السلام عليكم ورحمة الله، بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا. اللهم اجعل عملنا كله خالصًا لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئًا يا رب العالمين.
مرحبًا بكم أيها الأحباب، طبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلًا. نسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا على طاعته أن يجمعنا في جنته ومستقر رحمته ودار كرامته. وهذا هو المجلس الثالث من مجالس سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، نسأل الله تبارك وتعالى كما آمنا به ولم نره ألا يفرق بيننا وبينه حتى يدخلنا مدخلاً.
وهذا هو المجلس الأخير لأننا سنتوقف إن شاء الله في شهر رمضان، ونلقاكم إن قدر الله لنا البقاء واللقاء فيما بعد العيد إن شاء الله. ونسأل الله تبارك وتعالى أن يعيد علينا وعليكم رمضان والعيد والمسلمون في عز ونصر وتمكين. نرجع إلى حديث السيرة.
تكلمنا في المجلس الماضي عن غزوة بني النضير وشرعنا في دروسها، ومما تكلمنا فيه من دروسها هو هذه الأخوة التي يكشفها الله تبارك وتعالى لنا بين الكافرين والمنافقين، وذلك نص قرآني: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وهذا أمر كما هو في القديم هو في الوقت المعاصر، فانتم ترون الآن كيف يتفق المنافقون من الأعراب أيضًا -يعني من العرب- مع الذين كفروا من اهل الكتاب على دماء المسلمين. وهذه حرب غزة شاهده تقول لكم كيف تامر المنافقون والكافرون جميعًا على قتل المسلمين.
وتكلمنا، وشرعنا في الكلام في درس الرعب الذي قذفه الله في قلوب قلوب الكافرين قلوب أهل الكتاب. لكن قبل أن استكمل في مسألة الرعب، نحن توقفنا عنها حقيقة، جاء سؤال يتعلق بما كنا تكلمنا فيه المرة الماضية وهو سؤال، طيب.
نحن ذكرنا أن الحسبة المادية كانت ضد انتصار المسلمين في غزوة بني النضير بنص القرآن الكريم، قال قال تبارك وتعالى: مَا ظَنَنتُم أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعُتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ، فالحساب المادي كان أيه يعني لا يقول بانتصار المسلمين. السؤال هنا، طيب، إذا لماذا أقدم النبي صلى الله عليه وسلم على حرب هؤلاء اليهود؟
يعني ألم يكن من الأولى أننا لا ندخل في مثل هذه الحرب طالما هذا الحساب المادي أو النظر المادي غير متوفر، خصوصًا وأن المسلمين ما زالوا يعانون من آثار هزيمة أحد ومن آثار حادثتي بئر معونة والرجيع؟ يعني الآن لو أنك وضعت نفسك في ذلك الزمن لكانت المخاطرة بدخول حرب فيها هزيمة أخرى مخاطرة شديدة جداً، لأن إحنا ما زلنا نحاول كما سموها يعني في العصر الحديث إزالة آثار العدوان أو إزالة آثار الهزيمه، تمام.
فالجواب والله أعلم يعني مما يبدو من كلام أهل العلم ومما يبدو أيضًا من متابعة حركة السيرة هو الآتي. هناك يا جماعة يعني تهديدات أو مخاطر يسميها المعاصرون تهديد خطير للأمن القومي، تمام. يعني هناك معارك تكون مفروضة عليك، هذه المعارك حتى لو لم تضمن فيها النصر فيجب عليك أن تخوضها لأنك إذا لم تخوضها الآن ستخوضها بعد فترة وتكون نتيجتها في كل الأحوال أشد وأسوأ، تمام.
أقرب لكم المثل الزمن المعاصر، يعني الآن مثلاً روسيا وأوكرانيا أقرب مثال، روسيا الآن قتل منها مئات آلاف الجنود في أوكرانيا، تمام، والموضوع لا تبدو له نهاية حتى الآن.
طيب لماذا روسيا دخلت أوكرانيا؟ الجواب لأن أوكرانيا كانت ستنضم إلى حلف الناتو. طب يا اخي ما هي حرة، دولة وذات سيادة وتضم للحلف اللي هي عايزاه؟ تمام. لا، انضمام أوكرانيا لحلف الناتو يعني أن تكون أوكرانيا جزءًا من حلف ضخم كبير عسكري، وأن يكون هناك تعاون عسكري لدرجة تسمح لهذا الحلف الغربي أن ينصب صواريخه لتصل إلى موسكو العاصمة.
الناس بتوع الشطرنج مثلاً يعرفون واحد لما يقول لك إيه كش ملك وهات الوزير، بيحصل إيه ساعتها؟ لازم تضحي بالوزير مع أنه أهم قطعه إنقاذا لمن؟ للملك. فهو هذا هو وضع في اختيار، لو أنه لم يدخل هذه الحرب فهو يعني أنه بعد شهور أو بعد سنة سيواجه حرب، مش أوكرانيا، سيواجه حرب إيه؟ الناتو.
باستعدادات عسكرية أقرب وأخطر بكثير جداً مما سيخوضه الآن، حتى لو حتى لو كان النصر في هذه المعركة غير مضمون، تمام. نقربها لعالمنا العربي شوية، الآن أي واحد على راي المصريين عنده بربع جنيه مخ، كان ينبغي على النظام في مصر أن يمنع بناء سد النهضه حتى ولو دخل حرباً. لماذا؟ لأنه سد النهضة هذا إذا بني وجرى التحكم في شريان الحياة بتاع المصريين هذا تهديد خطير جداً، فخوض حرب قبل أن يبدأ السد أو قبل أن يبنى، خوض حرب قبل أن يكتمل، خوض حرب قبل أن يخزن مرة واثنين وثلاثة في كل الأحوال، حتى لو النصر غير ممكن، أهون من خوض الحرب أمتى؟ بعد أن يبنى؛ لأن خلاص الثاني بقى ماسك المحبس. فهذا ما يسمونه التهديد الشديد أو التهديد الحد، علشان كده الدول تقاتل خارج حدودها.
الآن لو أنك تأملت في هذا الموقف، أنا الآن أحاول أقرب الصورة كما كانت في السيرة. النبي صلى الله عليه وسلم الآن هذه أول حادثة اغتيال تأتي من داخل المدينة، واغتيال لمن؟ للنبي صلى الله عليه وسلم. لو أن النبي لو أن أنا في تقديري ظني هذا يعني قراءة أنه حادث الاغتيال هذا لو جاء من خارج المدينة كان يمكن للنبي أن يصبر ولا يبادر بالرد على القوم الذين حاولوا اغتياله من خارج المدينة، لكن وجود اغتيال داخل المدينة من قوم النبي هو الرئيس عليهم والسيد عليهم -يعني هم في حكمه- عدم الرد القوي هنا سيجرئهم هم مرة أخرى، ويجرئ غيرهم من اليهود، ويجرئ غيرهم من المنافقين.
هذا اعتداء في الذروة، يعني هذا الخطر رقم واحد اللي هو تهديد باغتيال رئيس الدولة الإسلامية، تمام، يعني ده اللي هو لما بيحصل في عالمنا المعاصر بتعلن حالة الطوارئ والدنيا إيه وتعلن الأحكام العرفية.
تمام، فلذلك كان لابد للنبي صلى الله عليه وسلم أن يرد هذا الرد القوي حتى لو لم يكن النصر في هذه الغزوة مضموناً. يكفي دخول الحرب أحياناً أنك تثبت الهيبة أو تثبت قاعدة جديدة، أو على الأقل لا يتجرا هذا الخصم مرة أخرى على تكرار هذه الحادثة، ولا يتجرا غيره على تكرارها، يعني حتى لو لم نصل إلى الهزيمة حتى لو لم حتى لو لم نصل نحن المسلمين إلى النصر فكون أن في حرب اشتعلت ثم أوقف بعد ذلك بتدخل بعد طول حصار بصلح باتفاقية أخرى، كون أن في حرب توقف أعلنت اشتعلت ثم توقفت هذا خير من عدم الذهاب إلى الحرب أصلاً، تمام واضح الفكرة.
طيب وبالتالي فكان لابد للنبي صلى الله عليه وسلم من أن يتحرك هذه الحركة، ثم جاء وهذا هو بقى تدخل الله تبارك تبارك وتعالى، ثم جاء هذا النصر السريع غير المحسوب فقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، تمام.
طيب، طيب، هذا في مسألة الإيه الجواب على السؤال الماضي. نعود إلى ما كنا تكلمناه في مسألة الرعب. طيب، ذكرنا أن الرعب جندي من جنود الله تبارك وتعالى وأن الله تبارك وتعالى ينزله على عباده بقدر ما يكون في قلوبهم من الإيمان والتجرد والخشية له تبارك وتعالى ماشي.
وذكرنا أنه الإنسان المرعوب لا تغني عنه الحصون ولا الإمكانيات ولا الدفاعات. الإنسان المرعوب إنسان هش.
وذكرنا أنه لأجل ذلك وتوقياً للرعب كل الآلة العسكرية، كل الخطط الحربية تحاول أقصى المحاولة أن تبعد ما بين الجند وما بين عدوه بحيث لا يتاثر بالرعب القادم إليه. وذلك من قديم كما في قوله تعالى: لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ. ولذلك ستجد فنيات الخنادق وبناء الخنادق، التريع للمدرعات والدبابات والمصفحات بحيث الجندي الموجود فيها يشعر بالإيه بالأمن، وأفضل من ذلك كله أن تلقي القذيفة من بعيد طائرات أو صواريخ، فهذا كله من بعيد لا يعرض الرامي لما يتناوشه من مسألة الرعب، كويس.
وبالتالي فبالتأكيد قلب الجندي أهم من الإمكانيات، ما فيهاش كلام يعني. قلب الجندي أهم من الإمكانيات، طبعا أنتم شفتوا في الحرب الأخيرة إزاي واحد الحفاة والعراة وأحيانا يكون مقطوع اليد وأحيانا يكون مصاب كيف يقدم إلى المدرعة المحصنة ويلقي فيها القنبله، هذا هذه من آيات الله يعني من أراد أن يشهد المعجزات فهذه من المعجزات التي ادخرها الله لأهلها ذلك الزمان.
طيب، لا ريب أن هذا أيضا يكون عند إلى حد معين. يعني صحيح الإنسان الشجاع المقدام الجريء بغير إمكانيات هو أفضل من الجندي صاحب الإمكانيات غير الشجاع وغير الجريء والذي يصيبه الرعب، لا شك. بس هذا في العموم إلى حد معين، حد معين بقى إيه؟ تبدا القوة أو التفوق التقني يكسر هذا الحد. يعني هذا الطيار الذي يطير في السماء أو هذا الذي في مركز يسير مسيرة، هذا إيه؟ هذا خارج الحسبة لأنه أصلاً لا يتعرض لمثل ذلك.
وها هنا يا جماعة حقيقة يأتي دور الدعاة، ويأتي دور العلماء، ويأتي دور الواعظين، ويأتي دور علماء النفس، ويأتي دور الاعلاميين، ويأتي دور كل صاحب كلمة أو حتى من يسمونهم الآن المؤثرين. إذا لم يكن في نفس هذا الجندي ما يخشى الله به ويتقه، فيمكن أن يتحول إلى أشد نموذج من الوحشية البشرية.
يعني ذكرت لكم في المجلس الماضي هذا الذي ألقى القنبلتين النوويتين على اليابان كان كل همه إيه؟ شغالين ولا مش شغالين؟ انفجروا ولا ما انفجروش؟ تمام. سيظل أهل الكلمة لهم دور عظيم جداً جداً في صياغة النفوس صياغة النفوس، في تجرئة أهل الحق حق، وصياغة النفوس في تثبيط أهل الباطل وفي تخويفهم وفي إرعابهم وفي تذكيرهم بالله واليوم الآخر وفي تبيين الحق لهم.
هذا أمر ضروري، هذا يعني شوف هذا الجريء الذي تراه ما هو إلا مجموعة كلمات بثت إليه وسكنت ضميره قالها له الشيخ في الكتاب، قاله له المدرس، قاله له أمه في مضجعها، قاله له أبوه، قاله له معلمه، قاله له صاحبه. بالنهاية الإنسان كما تراه هو مجموعة كلمات تفاعلت معه.
فلا يتهيبن أحد أن يقول الحق كائناً ما كان، ولا يستصغرن أحد كلمة يقولها. لا يستصغرن أحد كلمة يقولها، ربما هذه الكلمة تؤثر، تسكن نفس بطل، تؤثر في نفس بطل، تثبط مبطلاً عن باطله. هذا أمر شديد الأهمية، شديد الأهمية.
ومعجزة الله الكبرى يا جماعة هي كلمة هي إيه؟ القرآن الكريم، كلمة. وبها تميز نبينا صلى الله عليه وسلم عن سائر الأنبياء، لأن معجزات سائر الأنبياء مقصورة بوقتها ومكانها، بينما هذا القرآن الكريم كلمة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربه، تمام يا جماعة.
خير، فكل من يستطيع أن يملك أن يتكلم فيجب عليه أن يتكلم، فلا يدري ماذا يصنع الله بكلماته. وفي الحديث: إن الرجل ليلقي بالكلمة من رضا الله تعالى لا يلقي لها بالا يرفعه بها درجات، وإن الرجل ليلقي بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالا يهوى بها في النار سبعين خريفاً، تمام.
طيب ها هنا يا جماعة ملاحظة ينبغي أن نلاحظها ونحن نتابع حركة السيرة، وهي ذكرنا في المجلس الماضي ماذا فعل الانصار بالغنائم لما خيرهم النبي صلى الله عليه وسلم بين، حد فاكر خيرهم بين إيه؟ محدش فاكر.
أيوه بارك الله فيكم، حياكم الله، طيب ألا يلفت هذا نظركم إلى إحنا الآن مافيش أي ما فيش أي تنازع على الغنائم كالذي كان في بدر، وما فيش أي سعي إلى الغنائم كالذي كان في أحد، فهذا قد يعطينا هذا. لماذا؟ ها. ربنا تبارك وتعالى نصرهم بالرعب لم ينصرهم حتى بالملائكة.
يعني الملائكة نزلت في غزوة بدر نصره للمسلمين، والملائكة نزلت في أحد دفاعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا، أما الآن فلا نرى ملائكة، وإنما نرى أن الله نصرهم بنفسه بالرعب، تمام.
فأيضاً مما يعني يجب أن يلفت النظر إلى تطور وارتقاء النبي صلى الله عليه وسلم بنفوس هؤلاء المؤمنين، ومن بعد ذلك لن نجد كلاماً عن الغنائم هم بس كانوا إيه؟ أول غزوتين صلوا على كده.
أخدنا درسين، بقي ندخل في الدرس الثالث وهو درس في حياة المنافقين. طبعا المنافقين دول يا جماعة هم أشق الناس، أشق الناس المنافقون. الإنسان اللي هو عايش بوشين وعايش بقلبين، ويعني يظهر غير ما يبطن، وَإِن تُصِبْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ، عارف أنت لما الناس كلها تبقى فرحانة مضطر أن هو يظهر الفرح وهو في داخله إيه؟ حزين ومتحسر. طيب، وَإِن تُصِبْكُمْ مُصِيبَةٌ هو يبطن الفرح ويظهر إيه؟ الحزن أيضاً. أشق الناس أشق الناس هم المنافقون، تمام. فلذلك
والتجد أن المنافقين دورهم في السيرة النبوية كل أدوارهم أدوار دس وتحريض من الخفاء أو تدخل خل يحتمل معنى أن يعني هم لا يتعالنون ولا يتجاهرون بالعداوة، تمام. يعني ياتي مثلا عبد الله بن أبي بن سلول إلى النبي يتشفع في بني قينقاع، تمام. ياتي ينسحب من غزوة أحد بثلث الجيش، كل ده ويبدو أن له رأي وله تدبير يعني في بني قينقاع قالوا لا ده الموضوع ده سياسياً ما ينفعش، إني رجل أخشى الدوائر، عندنا 701، 300 دارع و400 حاسر يعني نصروني من الأحمر والأسود تريد أن تحصدهم في غداة؟ إن رجل أخشى الدوائر. الكلام ده احنا بنقراه في السيرة على هذا المعنى، لكن الكلام ده لو بنترجمه إلى لغتنا المعاصرة هتبقى إيه؟
لا الموضوع ده ما فيهوش حكمة سياسية. ينبغي نبص لقدام، ما ينفعش نتخلص من حلفاء الأمس عشان غلطة واحدة، لازم يبقى فيه باب للرجوع. إحنا برضه عندنا وحدة وطنية، تمام؟ وما ينفعش ناخد الجماعة كلهم بذنب واحد واثنين وثلاثة، الكلام اللي أنت بتسمعه دلوقتي في إيه في نشرات الأخبار. طيب، كذلك في غزوة أحد برضه حسبتنا السياسية وتقديرنا السياسي ولا نرى أنه يكون قتال والموضوع ما وصلش لهذا الحد كما ذكرناه. أيضا الآن تحريض خفي إلى اليهود بأن يظلوا في أماكنهم، وسيبقى هذا الوضع حتى نهاية السيرة النبوية.
يعني ذروة ما حاوله المنافقون مع النبي صلى الله عليه وسلم أنهم أخرجوا أناسا في غزوة تبوك، النبي جمع ثلاثين ألفا يقاتل بهم الروم. شوف العرب الآن بقوا قوة وأمة، خرج أناسا في غزوة العسرة وتحملوا كل شيء لكي يغتالوا النبي صلى الله عليه وسلم. المنافق يعني ناس أضلهم الله تبارك وتعالى، اللي هو كما قلنا قبل ذلك أنه حتى بحسبه المصلحة المادية المباشرة، يا أخي ده راجل زعيم وعمل العرب أمة وجعل لهم شأنا يعني، حتى لو أنت مش مؤمن بيه ومش شايفه يعني لا تحب أن تتبعه لكن جعل لك عزة، لكن لا ذكرنا أن المصلحة فرع من العقيدة، المصلحة فرع من تصور العقيدة. طيب، وبالتالي فعمل المنافقين دائما هم الإيه؟ هو الدس. ولذلك كلما ما كان المسلمون في حالة قوة، كلما كان معسكر المنافقين في حالة ضعف وانكماش. إحنا رأينا الآن كيف أنهم وعدوا اليهود بنصرتهم ومع ذلك لم ينصروهم، متى ينشط معسكر المنافقين؟ حين يكون حال المسلمين إيه؟ آه، في ضعف في تشتت. ولذلك أمن الله تبارك وتعالى على المسلمين بأنه ينقي صفوفهم من المنافقين، قال: لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُم إلَّا خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ. تمام؟ طيب، فلذلك ها هنا سنرى أن النبي يعني المعركة مع المنافقين يا جماعة أشد حساسية من المعركة مع الكفار، وتحتاج إلى الحكمة أكثر مما تحتاج إلى السيف. لذلك سترى أن النبي صلى الله عليه وسلم هنا لم يعاقب عبد الله بن أبي بن سلول، بل سيظل عبد الله بن أبي بن سلول يمارس هذه المهمة. إحنا دلوقتي بنتكلم في في سنة أربعة للهجرة، عبد الله بن أبي بن سلول ده هيموت في سنة تسعة، تمام؟ يعني لسه كمان قدامنا خمس سنين تاني من الإيه؟ من الدس والتحريض ومحاولات تفتيت صف المسلمين، ومع ذلك لم يعاقبه النبي صلى الله عليه وسلم. المنافقون الأزمة الكبيرة عند يعني في مسألة المنافقين أنهم غير متجاهرين بالعداوة، وحتى لو جاهروا بالعداوة، في يصطبغ هذا تصطبغ هذه العداوة بخلاف الرأي المحتمل، زي ما قلنا كده بحسبه السياسة، تمام؟ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في لحظة من اللحظات لما يعني دخلنا بقى في اشتباك هنيجي لها إن شاء الله إذا قدر الله لنا البقاء واللقاء لما قال: دعني اضرب عنقه يا رسول الله، قال: لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه. سبب آخر، قال: لو قتلته في ذلك اليوم لأحمرت له أنوف زعيم قبلي. تمام، فلذلك حقيقة التعامل مع المنافقين أشد حساسية من التعامل مع الكافرين. وهذه هي أزمتنا المعاصرة، اتحاد الكافرين والمنافقين، وأن هم مصدرين يعني الذين يحكموننا هم مجموعة من المنافقين ليسوا مجموعة من الكافرين، فلذلك أصلا المعركة متشوشة في أذهان أغلب المسلمين باعتبار أن دول من إيه؟ من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. هذه هي إيه؟ أشد أشد المآسي كما وصفها النبي صلى الله عليه وسلم في مرحلة الحكم الجبري، اللي هو أناس من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا.
تمام، طيب، ها فبالتالي يعني إن كان إن كان شخص وأعيذكم بالله من هذا بس يعني النصيحة العامة يعني إن كان شخص يريد أن يحيا حياة طبيعية ومش ناوي يكون من المؤمنين فليكن من الكافرين حتى علشان يعني إيه ينسجم نفسيا ويقعد يعبر عن نفسه، لكن حياة المنافقين هذه حياة صعبة جدا، فوق أنهم بعد الـ بعد هذا العند في الدنيا قال ربنا تبارك وتعالى: إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار. يعني نموذج بالغ البؤس وبالغ الألم وبالغ الـ بالغ الشناعة يعني. بالنهاية حتى الكافر يستطيع أن يعيش حياة منسجمة مع أفكاره في الدنيا، وإن كان لكن هذا المنافق سبحان الله أ يعني مجبر يصلي ومجبر يصوم ومجبر يظهر التدين، إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا. وفي الآخر لما ما بقوش مرتاحين وسط المسلمين قالوا: طب ما نعمل جامع لوحدنا كده يبقى جامع المنافقين عشان نعرف إيه يبقى اسمنا بنصلي وبنصوم، لكن نبقى عارفين نتكلم يعني عارفين نقعد براحتنا. فحياة بائسة حقيقة، فأعيذكم بالله طبعا من حياة ذي الوجهين.
الدرس الرابع، هذا درس في عاقبة المكر. أنت انظر يهود بني النضير، ماذا أرادوا؟ أرادوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم. كيف وصل بهم الحال إلى أن أخرجوا من دارهم؟ فهذا إيه هذه كما قلنا في المجلس الماضي فرع عن قسوة القلب. يعني الانسان يبقى يبقى عنده الجراءة أن يمكر ويدبر على الله، أنتم عارفين هناك بعض الروايات الضعيفة تذكر الحوار الذي جرى بين اليهود وهم يدبرون للنبي صلى الله عليه وسلم، تمام؟ واحد منهم بيقول: كيف تصلون إليه وهو رسول الله؟ تمام. فالتاني بيرد عليه بيقول له إيه: قد كان لله رسل وقتلوا. أنت واخد بالك يعني طبعا هما الاتنين مجرمين بلعات إجرام بس هو دلوقتي عمالين يدبروا العملية دي هتنجح ولا مش هتنجح، قصدي أول شوف هما بيتكلموا في إيه، بيتكلموا في مرحلة قتل الرسول المرسل من عند الله اللي هما عارفين إن هو مرسل من عند الله لكن العملية هتنجح. فواحد بيقول له: ما هي عملناها قبل كده ونفعت يعني احنا ما احنا قتلنا قبل كده رسل، الثاني واخد باله إنه لا هذا الرسول آخر الرسل مرسل ليه هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، ده رسول التمكين وليس الرسول الذي يقتل. طيب الخلاصة الخلاصة، تعجبني كلمة مين؟ كلمة حيي بن أخطب زعيم بني النضير ده، حيي بن أخطب ده سياتي به الزمان من غير ما نحرق الحكاية دلوقتي، سياتي به الزمان ويقع أسيرا في يد النبي صلى الله عليه وسلم. تمام، النبي بيقول له: ما ظنك الآن بنفسك بعد كل الحياة اللي أنت إيه؟ طبعا السيدة صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين هي صفية بنت حيي بن أخطب، فالسيدة صفية أصلا هي التي روت لنا كيف أن حيي بن أخطب بمجرد ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم عرف إنه النبي، لدرجة أخوه ياسر بيقول: أتعرفه وتثبته، أنت متأكد؟ آه، أعرِفه وأثبته. اهو هو. طب هتعمل إيه؟ قال: عداوته ما بقيت. سبحان الله، سبحان الله، استعيذوا بالله من قسوة القلب يا جماعة. فلما جاء في النهاية ووقع أسيرا قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما ظنك الآن بنفسك؟ قال: ملحمة كتبها الله على بني إسرائيل، ومن يغالب الله يغلب. طب ما أنت عارف اهو، يعني ما أنت عارف اهو إن اللي يغالب الله يغلب، حتى يا سيدي لو ما غلبش في الدنيا هيغلب في الآخرة، لكن اهو يعني. قال تبارك وتعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى رَأَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ. طيب، وهؤلاء قوم الغدر طبع فيهم كما في قوله تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَةَ عَن مَّوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ. الأصل في هؤلاء الناس هو إيه؟ الخيانة. القليل هو بس الإيه؟ الذي لا يخون.
طيب، درس خامس وهو نستشفه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم في غنائم بني النضير. ذكرنا قبل ذلك أن الحكم الجديد الذي أنزله الله في الفيء، يعني الغنائم التي حازها المسلمون بغير قتال، أنها تكون لرسول، يعني تكون لرسول الله وتكون بعده لولي الأمر الخليفة. وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الروايات أنفق هذه الأموال في ثلاثة مصارف: المصرف الأول أنه اخذ منه نفقة سنة لأهل بيته، المصرف الثاني أنه أنفقه في مصالح المسلمين، المصرف الثالث وهو أكثرها أنفقه في السلاح والكراع، الكراع يعني الخيل عدة في سبيل الله. طيب، هنا العلماء وقفوا عند مسألة أنه النبي اخذ نفقة سنة له ولاهل بيته، فقالوا: إلا أنه صلى الله عليه وسلم طبعا نفقة سنة له وأهل بيته دي لأحسن حد يعني يفتكر أن كان النبي صلى الله عليه وسلم زيه زي الجماعة الرؤساء المعاصرين دول، اللي هو إيه؟ اللي هو نفقة الواحد منهم في يوم كنفقة الشعب في سنة، النبي صلى الله عليه وسلم كان يجوع مع الجائعين بل قبل الجائعين. فقالوا أن النبي صلى الله عليه وسلم صحيح اخذ نفقة سنة إلا أنها لم تكمل عنده سنة لأنه كان ينفقها في وجوه الخير، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد تظاهرت الاحاديث على أنه لم يشبع ثلاثا متتاليات، يعني النبي ما عداش عليه ثلاث أيام كل يوم اكل وشبع، وكان الهلال يأتي الهلال ثم الهلال ثم الهلال ولا يوقد في بيت رسول الله نار صلى الله عليه وسلم. فيعني نفقة النبي لسنة على هذا المستوى من الإنفاق وأيضا لم تكن تكمل عنده السنة، فقد مات صلى الله عليه وسلم ودرعه أصلا مرهونة عند يهودية. المسألة الثانية هي مسألة الإنفاق في مصالح المسلمين ذكرناها، المسألة الثالثة هي التي نريدها الآن وهي أنه ما بقي وهو أكثر المال أنفقه النبي صلى الله عليه وسلم في السلاح والكراع، يعني في القوة العسكرية. وهذا هو هذا هو الإنفاق الذي يحفظ حياة الأمم، الإنفاق على السلاح وعلى الآلات، طبعا الكراع اللي هو الخيل دلوقتي يعني يمكن أن يساوي بقى إيه سلاح الطائرات، لأنه سلاح الفرسان ده زمان كان هو إيه يعني هو زبدة الجيش أو أهم شيء في الجيش يعني، أو حتى يا سيدي اعتبره سلاح الدبابات والمدرعات ماشي، القصد أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل أكثر المال في نفقة السلاح. هذا هو الأمر الذي تقوم به الدول وهذا هو الأمر الذي تحفظ به الدول، حتى لو كان هو في بيته جائعا ولا تكتمل عليه ثلاث ليال يشبع منها، حتى لو كان أغلب الناس عنده على هذا النحو من الحاجة والفقر كما تكلمنا فيه.
ولا يسع الوقت الآن لكي نتكلم في هذا ولكن الأمة التي في مثلا قاعدة يا شباب ممكن نسميها قاعدة المثلث الحضاري، تمام؟ في ثلاثة أطر طالما الثلاثة أمور تنفق على بعضها البعض الدولة في نهوض، أول ما يختل ضلع من هذه الأضلاع تبدأ الدولة إيه في الهبوط. ما هي الثلاثة؟ العلم، المال، السلاح. العلم، المال، السلاح. العلم يطور الموارد التي تاتي بمزيد من المال ويطور السلاح، السلاح يحمي هذا العلم ويحمي هذا المال وبطبيعه الحال يأتي بالمزيد منهما لأن القوة دائما مغرية. قلنا العلم وقلنا المال، باقي السلاح، السلاح يحميها. باقي المال والمال ينفقه على تطوير السلاح وعلى رعاية العلم وتنمية العلم.
إذا المال راح في الطرف وضعف السلاح وضعف العلم تبدأ الإيه تبدأ الأمة تبقى منفوخة مزدهرة حضاريا عندها قصور وعندها طرف وعندها حضر وعندها كتب وعندها مجالس لكن يغزوها من كان أقل منها حضارة، دي مرحلة الطرف المؤذنة بايه بانهيار الدولة، وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا. الجماعة المؤرخين يقول لك كل القوى سقطت على يد قوى أدنى منها، يعني القوة التي تنتصر عسكريا ما بيبقاش عندها نفس الإيه الثراء الحضاري الذي كان موجودا عند الأمة المغلوبة، لكن إيه اللي حصل؟ المال أنفق في الطرف فضعف السلاح وضعف العلم، كذلك العلم بدأ يروح بقى للطرف والزخارف والزينات وأزاي نعمل أحلى أكلة وأكبر قرص طعامية وأكبر ممر وأعلى برج وأوسع جسر وأكبر وردة وأحلى بدلة، الكلام التعبان ده، بيحصل إيه؟ لما المال ينفق في غير السلاح وفي غير علم، ينفق على الطرف، يضيع، يضيع المال ولا يجد من يحميه، كما قال المتنبي: فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ولا مال في الدنيا لمن قل مجده. ولذلك ممكن تلاقي دولة غنية لكن قاعدة تحت حماية آخرين، أموالها رايحة فين؟ أموالها رايحة في الإيه في الكلام الفاضي والتعبان ده وعلى هذا النحو يعني، تمام. فهنا تامل في أن النبي في هذه الحال أغلب ما جاءه من المال أنفقه فين؟ أنفقه في السلاح، تمام؟
طيب، الأمر الذي بعده بقى الدرس السادس. الدرس السادس ده درس مهم ومشكل، وهو الاهتمام بالجانب الأمني أو الجانب الاستخباري أو الجانب المعلوماتي. إحنا ذكرنا في هذا في هذه الغزوة ذكرنا سببين، تمام. قلنا السبب الأول هو دعوة اليهود النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى مناظرة وهم يبيتون الغدر، إيه اللي حصل؟ أن واحدة موجودة في بني النظير أسرت بالخبر لأخيها الانصاري هذا حكيناه، تمام؟ الرواية الثانية السبب الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه الخبر من السماء، تمام، فقام ونجى بذلك من محاوله الاغتيال، طبعا الآن مافيش خبر من السماء انقطع.
الوحي صح ولا حد بيوحى إليه انقطع الوحي. فما من بديل عند المسلمين الاهتمام بهذا الجانب، الجانب الأمني، جانب المعلومات، الجانب الاستخباري. ما من بديل عندهم إلا أن يهتموا بذلك الجانب. أتذكر في المجالس الأولى ضربنا مثلاً، قلنا لو لدينا اثنين ملاكمين، واحد قوي وواحد ضعيف، لكن الملاكم القوي ده مغمى العينين، من ينتصر في المعركة؟ الضعيف صح؛ لأنه مبصر. طيب ما بالك بقى لما يبقى الضعيف ولا مغمى العينين؟ هتبقى مسرحية، هتبقى مسخرة، مش هتبقى مش هتبقى معركة، هذا هو واقعنا الآن. العدو القوي اللي عنده هذه الأسلحة، عنده مبصر، إحنا بقى اللي ما عندناش وضعفاء مش عارفين حاجة تمام، وكل واحد فينا يحمل جاسوسه في جيبه، تمام التليفون اللي هو بيسجل عليك كل التفاصيل.
فالقصد يا شباب، يا جماعة الخير، هذه مسألة في غاية الأهمية، ويعتبر هذا من الأبواب التي ما يزال المسلمون يحتاجون فيها إلى جيوش من العاملين، وجيوش من المهتمين، وجيوش من الباحثين، وجيوش من المتطوعين. وهذا بالمناسبة أيضاً مما يجب أن يذكر هنا، إنه هذا الأمر أشد ما يكون وأفضل ما يكون وأحسن ما يكون أن يرزقه تائب كان في معسكر الظالمين. يعني التائب الذي بصره الله بالحق، عرفه الله بالحق، بغضه الله في الظلم، هداه الله إلى التوبة وهو في معسكر الظالمين، هذا أفضل أدواره أن يكون في هذا المكان تمام. وهناك من نجهل عنه كل شيء وخلده القرآن بهذا الدور فقط، قال تعالى: وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ. نعرف حاجة تاني عن الراجل ده؟ أبداً، خلد بهذا العمل في القرآن الكريم؛ لأنه بهذه المعلومة فقط نجى الله موسى من بطش فرعون. يعني هذا العنصر الموجود في نظام فرعون حين عرف معلومة الاجتماع الذي تم وجاء فأخبر موسى، أدى هذا إلى نجاة نبي الله موسى عليه السلام. مسألة يعني مسألة التطوع بمعلومة هذه، أو أن يثبت مثلاً كما في قصة مؤمن آل فرعون، وهذه أفرد الله له تبارك وتعالى في سورة غافر قسماً من وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ. إنت بترا في قصة هذا الرجل، وقال تبارك وتعالى في النهاية: فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ. بالمناسبة حتى مسألة المعلومة التي يقدمها الإنسان بدون تكليف، هذه مسألة تجدها يثني عليها القرآن الكريم، بل العجيب غريب جداً أن الله أثنى على الحيوان أو الطائر الذي قدم معلومة بدون تكليف، قال: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لي لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ. بما مدح الهدهد في القرآن الكريم؟ جاء بمعلومة لا يعرفها سليمان، فمكث غير بعيد فقال: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ. أو أن تجد مثلاً رجلاً كمؤمن آل ياسين، مؤمن آل ياسين عمل إيه في حياته غير هذا الموقف؟ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ. إنت وإنت بتقرا القصة دي دلوقت، دي قرية أرسل الله إليها رسولين فكذبوهما فعززناه بايه، إيه بتالب إنت جاي تعمل إيه يعني؟ أي واحد شايف المشهد ده، ثلاث رسل واقفين بيكلموا الناس، ثلاث رسل إنت إلي جابك، وجاي من أقصى المدينة تعمل إيه؟ ومع ذلك ذكره الله تبارك وتعالى في القرآن أكثر مما ذكر الرسل.
تمام، القصد يعني أهم ما يكون أهم ما يكون، أو أهم الأدوار أو احسن ما يكون في أدوار هذا الجانب الأمني المعلوماتي الاستخباري سميه ما شئت، هو أن يرزقه الله أن يرزقه الله أحد التائبين الذين كانوا في هذا المعسكر، وطبعا وإن كان هذا لا يعني أ أقول وإن كان هذا لا يغني عن الاهتمام بهذا الجانب أن يكون بالتدبير. الدرس السابع يا جماعة الخير.
الدرس السابع. عندنا وقفة مع مسألة تحريق النخل. نحن ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يستعين على نفوس بني النضير فامر بتحريق نخلهم، كانوا يختبئون خلفه وكان بالنسبة لهم مورد عسكري ومورد اقتصادي. وما أن بدا في تحريق النخل حتى صاح اليهود: قد كنت تامر، قد كنت تنهى عن التخريب والتحريق، فالآن تفعله! تمام إنتو عارفين اليهود بتوع حقوق انسان، طيب فامر النبي بالكف. عملوا إيه بقى؟ قالوا أهو إنت ما تعرفش بقى ده نبي، معقولة يكون ده نبي؟ طب لو كان حرق النخل بحق يبقى واقف عنه ليه؟ لو كان ما حرقوش بحق يبقى يعني الراجل ده باين عليه مش نبي اللي هو ما فيش وسيلة مع أهل الباطل ما فيش ما فيش حل، طيب فلذلك أنزل ربنا تبارك وتعالى قوله: مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُموهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ. يعني أن الله يرضى هذا وذاك، وأن هذا الأمر متروك للتقدير.
الخلاصه هنا هذا الموضع يا جماعة هو من مواضع عظمة الإسلام التي قليلاً ما رايت المتكلمين فيها تستطيع أن تقول لدينا في الفقه الإسلامي باب كبير اسمه حقوق النبات في الإسلام إن صح التعبير، تمام. فإن الله تبارك وتعالى نهى عن قطع النبات، ونهى، يعني مثلاً في قوله تعالى: وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا. جمهور المفسرين يقولون: أي تغوير الآبار، وتغوير العيون، وقطع النبات، هذا هو معنى الإفساد عند جمهور المفسرين. ربنا تبارك وتعالى وهو يذكر خلقه يقول: وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ. يفهم العلماء من ذلك أن هذا يحمل المسلم على احترام هذا النبات؛ لأنها خلق الله، ولانها موجودة بتقدير الله الحكيم العليم، وبأنها موزونة، يعني حتى نسب توزعها موزونة.
الامر الثاني أن الله تبارك وتعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر بصراحه، قال: من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار. السدرة هي شجرة النبق، والعلماء عند هذا الحديث في شروح الحديث متفقون على أنه المقصود كل الشجر ليس السدرة على وجه التحديد. طيب لماذا ذكر النبي السدرة لهم؟ في ذلك كلام لا يتسع له المقام الآن يعني لماذا خصها النبي بالذكر؟ طيب القطع هنا المقصود به هو القطع في غير منفعة، وإلا فالأصل أن هذه النباتات مسخرة لخدمة الناس، فالأصل هو الآيه القطع في غير منفعة، وفي ذلك آيات وأحاديث كثيرة. بل جاء الإسلام بالاكثار من الإنبات والتشجير، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان أو بهيمة أو طائر إلا كان له به أجرا. حديث عند الشيخين في رواية مسلم قال: ولا يرزأه أحد إلا كان له به أجرا. يعني لا ينقصه أحد يعني حتى اللي هيسرق منه حتى ينقصه يعود الأجر في ذلك على من غرسه. المهم يعني الكلام في هذا طويل، وشيخنا القرضاوي رحمه الله كان يقول هذا الحديث: ما من شيء أكثر تحفيزاً على الغرس والزرع من هذا الحديث، حديث إيه؟ إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فاستطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها، فان له بذلك أجراً. شوف إنت في لحظة القيامة اللي هو ما حدش سينتفع بالزرع ولا بالثمر، ومع ذلك كان العمل هو إيه؟ الزرع والثمر.
ضرب الله مثلاً الأعمال الصالحة بحبة القمح. وبعض العلماء يحمل بعض الآيات والأحاديث على أن أحب الأعمال إلى الله الزرع؛ لأنه فيها عمل اليد وفيها التوكل. أخذاً من قول النبي صلى الله عليه وسلم: ما أكل مسلم طعَاماً قَطُّ خَيْراً مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ. طيب عمل اليد ده في كتير، في زرع وفي نجارة وفي صناعة، تمام في كتير يفضلون الزرع لأن فيه التوكل على الله، إنت تلقي وتأمل وتعتمد وتتوجه بضميرك إلى الله تبارك وتعالى، بينما الصانع الخشب أو ما شابه الأمر عنده حسبة مادية أقرب إليه، تمام كلام طويل لا يتسع له المقام الآن.
يأتي مسألة تحريق النخل عند الضرورة الحربية ليكون هو موضوع الخلاف بين العلماء. يبقى كل ما سبق هذا ثابت متفق عليه، ناتي عند موضوع الضروره الحربية، هل يجوز تحريق الشجر والنخل؟ أو هنسميها بالمصطلح المعاصر بتاعنا دلوقت الأضرار الاقتصادي بالعدو. تمام، طبعا إنت دلوقت في ما حدش بيقول لك إن الإضرار الاقتصادي بالعدو ده ممنوع في الحروب، ده يعني ده ده الطبيعي، يعني ده قصدي ما حدش حتى بيستنكره، تمام. لا، هذا أمر آخر، أنا قصدت القول إنه لما يجي حد مثلا يعني يقصف بئر بترول مثلا في حرب، ما حدش بيقول له إنت ليه يا اخي قصفت بئر بترول؟ ما هو طبيعي، يقول لك ما أنا بعمل إضرار اقتصادي للعدو، تمام هذا هو الأمر الذي اختلف فيه العلماء.
فخلاصة خلافه، خلاصة الكلام فيهم -مع أنه طبعا الكلام ذو ذيول وفروع- خلاصة الكلام كالاتي يا جماعة: هذا الزرع، هذا الزرع يؤدي إلى ضرر على المسلمين ويؤدي إلى انتفاع الكافرين بشكل اكيد، عندئذ يجوز إحراقه، يجوز إحراقه ليه؟ لأنه الموازنة الآن حصلت بين أرواح البشر وبين إيه؟ الزرع. فساعةئذ قدم الحفاظ على البشر، طبيعي. هذا الزرع لا يضر المسلمين ولا ينتفع منه الكفار، ما القول؟ القول لا يجوز إحراقه حتى لو كان عند الكفار. وجود هذا الزرع صحيح لا يؤدي باضرار المسلمين ولا يؤدي إلى نفع الكافرين منفعة مادية، لكن يؤدي ربما إلى نفعهم منفعة معنوية، وهنا وقع الخلاف، بعضهم يجيز وبعضهم لا يجيز، وبرضه الذين يجيزون يحملون هذا على طول المعركة التي قد تهلك الناس، والذين لا يجيزون يحملونها على أنه الضرورة لم تتحقق، طيب هناك مسألة أخرى، إذا غلب على الظن أن المسلمين يفتحون هذا البلد، عندئذ لا يجوز التحريق؛ لأنه يكون بمعنى إيه؟ الإضرار بمستقبل للمسلمين، أصلاً اندلاع هذا النقاش الفقهي عند المشرعين المسلمين هو دليل على ارتقاء الإسلام أصلاً، وأن تكون المرء أو يعني الحالة الوحيدة التي يجوز فيها الإحراق هي أن الموازنة التي وقعت بين الأرواح، أرواح البشر وبين النبات.
الدرس الثامن. قال ربنا تبارك وتعالى: كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ. حكمه الله تبارك وتعالى في توزيع الغنائم التي لم تأتي بجهد اللي هي سميناها الفيء هي إنه المال لا يكون دولة بين الأغنياء، يعني الماء لا يتداول بين الأغنياء فقط. طبعا هذه الآية هي آية عمود كبير في بناء الاقتصاد الإسلامي، وهي العمود الأساسي المناقض للاقتصاد المعاصر، اللي هو الاقتصاد القائم على الربا؛ لأنه الربا طبعا الربا الآن صار نظاماً زي ما أنتم عارفين نظام يعني كل الناس كل الناس الآن متأثرة بالربا، كل الناس.
أحد أهم علامات الربا أن هو بيعمل إيه؟ بيزيد الغني غنى ويزيد الفقير فقراً؛ لأن في واحد قاعد بدون أي مجهود يزيد ماله على الطرف الآخر، وواحد مهما بذل من المجهود لا يستطيع أن يوفي المال الذي قد صار عليه ديناً، فما هي المتوالية التي تحدث؟ أن المال يظل يتركز في القلة القليلة التي تحكم ويتحولون إلى سادة، ويتحول عموم الناس إلى عبيد، تمام؟ والربا أيضاً هو نوع من المتاجرة بالمال، يعني لا أري هذا الأمر يمكن تبسيطه أم لا. المال في الإسلام هو صورة الثروة، صورة الثروة يعني المفروض في الإسلام إنه الأموال اللي في إيدك تساوي الثروة التي هي عندك، وبالتالي فما ينفعش المال نفسه يتحول إلى سلعة، يعني ما ينفعش المال يجيب مال، ما ينفعش المال يلد مال، مش واضحة صح؟ واضح، طيب.
عموماً لو مش واضحة نبقى نشوف بقى مرة ثانية نتكلم فيها. القصد هنا لما يبقى في واحد عنده أموال ترد أموالاً، ما الذي يحصل؟ الثروة تتناقص عن مقدار المال الموجود؛ لأن المال عمال يكتر، الورق عمال يكتر، والثروة نفسها لم تزد مثل هذه الزيادة، فلا بد أن تتضخم، لابد أن يحدث التضخم، يعني لابد أن ترتفع الأسعار؛ لأن المال كثر والثروة ما تزال لم تكثر. طيب هذا الكلام بيعمل إيه بقى مع تطويره وتكبيره كده؟ هتلاقي إنه لابد أن تحدث الأزمات في الاقتصاد العالمي، وهذه الأزمات سيدفع ثمنها الفقراء ويخرج منها الأغنياء وقد ازدادوا غنى. ولذلك الجماعة بتوع الاقتصاد الرأسمالي يقول لك هو من طبيعة الاقتصاد الرأسمالي كده، إن هو عنده دايماً إيه؟ فقاعة ودورة نمو، ويجي في لحظة تحصل أزمة ويحصل ركود ويدفع ثمنها الشعوب والفقراء، بينما يستفيد منها الأغنياء.
ها هنا هذه الآية: كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ. أساس في بناء المجتمع المسلم، إنه العلاقة بين الناس لا يكون المال فيها مكنوزاً داخل إيه؟ دائرة الأغنياء فقط، تمام. طبعا وأنتم ترون إنه يعني حين يتركز المال أصلاً في يد الأغنياء، ما الذي يحصل يعني؟ مش ما الذي يحصل على سبيل على سبيل الاستشراف، أصل إحنا شايفين اللي بيحصل دلوقت، يعني فضائح أبستين اللي إنتوا اللي إنتوا سامعين بيها دي هذه، ما مردها؟ ما مرجعها؟ واحد عنده فلوس كتير، وبالفلوس الكتيرة عنده نفوذ كبير، هذا النفوذ الكبير يمكنه من استعباد الناس رغباً أو رهباً، يعني رغباً بمعنى إنه تاتي تاتي البنات أو تاتي الأسر وتقدم بناتها علشان يدخلوا في هذا العالم، عالم الثروة والشهور، أو قصراً إنه يستطيع بهذا المال وبهذا النفوذ أن يأتي بمن يشاء هو، فهذا يعني جزء من تركيز، جزء من مأساة هذا العالم هو هذه الأموال المركزة في يد قلة من الناس. في هذه الغزوة أيضاً حرمت الخمر.
في غزوة بني النضير حرمت الخمر، حرمت في ليالي الحصار. وهذا هيفتح معنا أكثر من موضوع، احنا معنا كم وقت؟ دقيقتين؟ طيب، كنت أتمنى أن احنا نتكلم اليوم عن سورة الحشر لكن نرجئها إن شاء الله إلى ما بعد رمضان.
لكن سريعا يا جماعة الخير، الخمر أهم موضوع يعني ينبغي أن نتكلم فيه، أن الجهاد فرض قبل تحريم الخمر. يعني في المسلمين سادات استشهدوا في سبيل الله وهم لم يمتنعوا عن الخمر تمام، فلذلك عشان واحنا بنرتب الأولويات وبنعرف حجم الفروض والواجبات والمحرمات يبقى واضح في دماغنا، أن الجهاد وما تقوم به أمور الأمة أمر أشد وأخطر من حتى الذنوب الفردية. تمام.
طيب، رقم اثنين، أن هذا الخمر إنما حرم تدريجيا. نحن ذكرنا أنه مافيش تدريج في إقامة الدولة الإسلامية، أي فرصة مناسبة النبي صلى الله عليه وسلم لما تكلمنا عن أحوال المدينة وأوضاع المدينة، مافيش تدرج في إقامة الدولة، التدرج في تطبيق الشريعة بحسب ما يحتمل الناس. وهنا بقى حديث عائشة المشهور جدا لما قالت: نزل من القرآن أول سورة من المفصل أول ما نزل من القرآن سورة المفصل فيها ذكر الجنة والنار، تمام، وما نزلت البقرة والنساء.
سورة المفصل دي نزلت في مكة، تقول: فيها ذكر الجنة والنار، فيها قوله تعالى: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ، وأنا جارية ألعاب بمكة وما نزلت البقرة والنساء الأحكام إلا وأنا عنده بالمدينه. ولو نزل من أول الأمر لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبدا، ولو نزل من أول الأمر لا تشربوا الخمر لقالوا لا نشرب الخمر أبدا، لا ندعو الخمر أبدا، لا ندع الخمر أبدا، عافاكم الله من سبق اللسان.
فالخلاصة يا جماعة الخير، البناء النفسي الإيماني، البناء النفسي الإيماني مقدم على تغيير السلوك الخارجي. ولذلك ترى ربنا تبارك وتعالى أول ما أشار إلى مسألة الخمر أشار إليها إشارة سريعة كده سورة النحل: وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا، إشارة كده إلى أن السكر رزق مش حسن. وبعدين، يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مَن نَّفْعِهِمَا.
فكان بعض المسلمين متحيرا، ولذلك كان سيدنا عمر يتمنى أن يبين الله بيانا شافيا في الخمر. القصد هنا أنه إيه؟ بدا المسلمين يشعروا أن الله لا يرضى عن شرب الخمر، ثم نزل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ. طب يعني ايه لا تقربوا الصلاة وأنتم؟ التطبيق العملي لهذه الآية أن هم مش هيعرفوا يشربوها إلا بعد العشاء، لأن هو في النهار شغال، الظهر بعده بشوية، العصر، بعده بشوية المغرب، بعد العشاء بس.
ثم نزل ها هنا قوله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ. قالوا انتهينا يا رب.
وتطبيق المسلمين للانتهاء عن الخمر معجزة في حد ذاته، وأي واحد أنا أنصح به أن هو يقلب كده في محاولة أمريكا أن تلغي الخمر سنة تسع وعشرين، لما حست أن الموضوع بيبوظ الاقتصاد، هنشوف بقى أنفقوا كام وعملوا إيه، ثم فشلوا في نهاية الأمر، ولا يزال الخمر أحد معضلات البشرية حتى الآن.
أسأل الله أن يبلغنا وإياكم رمضان، وأن يكتب لنا فيه العتق من النيران، وأن يجمعنا بكم دائما على خير، وأسأل الله تبارك وتعالى أن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد إلهامي