السلام عليكم ورحمة الله. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. اللهم اجعل عملنا كله خالصا لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئا يا رب العالمين.
مرحبا بكم أيها الأحباب، طابت ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلا. ونسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا في هذا المكان على طاعته أن يجمعنا في جنته ومستقر رحمته ودار كرامته. هذا هو المجلس الخامس والثلاثون من مجالس السيرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
وألخص سريعا ما ذكرناه في المجلس الماضي، وما انتهينا إليه في المجلس الماضي فيما يخص مسألة ظروف المدينة المنورة التي كانت قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إليها؛ وذلك كي يستقيم معنى الكلام في هذا المجلس إن شاء الله. ذكرنا أنه نحن إذا نظرنا إلى أوضاع المدينة المنورة قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إليها، فسنجد فيها مشكلات عديدة جدا. فنجد أننا أمام مجتمع ممزق ومشتت وتتجاذبه سمات مختلفة. فذكرنا أنه على المستوى الديني فيه مشركون وفيه يهود وفيه مسلمون، فهذا انقسام على المستوى الديني. وعلى المستوى السياسي، هناك أوس وخزرج وتوافق هش، وكادوا يعقدون الملك عليهم لعبد الله بن أبي بن سلول، أحد سادة الخزرج الذين بقوا من المعركة الطاحنة التي اندلعت في المدينة، وهي معركة بعاث. وعلى المستوى الاجتماعي، فأهل المدينة منقسمون إلى أوس وخزرج، وهؤلاء الأوس والخزرج إذا جاءهم المسلمون ستكون المدينة منقسمة إلى مهاجرين وأنصار. وهؤلاء المهاجرون أيضا قسم فيما بينهم؛ لأنهم من قبائل عدة، لأن المهاجرين ليسوا فقط هم الذين قدموا من مكة، وإنما هم الذين أسلموا من سائر القبائل. إذا فهناك انقسام سياسي، هناك انقسام اجتماعي، هناك انقسام ديني. وبعد ذلك، هناك وضع اقتصادي أيضا؛ فمجتمع اليهود يسيطرون على اقتصاد المدينة، وإذا هاجر إليهم المسلمون ستأتي مشكلة اللاجئين، وهؤلاء اللاجئون لا يجيدون العمل الموجود في المدينة، هؤلاء اللاجئون أغلبهم أهل تجارة، بينما المدينة أرض زراعيه يعمل أهلها بالزراعة. فهؤلاء لاجئون ليسوا قوة عاملة، فتزيد يعني يزيد ذلك الضغط على موارد المدينة، هناك زياده سكانيه مفاجئة وهناك قله في الموارد، وهذه الزيادة السكانية المفاجئة لا يمكن استثمارها في قوة عاملة، وإنما ستضاف إلى مشكلات المدينة.
وذكرنا أنه أيضا بعد حرب بعاث وفي ظل التوافق الهش، فالوضع السياسي السيء ينعكس على الوضع الاقتصادي السيء أيضا. يعني المدينة نظرنا إليها من أي زاوية من الزوايا، فإننا سنجدها بلدا يعني لا يمكن أن يفكر من يريد إقامة دولة في أن هذا المكان هو المكان الصالح لإقامة دولة، ومع ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم واصحابه هاجروا إلى المدينة ولم يتوقفوا عند هذه المشكلات.
ولذلك كنا انتهينا إلى خلاصه تقول بانه أصلا لا توجد ظروف مثالية لإقامة دولة. كل من أقاموا دولة يا جماعة الخير نحتوا في الصخر، حفروا في الظروف، اجتمعت إليهم المشاكل ولكنهم غالبوها حتى غلبوها. فالذي ينتظر أن يرى مجتمعا متوافقا ومجتمعا مرحبا به ومجتمعا ومجتمعا قادرا كله على التضحيه معه، فهذا لن لن يقيم دولة أبدا. وهذا من حقيقة من الدروس التي لم يعني تستفد الحركات الإسلامية المعاصرة من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم. فلذلك كثيرا ما شاع في هذه الحركات الإسلامية مسألة الشعب غير مهيأ، الوقت غير مناسب، المكان غير الظروف غير متاحة، التحديات كبيرة، نحن بحاجه إلى تمهيد أولا، سواء تمهيد من خلال الديمقراطيين أو تمهيد من خلال العلمانيين أو البحث عن رئيس توافقي أو البحث عن مجلس رئاسي مدني ونحو هذه الأشياء التي اضاعت فرصا عزيزة وثمينة، وهي التي لا نراها عند نبينا صلى الله عليه وسلم. فيعني وضع المدينة هو أسوأ من أي وضع أتيح لحركة إسلامية في عالمنا المعاصر، ومع ذلك قام النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته بهذا الشأن.
إذا نرجع إلى المشهد كما كان في مكة المكرمة. لما عرفت قريش أن الأنصار أو أن أهل المدينة بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم، نحن ذكرنا في المجلس قبل الماضي أنهم يعني تاكدوا من الخبر وطاردوا أهل المدينة، لكن كانت قافلة المدينة قد رحلت فلم يستطيعوا اعتقال لم يستطيعوا اعتقال أحد إلا سيدنا سعد بن عبادة رضي الله عنه. ولكن الموازنات السياسية بين أهل المدينة وبين قريش وسعدا كان يجير قوافل لبعض القرشيين، فهذا مما نجا به منهم. لكن هنا بدأت قريش تشدد الخناق والحصار على المسلمين في مكة، يعني بدأ من جديد مسألة التشديد، يعني التشديد المزيد على من أسلموا. والأمر الثاني أيضا حين بدأت بوادر إسلام بعض هؤلاء الناس، عاد بعض المهاجرين ممن كانوا في الحبشة عادوا إلى مكة، وكان أول من وقع يعني لهم هذا البلاء هو سيدنا أبو سلمة.
سدنا أبو سلمة ذكرنا هو سيدنا أبو سلمة بن عبد الأسد من بني مخزوم، وذكرنا مما يجب أن لا ننساه ونحن نحاول أن نفهم السيرة النبوية، أنه بني مخزوم هؤلاء هم الكتله الكبيرة العائلية التي كانت تضاد النبي صلى الله عليه وسلم، والتي كان على رأسها أبو جهل أبو جهل، أبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة وعمه الوليد بن المغيرة تمام. هؤلاء بنو مخزوم، وأولئك قوم كما ذكرنا كما ذكرنا في المجالس الماضية ليسوا من أهل الحكم في قريش، هم قوم كثرت أموالهم بالتجارة وكثرت أموالهم بالتجارة، ثم زادوا على ذلك بما انطبع عليه العرب من الأخلاق في تكثير مكارم أخلاقهم، من ضيافة من يعني قر الضيف ومن الإكرام ومن إنفاق الأموال في المصالحات بين القبائل. فصاروا ينافسون على السلطة بما صار لهم من المكانة والنفوذ. يعني الوليد بن المغيرة ذكرنا أنه كان كانت قريش تشترك سنة في كسوة الكعبة، وينفرد هو بالسنة التالية في كسوتها. تخيل ثراء رجل يوازي ثراء القوم تمام.
وذكرنا قبل ذلك كلمة أبو جهل تنافسنا وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعموا وسقوا فسقوا حتى إذا تحاذي الركب وكنا كفرسي رهان قالوا منا نبي فانا يكون لنا ذلك، فابو جهل كان يفهم المشهد فهما تنافسيا قبليا. سيدنا أبو سلمة كان من أوائل من أسلموا وكان من بني مخزوم، هو أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة تمام. وكانت زوجته أم سلمة رضي الله عنها كلاهما يكنى بابنهما سلمة، وأم سلمة هي ابنة عمه هي أم سلمة هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر مخزوم بن يقظة بن مرة. طيب، وذكرنا أنهما كانا ممن هاجر ممن هاجروا إلى الحبشة فعادوا، فلما عادوا اشتد عليه إذا قريش بني مخزوم. ولما سمع بعقد بيعة العقبة الأولى، ذكرنا اللي هم اثنا عشر رجلا فقط، فخرج مهاجرا مع هؤلاء الاثني عشر قبل بيعة العقبة الثانية.
طيب طبعا الآن و يعني جهز رحيله جهز بعيره ورحله وارتحل. فلما قام يعني لما قام مسافرا، خرج له بنو أخرج له بنو المغيرة أهل زوجته بنو المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، قالوا له طبعا هو دلوقتي لو أنت حطيت نفسك مكان بنو المغيرة هؤلاء فابو سلمة منذ ظهر الاسلام واخد السيدة أم سلمة ورايح بها على الحبشة ثم رجع بها من الحبشة والآن رايح بيه فين على المدينة، فالمسألة والله لا نتركه لك، فانتزعوا من يده الخطام خطام البعير وانتزعوا زوجته منهم تمام.
طيب هذا المشهد في المجتمع القبلي حصل أمام من؟ أمام قوم أبي سلمة، قوم أبي سلمة اللي هم بنو هلال تمام. فلما رأوا ذلك قالوا أما أما وقد انتزعت صاحبتكم من صاحبنا فلا نترك ولدنا عندكم، سلمة الطفل الصغير ينسب لأبيه. قالت تقول أم سلمة رضي الله عنها قالت فتجاذبوا ولدي سلمة حتى خلعوا كتفه ومضوا به ومضى أبو سلمة. فأنت الآن أسرة من ثلاثة أفراد تشتت، أبو سلمة خرج إلى المدينة وترك زوجته وترك ولده. طيب أم سلمة في لحظة فقدت زوجها وفقدت ولدها، وسلمة الطفل الصغير أيضا في لحظة فقد أباه وفقد أمه.
تقول أم سلمة فكنت أخرج إلى الأبطح، الأبطح مكان في ظاهر مكة، فاجلس أبكي حتى أمسي، وظللت على ذلك سنة أو قريبا من سنة. فبعد مضي هذه المدة راها رجل من قومها، فذهب إليهم وقال لهم ألا ترحمون هذه المسكينة، فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها احنا بعد سنه من البكاء سبحان الله. قالت فجاءني قومي وقالوا لي إن أردتي أن تلحقي بزوجك فافعلي، ولما رأى ذلك رهط أبي سلمة ردوا عليها ولدها سلمة. قالت فاخذت بعيري وارتحلت وقلت اتبلغ بمن لقيت حتى أتي زوجي، يبقى هي كمان ستخوض الآن سفر في الصحراء وحدها طبعا تعرف يعني لعل كثيرا منكم ذهب إلى العمرة والحج ويعرف المسافه بين مكة والمدينة، وقلت اتبلغ بمن لقيت.
قالت فلما كنت بالتنعيم أيضا مكان في ظاهر مكة مشهور لقيت عثمان لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، فقال إلى أين يا ابنة أبي أمية؟ قالت أريد زوجي بالمدينه، قال وما معك أحد؟ قالت لا إلا ولدي إلا الله وولدي معي، فقال لها والله ما لك من مترك يعني لا يليق أن أتركك، فاخذ خطام البعير وسجل إحدى قصص النبل والمروءة والشهامة في تاريخ العرب. تقول أم سلمة فما صحبت رجلا أراه كان أكرم من عثمان بن طلحة، كنت كنا إذا قدمنا المنزل المنزل المكان الذي سينزلون فيه يرتاحون فيه قدم البعير ثم تاخر، قدم البعير أناخ البعير ثم تاخر يعني ابتعد وقال أنزلي فأنزل، فإذا نزلت تقدم فأخذ البعير وربطه بشجرة، ثم تولى في ظل شجرة فنام، فإذا قمنا قدم إلي البعير ثم قال اركبي، فإذا استويت وثم تأخر فإذا استويت راكبة جاء وأخذ بخطام البعير حتى قدمنا إلى المدينة. فلما رأت قرية خباء عند بني عمرو بن عوف قال إن زوجك بهذه المدينة فالقحي به.
طبعا هذه القصة في حد ذاتها تخبر بأمرين على الأقل. الأمر الأول هو صلابة العربي واحد في لحظة واخد قرار إنه هياخد مسافة بهذا الشكل في الصحراء بلا أجر ولمجرد النبل والمروءة صلابة وهذه صلابة يعني على الأقل أنا لا أعرفها في عصرنا الحاضر هذا أو المعاصر هذا إلا ما يحكى عن إخواننا الأفغان يعني من الأشياء التي تعجبت لها جدا حدثني أحد الأصدقاء يقول احنا كنا مشينا من كابول إلى كابول اللي هي العاصمة الأفغانية إلى الحدود الباكستانية مشيا قطعناها في ثلاثة أيام حتى وصلنا إلى الحدود الباكستانية، فوجدنا صديقا لنا عائدا إلى كابل فواحد من الثلاثة الأفغان اللي ماشيین معانا قال له طيب تعال ارجع معاك يعني ايه مشوار كده وهيتم، مشى معاه لمدة ثلاثة أيام، طبعا هذا كان بالنسبة لإخواننا العرب اللي بيحكوا لنا الموضوع ده عجيبة من العجائب ترجع ثلاث أيام تاني.
فهذه الصلابة هذه الصلابة تخبركم بهذا المعدن العربي الذي كان موافقا لنزول الرسالة عليهم كما ذكرنا في المجلس الماضي لأن هذا الدين دينه جهاد، دينه تكاليف، دين صبر، لا يصلح له المترفون، لا يصلح له الناعم، وإنما يصطفي الله له خيرة خلقه، يعني الموافق لهذا الطبع منهم.
والأمر الثاني هو هذا النبل وهذه المروءة أن رجل ينفرد بامرأة مسافة أسبوع فيكون معها على هذه السجية من الأخلاق، وهذا أمر لا يكاد يوجد في عالمنا المعاصر يعني الآن أنت إذا أتيت إلى يعني يندر من الناس في عالمنا المعاصر من إذا انفرد بامرأة مدة أسبوع أن لا تراوده نفسه أو لا يراودها عن نفسها، هذا شيء نادر جدا خصوصا في زمن يعني في بيئة كالصحراء ما فيش سلطة ما فيش رقابة. وهذا يا جماعة الخير أيضا كان من أخلاق العرب التي جعلتهم مؤهلين لنزول الرسالة، ونجد شبيها له حتى في أشعار العرب الجاهليين.
من المشهور في ذلك قول عنترة، عنترة هذا من الشعراء الجاهليين كان يقول عن نفسه: إني امرؤ سمح الخليقة ماجد لا أتبع النفس اللجوج هواها لا أمشي وراء نفسي في شهواتها وهواها، إني امرؤ سمح الخليقة ماجد لا أتبع النفس اللجوج هواها أغشى فتاه الحي عند حليلها يعني لا لا يمكن أن أقابل امرأة أو فتاه إلا إذا كان وليها موجودا أغشى فتاه الحي عند حليلها وإذا زا في الجيش لا أغش وأغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي ماواها ما سمت أنثى نفسها في موطن حتى أوفي مهرها مولاها وأجيبها أما دعت لعظيمه وأغيثها وأعف عما ساها هذا افتخار رجل من الجاهليين العرب تمام.
فلذلك حقيقة الانهيار الأخلاقي إذا أصاب أمة فهو يبعد بها عن مكارم الأخلاق، يبعد بها عن المناسبة للرسالة. ولاجل هذا يعني مشايخنا الذين كانوا خبراء في التربية وخبراء في العمل للإسلام، كانوا يقولون أنت دائما حاول أن تقيس الناس بمقياس أخلاقهم، ووضعوا لذلك تصنيف: هذا رجل ذو أخلاق إسلامية، وهذا رجل ذو أخلاق إنسانية، وهذا رجل ذو أخلاق جاهلية. الداعيه حين يدعو، أقرب من يدعو من الناس من كان ذا أخلاق إسلامية، ثم ما كان هذا أخلاق إنسانية. لكن من كانت أخلاقه جاهلية فهو أبعد أن يكون موافقا للرسالة، أبعد من أن يكون مستجيبا للرسالة. ولذلك نبينا قال الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا. وهذا الأمر يعني يذكرنا أيضا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم طبعا يا جماعة الخير أنتم تعرفون الزنا كبيرة.
من الكبائر ما في ذلك شك، لكن الزنا بالجارَة من أكبر الكبائر أخصَّ النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً في الصحيحين لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أكبر؟ فقال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك. قيل: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، وأدُ الأولاد خشية الفقر. قيل: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك.
فالإنسان حين يؤتمن على شيء يكون نقضه لهذا الأمان خرقاً لهذا الأمان أشد من الذنب العادي تمام.
فذهبت أم سلمة رضي الله عنها إلى يعني هاجرت على هذا النحو من التضحية سنة، وقد فرق بينها وبين زوجها وبين ولدها على هذا الحال، وترى في ذلك تضحية أبي سلمة، وأن الهجرة كانت أحب إليه من زوجه وولده، هو كان يستطيع أن يبقى، وترى فيها صبر أم سلمة التي ظلت سنة تبكي ولم تيأس، ولم يعني يخفت معنى الإسلام في نفسها، ولم تخفت معنى الهجرة في نفسها، فالهجرة كانت بلاءً جديداً وتضحية جديدة وامتحاناً جديداً للمسلمين، لم تكن أمراً هيناً ولا أمراً سهلاً.
وتعرفون أيضاً ما وقع لسيدنا صهيب صهيب الرومي في الهجرة لما خرج صهيب يريد الهجرة يعني لحقه أهل قريش وقالوا: جئتنا صعلوكاً لا مال لك والان تخرج من عندنا وقد أثريت، فقال: أرأيتم إن خلّيتُ لكم مالي أتتركوني؟ قالوا: نعم. قال: دونكم مالي فخذوه.
رجل تنازل عن ثروته كلها من أجل أن يهاجر، يعني يجب أن نستوعب يا جماعة الخير هذا المعنى، رجل تنازل عن ثروته كلها من أجل أن يهاجر، من أجل أن يصير فقيراً وغريقاً ومهاجراً، ولذلك يا جماعة الخير نحن حين نقرا هذه الأخبار وكما أعود وأكرر أنه ما ما نبتغيه في هذه السلسلة من السيرة هو أن نفهم الأحداث لا أن نسردها، يعني نحن حين نتأمول ما الذي جعل الصحابة يذهبون إلى التضحية في سبيل الهجرة يجب أن نتوقف وأن نتساءل، لماذا يضحي الواحد من أجل أن يهاجر؟
الأصل أن الهجرة تكون فراراً من الأذى أو تكون طلباً للمغنم، صح؟ لكن واحد يضحي، واحد موجود غني في مكة مستقر يضحي بثروته كلها من أجل أن يهاجر، طيب امرأة أخذت أهلها وأسكنها إلى جوارهم بدل ما هي رايحة الحبشه ورايحة المدينة يعني يعني امرأة عادت إلى أهلها بين إخوانها وأخواتها فهي تبكي لأنها منعت من الهجرة، لذلك يا جماعة الخير يعني يجب أن نعرف أنه مسألة إقامة الدولة الإسلامية هذه مسألة حيوية جوهرية مركزية يفهمها الصحابة، يعرفون أنها ضرورة، يعرفون أنها تستحق التضحية.
من أكثر الأفكار المسمومة التي تنتشر في واقعنا الآن فكرة الوطنية ورفع معنى الوطنية على الدين، هذه من أكثر الأفكار المسمومة الآن، وجوهر هذه الفكرة هو جوهر العلمانية تمام، يعني الدين لله والوطن للجميع، هذه هذه العبارة المسمومة التي تروج والتي يراد بها أن ينزل الدين في النفوس عن الوطن، لا، نحن نرى في هجرة النبي وأصحابه علو الدين عن الوطن، وعلو الدين عن الوطن بالمعنيين؛ معنى أنهم هاجروا من مكة إلى الحبشة لكي يفروا بدينهم، ومعنى أنهم هاجروا من مكة إلى المدينة لكي يقيموا دينهم ويقيموا دولة هذا الدين.
الآن تضخيم معنى الوطنية وتقديس الوطن في النفوس حتى يكون الدين أقل من الوطن ويكون الدين في خدمة الوطن هو حقيقة العلمانية، إيه يا جماعة؟ حقيقة العلمانية هو أن يخدم الدين الدولة، إن الدولة مالهاش دعوة بالدين، ده نوع من العلمانية، ده كده إيه؟ الدين صار كلا مهملاً، الدولة ستعطيك تصريح لبناء المسجد لكي تمارس فيه دينك، لكن من الذي يخضع لمن؟ المسجد خاضع للقانون الذي تصدره الدولة ولا الدولة خاضعة للقيم التي تقال في المسجد؟ المسجد خاضع لقانون الدولة.
طلعت بره المسجد فقد صرت عبداً للدولة من كل وجوهك، يحدثني أحد المشايخ يعني عن تجربة فكرية مر بها فيقول لي: أنا استغربت، نحن مسلمون في المسجد، أول ما نطلع بره المسجد نصير علمانيين، يعني احنا مسلمين في المسجد نصلي إلى جوار بعض المصري والسوري والتركي والسعودي والهندي، نطلع بره المسجد يصير هذا أجنبي وهذا لاجئ وهذا عنده إقامة وهذا مواطن ونتعامل، حتى الذين كانوا في المسجد وخرجوا صاروا يتعاملون بهذا المعنى أيضاً، فنحن مسلمون داخل المسجد علمانيون خارج المسجد.
طيب إذا أرادت الدولة أن تهدم المسجد عندنا، والله طريق سيمهد عندنا يعني مصلحة عامة ستمهد الطريق، يجب على المسجد أن يهدم ويرضى بالهدم ويضحي نفسه في سبيل المصلحة العليا للدوله، لكن ما يجبش على الدولة أنها إيه تدور لها على طريق ثاني ولا مهندس يحط لها مكان ثاني لا، وهكذا.
يعني ما أريد أن أطيل في هذا المعنى، العلمانية هي أن تنتج الدولة ديناً يخدمها، وأن يأتي الخطيب على المسجد فيعظم الوطنية، ويجعل الجهاد في سبيل الله جهاداً في سبيل الوطن، والموت في سبيل الله موتاً في سبيل الوطن، والذي يموت في حروب الدولة شهيداً سواء كان مسلما أو كان غير مسلم، يعني الآن تطلب الدولة من الدين أن يكون خادماً لها، فأول ما نتعلمه من معنى الهجرة أن الدين فوق الوطن وفوق القبيلة وفوق العشيرة وفوق العائلة، فالإاسلام فوق كل شيء، ولذلك نرى الناس جروا وهجروا أوطانهم وأهليهم وعائلاتهم وعشائرهم من أجل هذا الدين.
طيب الأمر الثاني، الآن لو النبي صلى الله يعني احنا لو تصورنا أن النبي صلى الله عليه وسلم يعني الهجرة، هذا الهجرة معنى يوضح لنا أن الإسلام بطبعه دين ودولة، دين ونظام، دين وحياة، والا لو كان الإسلام يا جماعه مجرد فكرة، مجرد طقوس، مجرد شعائر، ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم أن يهاجر من مكة، يعني لماذا يهاجر النبي وينتزع اقواماً من أهاليهم ومن قبائلهم ويذهبوا معاً إلى بلد غريب إذا كان الآي إذا كان الإسلام مجرد فكرة، مجرد طقوس، مجرد إذا كان الدين لله لماذا ننزع قوماً من أرضهم ودارهم ونلقي بهم في بلد غريب مليء بهذه المشكلات التي ذكرناها؟
لا يا جماعه، شوفوا لحظة الهجرة هذه لحظة تقف في حلوق العلمانيين لأنها لحظة تثبت أن الإسلام ليس مجرد طقوس وشعائر وعبادات، الإسلام نظام حكم ودولة، وهذا أمر في غاية الوضوح يعني نبينا صلى الله عليه وسلم كان قبل الهجرة نبياً رسولاً بمعنى الداعية المبلغ المعلم لمن آمن به، لكن بعد الهجرة صار النبي إيه؟ رئيس دولة، وصar قاضيها، وصار مفتيها، وصار منفذ شريعتها، وصار المقاتل في سبيل هذه الفكرة، النبي مش كان يقيم الحدود، يجمع الزكاة، ويرسل الجيوش، ويبعث البعوث، ويخوض معارك السياسة، يرسل سفراء، ويكتب الكتب للملوك.
يعني لو أن يعني الان يراد إقناعنا، يراد أن نقتنع نحن بأن الإسلام مجرد صلاة وصيام وزكاة وحج فقط على شرط الدولة وننسى ما كان النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته يفعلون.
طيب لما مات النبي صلى صلى الله عليه وسلم، النبي مات الصحابة من بعده كانوا يختارون من؟ كانوا يختارون نبياً؟ كانوا يختارون مين؟ يختارون خليفة رئيساً زعيماً يدير السياسة والاقتصاد والاجتماع، فالهجرة لحظة تقف في حلوق العلمانيين وفي حلوق كل من يريد تزوير الدين بأنه هذا الدين مجرد عبادات وشعائر فقط، بل أزيد على هذا وأقول حتى العبادات في الاسلام لا تتم بغير الدولة.
حتى العبادات يعني الصلاة من يقوم بأمر الصلاة؟ الصلاة من يقوم بأمر الصلاة إذا كانت إذا لم تكن هناك سلطة؟ يعني من الذي يبني أولاً المساجد؟ من الذي يكلف هذا بالأذان وهذا بالإقامة؟ من الذي يحفظ إقامة الصلاة؟
الزكاة أشهر يعني أظهر من ذلك، الزكاة ربما يخطر بالبال أنه الناس يستطيعون إقامة الصلاة وحدهم وهذا غير صحيح، والبلاد التي لا يوجد فيها قوم صالحون لا تقام فيها الصلاة وأحياناً المساجد تخرب فيها، لكن الزكاة هذا معنى أظهر، من الذي يجمع الزكاة من الناس يعني إذا لم تكن الدولة دولة إسلامية كيف يقوم ركن الزكاة؟ كيف لا يقوم؟ لا يقوم.
طيب ركن الصيام، من الذي يستطلع الهلال ويخبر الناس ومن الذي يراقب ألا يأكل الناس وألا يشربوا في نهار رمضان؟ طبعا أنتم عارفين أيضاً أنه من أحكام يعني من أحكام الإسلام معاقبة المجاهر بالفطر في رمضان، لكن من أحكام الدولة الوطنية الفطر في رمضان إيه؟ حرية شخصية، صح ولا لا؟ ما هو الدين لله تمام.
ولذلك طبعا حصل هياج فترة من الفترات حين يعني أصدرت دار الافتاء المصرية فتواها بأنه لا يجوز المجاهرة بالفطر في نهار رمضان، ده في ميزان الدولة العلمانية الحديثة تدخل في إيه؟ في الشؤون الشخصية واعتداء على الحريات الشخصية، صح.
الحج، كيف يقوم الحج إذا لم تكن هناك دولة تستطيع أن تمهد الطريق للحجاج وأن تؤمنه وأن تدير أمر الحج؟ يعني ما بقي في دولنا المعاصرة من آثار الإسلام إنما هو آثار دولة الإسلام، والا لو الإسلام ما فيهوش دولة خالص لاندثر الحج من قديم، ربما تحولت مكة إلى متحف سياحي يعني عادي يعني اللي عايز يزور واللي مش عايز يزور، يزورها المسلمون ويزورها الكفار وغير ذلك من الأمور.
القصد يا جماعة الخير أنه طبيعة الإسلام، طبيعة الإسلام نفسه تستلزم وجود دولة، طبيعة الإسلام تستلزم وجود دولة، السورة التي ذكر فيها كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ هي السورة التي ذكر فيها كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ هي السورة التي ذكر فيها كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ هي السورة التي ذكر فيها أمر الوصية كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حين الوصية الوصية لدين الأقربين تمام هي نفس السورة التي فيها آية الدين هي نفس السورة التي فيها آيات الطلاق وآية الخلع، كل هذا في سورة واحدة، ولذلك محاولة تجزئة الإسلام إلى أمور شخصية وأمور عامة هي كقول الله تعالى في نفس السورة أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ.
طبيعة الإسلام نفسه لابد أن يتجسد في دولة لابد، والامر الثاني يعني الآن الآن نحن نجيب على سؤال لماذا ضحى النبي وضحى المهاجرون كل هذه التضحية في سبيل إقامة دولة؟ رقم واحد: لأن هذه طبيعة الإسلام نفسه، الإسلام لا يكتمل ولا يقام كدين إلا أن كانت له دولة، بل كلمة دين يا جماعة في لغة العرب من معناها الدولة والحكم والنفوذ، تقرون هذا في سورة يوسف في قول الله تعالى كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ دين الملك يعني سلطة الملك حكم الملك نظام الملك، والا هو سيدنا يوسف أدخل أخاه في دين الملك الكافر؟ لا، هو أدخله في الحكم والنفوذ تمام.
رقم اثنين، الإجابة الثانية: لأنه هذه يا جماعة هي طبيعة الإصلاح، طبيعة التغيير، ذكرنا قبل ذلك ويجب أن أذكر وأكرر أنه الدولة، السلطة، الحكم هو أهم وسائل الإصلاح وهو أهم وسائل الإفساد، الدولة، الحكم، السلطة هي أهم وسائل الإصلاح وهي أهم وسائل الإفساد، الذين صلحوا وأصلحوا لم يستطيعوا أن يصلحوا إلا بدولة، والذين فسدوا لم يستطيعوا أن يفسدوا إلا بدولة، والناس على دين ملوكهم، تعبر عن ذلك شاعر يعني عن هذه الطبيعة الاجتماعية بقوله: إذا كان رب البيت بالدف ضارباً فشيمة أهل البيت كلهم الرقص، ينفع تلاقي رب البيت بالدف ضارباً وتلاقي أهل بيته متدينين ويقيمون الصلاة؟ ينفع أبدا؟ لا يمكن، لا يمكن، يستحيل.
وهذه يعني هذا مسألة أن الناس على دين ملوكهم يجب أن نتاكد ونتيقن من أنها من أظهر الطبائع الاجتماعية عند الناس يا جماعة الخير.
الشيوعية الشيوعية في أيامها أغلبكم لم يدرك هذا، الشيوعية في أيام نفوذها وقوتها كانت فكرة في غاية البريق في غاية التألق، وكان الذين يتاثرون بها الناس كانت تمشي في الشوارع تسب الله وتسب النبي صلى الله عليه وسلم وفي لحظات الهياج يمكن أن تمزق القرآن الكريم لأنها تحارب الرجعية، ده كان موجود في بلادنا نحن، في بلادنا نحن يعني مصر والشام والعراق والجزائر ليس في البلاد الكافرة يعني تمام.
أول ما انتهت الشيوعية وسقط الاتحاد السوفيتي كان الفكرة انقشعت وتبخرت، كان لم تكن هناك شيوعية، تبخرت.
والآن نحن نعاني من شدة ضغط الأفكار الغربية والسبب في هذا أن الغربيين يحكموننا حتى في يعني كلامنا عن الحرية الشخصية ويعني كل كلامنا يكاد تكاد تكون كل الأفكار التي نتكلم بها والتي نواجهها والتي نحاول تصحيحها ذات جذر غربي، أفكار غربية غالبة، وهنا أحب أن يعني أشير إلى كتاب جميل جداً في هذا المعنى، كتاب الشيخ إبراهيم السكران فك الله أسراره، كتاب له سماه سلطة الثقافة الغالبة.
ليه المسلمين بيتخانقوا على الحجاب والحجاب ده حرية شخصية ولا ولا فريضة دينية؟ ليه؟ لأن الجماعة الغربيين مش بيتحججوا حقيقه.
ليه بيتخانقوا عن الميراث والمرأة لها نصف الرجل والمرأة شهادتها نصف الرجل؟ ليه؟ لأن الجماعة الغربيين عندهم المرأة كالرجل.
ليه يا جماعة عندنا مشاكل مع العلمانية والدين، والدين لله والوطن للجميع، والدين داخل المسجد لكن الدولة مالهاش علاقة؟ علشان هذا هو وضع الغربيين، لا تكاد تجد فكرة مشتعلة في واقعنا المعاصر إلا وأصلها هذه الثقافة الغربية الغالبة.
والثياب التي نرتديها بما فيكم أنا، هذه ثياب من دي ثياب عربية احنا صنعناها يا جماعة ولا تسربت إلينا وشاعت وعمت علشان هي ثياب الغرب؟ علشان هي ثياب الغربيين تمام.
فطبيعة الناس، طبيعة الدنيا، طبيعة الحياة، أن السلطة، الحكم، النفوذ هو أهم وسائل الإصلاح وهو أهم وسائل الإفساد، وهذا معنى جاء في القرآن وجاء في السنة وجاء في كلام الصحابة وفي كلام التابعين وفي أشعار العرب، وتثبته ما لا يحصى من الدراسات المعاصرة، ذكرت طرفاً من هذا في مجالس سابقة ولا أحب الآن أن.
أكرره ومن ذلك قوله تعالى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا. متى دخل الناس في دين الله؟ بعد الفتح، بعد الفتح مش قبل الفتح؛ لأنه أحياناً أيضاً أحد الأفكار المسمومة التي اعتنقتبها بعض، يعني اعتنقها بعض الناس وضيعت علينا فرُصاً ثمينة، أنه يحدث أن يدخل الناس في دين الله أفواجاً أولاً ثم يأتي الفتح، هذا عكس طبيعة البشر، عكس حركة التاريخ. لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ. الفتح المذكور هنا هو صلح الحديبية في آية الحديد: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا. تعرفون لو أنه الفتح يحصل بكثرة الناس لكانت الآية معكوسة تمام.
ويعني أمور كثيرة كما ذكرت لكم، ذكرتها في مجالس ماضية وذكرتها حتى في غير سلسلة السيرة يمكن أن تعودوا إليها، فالقصد أنه طبيعة الإسلام نفسه أنه لا يقوم إلا بدولة، طبيعة الإسلام نفسه لا يقوم إلا بدولة، وطبيعة الإصلاح، طبيعة التغيير في حياة الناس لا تقوم إلا بدولة، والفساد الذي نحن فيه الآن لم يحدث إلا حين، حين انتهت الدولة الإسلامية وحكمنا من لا يعتنق الإسلام، يعني الآن الناس المتاثرين بالغرب ولا متاثرين بالعلمانية يا جماعة هم الغربيين جاؤوا إلينا وصاروا يدعوننا في المساجد والمقاهي ولا حكمونا واحتلونا، ثم صارت لهم الغلبة وبثوا فينا بعد ذلك الأفلام والمسلسلات والمسرحيات، غلبونا أولاً، غلبونا واحتلونا أولاً، ولما غلبونا واحتلونا نشروا فينا أفكارهم بهذا الشكل الناعم، لكن غلبونا واحتلونا أولاً. أنتم عارفين أبو العلاء المعري وهو يقول: أتونا بإقبال والحسام، حسام السيف فشد به زاعم ما زعم. أنت لما تلاقي واحد ماسك مسدس يقول لك والله أنا شايف كذا، هتقول له إيه اللي تشوفه حضرتك؟ عين الحكمة، صح ولا لا؟ أتونا بإقبال والحسام فشد به زاعم ما زعم، السلاح أعطى للفكرة قوة، تلوا باطلاً يعني قالوا كلام فاضي وجلوا صارماً ورفعوا السيف وقالوا أصَبنا، فقلنا نعم، حد يقدر يقول حاجة ثاني طالما فيها صارم في، طالما طالما جلوا صارماً يبقى إيه؟ انتهى.
وابن خلدون في مقدمته فصْله الشهير البديع: فصل في أن المغلوب مولع بالاقتداء بالغالب في زيِّه ونحلته وشعاره وسائر عوائده، ويقول: إنك ترى حتى الطفل يحاول تقليد أباه لما يرى في أباه من الكمال، وترى الناس، يعني ترى الناس يعني حتى الأطفال يلبسون زي الحامية، زي الجيش والشرطة لشعورهم بالغلب، عندهم الولد مش بيحب يطلع ظابط، بيحب يطلع طيار، ليه؟ يشعر بفطرته أنه هو ده العنصر المسيطر، هو هذا العنصر الغالب، وترى حتى طلبة العلم يحبون تقليد مشايخهم في هذا النوع من الغلبة العلمية، نعم. فيا جماعة الخير، طبيعة الإسلام نفسه إلا أنه لا يقوم إلا بدولة، وطبيعة الإصلاح والافساد والتغيير في حياة البشر لا تقوم إلا بالدولة، بالحكم، بالسلطان، فلذلك لم يكن يسع النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن يقيم الدولة الإسلامية، والا كان النبي بقي في المدينة ويقول اللهم بلغت، ونحاول أن نستكثر من أهل المدينة لغايه لما نكتر ونعمل انتخابات في قريش، صح؟ ينفع لو كان النبي بقي في المدينة 10 سنين تاني، أنا قلت في مكة، المدينة نعم، لو كان النبي بقي في مكة 10 سنوات أخرى ينتظر أن يكثر المسلمون ويحقق نسبة الـ 51% ويطالب بانتخابات رئاسية مبكرة؟
ولذلك على فكرة يعني كنت ذكرت لكم أنك لا تفتح كتاباً في السيرة النبوية إلا وتجد أن الفترة المكية أكثر في الكتاب من المدنية، أكثر من المكية، الأحداث في الفترة المدنية أكثر من الأحداث في الفترة المكية، بل في بقية السيرة النبوية، يعني النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى المدينة وهو عمره 53 سنة، عاش فيها 10 سنوات، الـ 10 سنوات دول الأحداث التي حصلت فيها أكبر من 53 سنة التي قبلها، يعني قامت دولة يا جماعة الخير، قامت دولة فصار للإسلام أخبار. لذلك بعض الناس، بعض الناس لا يفهم هذا، أنا يعني سالني أحد الاصدقاء مرة وخذنا نقاشاً طويلاً اختصره لكم الآن، يقول لي يعني أنت تتكلم بأمور لا توجد في كتب السيرة مثل هذا الذي نحكيه الآن، فكنت أقول له يا اخي الحبيب الكلام هذا لم يكن الأوائل والأقدمون يقولونه لأنه مفهوم بالفطرة، مفهوم بالطبيعة، يعني احنا الآن لو بعثنا قبل كده ألف سنة وجلسنا مع ابن إسحاق ولا مع ابن هشام ولا مع موسى بن عقبة رواة السيرة ولدنهم يا جماعة طب وليه النبي صلى الله عليه وسلم هاجر؟ مش طب ليه لما هاجر ما دخلش لاجئ سياسي واخد حرية الدعوة؟ طب ليه ما استناش في مكة وعمل انتخابات؟ لو احنا طرحنا عليهم هذه الأشياء كانوا ينظرون إلينا نظر من؟ من هؤلاء السفهاء ومن هؤلاء المجانين؟ هذه الأمور يفهمها الاقدمون بالفطرة بالسليقة، ولذلك هم يناقشون الأمور التي تستحق أن تناقش، احنا الآن في الدرك الأسفل من، احنا الآن عند خطوط الإسلام الأخيرة، اللي قاعد في درس عمال يبين معالم الإسلام الأولى وانه الإسلام دولة وانه الدين فوق الوطن وانه التغيير لا يتم إلا بالحكم هذه أمور ما كان الأولون يذكرونها لأنها مفهومة لديهم فطرة.
وبالمناسبة إذا كتب الله، وسيكتب، نحن ميعادنا بهذا، إذا كتب الله نصر هذه الأمة وبقيت مثلاً هذه الدروس وراها واحد بعد زمن النصر، كان هيقول مين الغبي اللي بيتكلم ده؟ وفي من، وفي من كان يتكلم، إيه، إيه الكلام اللي بيتقال ده؟ هذه مبادئ، مبادئ، إنما غابت عنا لما كثر فينا من التشويه والتشويش، مبادئ أن الدين يحتاج إلى دولة، هذا أمر كان الاقدمون يتوقفون عنده وتجد بعض الناس حتى منسوبين إلى، إلى المشيخة يقول لك يا اخي أنا أنتقد والله على كتاب السيرة وعلى علمائنا الأقدمين أنهم كانوا يسمون سيرة النبي المغازي، هذا يعني يعطي صورة سيئة عن المسلمين وكانه سيرة النبي كانت كلها حروب وغزوات، عايز تقول له يا اخي اقعد، اقعد على جنب والله اقعد ساكت، التاريخ هو سيرة الحروب، التاريخ هو الحروب يا جماعة، الحروب هي التي تصنع الدول، والحروب هي التي توسع الدول، والحروب هي التي تسقط الدول، وكل ما كان من شأن العمارة والححضارة والنمو والنهضة والبنية التحتية كل هذا على هامش التاريخ صراحة، فالعالم القديم حين كان يسمي سيرة النبي المغازي كان يعبر عن حقيقة، ولم يكن يرد على ذهنه هذا الإشكال الذي يطرحه المعاصر المعاصر المهزوم، يعني هذا الذي ينتتقد أن سيرة النبي صار اسمها المغازي يعيش في التمكين ولا يعيش في الهزيمه؟ يعيش في الهزيمه ومهزوم نفسياً داخل الهزيمة المعنوية وخايف من أن يقال الإسلام انتشر بالسيف، هو طبعاً الإسلام لم ينتشر بالسيف بس هو خايف، فلاجل هذا يروح ينتقد على الناس الذين كانوا ممكنين وما كانش عندهم خجل نفسي وهم يشرحون الإسلام ولذلك لم يكن لديهم أزمة أن يسموا حياة النبي المغازي، هذا كلام المهزومين المعاصرين مع الأسف الشديد.
أعود فأقول: إذا لم نفهم هذا، لم نفهم لماذا ضحى أبو سلمة بزوجته وولده من أجل أن يذهب إلى الدار التي تقام فيها دولة الإسلام، ولم نفهم لماذا ضحى صهيب الرومي بكل ثروته من أجل أن يذهب إلى الدار التي تقام فيها دولة الإسلام، ولماذا انتزع النبي صلى الله عليه وسلم نفسه وانتزع صحابته من بيوتهم ومن أهليهم ومن قبائلهم إلى الدار التي ستقام فيها دولة الإسلام وخاضوا هذه المغامرة القاسية ودخلوا على هذا العالم وهذا المجتمع الشديد التمزق والتفرق من أجل أن يقيموا دولة الإسلام. المعنى كما ذكر فضيلة سيدنا وشيخنا الحبيب الشيخ حازم أبو إسماعيل فك الله أسره، أدركوا اللحظة الفارقة، أدركوا اللحظة الفارقة طالما وجد الناس الذين يستعدون للدفاع عن هذه الدولة وطالما وجدت الفرصة فالآن تقوم دولة الإسلام مهما كانت المشكلات التفصيلية الأخرى، مهما كانت المشكلات الاجتماعية ومهما كانت المشكلات الاقتصادية ومهما كانت المشكلات السياسية، كل هذا يحل يحل بالتدريج، لكن الإقامة إقامة الدولة لا تكون بالتدريج، إقامة الدولة فرصة، تطبيق الشريعة بعد ذلك يتم بالتدريج الذي ينتظر أن تتهيا له الظروف وتتهيا له الرجال وتتهيا له البلاد لكي يقيم الدولة هذا سيموت منتظراً، سيموت منتظراً. لذلك يا جماعة الخير، الهجرة كانت لحظة فارقة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم بل كانت فارقة في حياة الدنيا، وأنت ترى على شدة تعلق المسلمين بنبيهم صلى الله عليه وسلم حينما أرادوا أن يتخذوا تاريخاً لم يتخذوا لحظة مولده ولا لحظة بعثته ولا لحظة وفاته، اتخذوا لحظة هجرته؛ لأن الهجرة هي مولد الأمة، مولد الدولة الإسلامية، يعني سيدنا عمر وصحابة النبي صلى الله عليه وسلم على شدة حبهم للنبي إنما فهموا أن التاريخ الذي، الذي هو تاريخ الإسلام بدا بلحظة إقامة الدولة الإسلامية، تمام واضح يا جماعة الخير؟
طيب، بدأ، بدأ الصحابة رضوان الله عليهم يتبعون إلى المدينة إرسالاً وكانوا يهاجرون خفية واستأمنوا من قريش، وما ورد من أن سيدنا عمر رضي الله عنه جاء إلى اهل مكة ويعني تحداهم وقال: من أراد أن تسكله أمه أو يتم ولده فليأتني خلف هذا الوادي، هذه رواية ضعيفة، والصحيح أن سيدنا عمر هاجر سراً أيضاً، تمام. فالمسلمون كانوا يهاجرون سراً ويستخفون بهجرتهم من قريش، وقريش كانت تتتبع المسلمين وتحاول أن تدركهم في الطريق، نحن ذكرنا الآن حادثة أبي سلمة وذكرنا حادثة صهيب الرومي، وسياتي معنا بعد ذلك أن أبا جهل تتبع أخاه، أخاه الذي هاجر مع سيدنا عمر رضي الله عنه إلى المدينة وقال له: إن أمك قد نذرت على نفسها ألا يمسها الماء ولا تستظل من حر، أو ألا تستظل من شمس حتى تراك، هذا عياش بن أبي ربيعة، وحبس أخاه الآخر سلمة بن هشام، عياش بن أبي ربيعة كان أخاه من أمه، سلمة بن هشام كان أخاه، والعاص بن هشام أخو، وهشام بن العاص أخو سيدنا عمرو بن العاص ممن حبسهم المشركون أيضاً. يعني القصد يا جماعة الخير المسلمون يهاجرون سراً وقريش تتتبع المهاجرين.
طيب وهنا سؤال آخر يجب أن يسأل أيضاً، وهو سؤال يسأل في عصر الهزيمه لم يكن الأوائل يسالونه ولا يقفون عنده، ما الذي يجعل قريشاً حفيّة ومهتمة بالقبض على المسلمين المهاجرين؟ طب مش الجماعة دول جماعة إرهابيين وعاملين لكم مشاكل وعمالين تعذبهم، طب سايبين البلد وماشيين ليه؟ حاطط اسمه على قائمة ترقب الوصول ولا قائمة المنع من المغادرة؟ مش المفروض كده يا جماعة ولا إيه؟ يعني منطق العقل، منطق العقل الحقوقي القانوني الجميل المعاصر، ولو أنه هذا ليس عقلاً، يقول إيه؟ إلى حيث ألقَت رحلها، اه، صح ولا لا؟ لكن طيب فرعون دلوقت، فرعون سيدنا موسى قال: أترذ موسي وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك؟ قال سنقتل أبناءهم ونستحي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون، وقال فرعون: ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ، وقال: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى، وبعدين قال إيه؟ قال: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّ لَحَامِذُونَ لَحَافِظُونَ، مش كده؟ فرعون كان عنده مواطنة، كان عنده وطنية.
لما موسى قال له: أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ يا عم الجماعة اللي تاعبينك دول أنا واخدهم وماشي، عمل إيه بقى؟ قال لك: إزاي الوطن والوطنية؟ إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ يا راجل بقوا مواطنين دلوقتي وكاملين مواطنية ومش حابب إن هما يطلعوا بره الوطن ولا يفقدوا الجنسية المصرية الفرعونية؟ بقوا يطلعوا من أرضهم! ولما أسرى بهم موسى، قال: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ. يعني منتبهة وأجهزة الأمن قايمة بدورها على خير وجه، صح ولا لا؟
طيب، الآن هذا يجب أن تفكر، لماذا تحرص هذه الجاهليات على ألا تسمح لمن آمنوا بالخروج من ظلها ومن سلطتها؟ وكما قلت لكم، هذه من الأسئلة يعني بين قوسين الغبية، لكن مضطرين نطرحها ونجيبها في زماننا هذا الذي كثر فيه التشويش؛ لأنه يا جماعة الخير إقامة دولة الحق هو الخطر الأكبر على دولة الباطل، إقامة دولة الحق هو الخطر الأكبر على دولة الباطل، وهذا ما يعرفه أهل الباطل أكثر مما يعرفه أهل الحق مع الأسف الشديد، مع الأسف الشديد، مع الأسف الشديد. تجد جمهرة من المشايخ ومن المسلمين ومن الإسلاميين يقول لك: نحن لسنا طلاب سلطة ونحن لا يهمنا نحكم ولا ما نحكم، يعني هذا الكلام الكثير، ما أريد الآن أن أدخل في يعني في إشارات داخلية، لكن الباطل يعرف إقامة دولة لأهل الحق، هذا هو الخطر الأعظم والخطر الأكبر والتهديد الكبير، ومع الأسف الوقت انتهى، نبدأ إن شاء الله في المجلس الماضي، في المجلس القادم ببيان هذا الخطر الذي تمثله إقامة الدولة الإسلامية، ثم نتابع هجرة نبينا صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنوره. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحياء جيل على خطى السابقين.
محمد إلهامي