل ذلك في المبشرات، رجل يهودي نصح أهل يثرب بأنه يوشك زمان نبي ويخرج، وهيكون جنة ونار وبعث وحساب، في حديث سيدنا سلمة بن سلامة بن وقش الأنصاري، قالوا: متى يكون هذا؟ قال: إن يستكمل هذا الفتى عمره، يدركه. وما آية ذلك؟ قال: نبي يبعث من هذا من هنا، وأشار بيده جهة مكة واليمن. يقول سيدنا سلمة: فوالله ما تقلب الليل والنهار حتى بعث رسول الله وهو بيننا حي، فآمنا به وكفر.
طيب هرقل، هرقل عظيم الروم، الامبراطور الروماني الكبير، أول ما وصلته الرسالة من النبي صلى الله عليه وسلم، عرف أن هذا هو النبي، وراح استدعى واحد من العرب، أتوا له بأبي سفيان، سأل أبا سفيان أحد عشر سؤالا، تاكد منها أن هذا النبي، وقال: لأن كنت صدقتني فيما تقول، ليملكن ما تحت قدمي هاتين، ولو كنت عنده ولو كنت لغسلت رجليه. ده هرقل.
طيب الاستاذ هرقل، إيه الموضوع بالنسبة له منتهي؟ ماذا يفعل؟ جمع قومه البطارقة حطهم كده في اجتماع مغلق، وقال لهم: أنا وصلتني رسالة من النبي، وشايف إن أنتم تؤمنوا به. فنخرج واحد وتدافع إلى الباب، فلما راهم هكذا، قال لا خلاص خلاص، ده أنا كنت بختبركم بس. طيب عمل ايه هرقل بقى؟ آثر ملكه، وهو آثر ملكه عشر سنين عشرين سنة، وهو داخل النار ليه دلوقتي ألف وأربع مئة سنة؟ فهدي يا جماعة الخير الإنسان قد قد يرى أو يعني يشهد أن هذا هو الحق، لكن مصلحته تمنعه من ذلك، أو الكبر يمنعه من ذلك.
قال تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ظُلْماً وَعُلُوّاً. وأول من كفر من أجل كبره، من؟ أول إبليس: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ، قَالَ فَأْخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.
طيب إبليس لو أنت مش عارف الحكاية وسمعته وهو يقول: رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، ماذا تتخيل؟ يعني أول ما أول ما يخطر في هفكر تاني، هيتوب؟ قال لك لا: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. يا الله على لحظة الكبر! لحظة مدمرة، لحظة مهلكة جدا، يعني هذا لما طلب الإنذار طلب الإنذار لكي يستكثر من الذنوب، وأعلن خطته: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ.
طيب يا جماعة، وبالتالي فلما أرسل الأنبياء، وهم خير الناس خلقا، وخير الناس خلقا، ومعهم الحق الكامل النازل من السماء، ما الذي حصل في أقوامهم؟ يعني الآن الآن الداعية أي داعية كثيرا ما يقال له: يا اخي أنت بس يعني شديت على الناس شوية والناس تيجي بالراحة، أو يا أخي أنت يعني كنت متهاون مع الناس شوية لو كنت شديت عليهم، أو يا أخي أنت لغتك صعبة، أو يا أخي أنت ما اخترتش الوقت المناسب للدعوة. هذا كلام يسير في أوساط الدعاة.
طيب يا عم الأنبياء الذين هم أكمل الناس خلقا وخلقا وأفصح الناس لسانا ومعهم الحق الكامل؟ قال رسول الله يوم القيامة: يأتي النبي ومعه الرجل، وياتي النبي ومعه الرجلان، ويأتي النبي وليس معه أحد. دي حال الأنبياء.
فإذا فمعرفة الحق لا تساوي اتباع الحق، لا تساوي الاهتداء بالحق، ولذلك الأنبياء وجهوا وخاطبوا بمنطق القوة، تمام. قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا.
أتعجّلنا، فأتِنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين.
أهو الناس منطق القوة؟ هذا راسخ في أذهان أغلب الناس؛ لِوَاللَّهِ ورينا هتعمل إيه، أعلى ما في خيلك اركبه. يعني بالألفاظ العادية: يا نوح، ما نفقه كثيرا مما تقول، كلامك معقد وصعب كده، أنا لنراك فينا ضعيفا، ولولا رهطك لرجمناك، وما أنت علينا بعزيز. فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم، وقالوا: يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين.
فغالب الناس في حقيقة الحال لا يفهمون الفكرة ما لم تكن الفكرة قوية، أو لا يحترمونها ما لم تكن الفكرة قوية. وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ. ها، إيه إيه، ما ما الكلام الطبيعي يا جماعة؟ إيه إيه إكمال الجملة الطبيعي؟ إكمال الجملة الطبيعي: فاهدناه إليه. لكن هم قالوا إيه؟ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ. يا الله.
عارفين أبو العلاء المعري؟ أبو العلاء المعري كان له بيت شعر خطير جدا في توصيف حال الناس، يقول لك إيه: أتونَا بإقبالٍ والحسامِ فَشُدَّ به زاعمٌ ما زعم. الحسام ده خلى الكلام قوي كده ومتين ومشدود. أتونَا بإقبالٍ والحسامِ فَشُدَّ به زاعمٌ ما زعم، تَلَوْا باطلاً وجلَوْا صارماً، وقالوا: أصَبْنَا، فقلنا: نعم. ولذلك يعني يعجبني جدا الذي لخص السيرة في هاتين العبارتين: أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لهم: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، قالوا: كاهن، كذاب، ساحر، شاعر، مجنون. فلما جاءهم في الفتح ومعه عشرة آلاف سيف، قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم.
فبالتالي يا جماعة الخير، لا يمكن لا يمكن أن تعرف أن هذا هو طبع الناس، ثم تفكر في أن تهدي الناس إلى الحق والحق ضعيف، لا يمكن. يعني يعد هذا من الخبل، وأشد من أشد من حالة الفرد في نفسه، حالة الباطل حين تكون له دولة وسلطة، هذه حالة عظمى من باطل نزل عن عرشه لأجل أنه اهتدى بالحق الضعيف. أنتم عارفين العرب تقول: الملك عقيم. الملك عقيم، يعني علشان الملك ده بتجد الابن ينقلب على أبيه، والأب يقتل ولده، والأخ ينقلب على أخيه، وابن العم، يعني عايز أقول أقوى الروابط الإنسانية عند شهوة الملك تتعطل.
طيب، أنت عايز واحد بقى يتخلى عن ملكه لأجل أن واحدا من أفناء الناس ينادي بالحق؟ يعني إذا الإنسان، إذا الإنسان في نفسه قد يمنعه الكبر، وقد تمنعه الشهوة، وقد تمنعه المصلحة من اتباع الحق، ده الإنسان الواحد؛ عايز الملك، السلطان، الفرعون، القيصر يتخلى عن كل هذا لأجل الحق؟ مش ممكن.
فلاجل هذا كله كان لابد للحق من قوة. وهناك سبب أخير أسارده عليكم، أنه أحيانا يا جماعة الخير يبلغ الفساد ما لا يكون له دواء إلا الجهاد، إلا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: آخر الدواء الكي. يعني أحيانا أنت تجد في حياتك من الناس ما لا سبيل له، ما لا سبيل له أن يعتدل إلا بالقوة، ولا أحيانا، إحنا مطلعين دلوقتي على اللي حاصل في، اللي حاصل في غيرها، أنت متصور واحد زي نتنياهو مثلا، واحد زي بايدن، ولا واحد، يعني متصور فراعنة العصر وجبابره العصر هؤلاء يمكن أن يهتدوا بمجرد معرفة الحق؟
طيب، أنت خد عندك مثلا المثال الذي ضربه الله للمسلمين، مثال بني إسرائيل. بنو إسرائيل، جماعة بلغ بلغ منهم الفساد إلى أن أنقذهم الله بمعجزة، أنقذهم الله يعني هم رأوا أمامهم معجزة، بحر صار طريقا عبروا عليه، الطريق اللي عبروا عليه ده هو هو تحول مرة أخرى إلى ماء وأغرق فرعون. عايز حاجة تاني عشان تؤمن؟ يعني قصدي في مشهد تاني يمكن أن يقنعك بأنك على الحق وأن هذا النبي على الحق؟ ممكن؟ مش ممكن.
طيب، هم عدوا الناحية التانية فمروا على قوم يعكفون على أصنام لهم، قالوا: يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. ما خلاص، هنا يقف المنطق وتتعطل الحواس وتبقى بتحاول تفهم هو إيه ده؟ يعني ازاي يا جماعة؟ كيف يعني؟ سيدنا موسى النبي صلى الله عليه وسلم كان كلما أوذي تذكر سيدنا موسى وقال: رحم الله أخي موسى، أوذي بأكثر من هذا فصبر. فسيدنا موسى مع بني إسرائيل أعجوبة من الأعاجيب. طيب، ولما ذهب سيدنا موسى إلى لقاء ربه رجع لقاهم إيه؟ اتخذوا صنماً برضُ، عبدوا العجل. ما سبحان الله، ما فيش حل، ما فيش حل.
لذلك سيدنا موسى لما تكلم مع أخيه هارون: أَلا تَتَّبِعُنِي أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي؟ قال: يَا بْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي. في الآية الأخرى قال: إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي. فهذا الفرق بين وجود نبي قوي كموسى وبين نبي آخر لم تكن له قوة موسى؛ الناس تحت موسى مع موسى يعبد الله، راح موسى عبد العجل. ده فارق، فارق، يعني فارق القوه في أوضح صورة، تنتقل من عبادة الله إلى عبادة العجل. ولذلك لم يستقم بنو إسرائيل إلا حين رفع الله عليهم جبل الطور كأنه ظلة، وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ. هنا بنو إسرائيل معتدلين.
طيب، حتى متى كان العصر الذهبي لبني إسرائيل؟ تاريخ بني إسرائيل، متى كان عصرهم الذهبي؟ حين كانت أنبيائهم ملوكهم؛ داوود وسليمان. ده العصر الذهبي، أنه النبي يجمع بين بردي إيه؟ القوة والسلطان والسلطة. طب لو كانوا الانبياء ما عندهمش قوة؟ كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمُ اسْتَكْبَرُوا فَفَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً، هو ده اللي عندهم للأنبياء اللي إيه اللي ما عندهمش قوة.
فمنها هنا يا جماعة الخير ما كان يمكن لأي حق، ما كان يمكن لأي دولة إسلامية إلا أن تتسلح بالقوة. فكرة القوة، فكرة الجهاد، فكرة ضرورية، فكرة مبدئية، فكرة جوهرية، فكرة حتى يفرضها العقل ولو لم تكن واجباً دينياً، لا يمكن أن تقوم دولة بغير القوة.
طيب، ومنها هنا فذكرنا أنه من السنة الأولى بدأت السرايا والغزوات في دولة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فأول سرية خرجت كانت سرية في شهر رمضان، وعلى رأسها سيدنا حمزة بن عبد المطلب، وهي سرية سيف البحر، تمام. وهناك وبعدها بشهر سرية أخرى لعبيدة بن الحارث، وبعدها سرية لسعد بن أبي وقاص، وبعدها بدأت غزوات النبي صلى الله عليه وسلم؛ عندنا غزوة ودان، وعندنا غزوة العشيرة.
طيب، هذه الخَمْسُ، إحنا عندنا ثلاث سرايا وعندنا غزوتين، هذه الخمس كانت خروجا لملاقاة قوافل لقريش، لكن في هذه الخمس أُفْلِتَتِ القوافل؛ يعني لما خرجت السرية أو خرجت الغزوة كانت القافلة قد فاتت. فهنا نرى أيضا أنه مازال جهاز المخابرات الإسلامي في إيه؟ في بدايته، لسه المعلومات مش دقيقة، تمام، لسه فارق الزمن، أو يعني لسه لم تصل المعلومة في وقتها، أو حتى مازال لم تصل ما يسمونه الآن في العسكرية إيه؟ الجاهزية أو القدرة على التعبئة، أو اللفظ الآن فاتني؛ يعني فكرة الاستعداد والتعبئة، الـ كلما قلّت فترة القدرة على تعبئة الجنود وتعبئة الجيش كان هذا من علامات قوة الجيش.
فالآن نحن نرى أنه هذه خمسة؛ ثلاث سرايا وغزوتين، أُفْلِتَتْ فيهما القوافل من النبي صلى الله عليه وسلم، هذه غزوة العشيرة أفلتت فيها قافلة أبي سفيان التي ستكون القافلة المسببة لغزوة بدر حين تعود؛ يعني ذهب إليها المسلمون وهي خارجة من مكة إلى الشام. طيب، أفلتت هذه غزوة العشيرة، فلما عادت هذه كانت غزوة إيه؟ غزوة بدر.
تمام، فنحن إذا استعرضنا غزوات النبي صلى الله عليه وسلم سنجد فيها ملمحا مهما، وهو أن أكثر الغزوات التي غزاها النبي صلى الله عليه وسلم كانت في السنة الثانية للهجرة؛ يعني السنة الثانية للهجرة وحدها فيها ثمان غزوات، خرج فيها النبي صلى الله عليه وسلم. بقية السنين: أربع غزوات، غزوتين، أربع غزوات، غزوتين، ثلاث غزوات، غزوة، ده بالترتيب؛ سنة اثنين عندنا ثمان غزوات، سنة ثلاثة أربع غزوات، أربعة غزوتين، خمسة أربعة، ستة أربعة، سبعة سبعة، ثمانية أربعة، تسعة واحد.
فهنا ترى أنه لا بد للدولة في أول أمرها من هذا النشاط العسكري. الدولة حين تقوم في أول أمرها لا بد لها من إيه؟ من أن تفرض وجودها، وأن تحمي نفسها، وأن تثبت موقعها ومكانها بكثير من النشاط العسكري. لذلك من القواعد التي استخلصها ابن خلدون من التاريخ هي قاعدة السيف والقلم، يقول فيها: فصل في أن السيف والقلم كلاهما آلة لصاحب الدولة؛ يعني ما فيش دوله بتقوم على القوة العسكرية بس، وما فيش دوله بتقوم على القوة العلمية والثقافية بس، كلاهما لابد أن إيه؟ يسند بعضه بعضا.
يقول ابن خلدون: إلا أن حاجة أهل الدولة للسيف ما داموا في تمهيد أمرها أشد من حاجتهم إلى القلم. لحظات التأسيس بيبقى إيه؟ المطلوب هو إيه؟ السيف؛ فحينها يكون السيف أولا والقلم خادم. نفس الكلام بيحصل في أواخر الدولة، أواخر الدولة حين تكون قد ذهبت إلى الضعف لابد لها أن تكون حاجتها إلى السيف أيضا أكثر من حاجتها إلى القلم.
طيب، لما تبقى الدولة مستقرة ولما تبقى زاهرة وناهضة، ساعتها بقى يبقى الحالة الثقافية والحالة العلمية والحالة الإعلامية أفضل من أو (يعني) حاجتها إلى النفوذ الثقافي والعلمي والدعوي الإعلامي أكثر من حاجتها إلى النفوذ العسكري.
تمام، إن شاء الله نستكمل في المجلس القادم حركة غزوات النبي صلى الله عليه وسلم وسراياه، وما كان فيها من الاتفاقيات مع القبائل، وكيف كانت دبلوماسية النبي صلى الله عليه وسلم في تكوين شبكة من الحلفاء والمدافعين عن هذه الدولة الإسلامية. أسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحياء جيل على خطى السابقين.
محمد إلهامي