السلام عليكم ورحمة الله.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا. اللهم اجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين.
مرحباً بكم أيها الأحباب، طبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً. نسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا في هذا المسجد على طاعته أن يجمعنا في جنته ومستقر رحمته ودار كرامته.
وهذا هو المجلس السادس من مجالس السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. وقبل أن أبدأ هذا المجلس أحب أن أذكر نفسي وإياكم، ففي مثل هذا اليوم ارتقى شهيداً رجل من أعلام الأمة الإسلامية ومن كبارها ومن عمالقتها، وهو الشيخ الشهيد سيد قطب رحمه الله. أعدم في مثل هذا اليوم ٢٩ أغسطس ١٩٦٦.
ومن رأى ونظر كيف انتهى حال الشهيد في زمانه وكيف كانت تنشد الأغاني في وقته؛ كان الأطفال يصيحون في الشوارع: بكره العيد وهنعيد وهندبحك يا شيخ سيد. وذكر الشيخ الشهيد عبد الله عزام رحمه الله أنه كان في جنين، فكان في يوم إعدام سيد قطب اقتحم بعض الشيوعيين مقر الجمعية الإسلامية التي كانت في جنين وألقوا الكتب الإسلامية بما فيها المصاحف من النوافذ.
فحقيقة حقيقة يعني هذه الدنيا هذه الدنيا؛ قال ربنا تبارك وتعالى: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ. فالمفسرون وقفوا عند هذه الكلمة: كيف يقول الله تبارك وتعالى ننصر رسلنا في الحياة الدنيا رغم أن بعض الرسل قتلوا؟ ألا تسمعون قول الله تعالى: كُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ فَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ.
فبعض العلماء ذكر أن نصرة الرسل تكون بظهور حجتهم في الدنيا، ظهور دينهم في الدنيا. يعني الآن ما زلنا نتدارس قصة سيدنا موسى وقصة سيدنا عيسى وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس وسائر المرسلين رغم أن الذين انتصروا عليهم فقتلوهم أو هزموهم هؤلاء لا يعرفهم الناس الآن، فهذا من نصر الله لرسله فين؟ في الحياة الدنيا، فوق نصره لهم إن شاء الله يوم يقوم الأشهاد.
فالآن حين تسترجع اللحظة التي أعدم فيها الشهيد سيد قطب وترى كيف كان عبد الناصر كان حقيقة يعني يقترب أن يكون معبود الناس في ذلك الوقت، لعل بعض مشايخنا من أساتذتنا يدرك ذلك الزمن وكيف هو الآن، وكيف صار إرث الشهيد رغم تجريم كتبه في كل العالم العربي تقريباً إلا أن كتبه ما تزال هي الأكثر طباعة ورواجاً وانتشاراً.
فلذلك أقول: ما يحدث الآن وما نراه الآن من علو الباطل هذا أمر طارئ، وإنما ينصر الله تبارك وتعالى الذين قاموا برسالته في الحياة الدنيا بررفع ذكرهم حتى بعد انقضاء أجلهم، ويوم يقوم الأشهاد. وقد يشهد الله بعض عباده النصر، قال تعالى: فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مَّقْتَدِرُونَ فَاسْتَمْسِك بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ. صدق الله العظيم.
ثم ندخل إلى المجلس، مجلس السيرة النبوية. توقفنا في المجلس الماضي وذكرنا نحن الآن في السنة الثالثة للهجرة بعد قيام الدولة الإسلامية، وذكرنا أننا سنقسم السنة الثالثة للهجرة إلى قسمين: قسم ما قبل غزوة أحد وقسم ما بعد غزوة أحد. لماذا ذكرنا؟ لأن الحروب هي مفاصل في التاريخ الإنساني، دائماً الحروب هي مفاصل مراحل في التاريخ الإنساني، يعني خلاصة تاريخ كل دولة هو تاريخ حروبها.
ولذلك ذكرنا أن كل أمة كل دولة تبدأ بحرب وتنتهي بحرب، لدينا حرب تأسيس، حرب تحرير، حرب استقلال، ولدينا حرب نهاية، حرب سقوط، حرب زوال. والحروب هي مفاصل، فلذلك غزوة أحد جعلناها فارقا في العام الثالث. وقلناها: طيب ما قبل العام الثالث، ما قبل غزوة أحد في العام الثالث قسمناه أيضاً إلى ثلاثة أقسام؛ ذكرنا الأعمال العسكرية، الغزوات والسرابا، ده قسم. القسم الثاني هو ما نسميه العمليات الخاصة، هذا الأمر الذي يحبه المغامرون ومن يحبون أخبار المخابرات، العمليات الخاصة. والملف الثالث هو ما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم من الأمور الاجتماعية.
ففي المرة الماضية تكلمنا عن الملف العسكري، ذكرنا أنه كان قبل غزوة أحد في العام الثالث للهجرة غزوتان وسرية؛ غزوة ذي أمر، غزوة بحران، وسرية زيد بن حارثة إلى القردة، تمام؟ ومن فاته التفصيل يرجع إلى الحلقات على اليوتيوب.
والآن نفتح ملف العمليات الخاصة. طيب، هذه العمليات الخاصة ذكرنا أنه هذا الأمر يحبه الذين يقرأون في العمليات الأمنية وعمليات المخابرات وما شابه، لدينا هنا أربع عمليات خاصة قام بها الصحابه رضوان الله عليهم لإسقاط بعض أعداء النبي صلى الله عليه وسلم.
ولكي نفهم هذا الأمر بشكل جيد يجب أن نقول: الآن يا جماعة الخير نحن في عالمنا المعاصر نرى ونفهم سطوة الإعلام وشدة الإعلام وكيف أنه الإعلام لو تسلط على حق جعله باطلاً أو لو تسلط على باطل جعله حقاً. والمفترض إحنا في تركيا الآن مجموعة من اللاجئين ممن يعني دفعوا أثمان إخفاق ثورات في بلادهم، فرأينا بأم أعيننا كيف استطاع الإعلام تهييج الناس وتحريضهم على بعضهم حتى فسد ما بين الأخ وأخيه، وما بين الأب وابنه، وما بين الجار وجاره. يعني العشرة التي تدوم عشرين سنة وثلاثين سنة تستطيع الحملة الإعلامية فعلاً أن تدمرها، هذا حق، دي هذه طبيعة؛ لأنه ما تكرر تقرر، ما تكرر تقرر. والمثل المصري يقول: الزن على الودان أقوى من السحر، هذه حقيقة.
طيب، كيف كان الإعلام في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؟ الشعراء. الشعراء هم وسائل الإعلام التي كانت موجودة في ذلك الزمن، العرب يحبون الشعر، والشاعر فيهم كان بمثابة قناة فضائية تمام، فلذلك القبيلة كانت تحتفل إذا ولد فيها شاعر لأنه صار لديها إيه جهاز اعلامي، وزارة إعلام، لسان. والقبيلة تحزن وتنزل بها النكبة إذا مات فيها الشاعر أيضاً تمام. وذكرنا قبل ذلك بيت جرير وهو يرثي الفرزدق غريمه، فقال في مقال: عمري لقد أشجى تميماً وهدها على نكبات الدهر موت الفرزدق. شوف قبيلة تميم الكبيرة دي نكبت لما مات مين؟ شاعرها الفرزدق تمام.
فالعرب كانوا يحفظون الشعر وكانوا يتناشدونه، وكان البيت الواحد ربما رفع قبيلة ووضع قبيلة تمام. لذلك لما سأل عبد الملك بن مروان عن أهجى بيت قالته العرب، فقال الأعرابي: بيت جرير (فغض الطرف إنك من نمير فلا كعباً بلغت ولا كلابا). فكل الناس بتوع قبيلة نمير دول إيه انحطوا بهذا البيت، لأنه صار كلما افتخر فيهم أحد جبهه خصمه بقوله: فغض الطرف إنك من نمير فلا كعباً بلغت ولا كلابا، تمام؟ طيب.
وربما رفع قبيلة، ويعني هذا أمر لا أطيل بذكره في يعني من كان مهتماً منكم بالأدب وجد في هذا الشان أنباء كثيرة، لكن الخلاصة يا جماعة الخير: الشاعر في ذلك الزمن كالقناة الفضائية المحترفه في زماننا هذا، وأنتم عارفين الآن في بعض الدول ليس فيها أي قوة إلا القناة الفضائية التي عندها، جميل. فكان من أشد الناس على النبي صلى الله عليه وسلم شاعرة اسمها عصماء بنت مروان الخطمي من قبيلة بني خطمة. هذه الشاعرة اجتمع فيها أنها شاعرة أنثى وأنها شاعرة، فكان لا يستطيع بنو خطمة الدخول في الإسلام لما يتخوفونه من شعر عصماء بنت مروان. كفاءة، إمكانيات، متصور؟
ما بنو خطمة لم يسلم فيهم إلا الأفذاذ خوفاً من لسان عصماء بنت مروان. فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بدر، انشدت هذه قصيدة تحرض فيها على النبي صلى الله عليه وسلم وتستبشر فيه أنه لن يعود، هو طبيعي ٣١٣ خرجوا إلى قافلة فوجئوا بجيش قرشي من الألف، هذه لحظة تمناها كل من عاد النبي صلى الله عليه وسلم تمام. فلما أنشدت، خرج رجل أعمى من بني خطمة اسمه عمير بن عدي، وبعض كتب السيرة تقول إن اسمه غشيمر بن عدي لكن الأشهر عمير بن عدي، فنذر لله تبارك وتعالى أنه إن رد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ليقتلنها.
طبعاً كلاهما خطميان يعني منازلهما متجاورة قريبة، فلما عاد النبي صلى الله عليه وسلم دبر هذا الرجل اغتيال عصماء بنت مروان هذه وكان أعمى، فتقول الرواية: فإن يعني أنه دخل وتسلل إلى بيتها بالليل حتى تحسسها فوجدها مضطجعة وكانت ترضع ولداً لها فأزاحه، ثم اتكأ على سيفه فقتلها وخرج إلى صلاة الصبح.
فلما راه النبي صلى الله عليه وسلم قال النبي: قتلت ابنة مروان؟ قال: نعم يا رسول الله. قال: نصرت الله ورسوله يا عمير. قال: يا رسول الله هل علي فيها من شيء؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا ينتطح فيها عنزان. بالكلمة المصرية: في داهية يعني، أو مالهاش دية يعني تمام. لا ينتطح فيها عنزان، وهذه الكلمة من النبي صلى الله عليه وسلم صارت مثلاً من أمثال العرب لم تسمع من أحد قبل النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: من سره أن ينظر إلى رجل نصر الله ورسوله بالغيب فلينظر إلى عمير بن عدي. فكان سيدنا عمر يتعجب منه أنه كان أعمى ثم فعل هذا وبغير تكليف من النبي صلى الله عليه وسلم، هذا رجل انبعث من تلقاء نفسه لقتل من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهجته وحرضت عليه تمام.
الرواية هنا تقول: فمنذ ذلك الوقت فشا الإسلام في بني خطمة. القناة الفضائية التي كانت إيه تمنع انتشار الإسلام في بني خطمة قد انتهت. فلك أن تعرف خطورة اللسان وخطورة الإعلام في هذا الأمر. طيب، فهذا الأمر الأول.
طبعاً مما يلفت النظر في هذه في هذه العملية الخاصة أنه صاحبها أعمى، والاصل أنه الاعمى معذور، فتحفظون جميعاً قول الله تعالى: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ. إلا أنه كان يحتوي وينطوي على نصرة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، لم يقعده معه ما كان فيه من العجز والعذر. ونحن حين نتامل في أمثال هذه الأمور نتذكر دائماً الذين جاهدوا وهم معذورون، بداية من سيدنا عبد الله بن أم مكتوم إلى الذين نراهم الآن في غزة وهم يجاهدون، وبعضهم بقدم واحدة وبعضهم بذراع واحدة وبعضهم ما يزال جريحاً، هذه نماذج لمن عذرها الله تبارك وتعالى ولكنهم لم يعذروا أنفسهم واستنفذوا جهدهم في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم.
طيب، سناتي بعد ذلك إلى بعض الدروس، ولكن قريب من هذا أيضاً رجل اسمه أبو عفك اليهودي، وهذا رجل قتله سيدنا سالم بن عمير. أبو عفك هذا كان رجلاً شيخاً يهودياً كبيراً جاوز المئة عام، يعني قناة عريقة، قناة عندها خبرة إعلامية، تخيل مئة عام من الخبرة في أشعار العرب ومن قول الشعر تمام! فهذا الرجل أيضاً كان من بني عمرو بن عوف، فانبعث له سيدنا سالم بن عمير وهو يقول: علي نذر أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه، فقتله أيضاً.
رجل ثالث هذا قتله رجل يسمى سيدنا محيصة بن مسعود. محيصة بن مسعود هذا من يهود بني حارثة. النبي صلى الله عليه وسلم بعد العوده من بدر قال (وهذا رواه ابن إسحاق في السيرة، هذا الذي أذكره رواه ابن إسحاق في السيرة): من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه. يقصد النبي صلى الله عليه وسلم من رجال يهود الذين يقيمون على هجاء النبي صلى الله عليه وسلم وعلى التحريض على المسلمين. لماذا فهمنا ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم؟ لأنه سياتي في آخر الرواية تفسير لذلك.
طيب، الذي حصل هنا أن أبا عفك هذا كان حليفا لرجل يسمى حويصة بن مسعود. يبقى حويصة حليف أبي عفك، الذي انبعث لقتله من؟ أخوه محيصة بن مسعود أخوه الأصغر. فلما قتله جاء الأخ الأكبر مندهشاً ومتعجباً، وقال: أقتلته؟ والله لرب شحم في بطنك من ماله! مفهوم الكلام يعني إيه؟ هذا صديق ومقرب ونحن حلفاء، ويتبادلون الأموال والأطعمة، فيستغرب يقول: أقتلته؟ لرب شحم في بطنك من ماله!
فسيدنا محيصة يقول له: أي والله قتلته، ولو أمرني الذي أمرني بقتله بقتلك لقتلته. حرب أهلية تمام يعني أزمة في البيت! الرجل مندهش من أنه قتل رجلاً كان صديقاً، ففوجئ بأخيه الأصغر يقول له: لو أمرني الذي أمرني بقتله بقتلك لقتلتك. اندهش، اندهش وقال له: أبالله لو أمرك محمد بقتلي لقتلتني؟ قال: أي والله لو أمرني بقتلك لقتلتك. قال: إن ديناً بلغ بك هذا الأمر لعجيب. فأسلم حويصة.
أسلم أخوه الأكبر مما يرى من أثر هذا الإيمان في أخيه الأصغر. والله يا جماعة الخير ولعلكم رايتم هذا في حياتكم، الثبات في حد ذاته الثبات، ثبات المؤمن على إيمانه وعلى موقفه مما يؤدي إلى الإيمان. وأقول هذا أيضاً في زمن الطوفان الذي نحن فيه، وأنتم ترون كيف أن كثيراً من الكفار في المشرق والمغرب أسلموا ودخلوا في الإسلام لما يرونه من ثبات أهل غزة. بالتاكيد مر عليكم مثل هذا كثيرة، قوة الإيمان والثبات هو أهم وأقوى وأوضح دليل يتسرب إلى المعاند والمخالف.
يعني تذكرون في بدايات السيرة النبوية لما جاء أبو طالب يحاول أن يضغط على النبي صلى الله عليه وسلم ويقول له: لا تحملني وقومك ما لا نطيق. فقال له يا عم -وذكرنا الرواية الضعيفة-: لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يبلغه الله أو أهلك دونه ما تركته.
هذه قلنا إنها لفظ ضعيف، لكن اللفظ الصحيح الحسن منها قال: أترون هذه الشمس؟ قالوا: نعم. قال: ما أنا بقادر على أن أدعى هذا الأمر منكم على أن تستشعلوا منها بشعلة، يعني لو عرفتم تجيبوا شعلة من الشمس أنا لا أستطيع أن أترك هذا الأمر. فعندئذ قال أبو طالب: امضي يا ابن أخي لما أمرك الله، فوالله لا أسلمك ولا أخذلك أبداً.
معنى الثبات معنى مهم، وهناك كتاب لا أدري إن كان يُطبع الآن أو لا يُطبع، كان اسمه التائبون أو سلسلة التائبين. أذكر أن من أول القصص التي قرأتها فيه قصة الجندي الذي أعدم الشهيد سيد قطب، كيف أنه لما رآه ثابتاً عند أعدامه تاب لما يراه من ثباته. فمسألة الثبات هذه مسألة كبيرة جداً، لا تستهينوا بها. وكما ذكرنا لكم، قد أدت إلى إسلام هذا الأخ الذي انتقل مباشرة من المفاجأة بأنه قتل حليفه إلى أنه قد أسلم.
طيب، وبعد ذلك جاء أهل هذا الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له يسألونه عن حقهم فيه. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم إنه لو فر كما فر من كان على مثل رأيه مغتيل، ولكنه نال منا الأذى وهجانا بالشعر، ولم يفعل هذا أحد منكم إلا كان السيف صلى الله عليه وسلم.
طيب، ثم ناتي إلى العملية الكبرى، هذه العملية الأشهر بقى، وهي عملية اغتيال كعب بن الأشرف. من كعب بن الأشرف؟ كعب بن الأشرف هذا هو عربي من بني نبهان من طيء، وهذا الرجل كان أبوه قد أصاب دماً في الجاهلية، أصاب دماً في الجاهلية يعني قتل رجلاً، ثم انحاز إلى قبيلة عربية فدخل في جوارها. فأبوه هذا انحاز إلى بني النضير الذين هم قسم من يهود المدينة، فأت المدينة، انحاز إليهم، أقام عندهم، شرف فيهم، تزوج منهم، تزوج عقيلة بنت أبي الحقيقي، يعني بنت واحد من زعمائهم، وأنجبت له كعباً.
صاحبنا هذا، طبعا هو ليس لنا بصاحب يعني، ولكن أقول الذي نذكره في هذه القصة، وكان كعب رجلاً تاجراً عظيم الهامة، جسيماً، ثرياً، وكان له حصن إلى خلف ديار بني النضير. يعني بالمصطلح المعاصر -بعيداً عن هذا الكلام الفصيح الجزل- الرجل غني، ثري، شاعر، جسيم، بطل، هامة، غنياً موسراً، وكمان عايش في فيلا لوحده أو في كومباوند لوحده، له حصن ومقاتل شجاع، لا شك تمام.
طيب، هذا الرجل كعب بن الأشرف دخل في عقد أهل المدينة، كما تكلمنا قبل ذلك في مسألة الوثيقة. طبعا نحن تكلمنا في مسألة الوثيقة، وما حد فيه النبي صلى الله عليه وسلم من الحدود والواجبات والحقوق، ومنها طبعا ألا تجار قريش ولا من ناصرها، وأن أهل هذه المدينة يعني ما في هذه المدينة جوفها حرام لأهل هذه الصحيفة، وأمور هي كما ذكرنا أقل ما يطلب أي نظام من الأقلية التي تعيش فيه، أن الأقلية التي تعيش فيه لا تتامر عليه، لا تسهل دخول الأعداء إليه، لا تحرض عليه.
طيب، كعب بن الأشرف أيضاً كان من هؤلاء الناس الذين رجوا وتمنوا أن يهلك المسلمون في غزوة بدر. فلما انتهت غزوة بدر على هذه النتيجة العجيبة جداً؛ أن المسلمين انتصروا على هذا الجيش الكبير من الكفار، بل وقتل كل قادة هذا الجيش الكبير تقريباً، لم يمسك كعب بن الأشرف نفسه، فبدا يظهر منه الغدر. قصة كعب بن الأشرف على وجه من التفصيل مروية في البخاري ومسلم، لكن عند أحمد في المسند، وكذلك روى البيهقي، وبعض ما رواه ابن إسحاق في السيرة تزيد في تفاصيلها. فمجمل هذه التفاصيل مما يمكن أن نجمع به المرويات كالاتي:
ابن الأشرف كأنه لم يطق أن يعيش في المدينة بعد هزيمة قريش، فخرج إلى مكة كما في رواية البيهقي وقال: أعتزل هذا الرجل فلا أقاتله ولا أعين عليه. يبقى بدايه الصدمة دخلته وهدته على أساس أنه لا يطيق أن يعيش إلى جوار هذا الرجل، ولكنه سيعتزل هذه المعركه. لكن لما ذهب إلى مكة وجد مكة تمور بالثأر. ذكرنا كيف كان أهل مكة، وكيف أنهم منعوا البكاء، وكيف أنهم حجزوا أموال القافلة، فوجد مكة تمور بالثأر، فدخله الشيطان فصار يقول الشعر في رثاء أهل بدر. ومن قرا منكم شعره في رثاء أهل بدر، كان شعرا جميلا حقيقه. يعني ولو حاولنا أن نشبهه الان، فأنت اعتبر نفسك أمام برومو مثلا، وعندك موسيقى تصويرية بتجيب لك بقى صور أبو جهل وهو بقاتل وهو يكرم الناس، زي ما أنتم عارفين يعني ما تفعله وسائل الإعلام الآن.
فهذا الرجل استثار بشعره، زاد في استثارته بشعره أهل مكة، وكان شعره يصل إلى المدينة تمام. ولما ساله أبو سفيان، أبو سفيان ساله باعتبار أنه يهودي أهل كتاب: أينا أحسن ديناً نحن أم محمد؟ فقال له: أنتم أهدى من محمد سبيلا. فيقول بعض المفسرين فيه نزل قول الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا. تمام.
فسلط عليه النبي صلى الله عليه وسلم الجهاز الإعلامي الإسلامي سيدنا حسان بن ثابت. فسيدنا حسان بن ثابت كلما سمع أن كعب بن الأشرف نزل عند قوم من قريش هجاه، فصار لا يستقر له قرار عند أحد من قريش، لأن هؤلاء أيضاً يخشون ما يقوله حسان بن ثابت، فصار يطرد من المجالس، فلم يستقر له قرار بمكة.
فعاد إلى المدينة، ويبدو أنه ظن أنه يستطيع من خلال المدينة أن يقدم مثلاً بعض الخدمات، أو أنه سيكون آمناً ومحصناً في حصنه. احنا قلنا كان عنده إيه بمصطلحنا المعاصر؟ فيلا لوحده ولا كومباوند لوحده؟ فكان في حصنه معروف، حصن كعب بن الأشرف ما تزال بعض بقاياه موجودة حتى الآن.
فعاد مرة أخرى إلى المدينة، لكنه لما عاد إلى المدينة صار يشبب بنساء المسلمين. يشبب يعني يتغزل بنساء المسلمين، فممن من أول من تغزل بهن؟ أم الفضل زوج العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال فيها شعراً سيئاً. تمام. وبعض الروايات كما ذكرناه يذكر أنه تشبب بنساء المسلمين أيضاً حتى في المدينة، يعني لم يقتصر على أم الفضل فقط، ولكن حتى بنساء المسلمين في المدينة.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من لي بكعب بن الأشرف، فانه قد أذى الله ورسوله؟ فقام محمد بن مسلمة، سيدنا محمد بن مسلمة الأنصاري، الصحابي الوحيد اللي كان اسمه محمد وكان أنصارياً، محمد بن مسلمة وقال: يا رسول الله، أقتله؟ قال: نعم. قال: أذن لي أن أقول شيئاً. قال: قل.
يعني إيه هذا الكلام؟ من لي بكعب بن الأشرف فقد أذى الله ورسوله، يعني من يسكت كعب بن الأشرف؟ أقتله يا رسول الله؟ قال: نعم. قال: أذن لي أن أقول شيئاً، يعني هذه العملية لا بد فيها من قدر من الخداع، قدر من السياسة، قدر من إظهار أنني يعني لم أعد مؤمناً بك، قدر من تناولك في الكلام. أذن لي أن أقول شيئاً؟ قال النبي: قل. جميل.
بعض ما يفهم من الروايات يا جماعة أنه في مسافة بين القول هذا وبين التنفيذ. بعض ما يفهم من الروايات ساتي إليها بعد قليل، لكن الذي يهمنا أن محمد بن مسلمة ذهب إلى كعب بن الأشرف وكان متصافيين، كان أخوين في الجاهلية.
طيب، الآن كعب بن الأشرف خذ بالك من نفسيته، هو الآن عائد من مكة ومحمل بالثأر لمقتل قريش، وبالثأر لعدم بقائه واستقراره في مكة، فقال له محمد: إن هذا الرجل -يعني النبي صلى الله عليه وسلم بس هذا الرجل فيها قدر من التنقيص- أن هذا الرجل قد سالنا صدقة، سالنا صدقة يعني طلب مننا الفلوس. احنا ذكرنا أنه في السنة الثانية فرضت الزكاة على المسلمين، وفرضت زكاة الفطر أيضاً. قد سالنا صدقة، وانه قد عنانا، عنانا يعني أتعبنا. المفترض دلوقتي واحد زي كعب بن الأشرف ماذا يرى في هذا الأمر؟ فرصة أهو، بدأ الأنصار يعني إيه يتململون من النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: والله لتملنه، ولسه هتشوفه بالمعنى، ولسه كمان هتشوفه مش بس الموضوع مش أمواله بس. قال: أنا قد دخلنا في أمره واتبعناه، ولا نحب أن ننصرف عنه حتى نرى ما يكون من شأنه. أهو موضوع دخلنا فيه وإيه وهنشوف هيحصل إيه.
طيب، وأني اريد أن استسلفك، قال: نعم، وسقاً أو وسقين، وسقاً أو وسقين من تمر، قال: ارهنوني. كويس! المفروض الناس اللي عايزة تعمل انقلاب دي تبقى كريمة، بتمول، لكن ده يهودي يا جماعه معلش، المفروض يعني إيه خد يا عم الوسق والوسقين، وفويهم كم مليار هدية يعني المفروض، لكن هو قال له: لا، ارهنوني. قال: وما نرهنك؟ قال: ارهنوني نساءكم. برده يهودي برده، يعني شوف معلش يعني، وهذا من إضلال الله تبارك وتعالى للذين كفروا.
عارف أنت لو الطغاة كانوا فاتحين باب التوبة، التوبة إلى الطاغية يعني كان كثير من أهل الكفاح والجهاد تابوا إليهم، لكن هم الطغاة إيه يغلقون باب التوبة إليهم، فهذا من فضل الله على عباده. قال: ارهنوني نسائكم. قال: نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ ما ينفعش. قال: فارتهنوني أولادكم. قال: نرهن أبناءنا. ويقال له يعير، يقال: رهن في وسق أو وسقين، يعني يقول: أبوه رهنه عشان وسق أو وسقين من تمر. نرهنك اللامة، يعني نرهنك السلاح. تمام، قال: نعم.
انتبه هنا إلى أمر وهو أنه سلاح العربي كان بمثابه ولده وزوجه، انتبه إلى هذا، واعرف أن الأمة لم تسقط ولم تنحدر ولم تنهر إلا حين نزع السلاح من الناس. الاحتلال والحكومات الاستبدادية لما نزعت السلاح من الناس صار الناس بالنسبة للحكومات كالدجاج بالنسبة للجزار. هذه عادة الاحتلال الأجنبي، حين نزل إلى بلادنا أول قانون نزع السلاح من الناس.
أتصور أني ذكرت قبل ذلك أنه حاتم الطائي، اللي هو حاتم الطائي الذي كان يضحي بكل شيء، ذكر في قصيدة له أنه سيبقي سلاحه لن يضحي به، وذلك في قوله: وقد غاب عيوق الثريا فعرض، تقول: أهلكت مالك ظله، إذا أغل بالمال البخيل، وصرد، تقول: ألا أنفق، فإنما أرى المال عند الممسكين معبد، يقول: ذريني ومالي، إن مالك وافر، وكل امرئ جار على ما تعود. ألم تعلمي أني إذا الضيف نابني وعز القرى أقري السديف المسرهد؟
قول لها أنا من طبعي بذل المال، ده الضيف إذا جاءني وكان ما فيش أكل أضيفه سنام الجمل السمين. وبعدين قال إيه؟ قال: ساذخر من مالي ضلاصاً وسابحاً، وأسمر خطياً وعضباً مهنداً. يعني اللي هخبيه من أموالي هي إيه؟ الفرس والسيف والرمح. فسلاح العربي كان جزءاً منه. قال: نرهنك اللامة؟ قال: نعم.
وهنا ثمة ذكاء من سيدنا محمد بن مسلمه سناتي إليه بعد قليل. طيب، مشي سيدنا محمد بن مسلمة، جاء صحابي آخر اسمه أبو نائلة. أبو نائلة هذا أخو كعب بن الأشرف من الرضاعة. فقال له: إن هذا الرجل قد طلب منا صدقة وأنه قد عنانا، وأن العرب قد رمتنا عن قوس واحدة، ده احنا كمان دخلنا في مشاكل مع العرب والوضع بقى صعب، المهم يعني ونحتاج إلى أن نستسلفك. قال: نعم. قال: ولي صحب على مثل رأيي، أريد أن آتيك بهم فتبيعهم وتكرمهم. قال: نعم.
يبقى دلوقتي كعب بن الأشرف أمامه ما يشبه خلية التمرد على حكم النبي صلى الله عليه وسلم، خلية أنصارية، واللي بيكلموه ناس هم من أقرب الناس إليه وعايزين فلوس وسيرهنونه الأسلحة. جميل.
ما الذي أراداه سيدنا محمد بن مسلمة وأبو نائلة من هذا؟ أرادوا أن يطمئنوه أولاً، حتى إذا راهم قادمين ومعهم السلاح لم يتخوف منهم. هذه المحاورة جرت في النهار. الميعاد اللي هنجيب لك فيه الناس وهنجيب لك فيه السلاح إن شاء الله: ليلة 14 ربيع الأول سنة 3 للهجرة.
جميل، فجاؤوه في هذه الليلة سيدنا محمد بن مسلمة وأبو نائلة ومعهما ثلاثة آخرين من الصحابة، منهم سيدنا عباد بن بشر، وجاؤوا، ونادى عليه أبو نائلة. وكان كعب بن الأشرف حديث عهد بعرس، فقالت له زوجه: إلى أين تمضي؟ أنت رجل مقاتل، ولا يليق بمثلك أن ينزل في هذه الساعة. قال: إنما هو أبو نائلة، أخي من الرضاعة، ومحمد بن مسلمة صاحبي. قالت: أسمع صوتًا يقطر منه الدم. قال: إن الكريم إذا دعي إلى طعنة بليل أجاب.
طبعا أنت هنا برضه بتشوف الحاسة السادسة عند المرأة، تمام، دي حاسة يعرفها الجماعة المعددين صح، أو الذين حاولوا وفشلوا، لكن هناك حقيقة حاسة عند المرأة في هذه المسألة. فالمهم، هي قالت: أسمع صوتًا يقطر منه الدم، وهذا اليهودي لأنه عاش بين العرب فأيضاً اكتسب بعض صفاتهم ومنها قوله: إن الكريم إذا دعي إلى طعنة بليل أجاب، هذه شجاعة ما كان له ولا لمثله أن يتلبسها لولا أنه عاش ونشا بين العرب، هذه ثقافة العرب.
فنزلا فقال: شايف السلاح؟ قال: يعني خلاص، هم جاءوا يرهنون السلاح، قد أخبروني بأمرهم، إيه رأيك نتمشى شوية إلى شعب العجوز؟ قال: يلا بينا نتمشى شوية. فذهبوا، فقال أبو نائلة: ما رأيتك الليلة ريحاً. هو نازل متعطر، حديث عهد بعرس، فأبو نائلة بيقول: وأنا لم أشم ريحاً مثل ما شممت هذه الليلة. قال: عندي أعطر نساء العرب وأكرم العرب. أتأذن لي أن أشم رأسك؟ احنا برضه لازم تاخد بالك قلنا كان جسيماً طويلاً ذا هامة، والرواية تقول: ذا هامة وبطن، عملاق. تتأذن لي أن أشم رأسك؟ قال: نعم. فشمّه.
ماشي، مضى ساعة، يعني بعد قليل، بعد فترة، بعد وقت، وعاد إلى مثلها، يشم رأسه ويشم أصحابه، يعني المسألة كـ كما يحدث بين الأصحاب الآن، ما تجيب لي الموبايل ده أمسكه شوية مثلا، يعني ا وهكذا، الجاكيت ده ألبسه شوية، وما يكون بين الأصحاب.
حتى إذا كان في المرة الثالثة، أمسك رأسه واستمكن منه وقال: دونكم عدو الله فاقتلوه. فتناوشته الأسياف، إلا أن بعضها لم يصب، يعني كأنه حصل نوع من الارتباك، رجل كبير وعملاق كما قلنا، وصرخ صرخة فما بقي حصن إلا جعل على رأسه نار، جعل على رأسه نارا يعني الدنيا بدأت تنور من صرخته، حتى عاجله سيدنا محمد بن مسلمة بالضربة التي قتلته، وأصيب في هذا الصحابي اللي اسمه حارث بن الأوس أو أوس بن الحارث فأصيب، فتاخر عن أصحابه حتى عاد، وبذلك قتل كعب بن الأشرف.
وكان قتله من أشد ما نزل باليهود في المدينة، حتى صار اليهود يخاف كل واحد منهم على نفسه، ولا يبيتون إلا في حصونهم.
ولما عادوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أنا فاتني أن اقول أن النبي وهم وقد خرجوا ودعهم وقال: اللهم أعنهم، ولما عادوا استقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: طابت هذه الوجوه، عرف ما حصل، وكذلك تفل على جرح سيدنا أوس بن الحارث فبرئ وعاد كما.
طيب، الآن، صلوا على النبي.
طبعا من أول ما يلفت النظر هنا، أنه من أهم عوامل نجاح هذه العملية أن الذين قاموا بها هم الشخصيات المقربة منه، يعني دي أحد عمليات أو أحد العمليات الخاصة التي تمت ونجحت، نقول نجاحا فائقا؛ لأنه من أهم هذه الأمور أن الذين قاموا بها شخصيات لا يتطرق إليها الشك تماما، وهنا ترى عظمة هؤلاء الصحابة حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: من لي بكعب بن الأشرف؟ فكان أقرب الناس إليه فهموا مباشرة أنهم الجديرون بأن يقوموا بهذه المهمة فانبعثوا لها.
لو كان غير محمد بن مسلمة وغير أبي نائلة، نتوقع أن الأمر كان إيه؟ كان يتعقد طبعا.
الأمر الثاني هو ما وفقوا فيه من هذه الوسيلة التي تجعلهم يحضرون إليه بالسلاح ولا يتشككوا فيهم، نرهنك اللامة السلاح، فقال: نعم. لو أنهم لم يهتدوا إلى هذه الوسيلة لكان أيضا قد تخوف منهم، كذلك طمانته واستنزاله من قصره والابتعاد به عن حصنه، هذه كلها من الأمور التي يسرت أن تتم هذه العملية بدون خسائر في العناصر أو وحدة النخبة التي قامت بها.
جميل، طيب الآن، ما الذي يمكن أن يستفاد من هذا الأمر؟ صلوا على.
أولا، حكم سب الرسول صلى الله عليه وسلم: يتفق المسلمون على أن حكم سب الرسول صلى الله عليه وسلم القتل، ولا يجوز لأحد أن يعفو في هذا، لا الحاكم ولا غيره؛ لأن هذا الحق كان حقا خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم، يعني النبي ممكن في حياته إذا سبه أحد أن يعفو عنه النبي، لكن هذا الحق بعد وفاة النبي لم يعد عند أحد تماما، وتفصيل هذا الكلام تجدونه في عدد من الكتب لعل أشهرها وأوسعها وأوعبها كتاب شيخ الاسلام ابن تيمية: الصارم المسلول على شاتم الرسول، كتاب فيه مجلدين حقيقة، جمع فيه شيخ الاسلام ما يتعلق بهذه المساله، وذكر نظائرها فيما حصل بعد ذلك من الصحابه والتابعين ومن حكام المسلمين على من انتقصوا من النبي صلى الله عليه وسلم أو سبوه.
وفي هذا الكتاب تجد عند المسلمين حساسية شديدة من أي انتقاص للنبي صلى الله عليه وسلم، يعني ربما بعض العلماء لم يتقبل الانتقاص من النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان للقائل بذلك نوع وجه فيها تماما؛ لشده حساسية المسلمين للاقتراب من جناب النبي صلى الله عليه وسلم.
طيب، ده كده إيه الحكم؟ ده رقم واحد.
رقم اثنين، ده الاشكال اللي احنا إيه رايحين ندخل عليه: العلماء حين تعرضوا لهذا الموقف من السيرة النبوية حصل بينهم انقسام تماما، ماذا يفعل المسلمون الآن؟ الآن فيمن يسب النبي صلى الله عليه وسلم حصل انقسام، بعض العلماء قال بأن هذا الأمر، اللي هو الانبعاث لقتل من سب النبي صلى الله عليه وسلم، إنما يكون بعد قيام الدولة الإسلامية ولا يكون قبلها؛ لأننا نرى أن كل هذه الحوادث التي ذكرناها حصلت متى؟ في المدينة المنورة بعد قيام الدولة الإسلامية، لكن في مكة لما كان المسلمون مستضعفين، كان يسب النبي صلى الله عليه وسلم أمام الصحابة من أبي جهل وأبي لهب وعقبة بن أبي معيط وغيرهم، ولا ينبعث منهم أحد لقتل من سب النبي صلى الله عليه وسلم.
فبالتالي المسلمون الآن في حال عدم وجود دولة إسلامية وفي حال عدم نفاذ أحكام الشريعة غير مطالبين بأن ينبعث أحدهم لقتل من سب النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قد يحصل من الأضرار ما يجتث به العمل الدعوي كله، وقد حصل بعض هذا في بعض الأماكن وبعض البلاد، اللي هو مثلا واحد دلوقتي بيسمع درس السيرة ده تمام، راحت طلعت في دماغه وعمل حاجة، هيحصل إيه؟ هو وأصحابه واللي حواليه والدرس والمسجد كله إيه ده، يعني لو الأمر ما تطورش أكثر من كده.
فبالتالي تكلم العلماء في مثل هذا الأمر من أنه هذه الأمور تحتاج إلى فتوى خاصة، ويقوم بها أهل العلم ممن يححسن وزن المفاسد والمصالح، ده اتجاه.
الاتجاه الثاني لا، قال إنه خلاص المرحلة المكية دي مرحلة كانت وانتهت وانقضت، ولا يمكن أن نعود إلى الأحكام المنسوخة بعد أن نسخت تماما.
وعلى كل حال هذا اتجاه بين يعني افتراق بين المشايخ والعلماء، أنا الآن أصفه لكم لكن لا أدخل فيه؛ لأن هذا من عمل الفقه، لكن حقيقة يجب أن نستوعب ويجب أن نفهم بأن هذا الخلاف قائم بين العلماء، وأن المسألة ليست بالسهولة التي قد يتصورها من يسمع أي درس.
واضح يا جماعة؟ يعني كان لابد أن أذكر هذا الاحتراز لكي لا يقع في ذهن أحد أنه المسألة إيه مباحه أو مفتوحة، لا، المسألة فيها كلام جميل.
طيب، لكن انتبهوا أيضا، حتى هؤلاء الجماعة الذين منعوا، هؤلاء الجماعة الذين منعوا إنما تأسس منعهم على أنه ما فيش دولة إسلامية قائمة فعلا، صح ولا لا؟ يعني ما حدش يتصور أن الذين منعوا منعوها من قبيل الافتيات على الحاكم؛ أنه أصلا ما فيش حاكم بيطبق الشريعة من أصله، يعني لما يبقى فيه حاكم يطبق الشريعة ثم ينبعث واحد من الناس لكي يطبق حدا، ساعتها نقول له إيه أنت تجاوزت مقامك و آه قمت بالافتيات على الحاكم، لكن دلوقتي احنا كلنا معترفين أنه عادي جدا ما فيش حد أصلا بيطبق الشريعة وما فيش فعلا دولة إسلامية، هذا واقع يعني.
إن كان الناس اختلفوا في مسألة إيقاع الحد ولا عدم إيقاعه، فالذي اتفق عليه الجميع أنه الأمة الإسلامية الآن قد ذهبت دولتها، هذه هي الحقيقة المؤلمه المؤسفة تماما، خصوصا وأنت ترى أن من يسب النبي صلى الله عليه وسلم في بلادنا هم أصلا من اتباع الحكام، هم المثقفين اللي بيعملوا أفلام، اللي بيكتبوا ده في الجرايد، اللي بيكتبوه في روايات، وأحيانا الروايات تطبع بأموال الحكومة اللي هي أموال المسلمين، وهذه أمثلة كثيرة.
فالانتباه أيضا إلى أنه حتى وإن وقع الخلاف بين العلماء في مسألة التطبيق، فالاتفاق الواقع بينهم أنه أصلا لا توجد دولة إسلامية الآن، لكن يجب أن نعرف، ويعني يجب أن يكون واضحا أيضا، بأنه مهما قام المسلمون بالشجب والتنديد والاعتراض والمظاهرات، وكل هذا في حقيقة الأمر لا يؤدي إلى أن يقل الذين يسبون النبي صلى الله عليه وسلم بوضوح.
يعني إذا أردت أن توصل رسالة حقيقية لمن يسب النبي صلى الله عليه وسلم أنه في خطر، فلن يكون هذا بوسائل الاعتراض أو وسائل الشجب والتنديد، كل هذا يزيدهم أصلا إغراء بسب النبي صلى الله عليه وسلم تماما، فيعني هذا أمر أرجو أن يكون واضحا.
طبعا مما نستفيده من هذا أمر، كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم حتى العمليات الخاصة التي لم يأمر بها ولم يكلف بها، باركها وأقرها، أو بالمصطلح السياسي المعاصر، وفر لها الغطاء السياسي، يعني لم يتنصل منها ولم يتبرأ منها ولم يدنها، ولم يقل هذا عمل فردي وهذا لم يرجع إلينا فيه ولم يستأذننا فيه ونستنكره.
النبي صلى الله عليه وسلم كان قائدا حكيما حصيفا، لا يقيد أتباعه ولا يمنعهم من المبادرة إلى الحق، على عكس الكثير من الناس الذين يحبون دائما أن يقيدوا ويعني يجعلوا أتباعهم مش مهم، المهم يعني إيه الخلاصه؟
الخلاصة أنه كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يقيد أتباعه إذا ما بادروا إلى الحق، وكذلك لم ينه عنها، يعني لم ينهر من قام بها ولم ينه عنها.
وما تكلمنا فيه من شدة وسائل الإعلام، وكيف أن يعني الآن، صلوا على النبي يا جماعة، هذا أمر مهم، وأرجو واتمنى أن أوفق في شرحه، وأرجو واتمنى أيضا أن توفقوا في استيعابه.
الآن نحن في زمن يصور لك أن حرية الرأي مقدسة، حرية التعبير مقدسة، قل ما تشاء، أهم حاجة ما تمدش إيدك تماما، طول ما أنت تقول ما تشاء القانون بيحميك، رايح تمد إيدك القانون يقف ضدك، تمام؟ مش هو ده العالم اللي احنا فيه؟ حرية التعبير مقدسة، كويس، جميل.
حقيقة هذا الكلام غير صحيح، الكلام فعال في النفوس وهو مقدمة الفعل.
إزاي يا عم الشيخ ده، الأستاذ فولتير بيقول: قد أكون مخالفا لرايك، ولكني على استعداد لأن أموت لكي تملك حرية النطق به.
طيب، تعال شوف الغربيين نفسهم اللي هم بيقدسوا حرية الراي والتعبير، أول ما الراي والتعبير يبقى مش على هواهم، بيسموه إيه؟ سموه خطاب كراهية، نشر العداء، معاداة السامية، تحريض على العنف، هذا المنشور لا يوافق معايير مجتمعنا.
صح ولا لا؟ إيه يا جماعه، مش كانت حرية الرأي مقدسة؟ دلوقت وأنت دلوقتي قاعد على الفيسبوك، اللي قاعد على الفيسبوك ده بيعمل إيه غير أنه بيتكلم؟ ليه بقى بيجيلك كل شوية إشعار أنه ده لا يوافق معايير مجتمعنا؟
يبقى في حقيقة الأمر ما فيش حاجة اسمها حرية التعبير المطلقة حتى عند الذين نصبوا صنما وقدسوه لحرية التعبير، أول ما الرأي جاء بما لا تهوى أنفسهم قال لك: خطاب كراهية، تحريض على العنف، لا يوافق معايير المجتمع.
ولما حتى في خلال السنة اللي فاتت لما حصلت مظاهرات في أمريكا ضد ما يحصل في غزة عملوا إيه؟ أعادوا تعريف السامية بحيث نعمل تعريف ثاني أوسع كده يستوعب هذه المظاهرات، فتبقى المظاهرات دي مجرمة ومحرمة.
فحرية التعبير تقف عند ما يستطيعونه هم استيعابه وتقبله، إنما غير كده لا، ما فيش حرية تعبير، في يعني لا ننخدع بمثل هذه الأقوال.
حقيقة الكلمة في الإسلام لها مكانها ولها مقامها، الإنسان يصير مسلما بكلمة، ويصير كافرا بكلمة، المرأة تصير لك حلالا بكلمة، وتصير حراما عليك بالكلمة.
وذكرنا في مجلس الإسراء والمعراج أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ذكر أناسا لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، أظفار من نحاس، فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم.
وفي حديث البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رؤيا فكان منها رجل قائم ورجل قاعد، والرجل القائم بيده كلوب، الكلوب اللي هو الخطاف أو الحديدة المعقوفة، فيأخذ بشدقه فيجعله حتى قفاه، ده التعذيب بالخطاف هذا، يأخذ بشدقه فيجعله حتى قفاه، ثم يذهب إلى الجهة الأخرى فيأخذ بشدقه حتى يجعله إلى قفاه، فما ينتهي من الأخرى حتى تلتئم الأولى فيعود، وهكذا إلى يوم القيامة.
فلما سأل: ما هذا؟ قال: هذا الذي يقول الكذبة فتبلغ عنه الآفاق.
أنا عايز أقول لك، أنت دلوقتي لما بتدوس إنتر على الفيس ولا على تويتر ولا على يوتيوب ولا تيك توك، تبلغ الآفاق، تعرف أنت تجيب المنشور أو تجيب الفيديو بعد ما نشر، تعرف يعني تحذفه بحيث لا يكون له أثر؟ لا، تضمن أشد من ذلك.
هؤلاء الجالسون في الفضائيات، هؤلاء الجالسون في وكالات الأنباء، في الصحف، هؤلاء الذين يطلقون الكذبة ويحرضون ويهيجون ويقعون في أعراض الناس وياكلون لحومهم، لا، الإسلام حساس جدا لمسألة الكلمة، فلا يمكن أن يبقى هؤلاء المحرضون والمهيجون والذين يفسدون بين الناس، لا يمكن أن يبقوا بلا عقاب.
فهذا مما يستفاد من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وفيما بعد سنرى إن شاء الله لو قدر الله لنا البقاء واللقاء، النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة، في فتح مكة مكة أعلن عفوا عاما: اذهبوا فانتم الطلقاء، إلا عدد من الشخصيات.
عدد من الشخصيات دول تقسمهم ثلاثة أقسام: قسم أهم رموز النظام القديم الذين قاموا بجرائم، وبعض الإعلاميين الشعراء الذين كانوا يتفننون في هجاء النبي صلى الله عليه وسلم.
في المجلس القادم إن شاء الله نستكمل الملف الثالث، وهو ملف الأحداث الاجتماعية التي وقعت.
أسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إحياء جيل على خطى السابقين.
محمد إلهامي