السلام عليكم ورحمة الله، بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، اللهم اجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين. مرحباً بكم أيها الأحباب، طابت ممشاكم وتبوَّأتم من الجنة منزلاً، نسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا على طاعته أن يجمعنا في جنته ومستقر رحمته ودار كرامته.
وهذا هو المجلس الثاني والأربعون من مجالس السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وكنا توقفنا في المجلس الماضي عند مسألة المسجد وبناء النبي صلى الله عليه وسلم للمسجد. ووصلاً بما كنا توقفنا عنده، فذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بمجرد أن نزل في قباء بنى مسجده، المسجد الأول أول مسجد في الإسلام هو مسجد قباء، وأنه لما كان سائراً من قباء إلى المدينة أدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف، فبنى هناك مسجداً وخطب فيه أول خطبة، ولما نزل المدينة المنورة كان أول ما فعله أن بنى مسجده المسجد النبوي.
والآن نتكلم في مسألة المسجد، بداية المسجد نستطيع أن نقول هو مؤسسة الإسلام، مؤسسة الإسلام. طبعا النظر السياسي البحت يعني النظر الذي سينظر من وجهة النظر السياسية سيرى أن المسجد كان له الدور الأكبر والدور الأعظم في صناعة الاندماج بين المجتمع المسلم في المدينة المنورة. نحن ذكرنا أن المجتمع المسلم في المدينة المنورة، أن مجتمع المدينة كان فيه انقسامات بين مسلمين وبين يهود وبين مشركين، وأن المسلمين منقسمين أوس وخزرج، وهؤلاء خرجوا من حروب وانه ألهاهم هذا الانقسام بين المسلمين، انقسام مهاجرين وأنصار، الأنصار منقسمين أوس وخزرج، المهاجرين منقسمين إلى أكثر من قبيلة جاؤوا منها.
الآن ونحن هنا في تركيا وجميعكم يعني من المحسوبين على المهاجرين واللاجئين، ما تكاد تجلس مجلساً أو يعني ينفتح موضوع اللاجئين والمهاجرين في تركيا إلا ويتكلم الناس عن مشكلة الاندماج، صح؟ دائماً مشكلة الاندماج وأنه لم لا يستطيع اللاجئون أن يندمجوا ولا يستطيع المهاجرون أن يندمجوا، ويوصى دائماً بتعلم اللغة على أساس أن تستطيع الاندماج، وليس الأمر في تركيا وحدها ولكن كذلك هذه هي المشكلة الموجودة في سائر الدول التي تستقبل مهاجرين، يعني إذا ذهبت إلى ألمانيا تتكلم عن برامج الاندماج، إلى هولندا عن برامج الاندماج، إلى فرنسا عن برامج الاندماج، يعني بريطانيا نفس الكلام، وكل بلد لها طريقتها في مسألة الاندماج، أما أن يكون الاندماج ناعماً على هيئة الذوبان والاحتواء والمزايا، وأما أن يكون قسرياً على هيئة الإلزام والاجبار.
الخلاصة يعني يا جماعة الخير مسألة الاندماج هذه من المسائل التي تؤرق أو المسائل التي تنشأ وتنبت في أي مجتمع يضاف إليه كثير من الناس بشكل مفاجئ، ونحن نرى الآن في زماننا هذا في الدول المتمتعة بوفرة مالية، الدول المتمتعة بقوة تكنولوجية، الدول المتمتعة بما يسمونه البيج داتا المعلومات والبيانات الضخمة التي تمكنها من معالجة الأمور، يعني الأصل في مسألة أن يكون لديك كثير من المعلومات أنك تستطيع أن تحدد مواطن الخلل وتحدد أاساليب الحل. إذا نظرت في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ستجد أن المسجد قد حقق أسرع تجربة معروفة من الاندماج بين العرب والمسلمين في ذلك الوقت. كيف؟ الناس يتقابلون في كل يوم خمس مرات على الأقل، خمس مرات على الأقل، وبالتالي فتستطيع أن تقول أنه مثلاً بعد شهر واحد من هذه العادة وهذا السلوك، بعد شهر واحد خمس صلوات على الأقل في ثلاثين يوم، يعني كل واحد منهم قابل الآخرين في الشهر الواحد على الأقل 150 مرة.
هذا ما تستطيع الدول حتى الآن أن تحقق هذا النوع من الاندماج بهذا القدر من السرعة، يعني المسجد حين، طبعا أنتم تعرفون أنه صلاة الجماعة هناك خلاف بين العلماء، صلاة الجماعة هذه واجب أم هي سنة مؤكدة؟ واجب بمعنى أنه يأثم من تركها، يعني لا يجوز أن يقدر المسلم على صلاة الجماعة ويتركها، ويستدلون في هذا ببعض الآيات وبعض الأحاديث كقول الله تبارك وتعالى: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ. يقولون إنه لو كان الركوع وحده هو الواجب ما كان أضاف الله تبارك وتعالى مع الراكعين. وكذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أم مكتوم: أتسماع النداء؟ قال: نعم. قال: فأجب. وعلى كل حال لا ندخل نحن في الخلاف الفقهي في حلقاتنا هذه، لكن القصد أن المسلمين كانوا حريصين على هذا الوجود الدائم في كل الصلوات لدرجة أن سيدنا عبد الله بن مسعود كان يقول: ولقد رايتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان يؤتى بالرجل يهادى بين الرجلين، يعني رجل في حالة مرضية صعبة كان يمسك به رجلان آخران حتى يقيمه في الصف.
إذا كانت أو كان هذا المسجد، كانت حياة المسلمين في المسجد على هذا النحو أنهم يلتقون في اليوم الواحد خمس مرات. طيب هل كان لقاؤهم هذا خمس مرات هو كلقاء مثلاً الذي يحصل الآن في المصانع أو في المعامل أو في الأعمال أو في المدارس بالنسبة للأطفال؟ ما هو الآن أنت تجد أنه أحياناً تعمل هذه الشعوب المتنافرة في المصانع، في المزارع، في المدارس، ومع ذلك لا يتحقق أيضاً الاندماج المطلوب. لا، المسجد كان فوق هذا اللقاء، فوق أنه يجمع بين المسلمين في مكان واحد، كان يجمع بينهم في أعلى مستوى روحي، لأن هؤلاء الذين كانوا يقدمون إلى المسجد كانوا يتطهرون أولاً، التطهر من الحدثين؛ الحدث الأكبر والحدث الأصغر، وياتي وهو مستشعر أنه يصلي، يقف بين يدي الله تبارك وتعالى، وأنه خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه يسمع ما يتنزل من القرآن الكريم، وأنه يسمع ما يعظه به رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني الأجواء التي يصنعها المسجد في أهله هي الأجواء المساعدة على هذا الارتقاء الروحي، الأجواء التي يتحقق فيها أن يخرج الإنسان من حظ نفسه، من حظ الدنيا، فلذلك يكون مستوعباً على غير حال آخر من أحوال الدنيا والتعلق بالدنيا والتنافس على الدنيا ومكاسب الدنيا، يكون موجوداً في المسجد وجود من يتلقى دينه، وجود الإنسان الموجود في حالة روحية عالية.
ولذلك حين يسمع يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، يا أيها الذين آمنوا هي هذه الهوية الجديدة، هذا النداء الجديد، هذه الجماعة الجديدة المتميزة على من سواها، الذين آمنوا، فلا يقع في الذهن والخاطر إلا أن هؤلاء المجموع في المسجد الواحد هم حقيقة جماعة واحدة. إذاً لديك مجتمع لما وجد فيه هذا المسجد أدى إلى أسرع عملية تعارف وأسرع عملية تألف وأسرع عملية اندماج في التاريخ معروف للبشر. حتى نحن الآن، وتجارب الناس الموجودين في تركيا، أكثر الناس الذين استطاعوا أن يتألفوا سريعاً مع محيطهم هم الذين كانوا يحرصون على صلاة الجماعة، الحرص الدائم على صلاة الجماعة، مع أنه زمننا هذا وتقاليدنا الآن وأحوالنا الآن والحاجز اللغوي الذي نحن فيه، مع أنه كل هذا من معيقات حصول التالف، وما شاع فينا من الفردانية، وما شاع فينا من التأثر بيعني نظام المواطنة وخفوت الحالة الروحية وخفوت الحالة العشائرية والقبائل وحالة الترحيب بالضيف، مع كل هذا لم يزل الذين تعلقوا بالمسجد هم أكثر وأسرع الناس الذين استطاعوا أن يتألفوا مع محيطهم، لم يتحقق مثل هذا لغيرهم.
فلا يزال المسجد حتى هذه اللحظة ورغم كل العوائق التي نتجت هو الأقدر على صناعة أسرع حالة تمازج واندماج بين أهله ولو اختلفت ألوانهم واختلفت لغاتهم. يبقى أولاً كثرة اللقاء في المسجد صنعت حالة تمازج، تقبل الإنسان وهو في الحالة الروحية، حالة العبادة الروحية جعلته يندرج وينسب بشكل أسرع وأسهل في التمازج والاندماج من حالة الذين يلتقون في المصانع وفي المزارع وفي المدارس وفي غير ذلك.
طيب، ولكن المسجد أيضاً لم يكن مجرد مكان يلتقى فيه للعبادة، وهنا سنرى أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم كان كل شيء، كل شيء بمعنى كل شيء. يعني إزاي؟ يعني المسجد كان بمثابه قصر الحكم والرئاسة، فيه يستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الوفود التي تأتي إليه، وفيه كان من هذا المسجد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل الدعاة مع من أراد أن يتعرف على الإسلام، بالمصطلح المعاصر يرسل السفراء والمبعوثين والممثلين الدبلوماسيين، من المسجد وفي المسجد كان يعقد مجلس الحرب، فكان بمثابة وزارة الحربية أو وزارة الدفاع، وفيه تعقد الرايات وفيه تعقد الألوية وفيه يقسم الجيش.
والمسجد كان هو وسيلة الإعلام، طبعا أنت لا، يعني القائد الرئيس الزعيم، وهو في حالتنا نبينا صلى الله عليه وسلم، كان يلتقي بشعبه برعيته بأهل دولته خمس مرات في اليوم، وهناك لقاء عام جامع في كل يوم جمعة يأتي إليه الناس من الأنحاء والأطراف. وإذا حزب شيء أو جد شيء نادى منادٍ: الصلاة جامعة، الصلاة جامعة، فيأتي الناس إلى المسجد، وأحياناً وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم كي يعلم الناس، كما في الحديث المشهور أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الفجر فخطبنا حتى جاءت صلاه الظهر، فنزل فصلى ثم صعد فخطبنا، فقص علينا ما قد كان وما يكون فأحفظنا لنا. فالمسجد كان وزارة الإعلام، كان المكان الدائم الذي يتلقى فيه المسلمون التوجيهات الجديدة، سواء التوجيهات الجديدة هذه كانت من أمر الآخرة، يعني نزل على رسول الله شيء، أو كانت هذه التوجيهات يعني مما نزل من عند الله أو مما يقوله رسول الله أو كان من أمر الدنيا.
وفوق ذلك المسجد كان المدرسة التي يعلم فيها النبي صلى الله عليه وسلم الناس، فكان مجلس النبي صلى الله عليه وسلم مع صحابته فين؟ في المسجد. وأحياناً حتى إذا لم يجلس النبي صلى الله عليه وسلم ربما خرج النبي فوجد الصحابه جالسون في المسجد فيقول: ما أقعد الساعة هنا؟ فيقولون: يا رسول الله، قعدنا نذكر الله عز وجل. قال: الله، ما أقعد إلا هذا؟ قالوا: والله ما قعدنا إلا لهذا. فكان المسجد فيه ملتقى المسلمين، يعني المسلمين ما كانش عندهم في ذلك الوقت ما نصطلح على مسألة النوادي والكافيهات والمطاعم وهذه الأمور، كان ملتقى المسلمين في المسجد.
والمسجد كان ربما سمح فيه النبي صلى الله عليه وسلم ببعض الالعاب، كما تعرفون في حديث عائشة المشهور أنها كانت تنظر إلى الحبشان وهم يلعبون في المسجد يقذفون بالرماح، وأرخى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتفه لها. والمسجد كان أيضاً يستخدم أحياناً كسجن، لما جاء ثمامة بن أثال فرابطه النبي صلى الله عليه وسلم في سارية المسجد حبسه في المسجد، وإذا بثما بن أثال يرى عبادة المسلمين وصلاة المسلمين فبعد ثلاثة أيام وقع في قلبه حب الإسلام. وأحياناً كان الصحابي يعاقب نفسه بأن يربط نفسه إلى سارية في المسجد، يقول: لا أحل نفسي حتى يحلني رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذاً المسجد يا جماعة الخير لم يكن كما نفهمه الآن مجرد مكان تؤدى فيه الصلوات. طيب، السؤال المهم: ما الذي جعل المسجد يتحول من هذه المؤسسة الحية المتحركة النابضة إلى الحال الذي نحن فيه ناتي إليها بعد قليل إن شاء الله؟ وأخرت لكم شيئاً في أن المسجد كان مأوى من لا مأوى له، الفقير، الغريب، الطريد، اللاجئ الذي لا يجد أحدا ينزل عليه، كان ياتي فينزل فين؟ في المسجد. ولذلك كان في آخر المسجد منطقة مظللة، ذكرنا في المجلس الماضي هذه المنطقة المظللة، قلت لكم ساتيكم على خبرها، وهي أهل الصفة.
أهل الصفة هؤلاء هم الفقراء الذين لا أهل لهم في المدينة ولا مأوى لهم فكانوا ينزلون في المسجد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من كان عنده طعام واحد فليذهب باثنين، ومن كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام ثلاثة فليذهب باربعة. اهل الصفة هؤلاء قوم كما وصفهم أبو هريره رضي الله عنه وأبو هريرة كان من أهل الصفة، كانوا قوماً لا يعني كان يقول: لم أرَ على واحد منهم ثوباً، الثوب يعني الثوب الكامل الإزار والرداء، لا، لم يكن يملك الإزار والرداء معاً، وإنما كان يملك الثوب الواحد يربطه في عنقه.
فهؤلاء كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءته صدقة ارسل بها إليهم، إذا جاءته هدية أصاب منها وارسل بها إليهم، وإذا أراد أن يحث أحداً على الصدقة أو على الهدية أشار إليه إلى أهل الصفة. إذا جاءته غنيمة أو نفل وكان صلى الله عليه وسلم يقدمهم على أهله، تعرفون الحديث المشهور حديث فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم لما اشتكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما فعله بها الرحى، يعني كانت تطحن القمح على الرحى، الرحى الحجرين القديمين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، طبعا هي إيه جاءته لكي ترجو أن أو تطلب منه أن يعطيها خادماً من سبي جاءه، فقال: لا أعيطي أحداً وأترك أهل الصفة يطوون على جوعهم، وإنما أبيع هؤلاء فأنفق منه على أهل الصفة. ثم علمها الحديث المشهور: ألا أخبركم بما هو خير لك من خادم؟ إذا أتيتم إلى مضجعك، يكلمها وعلي رضي الله عنه، فسبح الله 33، وحمده 33، وكبره 34، فذلك خير لكما من خادم. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقدم أهل الصفة على حتى أهل بيته صلى الله عليه وسلم، لكن القصد هنا.
أنت لو تأملت في مسألة أهل الصففة تكتشف أموراً، تكتشف:
أولاً: أن الآن لو أنا أتكلم من وجهة نظر أيضاً سياسية ومن وجهة نظر يعني الدولة وحاكم الدولة؛ الموارد البشرية أهم مما سواها من الموارد، يعني الإسلام لم يسمح لأحد من المسلمين أن يظل في بيته وفي قبيلته حتى لو أنه إذا جاء للمدينة لم يجد لنفسه لا مأوى ولا رزقاً، يعني الإسلام فضل أن المسلم يأتي من المكان الذي فيه رزق وفيه مأوى إلى دار الإسلام حتى لو لم يكن له فيها لا رزق ولا مأوى، لأن الموارد البشرية وجود البشر هو أهم شيء بالنسبة للدولة، الموارد البشرية هي أهم شيء، هي فوق الموارد المادية، فوق الذهب، فوق الكنوز.
وبالنسبة للمسلم نفسه هنا من وجهة نظر روحية ومن وجهة نظر دينية -طبعاً والدين والدنيا في ديننا لا ينفصلان- أن المسلم مقامه في دار الإسلام هو المكسب العظيم له، حتى لو أنه سيقيم في دار الإسلام على هذه الحال من الفقر والعوز والحاجة، هذا خير له من أن يقيم في دار كفر وعنده بيته ورزقه.
وأهل الصفة أيضاً كانوا يزيدون، لأنه كلما أسلم أحد من أهل الأمصار باء إلى المدينة، فكان أهل الصفة يزيدون، يعني الأنصار رغم أنهم ضربوا المثل العالي الرفيع في إيواء المهاجرين وفي الإيثار على أنفسهم مما سنأتي له إن شاء الله بعد قليل، رغم هذا؛ الأنصار لم يستطيعوا أن يستوعبوا كل المهاجرين، لم يستطيعوا! وهذا يدلك على يعني هذا يفهمك معنى قول الله تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، يعني لو كانوا في حاجة، يعني أنظر أهل مدينة، أهل مدينة لا يستطيعون أن يستقبلوا عدداً أقل منهم بكثير، إمكانياتهم لا تسمح لهم بهذا.
صحيح بذلوا أقصى ما يمكن أن يبذل كما سنرى في المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، لكن مع ذلك ظلت قدراتهم أقل من أن تكفي استيعاب كل المهاجرين، وهذا يا جماعة الخير يعطيكم تصوراً عن عظمة الأنصار مرة أخرى -ذكرت لكم في المجلس الماضي ولا أدري كم مرة سأكررها- أنه طالما دخلنا في المرحلة المدنية فنحن دخلنا أمام مواقف غير من هي من إيثار الأنصار ومن عظمة الأنصار.
شوف هؤلاء الناس الذين لم يستطيعوا أن يستوعبوا -يعني لم تستطع قدراتهم المادية أن تستوعب اللاجئين المهاجرين إليهم- هؤلاء كان عندهم من القوة النفسية ومن الاستعداد ومن الشجاعة ومن التضحية أن يستقبلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم المطلوب رقم واحد، وأن يكونوا شوكته وأنساره، حقيقة يعني المسألة هنا ليست مسألة إمكانيات مادية وحدها بقدر ما هي مسألة قوة روحية وقوة إيمانية وقوة نفسية، لعمري ما ضاقت بلاد بأهلها ولكن أحلام الرجال تضيق.
فالمسألة مبنية أصلاً على هذه القوة النفسية والقوة الإيمانية، وهذا يخبرك أيضاً عن طبيعة اقتصاد المدينة وعن ضعف اقتصاد المدينة بعد حرب بعاث، وكيف أن هذا الاقتصاد لم يكن قادراً على أن يستوعب المهاجرين القادمين إلى المدينة، لذلك ظهرت عندنا ظاهرة أهل الصفة، الذين لم يجد لهم أهل المدينة لا مأوى ولا رزقاً ولا عملاً.
إذاً؛ فالمسجد كان هذا كله، كان قصر الحكم، وكان مجلس الحرب، وكان البرلمان الذي يتشاور فيه النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، وكان المدرسة التي تعلم الناس الإسلام، وكان المحضن التربوي الذي يتربى ويرتقي فيه الناس، وكان المحضن الاجتماعي الذي يدمج ويؤلف بين قلوب الناس، هذا كله كان المسجد.
وبقي أمر أخير، حين تتامل في سيرة صحابة النبي صلى الله عليه وسلم تجد أن المسجد كان بالنسبة إليهم أصلاً والحياة استثناء، يعني الأصل أن الناس متعلقون بالمسجد، يسعون في الدنيا ويطلبون الرزق ويضربون في الأرض ولكن بالقدر الذي يحفظ عليهم حياتهم، بالقدر الذي يحرس بقاءهم وجودهم، لكن لا ينغمسون فيه، هم الصحابه تركيزهم الأساسي كان هو الآخرة، كان هو المسجد، فلذلك الأصل في حياتهم المسجد، وإنما يخرجون إلى الدنيا ليتزودوا منها للآخرة.
يعني أنت حين تقرا هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الصلوات، في قراءة السور، في الإطالة، أنت -طبعاً افتح مثلاً كتاب مثل زاد المعاد للإمام ابن القيم- أنت حين تقرأ ماذا كان يقرأ النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح، صلاة الظهر، صلاة العصر، المغرب، العشاء؛ هذا أمر لا يطيقه أهل هذا الزمن! أهل هذا الزمن إذا الإمام زاد عن خمس آيات، ست آيات؛ يضجرون! لماذا؟ لانه حقيقة يا جماعة الخير؛ نحن في حياتنا الآن الحياة بالنسبة إلينا هي الأصل والمسجد هو الاستثناء، المتدين في هذه الأمة هو الذي يذهب إلى المسجد لكي يسقط الفريضة عليه، يسقط الفريضة عنه، يعني كما قالوا فعلاً: كان شعار الأقدمين أرحنا بها يا بلال، أما شعار المتدينين اليوم فهو إيه؟ أرحنا منها يا بلال! عايزين نصلي وننجز، نصلي ونرجع إلى ما كنا فيه، نصلي ونستكمل شأن الرزق وشأن الدنيا.
من العبارات الحكيمة حقيقة، كان أحدهم يقول: إنه حال الصحابة مع القرآن مثل حالنا الآن مع الموبايل، مع المحمول، مع الجوال، هذه كلمة حكيمة جداً بصراحة، نعم، الصحابة كانوا مدمنين على قراءة القرآن الكريم كما يدمن أهل هذا العصر على الإمساك به، لأنه الحياة صارت مختزلة وموجودة في هذا الهاتف المحمول، الصحابة كانوا يرون أن حياتهم في كتاب الله، فلذلك كان إذا صلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم فأطال القيام، أطال الركوع، أطال السجود؛ لا يجد ضاجين في هذا على عكس الحال الذي نحن فيه الآن.
فالمسجد حين كان يقصده أناس الأصل عندهم الآخرة، مركزيتهم همهم هو الدار الآخرة، الدنيا بالنسبة إليهم استثناء حقيقة، يعني كما يقول الشيخ الغزالي مثلاً عن هذا عن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم يقول: هذا هو البناء البسيط الذي أخرج للدنيا مؤدب الجبابره وملوك الدار الآخرة، عبارة فخمة، الشيخ الغزالي كان أديب الدعوة كما يلقبونه، مسجد أخرج للناس مؤدب الجبابرة وملوك الدار الآخرة.
فأين مسجد النبي صلى الله عليه وسلم اللي كان مفروش بالحصى وكان مسقوفاً بالجريد وكان عموده من جذوع النخل من هذه المساجد التي نحن فيها؟ ولكنها يعني الذين فيها كما وصفهم نبينا صلى الله عليه وسلم: ولكنكم غثاء كغثاء السيل، حتى هذا الحديث أنت ترى فيه الصحابة لما قال لهم النبي: يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فهم قالوا إيه؟ أمن قلة نحن يا رسول الله؟ مش مستوعبين أن ممكن يبقى في كثرة، يعني نموذجهم في الحياة، نموذجهم هم في الحياة لا يتسق معه أن يكثروا وتتداعى عليهم الأمم، فلذلك الذي وقع في خاطرهم هو إيه؟ أنهم يكونون قلة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم صحح هذا، قال: ولكنكم كثير، قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل وليوشكن الله أن.. ولكنكم كثير ولكنكم غثاء كغثاء سيل ولا ينزعن الله المهابة من صدور عدوكم منكم.
أيضاً تامل في تفسير النبي صلى الله عليه وسلم، الجماعة دول الصحابة على رغم قلتهم وهم قاعدين في المدينة كده واقتصادهم التعبان اللي احنا بنتكلم عليه، إنما كانوا إيه؟ مرهوب، أصحاب هيبة، فالنبي يفسر لهم: انتم هتبقوا كتير لكن غثاء، ولا ينزعن الله المهابة من صدور عدوكم منكم، ولا يقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت.
وهذا يدل على أن الصحابة كانوا إيه؟ كانوا أهل دنيا؟ لا، كانوا أهل دار آخرة، فالوهن، الوهن الذي يقذف فيدمر حياة الأمم وينزع المهابة من الأمم هو هذا الحرص على الدنيا، تعلق بالدنيا وخوف الموت.
فلذلك يا جماعة الخير؛ المسجد كما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يجب أن نتصوره على هذا الحال، المسجد كان يدخل إليه المسلم يسمع كلام الله غضاً طرياً كما نزل يتلوه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخرج منه شيء آخر.
ولذلك الحديث، الحديث الذي قد يشكل علينا الآن ونحتاج إلى تفسيره ما كان يشكل على الصحابة لأنهم كانوا يعيشونه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: أرايتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه في اليوم الواحد خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: يا رسول الله، لا يبقى من درنه شيء.
تمام، هذا الصحابي كان يشعر بهذا الحديث شعوراً حقيقياً، لأنه دخل المسجد بعد ساعتين أو ثلاث ساعات من أمر الدنيا، صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم، سمع موعظة من النبي صلى الله عليه وسلم، خرج بشكل غير الشكل الذي دخل به، ولذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: الصلاة إلى الصلاة والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينها.
فالمسجد كان شحنة إيمانية قوية جداً جداً جداً، طيب، هذه الشحنة القوية، هذه الشحنة الإيمانية ماذا فعلت في المسلمين؟ انا أخبركم بأمر لا ننتبه نحن له حقيقة، ينتبه له الغربيون والمستشرقون، الغربيون والمستشرقون وبعض من كتب هذا منهم جوستاف لوبون ومنهم مونتسكيو، طبعا جوستاف لوبون فرنسي، مونتسكيو الفيلسوف الفرنسي المشهور، منهم توماس أرنولد المستشرق البريطاني المشهور، أن الإسلام أكثر الأديان تغلغلاً في حياه أصحابه، في حياة اتباعه، الإسلام متغلغل في حياة اتباعه لدرجة أنه محاولة نزع الإسلام منهم هي محاولة في غاية العسر وفي غاية الصعوبة، لأنه المسلم يومياً يومياً يصلي خمس مرات، وهذا شيء هو يفعله عبادة، هو يفعله عبادة هو قد لا ينتبه لأثاره الاجتماعية أو لأثاره الأمنية ولاثاره السياسية، لكن الذي يفكر من هذا المنطلق، هذا الاجتماع اليومي المتكرر في الصلوات وما ينشئه من الروابط والعلاقات والمعرفة بين المسلمين هذا يصعب الأمر جداً على أعداء المسلمين.
سمعتم قبل قليل حديث ابن مسعود: ولقد رايتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق معلوم النفاق، طيب، هذا المجتمع الذي يستطيع أن يعرف المنافقين من تخلفهم عن الصلاة من وجهة نظر أمنية وسياسية كيف يمكن اختراقه؟ اختراقه سهل ولا صعب؟ لأنه العبادات المتكررة والكثيرة والتي تسهل على المؤمنين وتصعب على المنافقين هذا كان كشف لأحوال المجتمع، طيب، هذا أي واحد جاي يخترق المجتمع الإسلامي إذا كان المجتمع في هذه الحالة من الترابط والتماسك والتدين مسألة اختراقه مسألة صعبة للغاية.
النبي صلى الله عليه وسلم: إذا رايتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم أصعب صلاة على المنافقين صح؟ إذاً؛ العبادة المتكررة كانت تهيئ للمجتمع من الآثار الاجتماعية والسياسية والأمنية ما يغفل عنها المسلم لأنه يعتادها، لكن من الذي ينتبه لها؟ ينتبه لها هذا العدو أو هذا الرجل البعيد، لأنه حقيقة ما كان يعني.. العلمانية يا جماعة الخير استطاعت أن تخترق المسيحية وأن تهيمن على المجتمعات الغربية في عقود، لكن العلمانية الآن تحاول أن تخترق مجتمعاتنا الإسلامية منذ مئة سنة.
طبعاً نحن كمسلمين حين نفكر في آثار ونتائج العلمانية نرى أننا في مصيبة، ونحن نعم، نعم، نحن في مصيبة، لكن العلماني حين يفكر في نتائج العلمانية بعد كل هذه السنين يرى أنه فشل، ولذلك ترى الرجل العلماني المذيع العلماني، سواء كان ابراهيم عيسى ولا إسلام بحيري ولا أي حد من دول، يجلس في القناة الفضائية اللي منفق عليها ملايين ومليارات وهو يتقاضى ملايين ومليارات ويشاهده الملايين من الناس وتخدم عليه فرق سوشيال ميديا ويكون في مكانة يشكو من المساجد وخطباء المساجد ومنابر المساجد! صح ولا لا؟
العلماني حين يحاول أن يقيم ماذا فعلت العلمانية في العالم الاسلامي يرى أنها فشلت، ويرى أن النتائج التي تحققت حتى الآن نتائج سيئة جداً، وأنتم لعلكم رايتم في استشهاد أبو إبراهيم يحيى السنوار رحمه الله كيف لم يستطع بعضهم أن يمسك نفسه ويقول: متى يمكن أن نستاصل هذه الأفكار من المسلمين؟ لأنه تجد حتى المنحلين أخلاقياً بعض المحسوبين على الممثلين والمغنيين والراقصين بعضهم يعظم مثل هذا المشهد الذي كان فيه أبو إبراهيم يحيى السنوار رحمه الله، فبعضهم كما رايتم أفلت لسانه، لم يستطع أن.. انا أتذكر مما لا أنساه قبل 24 سنة من الآن كان يعني رئيس مجلس إدارة جريدة الأهرام الرسمية المصرية اسمه إبراهيم السباعي، هو مات لكن هذا الرجل في سنة 2000 لما اندلعت الانتفاضة الفلسطينية، انتفاضة 2000 وخرج الناس في الشوارع والمظاهرات، هذا الرجل كتب: كيف لأبناء وأطفال المدارس أن يتعاطفوا مع القضية الفلسطينية؟ هؤلاء الذين نشأوا في زمن السلام والذين كانت كل المواد الدراسية وكانت المواد الإعلامية لا تذكر هذه القضية بالشكل الذي يؤهلهم أن يتعاطفوا معها، أين ذهبت كل هذه المجهودات؟
الخلاصة؛ المساجد يا جماعة الخير حقيقة المعركه القائمة عليها الآن هو لأن هؤلاء يعرفون قيمة المساجد أكثر مما يعرفها المسلمون ويشعرون بتأثيره في المسلمين أكثر مما يشعر بذلك المسلمون، لذلك ستجد في بلادنا نشأت وزارات الأوقاف، إيش مهمة وزارات الأوقاف؟ أن تسلب المال وتسيطر على المساجد تماماً، هذه هي مهمتها، أن لا يكون لأ.. أن لا تكون أموال المساجد الموقوفه على المساجد بيد الذين أووقفوها، وأن لا تقوم هذه المساجد بدورها، يختارون لها هم الخطباء، ويحاولون أن يصلوا بها إلى الخطبة الموحدة التي تكون مكتوبة في أروقة الدولة.
المساجد هي البذرة التي تنشأ منها دولة الإسلام من جديد، ولذلك نبينا صلى الله عليه وسلم كان يعني قال: لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة فأولها نقضاً الحكم، وآخرهن الصلاة.
ولذلك المساجد كانت دائماً البذرة التي انطلقت منها حركات المقاومة، نحن عندنا في مصر مشهور جداً؛ أول احتلال احتلت فيه مصر كان الحملة الفرنسية، فكان الأزهر الشريف هو قلب المقاومة، ولذلك أستاذنا رحمه الله محمد جلال كشك لما كتب تاريخاً للحمله الفرنسية جعل عنوان كتابه: ودخلت الخيل.
الأزهر مركز المقاومة، وقليل من الناس من يعرفون أيضاً أن ثورة 1919 التي كانت ضد الاحتلال الفرنسي الإنجليزي أيضاً، الإنجليز اقتحموا فيها الأزهر، لكن الإنجليز كانوا أدهى من الفرنسيين، فسارعوا بإخراج جنودهم، وأرسل المندوب السامي رسالة اعتذار لشيخ الأزهر. لكن لأنه كان الأزهر هو مركز المقاومة، وكذلك إذا تأملت في الشام، وإذا تأملت في العراق، وإذا تأملت في عالمنا الإسلامي، ستجد أنه كانت المساجد هي المراكز التي انطلقت منها حركات المقاومة. وحتى في ثوراتنا الأخيرة، حتى في هذا الربيع العربي، متى كانت تنطلق الثورات يا جماعة؟ أليست المساجد بعد صلاة الجمعة؟ هذا تاريخ قريب يعني لا يمكن أن ننساه.
المساجد هي البذور التي يعاد منها إنتاج المجتمع الإسلامي من جديد، ولهذا الحرب على المساجد حرب طاحنة. المساجد هي البقعة التي ستظل محررة، يعني يستطيع الاحتلال الأجنبي، يستطيع النظام الفاسد أن ينشئ مدارس وأن يجعل فيها مناهج تعليم وأن يسيطر على وسائل الإعلام، لكن كل هذا يتوقف عند المسجد، لأن المسجد إذا صلى فيه الناس لم يسمعوا إلا القرآن الكريم، وإذا تلقى الناس فيه دروساً لم يسمعوا إلا الدرس الإسلامي الصافي الخالص، لم يسمعوا منهجاً نازلاً من الوزارة، منهجاً مكتوباً على هوى الحكام. المسجد حقيقة هو يعني البقعه التي تناقض الشرك بالله في هذه الحياة.
هذا الأمر يغفل عنه أغلب المسلمين ولكن ينتبه له أغلب أعداء المسلمين، هذه بقعة خالصة، ولذلك كثيراً ما يذهبون إلى إغلاقها، إغلاق المساجد، وأن المساجد تبقى وأن الصلوات تبقى محددة بوقت، والخطبة لا تزيد عن 10 دقائق، صلاة التراويح لا تزيد عن ثلث ساعة، وتعمل أجهزة في مراقبة المساجد وتطرد المساجد المفتوحة؛ لأن حقيقة الأمة الإسلامية تعيد تكوين نفسها وتعيد إنتاج نفسها من المساجد.
فلذلك هذا أمر يعني شأن المساجد هذا مما ينبغي أن الآن أنا أتمنى، وإن كان وإن كنت أعرف يعني أن هذا ليس متاحاً بيد الكثيرين، أنا أتمنى أنه كل من كان له درس، كل من كان عنده علم، أن يحول درسه إلى المسجد. الأجواء والبركات واليعني ما يتنزل من رحمات الله تبارك وتعالى على الدروس التي تعقد في المساجد لا يتنزل مثلها على المحاضرات التي تكون في القاعات أو في المسارح أو في يعني الأجهزة الأماكن المهيأة لذلك.
فبركة المسجد وأنا يعني أتصور أنه أغلبكم ممن جرب هذا سماع الدرس من الشيخ وأنت في المسجد غير سماع الدرس من الشيخ على اليوتيوب مثلاً. المسجد فيه من البركة وفيه من الخير ما ليس موجوداً في غيره. طيب، أنا لم أستطرد في هذا الأمر إلا لأبين أن المسجد الذي بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فعالاً للغايه في حياة المسلمين؛ لأنه أعاد تكوين الأمة الإسلامية من جديد. ومن بديع ما قراته في هذا الأمر هو ما كتبه الرئيس المجاهد علي عزت بيجوفيتش، تسمعون عنه؟ الرئيس علي عزت بيجوفيتش الذي كان رئيس البوسنة، له كتاب من أبدع الكتب، كتابه الإسلام بين الشرق والغرب، وإن كان فيه يعني له نفس فلسفي قد لا يعني يقوى عليه كثير من الناس. ولكن من بديع ما قاله، قال بأنه المسجد هو صورة المجتمع الإسلامي، يعني من أراد أن يفهم الإسلام فعليه أن ينظر في المسجد.
فالامام الذي يصلي بالناس هو نظير الإمام أو الحاكم أو الرئيس أو الخليفة الذي يحكمه الناس، إنه يقودهم بشريعه هم يعرفونها. يعني الآن خلينا خليني أبسط هذا الكلام، الآن الإمام في المسجد والرئيس في الدولة، الإمام في المسجد يصلي أربع ركعات، لو طلع في مزاجه يصلي خمس ركعات ماذا يحدث؟ يطيعه الناس؟ لا يطيعونه. طيب، صلى ثلاث ركعات سهواً، ما الذي يحصل؟ يقيمونه، يذكرونه. طيب، إذا أصر على ما هو عليه لا يتبعونه، لا يتبعونه تماماً.
وبالأصل كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لا ترفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبراً، أولهم رجل أما قوماً وهم له كارهون. فالاصل أن الذي يؤم الناس يؤمهم برضاهم، برغبتهم، لا يتامر عليهم قصراً وجبراً. إذاً هو تقدمهم بالرضا منه، ويقودهم بشريعة معروفة، ليس بمزاجه، ليس بهواه، ليس بما يرى، وإذا أخطأ نبهوه، وإذا أصر على خطئه لم يتبعوه، وإذا تمادى في هذا عزلوه. هذه هي طبيعة الإسلام في السياسه أنه الحاكم لا يختار لا يكون حاكماً إلا برضا الناس، لا يكون حاكماً إلا برضاهم وببيعتهم، ثم هو يقودهم بشريعة هو لم يخترعها، لم يقنن، لم يشرعها، وإنما هي شريعة نزلت من عند الله تبارك وتعالى، وللناس عليه حقوق أن يقودهم بهذه الشريعة، ولهم عليه أن ينصحوه وأن يذكروه وأن يقيموه وأن يعزلوه. فحالة المسجد هي تصغير لحالة المجتمع الإسلامي، كما وفق إلى هذا التشنيب الرئيس الشهيد علي عزت بيجوفيتش أو الرئيس المجاهد علي عزت بيجوفيتش. واضح يا جماعة الخير؟
فلذلك كان نبينا صلى الله عليه وسلم بتأسيس هذه المساجد إنما يعيد إنتاج هذه الأمة الإسلامية. وطبعا ما يقوله الكثير من العلماء في مسألة المسجد من أن أوقات الصلوات هي تعيد تنظيم الحياة، الحياة الإسلامية من جديد. يعني الآن، طبعا الآن نحن نعيش في دول أو في عالم لا يأبه لأوقات الصلوات، لكن الآن كلكم يعني كلكم تعرفون أنه مثلاً مواعيد العمل الرسمية تبدا الساعة كذا، والساعة التي تقتطع في منتصف النهار تبدا من كذا لكذا، مواعيد العمل تنتهي الساعة كذا، هذا كله ينظم الحياة، ينظم الحياة في ذهنك، أنت بتنظم مشاويرك وبتنظم أمرك على هذا الموضوع. فكان تنظيم الحياة في الإسلام بناء على هذه الصلوات، شعور المسلم بالوقت هو بناء على هذه الصلوات. النظام الجديد الذي يخرج بالمسلمين من عالم الفوضى هو هذا النظام الذي بني على أوقات الصلوات التي تقام في المساجد.
فحقيقتاً أنت أمام أمة حين وجد فيها المسجد أعاد تركيب وتغيير وتهيئ حياتها من جديد، فصارت أمة منظمة، أمة تشعر بمعنا الوقت، أمة لها خمس محطات روحية تلقاها في اليوم الواحد، أمة تستمع وتتعلم وتلتقي وتجتمع في مكان واحد، وكذلك أمة تخرج مجاهدة من هذا المسجد من جديد، فهذا كان المسجد.
طيب، ذكرنا أنه أول الخطوات التي ذكرها النبي التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة، وينبغي أن نرى كيف ساهمت هذه الخطوات في حل مشكلات المدينة، هي أربع أمور. الأمر الأول هو المسجد، وهذا تكلمنا عنه. الأمر الثاني هو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار. وهذه المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار أيضاً كان لها الأثر العظيم جداً في المزج بين المجتمع الإسلامي أسرع مزج معروف؛ لأن الأنصار رضوان الله عليهم تكفل كل قادر منهم بواحد من المهاجرين. وطبعا أيضاً أرجع وأقول: إنه هذا الحل لمشكلة اللاجئين ما تزال الدول حتى الآن عاجزة عنه بعد 1400 سنة من اكتشافه؛ الدولة البسيطة التي لا تملك البيانات والتي لا تملك الإمكانيات وذات الاقتصاد الضعيف استطاعت أن تستوعب موجات مهاجرين بما عجزت عنه الدول الكبيرة الآن.
هذه المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار كانت مؤاخاة حقيقية، يعني ليس كما يمكن أن يقع في أذهان الناس الآن أنها مؤاخاة شكلية أو مؤاخاة صورية، لا، كان الأخ كالأخ من الدم، كانوا يتوارثون، كانوا إذا مات الواحد منهم ورث أخوه المؤاخى كما يرث أخوه في النسب، حتى نزل قول الله تعالى: وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ.
لكن الآن انظر إلى مسألة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، المهم المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار صحيح كانت من النبي صلى الله عليه وسلم أحد الوسائل التي يكفل بها المهاجرين والتي يستوعب بها هذه الأزمة، لكن ما كان لها أن تكون بهذا القدر لولا أن الأنصار كانوا بهذه العظمة. يعني أنت تقرا في السيرة: ما نزل مهاجري على أنصاري إلا بالقرعة؛ كان هناك سباق بين الأنصار على استضافة المهاجرين، هذا أمر خطير، خطير، يعني خطير أن يتسابق الناس إلى استضافة المهاجرين، المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، الرجل الفقير الذي جاء بنفسه هكذا. وطبعا الحديث موجود في البخاري، قصة سيدنا عبد الرحمن بن عوف مع سعد بن الربيع، قصة لا يمكن أن تصدق لو لم ترد بالاحاديث الصحيحة، قصة لا يمكن أن تصدق، يعني الرجل الذي استضاف سيدنا عبد الرحمن بن عوف يقول له: إني من أكثر أهل هذه البلد مالاً فاقسم مالي نصفين فلك نصفه ولي نصفه.
طيب، الآن كل واحد كده لو قعد مع نفسه وتصور أن هناك مهاجراً لاجئاً جاء إلى بلده، جاء إلى تركيا الآن ولا إلى إسطنبول بلا أي شيء، كم واحد يا جماعة تسمح نفسه أن ينزل عن نصف أملاكه؟ ما أنت برضه لازم تدرك المسافة اللي بينك وبين الأنصار، مسافة هائلة، هائلة فعلاً. من من يملك أن ينزل عن نصف أملاكه ونصف أمواله؟ من نادر قليل قليل قليل قليل.
طيب، لكن دي مفهومة، إنما اللي مش مفهوم بيقوله: ولي زوجتان انظر أيهما أحب إليك أطلقها كي تتزوجها، أهو ده بقى الخيال، ده بقى الخيال. طبعا كنت بقول القصة دي مرة فجاءني تعليق نسوي، فانا الحق أقوله قبل ما قبل ما اللي هو يعني هم كانوا بيبيعوا ويشتروا في النساء ما بيشوفش رايها، هذا الكلام قبل نزول حقوق المرأة في التشريع يا جماعة تمام، المرأة في الجاهلية كانت هكذا تمام. وفي الجاهلية حتى الغربية المعاصرة المرأة في أوروبا إلى 70 و80 سنة فاتوا بس، كان زوجها يملك أن يبيعها في السوق، من الأمور يعني غير المشهورة، لكن إلى 70 و80 و100 سنة سابقة كان الرجل يستطيع أن يبيع زوجته في السوق تمام، لعب قمار خسر مثلاً رايح يبيعها علشان إيه، أو يبيعها للي خسر علشانه. المهم، فانا بس يعني نقتطع هذا التعليق النسوي الآن علشان أقول لم تكن في ذلك الوقت قد نزلت التشريعات التي تبين حقوق المرأة فالرجل في، لكن خلينا بقى نرجع للأيه للكلام المهم.
هذا الرجل الذي عنده زوجتان، طيب أنا ممكن أتخيل، أزيد في التخيل وأقول إنه مثلاً إيه، طبعا أي واحد متجوز اثنين بيحب واحدة أكثر من التانية، ما هي حاجة معروفة يعني، كان ينفع يقول له: ولي زوجتان أنا هاخد دي وأنت خد دي، صح ولا لا؟ لكن انظر أيهما أحب إليك أطلقها فتتزوجها، إيه ده؟ ما هذا الخروج من حظ النفس؟ ما هذه النفوس يا جماعة؟ ما هذه النفوس؟ طبعا أنا يعني هذه العبارة الثانية الواحد لم يفهمها إلا حين كبر وصار شاباً ثم تزوج. قبل ذلك هذه المسألة كانت تشبه مسألة وعندي يعني أشطر بيني وبينك مالي نصفين. على كل حال الوقت انتهى، نقف مع هذه الدروس الهائلة إن شاء الله في المجلس القادم، ونستكمل الخطوات الأربعة التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم فأنشأ هذا المجتمع العجيب غير المسبوق وغير الملحوق ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه. أسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحياء جيل على خطى السابقين.
محمد إلهامي