اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. اللهم اجعل عملنا كله خالصا لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئا يا رب العالمين.
مرحبا بكم أيها الأحباب، طبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلا، ونسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا على طاعته أن يجمعنا في جنته ومستقر رحمته ودار كرامته.
طيب، هذا في المجلس الجديد من مجالسنا، مجالس السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وكنا توقفنا في المجلس الماضي عند خروج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الشِّعب، من الحصار، بعد ثلاث سنوات.
وذكرنا أنه العام العاشر، الذي بدأ بخروج النبي وأصحابه من الشِّعب، سماه المسلمون وسماه المؤرخون وكتاب السيرة: عام الحزن؛ وذلك لأنه وقعت فيه أربعة أمور شديدة على النبي صلى الله عليه وسلم: فأول هذه الأمور هو وفاة أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك وفاة زوجه الحبيبة الأثيرة عنده خديجة بنت خويلد رضي الله عنها. والأمر الثالث هو اشتداد أذى المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم حتى بلغ منه بعد وفاة أبي طالب ما لم يكونوا يبلغونه في حياة أبي طالب؛ يعني الأمور الشديدة من خنق النبي صلى الله عليه وسلم ومن إلقاء سلا الجزور عليه، هذه الأمور إنما حصلت بعد وفاة أبي طالب رضي الله عنه، كما يرجح ذلك الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية، وكلامه مستقيم مع بقية الروايات. والأمر الرابع هو ما كان من أهل الطائف حين ردوا النبي صلى الله عليه وسلم أسوأ ما يكون الرد.
لو أنكم تتذكرون الخريطة، خريطة السيرة النبوية التي تكلمنا فيها، ذكرنا أنه من العام الأول للبعثة حتى العام الثالث للبعثة، هذه كانت يسميها العلماء فترة الدعوة الخاصة أو فترة الدعوة السرية، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم ينتقي من الناس من يصلح أن يكون عمودا من أعمدة هذه الدعوة.
طيب، وذكرنا أن من العام الثالث إلى العام السادس، هذه فترة نسميها فترة الاستضعاف الظاهر، حيث بدأ التعذيب يصيب المسلمين ممن آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم. بدأت في السنة الثالثة الدعوة الجهرية وبدأ بعد ذلك التضييق على المسلمين.
السنة السادسة قلنا حصلت فيها قفزة للمسلمين، وهي إسلام سيدنا حمزة وإسلام سيدنا عمر.
من السنة السابعة إلى السنة العاشرة، هذه فترة الحصار.
وبعد ذلك من العاشرة إلى الثالثة عشرة، ذكرنا أن هذه فترة نسميها فترة البحث عن أرض جديدة للدولة الإسلامية بعدما ظهر أن أهل مكة قد أبوا أن يسلموا، وأن تكون أرضهم أرض الإسلام، وأن يكونوا هم عصبة الإسلام وشوكة الإسلام وأنصار الإسلام.
طيب، الآن نحن في العام العاشر، أول ما يفاجئنا هو كما قلنا: وفاة أبي طالب. الرواية التي يرويها ويذكرها أهل السير أن وفدا من قريش علموا بمرض أبي طالب فذهبوا إليه لكي يحاولوا معه محاولة أخيرة في شأن ابن أخيه نبينا صلى الله عليه وسلم، تمام؟ فقالوا له: يا أبا طالب... هم يعني خشوا أنه إذا مات أبو طالب ولم يتنازل قليلا في شأن محمد، ولم يستطع أن يكبح محمدا صلى الله عليه وسلم، فإن أهل قريش إذا أصابوا محمدا بعد أبي طالب أن يصيبهم بذلك عار، أن يقولوا: اجترأوا على محمد بعد وفاة عمه.
فذهبوا إليه فكلموه، فاستدعى أبو طالب ابن أخيه النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: يا ابن أخي، إن هؤلاء من قومك وقد جاؤوا لكي يعطوك من أنفسهم وتعطيهم من نفسك. قال: أي والله يا عم، ما أريد منهم إلا كلمة واحدة تدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم.
طيب، الوفد كان أبرز رجلين فيه: أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية. عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة ذكرنا أنه من بني مخزوم، وهو لو تذكرون هو أخو زهير بن أبي أمية الذي كان ضالعا في فك الحصار، وكلاهما أخ لهند بنت أبي أمية، مين هند بنت أبي أمية؟ أم سلمة رضي الله عنها، التي كانت زوجة النبي صلى الله عليه وسلم فيما بعد.
طيب، أبو جهل قال: كلمة واحدة؟ عشر كلمات وأبيك! قال: قولوا: لا إله إلا الله. فنفروا منها! فنفروا منها، كلمة: لا إله إلا الله.
طيب، ولما اشتد على أبي طالب المرض، كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أشفع لك بها عند الله، أو كلمة أحاج لك بها عند الله. فيقول أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة: أترغب عن دين عبد المطلب؟! كلما قال له النبي ذلك يقولون: تترك دين عبد المطلب؟ تترك دين عبد المطلب؟ حتى قال: بل على دين عبد المطلب.
طيب، في رواية أخرى، هذه الرواية في الصحيحين، في رواية أخرى في صحيح مسلم قال أبو طالب: والله يا ابن أخي، لولا أن قريشا يقولون ما حمله على أن يقولها إلا الجزع، لأقررت بها عينك.
تمام؟ يعني هو الآن كان خائفا من إيه؟ أن يظن به أنه إنما قال لا إله إلا الله خوفا من الموت، أو خوفا من المصير ما بعد الموت.
طيب، حتى مات أبو طالب على ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: رحمك الله وغفر لك، والله لأستغفرن لك ما لم أُنه عنك، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يستغفر لأبي طالب ويترحم عليه، حتى نزل قول الله تعالى في السنة التاسعة للهجرة، يعني بعد 12 عاما من اللحظة التي نتكلم فيها، نزل قول الله تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ.
ونزل في أبي طالب قول الله تعالى: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ.
ونزل في الموقف الأول، اللي هو موقف الجدال هذا، قول الله تبارك وتعالى: ص ۚ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ * كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوا وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ * وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ ۖ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ، يعني إن هذا لمؤامرة بالمصطلح المعاصر: إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَٰذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا، وهذا هو الكبر: أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا ۚ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي ۖ بَل لَّمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ * أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ.
يعني الآن من الذي يعطي النبوة والرسالة؟ من؟ الله تبارك وتعالى، الله أعلم حيث يجعل رسالته، فهم استكبروا واستنكروا أن يعطي الله تبارك وتعالى النبوة لمن اختاره الله: أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا، فيرد الله عليهم فيقول: أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ * أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ، ويختاروا هم اللي عايزينه، يعني فليصعدوا في السماء ويرتقوا ويختاروا إيه؟ ويختاروا هم الرسول.
فيعني حقيقة يا جماعة، طبعا لو نحن تأملنا في هذا الموقف نخرج بالكثير والعديد من الدروس:
أولا: هذا الموقف يبين لنا حقيقة العقيدة التي عند أبي طالب، وهي قوله: بل على دين عبد المطلب، دي حقيقة الإيه؟ حقيقة العقيدة، أنه لم يسلم للنبي صلى الله عليه وسلم، وظل محاميا عنه ومدافعا عنه ومساندا، إيمانا عظيما يدفعهم أن يدافعوا عن أي مختلف عنهم طالما أنه انتهكت حقوقه، يعني تجد الحقوقي هذا ملحد، أو ليبرالي، أو علماني، أو حتى رجل يحترم القانون ويريد تطبيق القانون، فيحمله هذا على الدفاع عمن يختلف معه.
وهذا يعني حصل وموجود، صحيح هم ندرة، المخلصين في هذا الموضوع ليسوا كثيرا، طبعا المتاجرين بالشعارات كثير، لكن المخلصين فيه ليسوا كثيرا، لكن موجود. أو تجد مثلا من الجماعة اليساريين والشيوعيين من هم مخلصين في الثورة والدفاع عن الثائرين، وكثير يعني من يتتبع هذا الأمر يجد كثيرا من الليبراليين ومن الحقوقيين والقانونيين والثوريين يدافعون عن المخالفين لهم في هذا الموضوع، وهذا شيء استفاد منه النبي صلى الله عليه وسلم.
يعني الجزء الجاهلي في دين عبد المطلب أمر استفاد منه النبي صلى الله عليه وسلم، فكان في حماية أبي طالب وفي حماية بني هاشم بمقتضى هذه النزعة العصبية القبلية العشائرية الجاهلية.
تمام؟ ذكرنا قبل ذلك ونكرر بأنه ما من مصلح وما من داعية وما من يعني صاحب رسالة إلا واستفاد من الإمكانيات المتاحة في عصره، من القوانين المتاحة في عصره، حتى لو أنه جاء بضد هذه القوانين، حتى لو هو جاء بضد هذه القوانين أو جاء لكي يمحو هذه القوانين وينسخ بدلا منها غيرها، تمام؟ فهذا في سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم.
طبعا أنتم لو تأملتم تجدون أنه أبو طالب ما من مسلم الآن ولا في أي زمن يمكن أن يؤدي للإسلام الخدمة التي أداها أبو طالب، صح ولا لا؟ هل فينا حد يستطيع أن ينصر النبي أو يخدم النبي، يخدم الإسلام خدمة كالتي خدمها إياه أبو طالب؟ مش ممكن، يعني أمر ما فيش، ولذلك من هنا تفهمون كلمة النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم. هذا مما ينعم الله به على المسلمين حقيقة أحيانا.
وذكرت لكم هذا كثيرا، يعني أنتم مثلا: الشيخ عمر عبد الرحمن، الرجل الأزهري المجاهد المعروف، إنما تصدى للدفاع عنه محامٍ أمريكي لم يكن مسلما. بعض قيادات حماس في أمريكا يدافع عنهم بعض اليهود العلمانيين الموجودين في أمريكا محامين. حتى في مصر، حتى في بعض البلاد، تجد الشيوعي وتجد الليبرالي يدافع عن الجهادي الذي سجن وعذب. فقد ينصر الله تبارك وتعالى هذا الدين بالرجل الفاجر.
فالخلاصة أنه المسلم صاحب الكياسة والحصافة ينبغي له ألا يفقد صلته وعلاقته بهؤلاء الناس على ما فيهم من فجور وعلى كونهم أقواما لا خلاق لهم، تمام؟ كما لم يفقد النبي صلى الله عليه وسلم علاقته بقومه بني هاشم.
طيب، هنا نموذج أبي طالب يا جماعة الخير، أعظم نموذج على عدالة الإسلام، يعني لو كان الإسلام سيجامل أحدا في دخول الجنة والنار، لكان أولى الناس بالمجاملة أبو طالب، صح ولا لا؟ لو كان الإسلام سيجامل أحدا... احنا طبعا في زمن الآن عايزين ندخل كل اللي حابينه الجنة، تمام؟ وتشتعل المعارك لما يموت واحد كافر، ولا لما يموت واحد عالم، ولا لما يموت واحد حقوقي، بل حتى الأم تريزا لما ماتت بعض الناس كانوا عايزين يدخلوها الجنة علشان هي عملت أعمال إنسانية، وهي أصلا كانت تعمل هذه الأعمال للتنصير! وعناوين صحف عريضة: المتطرفون يقولون مجدي يعقوب لن يدخل الجنة، طب ما طبيعي يا إخوانا لن يدخل الجنة!
وطبعا آخر معركة فيما أتذكر كانت معركة شيرين أبو عاقلة، مراسلة الجزيرة المسيحية، لازم نخليها شهيدة ولازم ندخلها الجنة! يا جماعة هو يعني الدين ده ما لوش أصحاب؟!
فلو أن الإسلام سيجامل أحدا من الكفار في دخول الجنة والنار، لكان أولى الناس بالمجاملة أبو طالب؛ لم يخدم الإسلام أحد، حتى من المسلمين ومن الصدر الأول، مثل الخدمة التي خدمها أبو طالب لنبينا صلى الله عليه وسلم.
فيعني صلوا على النبي، شوف الله تبارك وتعالى الآية التي أنزلها: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ، الآية دي يا جماعة الخير والله آية مرعبة! آية مرعبة!
شوفوا، لو كان العقل وحده يهدي للإسلام فابو طالب كان من أعقل الناس. لو كانت الأخلاق، حسن الأخلاق، مكارم الأخلاق بنفسها تهدي إلى الإسلام، لكان أبو طالب أولى الناس بأن يدخل الإسلام، رجل في الذروة من مكارم الأخلاق، تمام؟ طيب، لو كان القرب من الصالحين هو ما يهدي إلى الإسلام، لكان أبو طالب أولى الناس بدخول الإسلام؛ لأنه حياة نبينا مع أبي طالب حياة استمرت 42 سنة، النبي منذ أن كان في الثامنة من عمره وهو في كفالة أبي طالب، الثامنة من عمره، الآن النبي في سنة 10 للبعثة، سنة كام؟ 50، يعني 42 سنة وهو أبو طالب ملازم للنبي صلى الله عليه وسلم. لو كان يدخل في الإسلام، لو كان يأتي بالهداية التزام الصالحين، لكان أبو طالب أولى الناس.
ولكن الهداية أمر آخر، ولذلك قال تعالى: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ.
القلوب يا جماعة فيها عالم ثانٍ، القلوب والنفوس وما فيها من أفكار ووساوس وخلجات، عالم ثانٍ يدور داخل النفس. قد يتشابه الفعلان، كما يقول علماؤنا، يتشابه الفعلان وأحدهما في الفردوس الأعلى من الجنة والآخر في الدرك الأسفل من النار، وهما قد قاما بفعلين متشابهين! والله تبارك وتعالى يأتي يوم القيامة ويحاسب الناس حتى إنه ليسأل الصادقين عن صدقهم، يعني مش كل من صدق صدق يبغي بذلك الصدق وجه الله، قد يكون يبغي بهذا الصدق الإيقاع بين مسلمين، يبغي بهذا الصدق الإفساد بين امرأة وزوجها، يبغي بهذا الصدق مصيبة وكارثة، أو يبغي مصلحة شخصية. يعني شوف وهو صدق، يعني الفعل فعل صدق، ولكن الغرض والنية فاسدة.
فلذلك يعني الله تبارك وتعالى في هذه الكلمة: وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ يخبرك ويشير إلى عالم آخر داخل القلوب وداخل النفوس: نوازع وأهواء ووساوس وأفكار، هذا كله هو الذي يؤهل المرء إلى أن يهديه الله تبارك وتعالى.
تعرفون الحديث في مسلم: إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم، وفي رواية: لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، فالقلب موضع نظر الرب، كما يقول ابن القيم: القلب موضع نظر الرب.
فلذلك حقيقة يعني ونحن ذكرنا حديث سيدنا المقداد رضي الله عنه لما قال له رجل: طوبى لهاتين العينين رأتا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فاستغرب، فعجبنا! ما قال إلا خيرا، ما الذي كان غضب لأجله سيدنا المقداد؟ قال: يا ابن أخي، لم يتمنى أحدكم أن يشهد موقفا غيبه الله عنه؟ لقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم في قوم ما يرون دينا أحسن من عبادة الأوثان على فترة من الرسل، وإن كان الرجل ليرى أباه وأخاه وحبيبه مقيما على الكفر، وقد شرح الله صدره وفتح قفل قلبه للإسلام، فيموت أخوه أو حبيبه فيعرف أنه في النار! لقد رأى رسول الله أقوام وكفروا به.
يعني فالهداية أمر ينبغي للإنسان أن يظل مقيما على سؤال الله إياها، لأنه أمر متحرك في عالم القلوب وفي عالم النفوس لا تؤدي إليه الأسباب، ولذلك نحن كما رأيناه، أبو طالب رجل استكمل أسباب الهداية لو كانت الهداية بالأسباب المادية، ومع ذلك مات كافرا! ومع ذلك مات كافرا!
طيب، الآن ما هو السر الذي جعل أبا طالب يختار أن يموت على الكفر؟ ما هو؟ تعظيم الآباء والأجداد: بل على دين عبد المطلب، وحتى انظر إلى تحريض أبي جهل: أترغب عن دين عبد المطلب؟!
شوف أبو جهل، شخصية بقدر ما تثير يعني بغضك تثير إعجابك في محاولته الوصول إلى هدفه. عاملة زي إيه يا جماعة لو حبينا يعني نقرب الصورة؟ طبعا ذكرت لكم أنه عبد المطلب هذا انفرد بالسيادة في مكة حتى كان قوله بين قريش دينا، وذكرنا أنه حتى عتبة بن أبي ربيعة لما ذهب يجادل النبي فكان مما أحرج به النبي قوله: إيه، أنت خير أم عبد المطلب؟! شوف الإحراج لتعرف مكانة عبد المطلب في هذا الموضوع.
فالأمر يشبه مثلا مثلا يعني أن يأتي نقول مثلا إيه: ابن الخميني ويدخل في السنة، الخميني اللي هو مؤسس الدولة وشيخ الملة والطائفة، فيأتي ابنه، طبعا ده أبو طالب بن عبد المطلب، فيأتي ابنه وإيه؟ ويدخل في السنة! ما الزلزال الذي سيحدث في مكة لو حصل؟ زلزال هائل ضخم!
لو تصورنا أنه مثلا أتاتورك كان له ولد، هو طبعا لم يكن له أولاد، لكن لو تصورنا أنه كان له ولد، وهذا الولد أعاد الخلافة الإسلامية مرة أخرى، ما الذي يحصل؟ زلزال ضخم!
أو مثلا لو ذكرنا إنه يعني مثلا: ابن عبد العزيز آل سعود اللي هو مؤسس الدولة السعودية اختار العلمانية، أو راح جاب الشريف حسين تاني يحكم مكة، يعني زلزال، زلزال ضخم!
الإنسان المسلم معاييره في الحياة: ما قال الله، ما قال رسول الله، دي معايير المسلم في الحياة. تدري لو دخل على هذه المعايير أي معيار آخر لا يستقيم الأمر، لا بد لهذا المعيار الآخر أن يأكل من الإسلام رويدا رويدا، لا بد. زي مثلا ولذلك الإسلام لا بد أن يعلو ولا يُعلى عليه، يعلو ولا يُعلى، يحاكم إليه، يحتكم إليه، لكن لا يحاكمه إلى غيره.
فلذلك مثلا، طبعا سيبنا من الأمور الخيالية اللي هي أمور الخميني وعبد العزيز وغيره، لكن الآن في واقعنا تجد من يعظم الوطن فوق تعظيمه للدين، لا بد حين يقع تناقض بين مصلحة الوطن ومصلحة الدين أن ينحاز إلى الوطن.
يعني عندنا مثلا غزة، تمام؟ غزة الناس فيها يذبحون، الذي يعتنق الإسلام دينا يرى أن من واجب المسلمين في مصر نصرة غزة، لكن الذي يعتنق الوطن دينا يرى أنه مصر يجب أن تحافظ على أمنها القومي، تمام؟
احنا مثلا عندنا إخوة من السودان هاجروا إلى مصر بعد الحرب التي عندهم، لا يمكن للمسلم أن يرى في السوداني المهاجر إلى مصر عبئا أو ضررا أو يعني أو خطرا، لكن الإنسان اللي عنده معيار الوطن هو الأولى هيبقى شايف السودانيين دول إيه؟ عبء ونزيف للاقتصاد القومي، وماليين الشوارع وعاملين مشاكل، ورفعوا الإيجارات، وقللوا من فرص العمل، وسائر ما يمكن أن تتعارض فيه مصلحة الدولة مع مصلحة الدين، وقس على هذا، قس على هذا كثير.
فالفيروس، الإشكال الخطير الذي كان عند أبي طالب، أن تعظيمه للآباء والأجداد كان هو المعيار الأول عنده، كان هو دينه، هو الدين عنده. فلذلك جاءته كل أسباب الهداية وانصرف قلبه عنها من أجل هذا السبب. شوف تحمل في سبيل نصرة النبي الجوع والألم والخوف ومعاداة قومه ودخل في الشِّعب، وحمل أعباء شديدة، لكن ليس نصرة للحق، ولكن نصرة لدين عبد المطلب.
فكل واحد فينا يجب أن يبحث في نفسه عن الآثار، بين قوسين: الجاهلية، الآثار الجاهلية التي تسربت إليه وتتحكم في شعوره، ويعني يختبر هل هو فعلا إنسان منفعل ومطيع وسامع لما قاله الله وقاله رسوله، ولا هناك مصادر أخرى أثرت على اختياراته وعلى تفكيره؟ هذا اختبار واقعي مهم.
وعلى كل حال، أنتم ترون أيضا في مسألة دين عبد المطلب هذا، كلمته التي قال فيها للنبي صلى الله عليه وسلم: والله لولا أن تقول قريش إنما حمله على ذلك الجزع، لأقررت بها عينك. يبقى برضو السمعة، السمعة والنخوة.
وأنا ما يعني أكرر عليكم ما كنا ذكرناه قبل ذلك، إن نحن الآن نعيش في عالم هيمنت عليه سياسة الكذابين والانتهازيين، ونعيش في عصر من الإعلام اللي هو الإعلامي لا يأبه أن يكذب مرة واثنين وثلاثة حتى صار أمر الكذب سهلا عند الناس. لا يا جماعة الخير، الأمر زمان لم يكن كذلك، لا عند العرب ولا عند الشرفاء من الناس؛ الكذب عار، عار، عار يهرب منه.
وفي حديث أبي سفيان مع هرقل، لما أراد هرقل أن يختبر صدق أبي سفيان فجعل قومه وراءه وقال لهم: إني سائل هذا أسئلة، فإن كذب فأشيروا. قال أبو سفيان: ولقد علمت أني لو كذبت ما أشار أحد، ولكن خشيت أن يؤثر عني كذبا. صحيح ما حدش هيفضحه أمام الملك، لكن سمعته كزعيم وكقائد خُدشت، لأن الكذب أمر لا تعرفه العرب، لا يعرفه أهل الشرف.
وهذا يا جماعة الخير من الخصائص ومن الأسباب التي أهلت العرب لحمل هذه الرسالة، أنهم لا يتسامحون مع الكذب ولا يتسامحون مع الكذاب، الرجل منهم كان يقول الكلمة فلا يعود عنها، لا ينكص عنها، يصدق فيها.
فأنت هنا ترى أنه... ولذلك أتصور، أتصور والله أعلم، ولكن هذا ما أفهمه، أنه لولا حضور أبي جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، لربما كان أسلم. لكن حضور هذين الشخصين اللذين سينقلان عنه أنه إنما قالها خوفا وجزعا، منعه من أن...
وهذا يا جماعة يعني يعلمنا إن الواحد لما يبقى أمام اختيار أو أمام قرار لا يستصحب معه إلا خلصاءه والمقربين منه. طبعا أشد الأوقات هي أوقات الموت، لحظة الموت، إذا أحاط بمجلسك وأنت تموت الصالحون فستجد من يلقنك الشهادة، من يذكرك بالله، من يرغبك في الآخرة، من حتى يعني يسارع لكي يستخلص منك سماحا لفلان أو مسامحة لفلان أو هكذا، لكن إذا حضر لديك أهل الدنيا زادوك حسرة على ما فرطت فيها.
فيعني من المهم أن الإنسان دائما يستصحب في مواقفه، لا سيما المواقف الصعبة، أهل الخير وأهل الفضل وأهل الصلاح، وإلا فقد تكون العاقبة على هذا النحو.
ومع ذلك فكما قلنا: أهل الكفر درجات، وأبو طالب ذكر أكثر من حديث صحيح، أشهرها حديث العباس رضي الله عنه في الصحيحين: قال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، هل نفعت عمك أبا طالب بشيء؟ فإنه كان يحوطك ويغضب لك -وفي رواية: وينصرك- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل.
الضحضاح يا جماعة هو الماء الذي يبلغ الكعبين، الماء على الأرض الذي يبلغ الكعبين، فالنبي قال: هو في ضحضاح من نار.
في رواية أخرى أيضا عند البخاري قال: عسى أن تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه، ولولا ذلك لكان في الدرك الأسفل من النار، لأنه كما قلنا استكمل أسباب الهداية وأعرض، تمام؟
وفي حديث آخر أيضا وهو في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح.
لكن هذا الضحضاح من النار، تخيل أن تكون موجودا في نار جهنم إلى الكعبين، ذكر النبي أنه يغلي منه دماغه، في رواية: يغلي منه أم دماغه.
لكن الأشد من العذاب: استمرار العذاب! الأشد والأقسى من العذاب: استمرار العذاب، مثلما هو الأحلى من النعيم: استمرار النعيم، صح ولا لا؟ وهذا خلود، ولذلك كان يكتمل سرور أهل الجنة كما في الحديث: يؤتى بالموت يوم القيامة على هيئة كبش أملح، فيؤتى به فيذبح بين الجنة والنار، ثم ينادى: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت.
وأنتم تقرؤون في سورة الصافات قول المؤمنين وهم في الجنة: أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ، يعني كانت فرحتهم باستمرار النعيم أكثر من فرحتهم بالنعيم نفسه.
وأما أهل النار، أهل النار: وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ۚ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ. وفي سورة غافر: وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ. وفي سورة الزخرف: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ، لا يُفَتَّر يعني إيه؟ لا يخفف، وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ۖ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ.
فيعني لا يستهن أحدكم بهذا العذاب، لأنه أشد من العذاب استمرار العذاب، بقاء العذاب، خلود العذاب.
ولذلك من الكلمات الجميلة التي قالها سلفنا الصالح، كانوا يقولون: لو كانت الآخرة خزفا يبقى والدنيا ذهبا يفنى، لما اختار العاقل إلا ما يبقى، صح ولا لا؟ ما اختار العاقل إلا الخزف الذي يبقى، فكيف والدنيا خزف يفنى والآخرة ذهب يبقى؟!
ومن الكلمات الجميلة للإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله كان قوله: الذي يتعلق بالدنيا كالقابض على الثلج، القابض على الثلج بيحصل إيه؟ يتسرب منه الثلج، يعني أيام وتمضي.
طيب، على كل حال بقي أن يعني في مسألة أبي طالب أن نشير إلى رواية، هي رواية ضعيفة، ولكن هذه الرواية الضعيفة أحب أن يتعلق بها أقوام ممن يحبون النبي صلى الله عليه وسلم، وممن لا يصدقون أن أبا طالب بعد كل هذه الخدمة التي خدمها للإسلام مصيره إلى النار، وهي رواية رواها ابن إسحاق في السيرة وسندها فيه رجل مبهم أو مجهول، تقول بأن العباس كان قائما عند أبي طالب، فحانت منه التفاتة فرأى أبا طالب يتمتم بكلام، فقال: يا ابن أخي، والله لقد قال الكلمة التي أمرته أن يقولها، تمام؟ هذه رواية ضعيفة ويعني الأحاديث الصحيحة على خلافها.
فعلى كل حال أنا بس أحببت أن أنبه إليها لأنه أحيانا الإنسان حين يستغرق في حب النبي صلى الله عليه وسلم فيحب من دافع عنه فيبدأ إيه؟ يعني يدخل في الحرج من أن يكون هذا ضعيفا.
طبعا هنا مما ينبغي أن يشار إليه أيضا خطورة الكلمة في الإسلام، النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول له: يا عم، قل كلمة أحاج لك بها أمام الله، وأبو طالب هذه الكلمة لم يقلها. الإسلام الإنسان يدخل فيه بكلمة ويرتد عنه ويخرج منه بكلمة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: رب كلمة لا يلقي العبد لها بالا يهوي بها في النار سبعين خريفا.
فيعني خطورة الكلمة، وخطورة الكلمة هذه تنبئنا أنه الجماعة كفار قريش فيهم خصلتان غير موجودتين في عصرنا، على الأقل يعني هي غير موجودة في عصور كثيرة، هاتان الخصلتان هما: الفهم، والصدق. يعني هم كانوا يفهمون كلمة لا إله إلا الله صح، وكانوا يرفضونها عن فهم.
لكن أنت تجد في عصرنا هذا جمهرة كثيرة ممن يقولون لا إله إلا الله لا يعرفون معناها، تمام؟ أو يعرفونه ويستسهلون قولها، يعني إما أنهم لا يفهمونها وإما أنهم يفهمونها ويكذبون على الناس وعلى أنفسهم، واحنا عندنا في مصر سيادة طبيب الفلاسفة أكثر الناس قسما بالله، تمام؟
فمما يعني أيضا لا أستطيع إلا أن أقول يثير تقديرك في هؤلاء الناس أنهم حين قيل لهم: قولوا لا إله إلا الله، لا إله إلا الله يعني بس كده؟ غالي وطلب رخيص! أنت جيت في جمل؟ تمام؟
احنا في زمننا هذا عض قلبي ولا تعض رغيفي والشتيمة ما بتلزقش، اللي هو كل ما يتعلق بالكلام أمره هين، الأمر غير الهين هو إيه؟ المساس بالمصالح أو بالأموال.
فلا، هم هذه الكلمة لم يقولوها لأنهم يفهمونها، يفهمون أنها نظام، ولأنهم لا يجيزون لأنفسهم الكذب أن يقولوها ويعملوا بخلافها، تمام؟ بينما تجد الآن 99% من العلمانيين يقولون: لا إله إلا الله، 99% من يعني الذين لا يريدون الإسلام ولا يريدون أن يحكم الإسلام، ومن الذين يقتلون المسلمين ويطاردون الدعاة 99% منهم يقولون: لا إله إلا الله؛ فهم بين أن لم يفهموها وبين أنهم يكذبون في قولها.
فيعني على كل حال مسألة الكلمة هذه ليست بالأمر
الهين عند المسلم. ونرجع ونقول بأنه لما كان الصدق، ولما كانت قيمة الكلمة عند هؤلاء العرب على هذا النحو، كانوا هم الأنسب لنزول الرسالة عليهم؛ لأنهم... أنا كنت زمان، أنا معترف بهذا، كنت يعني في الزمن الماضي في نفسي شيء من أنه العرب يعني لديهم فصاحة وبلاغة، ودائمًا تسمع أنت إنه العرب ما عندهمش غير الكلام، وما عندهمش غير الشجب والإدانة والاستنكار.
بعد أن كبرت حقيقةً عدت عن هذا الكلام، أشرف ما في الإنسان هو الكلمة، وأخلد ما في تاريخ الإنسان هو الكلمة؛ يعني الكلمة التي قيلت منذ آلاف السنين لا تزال حتى الآن إذا قيلت تؤثر في الناس، الحكمة: الكلمة الطيبة، أو الكلمة السيئة، حتى إذا قيلت الآن منذ آلاف السنين لا تزال تؤثر في الناس اليوم، بينما أي اختراع، أي إنجاز مادي، أي بنيان، أي عمران ذهبت فائدته اليوم، ذهبت! يعني الآن ماذا بقي للمصريين من الهرم الأكبر ومن المعابد الضخمة؟ ما بقي شيء، إنما بقيت كلمات تؤثر في الناس حتى اليوم. ولذلك يعني لماذا يُخلد الفلاسفة والحكماء والعظماء؟ بما يخلدون؟ يُخلدون بماذا؟ بكلامهم، إن كان حقًّا أو كان باطلًا، يعني هذا أمر آخر، ولكن الكلمة هي أشرف ما في الإنسان، وهي أكثر ما يخلد به الإنسان. فحين ينزل الإسلام على قوم الكلمة هي شرفهم الأول، لا ينطقون بالكلمة إلا إذا فهموها وإلا إذا اعتنقوها وصدقوها وآمنوا بها، فهم أنسب القوم لنزول الرسالة، وإلا لو نزلت الرسالة على قوم لا يفهمون لا إله إلا الله، وحتى إذا نووا أن يفهموها لن يؤمنوا بها، فما معنى الإيمان؟
طيب، هنا آخر ما يعني أحب أن أذكره في مسألة وفاة أبي طالب هو حب أبي طالب للنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك في قوله: لولا أن تقول قريش إنما حمله الجزع لأقررت بها عينك. هذا حب للنبي صلى الله عليه وسلم. حقيقة يا جماعة الخير كثير منا ليس كذلك، ليس على هذا المستوى، وكل واحد فينا يستطيع أن يختبر نفسه في مسألة المحافظة على السنن، مسألة المحافظة على مكارم الأخلاق، ما كان يحبه النبي صلى الله عليه وسلم. فحب النبي صلى الله عليه وسلم يعني موقف من المواقف التي ينبغي أن نقف عندها في مثل هذا الموطن.
تعرفون أبو بكر رضي الله عنه بعد فتح مكة، أبو بكر هو الصحابي الوحيد الذي أسلم كل أهله، وهذا من كرامة الله له؛ يعني أسلم أبوه وأمه وزوجاته وأهله وأولاده. أسلم أبو أبي بكر اللي هو أبو قحافة، أسلم بعد فتح مكة وكان قد كبر في السن وجيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، جاء به أبو بكر، جاء بأبيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، تقول الرواية: كان رأسه كأن رأسه ثغامة، يعني كالقطن الأبيض أشيب، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: لو كنت أذنتنا كنا نأتي الشيخ، يعني النبي هو الذي يأتيه، قال: يا رسول الله، أنت أحق أن يأتيك. لما بايع أبو قحافة النبي صلى الله عليه وسلم بكى أبو بكر. ما يبكيك يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله، وددت لو كانت يد عمك أبي طالب، وأن يفرحك الله بإسلامه خير من أبي. طبعًا ده مستوى عالٍ من الحب يا جماعة، والله مستوى عالٍ من الحب!
يعني أنا إذا تخيلت أن أبي لم يكن مسلمًا -أسأل الله أن يحفظ أبي وأن يثبته- بس أنا لو تخيلت أنه لم يكن مسلمًا، وتخيلت أنه جاء إلى النبي يبايعه وبايعه النبي، هل كان في قلبي أن أقول: إسلام أبي طالب خير من إسلام أبي؟ يا جماعة، محنة والله محنة شديدة، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن تكون مرضاة رسول الله أحب إليك من مرضاة نفسك. شوف أبو بكر بلغ في الحب هذا المبلغ، لما رأى أباه يدخل الإسلام تذكر أن النبي كان يحب أن يدخل أبو طالب الإسلام.
قريب من هذا أيضًا موقف سيدنا عمر رضي الله عنه، سيدنا عمر حصل بينه وبين سيدنا العباس أمر لا أطيل بذكره الآن، لكن العباس كان حريصًا على إسلام أبي سفيان، وأبو سفيان كانت فرصة إذا قُتل أبو سفيان الآن أن تنتهي مقاومة مكة وتدخل في الإسلام، فعمر كان حريصًا على قتله: زعيم الكفر، الحمد لله الذي أمكن منك بغير عهد ولا عقد، وخلاص أنت وقعت في أيدينا. العباس لأنه كان حريصًا على إسلام أبي سفيان، أسرع بالبغلة التي كان يركبها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجرى بينه وبين سيدنا عمر كلام، فقال العباس: يا عمر، مهلًا يا عمر، فوالله لو كان من بني عدي لما فعلت ما فعلت! طبعًا أبو سفيان أقرب في النسب إلى النبي من عمر؛ لأن أبو سفيان من بني عبد مناف، هو أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، والنبي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، لكن عمر بعيد شوية، عمر من بني عدي: عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب، يعني بعد عبد مناف بإيه... يعني شوف بقى من بعد عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب، فسيدنا عمر إيه، بعيد شوية، فسيدنا العباس بيقول له: لو كان من بني عدي... فقال: مهلًا يا عباس، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم -الخطاب اللي هو مين؟ أبوه- وما ذلك إلا لأني علمت أن فرح النبي بإسلامك أكبر من فرحه بإسلام أبي الخطاب لو أسلم. فهذه يعني مقامات عالية في الحب، مقامات عالية في الحب.
طبعًا الأثر لما مات أبو طالب، الأثر السياسي بقى على الدعوة الإسلامية لما مات أبو طالب كان أثرًا كبيرًا وشديدًا على النبي صلى الله عليه وسلم. أبو طالب لم يشذ عنه أحد في بني هاشم إلا أبو لهب، الوحيد الذي شذ عن إجماع بني هاشم، لكن بني هاشم في كل المراحل مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى في مرحلة الحصار والجوع ثلاث سنوات دخل معه في الشعب حتى الكافرون من بني هاشم. لكن لما مات أبو طالب آلت الزعامة بعده إلى سيدنا العباس رضي الله عنه، ولم يكن قد أسلم، سيدنا العباس أسلم بعد الحديبية. طبعًا العباس لم يكن في شخصية أبي طالب -ده رقم واحد- في قومه بني هاشم، كذلك لم يكن له مثل مكانة أبي طالب في قريش، فلذلك كان اختفاء أبي طالب مما أضعف سند بني هاشم للنبي صلى الله عليه وسلم.
ولذلك بعدها سنرى ما كنا قد تكلمنا عنه من أن الكفار اجترؤوا على النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة أبي طالب ما لم يجترئوا عليه في حياته، نأتي إليها إن شاء الله بالتفصيل فيما بعد. والأمر الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم لما عاد من الطائف دخل في جوار المطعم بن عدي. طيب ما معنى دخوله في جوار المطعم بن عدي؟ أن عصبة بني هاشم بدأت إيه، تضعف؛ يعني صحيح بنو هاشم لم يكونوا ليسلموا النبي صلى الله عليه وسلم، لم يكونوا ليتخلوا عنه، لكن الصلابة والقوة والتحشيد لأبي طالب لم يكن كذلك بعد وفاة أبي طالب، فاضطر النبي للدخول في جوار المطعم بن عدي. والمطعم بن عدي ذكرنا في المجلس الماضي أنه لم يكن من بني هاشم، ذكرنا أنه المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، وذكرنا ما كان وقع بينه وبين أبي طالب في المجلس الماضي. فإذن الأثر السياسي لموت أبي طالب كان أثرًا شديدًا على النبي صلى الله عليه وسلم.
طيب، بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام، أو بخمسة وثلاثين يومًا، توفيت أيضًا خديجة رضي الله عنها. طبعًا خديجة رضي الله عنها موضوع كبير كبير كبير كبير. أنتم تعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كان يأوي إلى خديجة، تقول الرواية: فكانت تهون عليه أمر الناس. شوف إحنا الآن عشر سنوات من الدعوة، يعني عشر سنوات من التفكير، ومن الهم، ومن الأذى، ومن النضال، ومن الكفاح. الإنسان مهما فعل طوال يومه فإنه في النهاية يأوي إلى بيته، يقولون: كان يأوي إليها النبي صلى الله عليه وسلم فتهون عليه أمر الناس. ولذلك تأثر النبي صلى الله عليه وسلم تأثرًا شديدًا بوفاة خديجة رضي الله عنها، وبقيت ذكراها في نفسه حاضرة إلى أن مات صلى الله عليه وسلم، لدرجة أن السيدة عائشة، حبيبة النبي صلى الله عليه وسلم، كانت تقول: ما غرت على أحد من النساء ما غرت على خديجة، حتى كنت أقول... هي تقول: حتى كان يقسم الشاة أعضاء فيرسل منها إلى صدائق خديجة، إلى صديقات خديجة يعني، فقلت: كأن لم يكن في الدنيا أحد إلا خديجة!
الله يفك أسر أخونا أيمن عبد الرحيم، كانت له وقفات في مسألة البيت المسلم، فكان مما يقول إنه يعني شوفوا يا جماعة، كان بيقول: شوفوا السيدة عائشة كيف تخاطب النبي صلى الله عليه وسلم، تمام؟ ذكر موقف لما اختصمت هي والنبي، فقال لها النبي: أنُحكّم؟ فجاء بأبي بكر ليحكم بينهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من يتكلم، تتكلمين أم أتكلم؟ قالت: تكلم ولا تقل إلا الحق. طبعًا سيدنا أبو بكر سمع الكلمة دي إيه، فقام ليضربها، فكان التعليق اللطيف لأخونا أيمن عبد الرحيم، فك الله أسره، كان بيقول: هي السيدة عائشة بتكلم مين؟ زوجها، زوجها رقم واحد، فشوف بتقول له إيه: اتكلم وإيه، يعني ما تقولش كده ولا كده يعني! لكن أبو بكر رضي الله عنه يكلم من؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالسيدة عائشة في لحظة من اللحظات قالت له يعني: كأن لم يكن في الدنيا إلا خديجة! فكان يقول صلى الله عليه وسلم: إنها كانت وكانت وكانت، ورزقني الله منها الولد.
طيب، تدور الأيام وتسكت برضه السيدة عائشة؟ لا، برضه يحصل موقف وتقول له إيه: تذكر خديجة؟ تذكر خديجة؟ ما كانت إلا عجوزًا حمراء الشدقين، قد أبدلك الله خيرًا منها -معاك تسعة دلوقتي- حمراء الشدقين تقصد يعني أنها كبرت في السن، حمار الشدقين يعني يا جماعة سقوط الأسنان، تمام؟ حمار الشدقين يعني سقوط الأسنان. طبعًا هي السيدة عائشة لم تر السيدة خديجة، هي السيدة خديجة ماتت والسيدة عائشة عندها أربع سنين، هي تذكر قالت: وما رأيتها. فلما رأى النبي هذه اللهجة قال: لا والله، ما أبدلني الله خيرًا منها، لقد آمنت بي حين كفر بي الناس، وصدقتني حين كذبني الناس، ورزقني الله منها الولد حين حرمني أولاد النساء. فالسيدة عائشة يعني كانت تسمع مثل هذا الكلام فتحاول إيه، تمسك نفسها ألا تذكر السيدة خديجة بسوء. لكن القصد هنا أنه ذكرى السيدة خديجة بقيت قائمة في نفس النبي صلى الله عليه وسلم.
وأشد من ذلك كانت قائمة في نفسه حتى مع الرجال، في موقف إن مد الله في أعمارنا نحكيه لكم إن شاء الله، في إحدى الغزوات يا جماعة، إحدى السرايا أُسر العاص بن الربيع -أبو العاص بن الربيع هذا من؟ هذا زوج ابنة النبي صلى الله عليه وسلم زينب- تمام، زوج زينب أسر في بدر، أسر السرية هذا أسر آخر، أسر في بدر، والنبي قرر الفداء على المشركين. طيب السيدة زينب زوجته، هو طبعًا منع زوجته من أن تلحق بأبيها، لم... يعني هي أسلمت لكن لم يسمح لها بالهجرة، فبقيت هي في مكة. طبعًا موقف شديد لما يبقى زوجها سيقاتل أباها، اللي هو يعني إما أن تكون أرملة وإما أن تكون يتيمة، موقف صعب، لكن المهم حرب بدر خرجت بأفضل نتيجة ممكنة: انتصر أبوها وأُسر زوجها، فلم تجد فداء إلا أن أرسلت ما عندها من المال وأرسلت معه قلادتها، القلادة دي كانت قد أهدتها إليها خديجة في زفافها، فلما وصل هذا المال في فداء العاص بن الربيع، يقولون: ورأى النبي صلى الله عليه وسلم قلادة خديجة، فرق لها رقة شديدة، وقال: هذه قلادة خديجة! ويعني اشتد الأمر على النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذن أصحابه وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها مالها فافعلوا. طبعًا فوافق الصحابة رضوان الله عليهم، لكن المعنى هنا أنه لما رأى قلادة خديجة رق لها رقة شديدة.
طيب، خديجة رضي الله عنها، الآن نحن لو تأملنا في حياة النبي مع خديجة، خلينا نتخيل مع بعض، واحدة تزوجت رجلًا وإذا بهذا الرجل ينصرف عما كان فيه قومه من أمر الجاهلية، لا بيعبد أصنام، ولا بيشرب خمر، ولا يغشى مجالس، وقاعد كده له إيه، له حالته الخاصة، وبعد شوية حُبب له الخلاء، وكل سنة يروح يجلس في الغار، وينقطع عن المدينة، وكل سنة جلوسه في الغار يزيد. لو واحدة غير السيدة خديجة كانت هتفتكر إيه؟ إحنا داخلين دلوقتي في إيه؟ لا، غير متجوز عليَّ دي، اتجوز عليَّ دي من بدائع هذا العصر، زمان كانوا بيتجوزوا براحتهم، لكن دي ملامح جنون يعني! طيب، ثم يأتي لها في يوم من الأيام: دثروني دثروني، لقد كدت أموت، وروى لها ما رأى. الحالة إيه؟ بتزداد صعوبة، صح ولا لا؟ الموضوع صعب، يعني ما من امرأة تكون في هذا المشهد وتراقب تطور زوجها إلا تشعر أنه في هذه الحالة قد مسه جن، يعني أصابه جنون، يعني اتخبل اتهوس بقى من كتر الفراغ اللي هو فيه والحالة اللي هو عاملها حوالين نفسه.
السيدة خديجة لا، السيدة خديجة يعني احترمت وقدرت أن زوجها ليس كهؤلاء الرجال، ليس كهؤلاء الناس في شأن الجاهلية، ثم قدرت أنه حين يريد أن يختلي بنفسه أن تتركه يختلي بنفسه، وأن يتعبد ويتحنث في الغار. ولما جاءها في هذه الحال التي يتشكك فيها كل إنسان، قالت له: والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الدهر، لا يخزيك الله أبدًا. هذه الكلمة في هذه اللحظة يا جماعة من عظائم الأمور، يعني الإنسان لما يكون في محنة وفي شدة وفي أزمة، وبالذات لما تكون هذه الأزمة مفاجئة، أحوج ما يحتاج إليه في هذه اللحظة من يقدم له مثل هذه العبارة، بيسموها الآن الدعم النفسي، أن تفسر ما جرى له على نحو يعني يرضيه.
ثم كانت هي من حملت الهم وذهبت إلى ورقة بن نوفل، ثم بعد ذلك تحملت معه كل ما نزل به. إحنا عشنا عشر سنوات مع بعض في إيه؟ الضيق والألم والضنك، وكانت وهي النسيبة الحسيبة دخلت معه في الشعب، فأصابها الخوف: الخوف عليه، الخوف على نفسها، وأصابها الجوع مع الحصار، حتى بناتها يعني بنتي النبي صلى الله عليه وسلم طُلّقتا من ابني لهب لما أُرسل النبي صلى الله عليه وسلم، يعني حقيقة حياة النبي هذه لو عُرضت -وإحنا هنخطب طبعًا- لكن لو عُرضت على امرأة من عموم الناس، ما فيش واحدة، لا ترضى بهذا يعني. فلذلك السيدة خديجة رضي الله عنها حالة خاصة، حالة خاصة وحالة كاملة، وواست النبي صلى الله عليه وسلم بنفسها وبمالها.
السيدة خديجة، طبعًا نحن ذكرنا أن السيدة خديجة كانت تاجرة، وأن أول معرفتها بالنبي صلى الله عليه وسلم كانت حين عمل لها في التجارة يعني، وذكرنا أنها هي من ذهبت إلى... يعني أو طلبت الزواج أو بادرت بشأن الزواج من النبي صلى الله عليه وسلم، يعني إحنا بنتكلم الآن عن شخصية قوية، شخصية نبيلة، شخصية صاحبة مال، لا نتكلم الآن عن شخصية ضعيفة، ولكن هذه الشخصية القوية ملأت على النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، حتى إن النبي لم يتزوج في حياتها امرأة أخرى قط.
طبعًا أحد أبرز المشكلات الآن في عالمنا المعاصر مسألة صراع الشخصيات التي تكون بين الزوج والزوجة، دي من أشهر وأكثر المشاكل الموجودة في عصرنا الآن، وأنا رأيت في حياتي يعني العديد من المواقف تكون المرأة فيها شخصيتها أقوى من شخصية زوجها، من شخصية الرجل، ولكنها تحرص دائمًا على أن تظهر له وتدبر الأمور بحيث يظهر له لنفسه ويظهر للناس أنه هو الشخصية الأقوى، وهذا من ذكاء المرأة.
البيوت تبدأ بالانهيار حين تتحول العلاقة من علاقة زوج وزوجة، و الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ، إلى علاقة أنداد، هذه بداية انهيار البيوت، وأنا الآن أحدثكم حديث الرجال، يعني المرأة كلما كانت أطوع وكلما كانت أخضع، كلما زادت عند زوجها وكلما ملكت قلبه. طيب، كلما كانت أكثر ندية، كلما كرهها ونفر منها وزهد فيها، حتى لو أنه الأمر لم يصل إلى طلاق ولم يصل إلى هجران، ولكن خلاص تصير كل النساء عنده أحسن من زوجته، طول ما هو ماشي في الشارع، طول ما هو فاتح بيتفرج على الأخبار، فضلًا طبعًا عن المسلسلات والأفلام، كل الناس تصير عنده أحسن من زوجته في نظره، طول ما هي إيه، يعني بدأت تتعامل بندية وبدأت يعني لا تطيعه.
طيب، أنت ترى هنا كيف أن هذه الشخصية القوية، شخصية السيدة خديجة رضي الله عنها، ملأت على هذا النبي صلى الله عليه وسلم أمره لدرجة أنه كان في زمن الجاهلية، اللي هو الزمن الذي تعدد الزوجات فيه كثير، بل والذهاب إلى المحرمات غير محرم، هؤلاء الناس لم يكن عندهم هذه المسألة محرمة، مسألة الزنا، بل كانت شائعة، طيب انظر كيف ملكت عليه نفسه وأمره حتى كان لم يتزوج عليها في حياتها امرأة قط!
طبعًا هذا من جهة أخرى يرد على الشبهة المشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسألة زواجه الكثير بأنه كان رجلًا شهوانيًّا كما يقول المستشرقون والمنصرون، حاشا لله! لأنك ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج السيدة خديجة وهو سنه خمسة وعشرون، وهي توفيت عنه وهو في الخمسين من عمره، يعني فترة الشباب، فترة الرجولة، فترة الشباب العارم، هذه فترة لم يتزوج فيها النبي صلى الله عليه وسلم بغير خديجة، ففهمنا من ذلك أن زواجه وهو في الواحد والخمسين واثنين وخمسين وأربعة وخمسين لم يكن يحمله إلى ذلك شأن الشهوة، طبعًا مسألة الشهوة ومسألة الميل إلى النساء ليست عيبًا في الرجال، بل هذا هو الطبيعي؛ يعني من لا يعاني الشهوة هو الذي ينبغي أن يبحث عن الخلل عنده، لكن الآن نتكلم على مسألة النساء بالنسبة للرجل النبيل صاحب الرسالة وصاحب الدعوة، تمام؟ فيعني وفاة خديجة رضي الله عنها وهو في الخمسين وهو لم يتزوج عليها، مما يدل على كمال شخصية السيدة خديجة، ومما يدل على كمال شخصية النبي صلى الله عليه وسلم.
هنا لمحة بسيطة أقف عندها في مسألة علم الحديث، النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح في الصحيحين يقول: كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء سوى مريم ابنة عمران وآسية بنت مزاحم. هناك رواية أخرى تقول: ولم يكمل من النساء إلا أربع: مريم، وآسية، وخديجة، وفاطمة بنت محمد. طيب، الحديث الثاني ده حديث ضعيف، الحديث اللي فيه الأربعة ده حديث ضعيف. لو كان المسلمون يزورون أقوالًا على نبيهم لكانوا يصححون هذا الحديث! شوف، الرواية تذكر امرأتين لا علاقة لهما بالنبي: آسية بنت مزاحم ومريم ابنة عمران، ابن كثير يقول: ولعل السر في تفضيلهما وفي كمالهما أن كلا المرأتين كفلت نبيًّا في صغره، امرأة فرعون كفلت موسى، ومريم كفلت عيسى عليه السلام. طيب المرأتين اللتين يخصان نبينا صلى الله عليه وسلم هما من؟ خديجة وفاطمة، فلو كان المسلمون يصححون بالهوى، يصححون بالحب، يزورون الأقوال إلى نبيهم، لكن أنت تجد هذه الرواية رواية صحيحة، تمام؟
فلذلك شوفوا يا جماعة، كنت قرأت كلمة لأحد الإخوة كتبها على الفيسبوك قبل أيام، يقول: يكفي علم الحديث شرفًا أن هذا العلم لو طُبق على أي تاريخ من تواريخ الأمم لطار التاريخ كله، ما فيش ولا أمة تستطيع أن تثبت حدثًا في تاريخها بعيار علم الحديث. فلتر عظيم جدًّا جدًّا جدًّا! يعني الحديث الذي يصح لا شك فيه، بل المؤرخين، عالم المؤرخين يعني بعيدًا عن عالم المحدثين، يرون أن المحدثين تشددوا بالمنظور التاريخي، المحدثين تشددوا؛ لأنه لو استعملنا منهج المحدثين لن يسلم لنا تاريخ أبدًا، تمام؟
طيب، على كل حال، حيث إن إحنا تكلمنا في موضوع الزوجة، شوف، مسألة الزوجة بشكل عام مسألة خطيرة للغاية، مسألة خطيرة جدًّا جدًّا جدًّا جدًّا. وتعرفون أنتم حديث النبي صلى الله عليه وسلم، حديث في صحيح مسلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم -تصوروا معايا المشهد ده-: يضع إبليس عرشه على الماء، ثم يبث سراياه، عندنا فرق عمل مكلفة ومنتشرة، فيكون أقربهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يأتي أحدهم فيقول: قد فعلت كذا وكذا، فيقول إبليس: ما صنعت شيئًا! فيأتي أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين زوجته، فيقول: أنت أنت! وفي رواية: فيلتزمه، فيلتزمه يعني فيحتضنه. فمسألة هدم البيت، مسألة التفريق بين المرأة وزوجها، هذه من أعظم وأخطر الذنوب. وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم، حديث عند أحمد وأصحاب السنن، قول النبي صلى الله عليه وسلم: ليس منا من خبب امرأة على زوجها، يعني خبب يعني أفسد: ليس منا من خبب امرأة على زوجها.
فمسألة الزوجة هذه مسألة مهمة جدًّا، يعني من أُعطي بيتًا هانئًا صلح له نصف حياته، ومن أُعطي بيتًا غير هانئ سُلبت منه كل حياته؛ لأن الإنسان أصلًا بيعافر في النهار، يعافر الدنيا ويعافر الناس، حتى إذا عاد آخر الليل كان قدامه حالة من اثنين: يا إما يزداد همه وغمه -ولذلك كثير من الأزواج يهاجر إلى المقاهي، فيكون صباحه في العمل وليله في المقاهي- مسألة الزوجة مسألة خطيرة جدًّا، خصوصًا إذا كان الزوج من أصحاب الرسالة، أو من أصحاب الأعمال الكبيرة، كأن يكون من المجاهدين، أو ممن يتولى أمر المسلمين، يعني هنا الدعم الذي يحتاجه الزوج والواجب الذي يكون على المرأة هو أعظم بكثير جدًّا من أي حالة أخرى؛ لأنه صاحب الرسالة، صاحب الدعوة، صاحب الولاية، صاحب الجهاد، هذا حياته كلها هم بصراحة، حياته كلها هم.
بالذات يا جماعة الخير في بلادنا إحنا، أصل بلادنا العربية المنكوبة بهذه الأنظمة، يعني الرجل إذا كان يخرج لكي يحقق حد الكفاية، فحد الكفاية هذا شيء صعب في أزماننا هذه، يعني لكي يحقق المرء حد الكفاية لأهله وأولاده أصلًا يقتحم المخاطر، يقتحم المخاطر ويعاني الأهوال والله، فإذا تم له ذلك ببيت غير مستقر، ببيت مضطرب، يعني اكتملت إيه، اكتملت أضلاع مثلث الشر.
وأريد أن أقول أيضًا: حقيقة يعني مما أفسد هذا الزمن الذي نحن فيه خروج المرأة للتعليم وللعمل؛ التعليم غير النافع للمرأة والعمل غير المناسب للمرأة، هذا والله العظيم مما أفسد المجتمعات، وهو في الحقيقة لم يحقق للمرأة لا استقلال ولا كيان ولا أي حاجة، إنما نقلها من قوامة الزوج إلى قوامة مدير العمل. ولذلك تجد المرأة تستنفد مواهبها في إرضاء المدير في العمل، وهذا أمر يعني رأيته بعيني في تجارب شاهدناها، المرأة بتبقى قادرة على امتصاص الغضب، قادرة على فهم الرجل أكثر من قدرته هو على فهمها، وأكثر تنظيمًا، أكثر صبرًا، أقل طموحًا. يعني من المشهور عند أصحاب الشركات أنك لما تعين واحدة أفضل ما تعين شاب، ليه؟ الشاب ده عايز يتجوز ويعمل بيت، ولو عنده شوية طموح هيبقى عايز يعمل مشروع لنفسه، فأنت بالنسبة له حالة مؤقتة، أنت كصاحب عمل كشركة أنت بالنسبة للشاب حالة مؤقتة، لكن المرأة هذه تريد أن تنفق على نفسها، يعني لا تحمل هم أنها تعمل مشروع لوحدها، ولا أنها تستقل، وترضى بالأجر الأقل، ده غير طبعًا أن أنت إيه لو يعني احتددت على الشاب ما تضمن ردة فعله، لكن لو احتددت على المرأة تستطيع أن تقبل وتمتص، طبعًا ممكن تبكي ماشي لكن في النهاية... فحقيقة يا جماعة، الذين أخرجوا المرأة للعمل إنما استخرجوا ما فيها من الصفات التي ينبغي أن تُنفق في الزوج لكي تنفقها للمدير.
طيب، خلصت الإنفاق عند المدير رجعت البيت بقت هي مدير البيت بقى، تمام؟ عادت رجلًا فبقى في رجلين في البيت، فهي بقت أنثى عند المدير وبقت رجلًا عند زوجها، عبدًا عند المدير وسيدًا عند زوجها! حتى مسألة التزين والتأنق وهكذا، أُنفقت على المدير وعلى الزملاء وعلى الجماهير في الشارع وفي المواصلات، تمام؟ حتى إذا رجعت البيت ذهبت الأنوثة وحلت الرجولة. والله يعني الآن المرأة صارت فتنة خارج البيت، لم تصر فتنة في البيت، الآن صارت كل امرأة... وبعدين هي لما طلعت الشارع دخلت منافسة مع كل نساء الأرض، ما هو دلوقتي كله إيه، كله بيتنافسوا، ومن المنافسة أُفسد الرجال؛ ما هو دلوقتي في مجتمع آخر كان الرجل لا يطلع على امرأة جميلة إلا على زوجته، الآن الرجل يطلع في اليوم الواحد على ما لا يقل عن مئتين ثلاثمئة امرأة متنافسة، ده ما لا يقل، ده الراجل الملتزم يعني اللي هو ما عندهوش إيه، ورد تصفح أفلام ومسلسلات ومواقع أخرى! طيب، من الخاسر في هذه المنافسة؟ يعني المرأة لما بقت تنافس نساء الأرض كلها من الخاسر في هذه المنافسة؟ ولذلك حقيقة الضغط على أعصاب المرأة وعلى روحها، وهوس المرأة بإظهار زينتها وجمالها، وما تقدمه من تنازلات لكي تكون أكثر أنوثة وأكثر جاذبية، كل هذا يأكل من أعصاب المرأة ومن روح المرأة.
وبعدين ما أخرج المرأة أصلًا... يعني الذين أخرجوا المرأة إنما أخرجوها لأغراضهم هم، لم يخرجوها لمصلحتها هي. يعني من القواعد المشهورة في الاقتصاد أن المرأة التي تعمل في بيتها هذا جزء معطل من الموارد، المرأة التي تعمل في بيتها جزء معطل من الموارد! وأحيانًا يضربوا مثلًا لطيفًا، يقول لك مثلًا: المرأة بتطبخ في بيتها، تمام؟ والمرأة الثانية دي بتطبخ في بيتها، الرأسمالية تريد أن المرأة دي تطبخ في بيت دي والمرأة الثانية تطبخ في بيتها، ليه؟ علشان يبقى في دورة رأس مال؛ هي دلوقتي لما بتطبخ في بيتها جوزها بيديها فلوس؟ بتاخد أجر يعني كعامل؟ ما بتاخدش، لكن لما تطلع تطبخ في البيت الثاني، البيت الثاني هيديها فلوس، والبيت الأولاني هيدي للمرأة الثانية، يبقى كده حصلت حركة لرأس المال! طبعًا عمليًّا في واقع الحياة ما فيش واحدة بتروح البيت الثاني، ده أنت ممكن تلاقي المرأة نزلت خدت في الشغل مسافة ساعة ساعتين، وعملت في الشركات، فما شاء الله هي بتدفع في المواصلات، وبتدفع... والزينة التي تتزين، والملابس التي ترتديها، وكل هنا وهنا الدولة قاعدة تاخد ضرائب على كل هذا الدخل، لكن لو قعدت طبخت في البيت الدولة مش واخدة ضرائب، مش واخدة ضرائب! وكمان شركات التجميل مش مستفيدة بالمرأة اللي ما طلعتش من البيت، والجماعة اللي هم شغالين إعلانات، وألذ أكلة بين...
أكله وأكله، والأكلات السريعة، يعني كل العملية القائمة على إخراج الناس من البيت كلها تعطلت إذا بقيت المرأة في البيت. فهو صحيح، الذي أخرج المرأة لم يخرجها لمصلحة المرأة ولا لكي تحقق المرأة استقلالها، إنما أخرجها لمصلحته هو. طبعًا الشيوعيين كانوا ناس بتوع إيه؟ العمل وأركان العمل، فدلوقتي لما يلاقي 50% من المجتمع لا يعمل، يعملون في البيت، يقول لك: هذه قوة مقتطعة، وقوة مهدرة، وقوة معطلة من العمل، فلذلك يحب أن تخرج المرأة للعمل وتعمل في المصانع وتعمل في المزارع. طيب، طب ده يؤثر عليها؟ يؤثر على صحتها؟ نتفاهم في التفاصيل، يعني يؤثر بقى ما يؤثر، هي وظرفها، ما تتعرض له من إهانات أو من مصاعب، إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا، و وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا.
فالمهم، ما أريد أن أقوله الآن أنه المرأة خصوصًا لو كانت في بيت داعية، أو في بيت مجاهد، أو في بيت صاحب رسالة، فالواجب الذي عليها أكبر. رعاية المرأة لبيتها وزوجها هو أفضل الأعمال، النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل: من أعظم الناس حقًّا على المرأة؟ قال: زوجها. تأمل، لم يقل أهلها، ولم يقل أولادها، يعني النبي لم يقل حتى أولادها. الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ، جمهور المفسرين على أن الرجال هم الأمراء وهم السادة على النساء. ولفظ، على فكرة، إذا تكلمنا في هذه المسألة فأنا أعرف أن كثيرًا من الناس سينفر من آيات وأحاديث تتعلق بالمرأة؛ لأن إحنا الآن برضه في عصر يعني انتشرت فيه النسوية حتى بين المتدينات مع الأسف الشديد، حتى بين المتدينات. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم. عوان يعني إيه؟ يعني أسيرات، أسيرات. طيب، كم واحدة من النساء يقع هذا اللفظ في نفسها موقعًا حسنًا أو تسلم له؟ طبعًا الموضوع كبير تنفق فيه الحلقات، يعني وتنفق فيه المجالس، ولذلك نترضى عن يعني أمهات المؤمنين وعن زوجات الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وهذا أمر يعني الحديث فيه حديث طويل.
طيب، تخيلوا أن النبي صلى الله عليه وسلم بمجرد أن خرج من الحصار تعرض لهاتين الحادثتين: موت أبي طالب وموت خديجة رضي الله عنها. فبالمناسبة، هذا أمر دعونا نتابعه عبر السيرة، يكاد النبي صلى الله عليه وسلم أن لم يكتمل له فرح أبدًا، وهذا مصداق قوله صلى الله عليه وسلم: أشد الناس بلاء الأنبياء. ونبينا صلى الله عليه وسلم، وقد كان خير الناس، قد نوع الله له البلاء. فمن الأشياء سنتابعها في السيرة أن النبي لم يكتمل له فرح، يعني خروجه من الحصار الآن، يعني بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما واجهه طلاق ابنتيه، والآن سنرى خروجه من الحصار مات أبو طالب وماتت خديجة. مواقف كثيرة، حتى لما النبي انتصر في بدر، عاد من الانتصار في بدر فوجد بنته رقية قد دفنت، وصل خبر انتصار بدر وابنة النبي رقية ماتت، وأمور أخرى إن شاء الله نأتي معها، لكن يعني تابعونا في السيرة تجدون أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتمل عليه فرح قط.
طيب، بقي معنا في الأمرين الآخرين هو اشتداد الإيذاء على النبي صلى الله عليه وسلم، وخروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، وهذا أمر إن شاء الله نستكمله في المجلس القادم. أسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علمًا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد إلهامي