تسجيل الدخول

السيرة النبوية | 70. كيف نجا النبي ﷺ من قتل محقق يوم أحد؟

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، اللهم اجعل عملنا كله خالصا لوجهك الكريم ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئا يا رب العالمين.

مرحبا بكم أيها الأحباب طبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلا، ونسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا على طاعته أن يجمعنا في جنته ومستقر رحمته ودار كرامته.

وبعد، فهذا هو المجلس السبعون من مجالس السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.

وكنا توقفنا في المجلس الماضي عند غزوة أحد وتكلمنا حتى خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكان الغزوة، وذكرنا أنه في الطريق عند منطقة تسمى الشوط انخذل عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الجيش، وكانت هذه الحادثة كانت أول حادثة في ظهور المنافقين وفي محاولتهم قسمة الصف الإسلامي وفي تفريق المجهود الإسلامي والمجتمع المسلم.

وبالفعل فقد كادوا أن يفرقوا هذا الاجتماع الاسلامي، وهمت طائفتان من المؤمنين أن تفشلا والله وليهما كما ذكرنا، حتى ولكن الله تبارك وتعالى عصمهما، فانخذل ثلث الجيش وبقي مع النبي صلى الله عليه وسلم 700، والمفترض بهؤلاء أنهم سيواجهون الجيش الذي قوامه 3000 من قريش وحلفائها، وذكرنا أن معهم 200 فارس ومعهم 700 دارع، دارع يعني مصفح يعني باللغة المعاصرة.

طيب، قسم النبي صلى الله عليه وسلم جيشه إلى ثلاثة أقسام، فكان لواء المهاجرين مع سيدنا مصعب بن عمير، وكان لواء الأوس بقيادة سيدنا أسيد بن حضير، وكان لواء الخزرج مع سيدنا الحباب بن المنذر.

تمام، وهنا لفته ذكرناها قبل ذلك ولكن أحب أن نكررها أيضا لأن هذا من الأمور المهم فهمها في الاسلام بشكل عام، وهو أن كتائب الجيش الاسلامي كتائب الجيش الاسلامي كانت تقسم وفقا للقبائل، يعني كتيبة المهاجرين كتيبة الأنصار، والداخل الأنصار الأوس والخزرج هذه كتائب.

نحن ذكرنا قبل ذلك أكثر من مرة أن الإسلام حفي ومهتم وحريص على تكوين المجتمع المسلم وتقويه المجتمع المسلم، يعني أي رابطة، رابطة الرحم، رابطة الجوار، أي رابطة الإسلام لا يكسرها لحساب إنشاء مجتمع ليس بينه إلا رابطة الإسلام، لا، الإسلام حريص على استثمار كل الروابط وعلى تكوين كل الروابط، لكن رابطة الإسلام تعلو على كل هذه الروابط، يعني انصر أخاك ظالما أو مظلوما هذه كان شعار الجاهلية.

تمام، جاء الإسلام فجعل نصرة الظالم كيف أن ترده عن الظلم، يعني رابطة الإسلام الحق هو فوق الأنساب، فوق الروابط الأخرى، لكن هل معنى ذلك أن الإسلام سعى إلى إضعاف أو تكسير هذه الروابط؟ لا، فلذلك حتى المدينة المنورة كان يسكن فيها الناس كتل قبائل إلى جوار بعضها البعض، الجيوش كانت على هذا النحو، الكتائب كانت على هذا النحو، فهذا أمر ينبغي ألا ننساه، وخصوصا في زماننا هذا الذي يعني سادت فيه التمزقات والتفككات.

القبائل ضعفت، الأسر تفرقت، الروابط بين الناس يعني ضعفت ووهنت وتفككت، رابطة الجيران تفككت وصار الإنسان، يعني صارت الشعوب مجرد إيه أفراد تتعامل معهم الدولة كأفراد ليسوا كتلا، فهذا هذا أمر فارق جدا في فهم الإسلام.

طيب، وذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم ظاهر بين درعين، ظاهر بين درعين يعني لبس درعين، وبعض العلماء يقول إن من حكمة هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما فعله تعويدا لأمة على الأخذ بالاسباب، والا فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف أن الله قد عصمه من الناس، يعني أنه لا يوصل إليه بالقتل، كما في قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، لكن ليس معنى هذا ليس معنى هذا أن يتخلى عن الأخذ بالأسباب، فلذلك كان النبي في هذه الغزوة يلبس درعين، وسيأتي معنا في أخبار الغزوة أن النبي وهو يتسلق صخرة ثقلت عليه هذه الأدرع، تمام، فوقف له أو يعني انحنى له سيدنا طلحه بن عبيد الله حتى تمكن النبي من أن يصعد هذه الصخرة، وقال أوجب طلحة إن شاء الله سيأتي معنا هذا.

تمام، فلكن الآن لدينا النبي مدرع بدرعين، ولما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبل أحد، طبعا يعني لعل بعضكم راى جبل أحد وراى جبل الرماة، أو على الأقل من لم يكن يراها الآن صار الأمر يسيرا، الآن يمكن أن تفتح جوجل ماب، أو على الأقل هناك عدد من الكتب الأطالس التي صورت مواقع هذه المعارك، فيمكن أن تحسن التصور، قبل ذلك كان الناس يتناقلون هذه الأخبار شفاهة ويعمل فيها الخيال، فالآن الجبل أحد جبل كبير كما تعرفون وقريب منه جبل آخر أقل اسمه جبل عُنين أو عَيْنَيْن، هذا الذي سيعرف بأنه جبل الرماة الجبل الذي سيضاع عليه الرماة.

طيب، ما هي الفكرة الآن؟ عدد المسلمين كما ترون وكما ذكرنا في المجالس الماضية عدد المسلمين أقل من ثلث عدد المشركين، فخطة التي وضعها النبي صلى الله عليه وسلم، طبعا احنا ذكرنا أنه كان في انقسام، نبقى في المدينة أم نخرج، والبقاء في المدينة كان أحد أهدافه هو الاستفادة من الأعداد، أعداد النساء والصبيان في المدينة أن يقاتلوا من فوق الحيطان، يعني هذا يكسر التفوق العددي للمشركين.

طيب، الآن حيث أنه قد غلب رأي الخروج فكيف نكسر هذا التفوق العددي؟ فخطة النبي صلى الله عليه وسلم كانت قائمة على أن يضع المسلمين في مكان بحيث يتعذر تطويقهم، 700 بين 3000، كيف يمكن أن تصل إلى مكان أو موقع أو تدبير يمنع أن يطوق المسلمون بهذا التفوق العددي؟ فكيف فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟ جعل ظهر المسلمين إلى جبل الرماه وأقام على هذا الجبل 50 منهم 50 من الرماة.

تمام، فإذا لما يكون ظهر الجيش مستند إلى جبل، فهذا يمنع تطويق المشرכים له أن يأتوا من ظهورهم، طيب، إذا حاول المشركون أن يطوقوا المسلمين أو أن يأتوا من أطراف هذا الجبل، فالمفترض أن الرماة الموجودين على هذا الجبل يرمونهم بالسهام النبل أو النبال حتى يكفونهم، إذا فيعني هناك استفادة من الواقع الجغرافي أو كما يسميه العسكريون الطبوغرافي، كيف تستفيد من الأرض لتحارب معك، فاذا صار ظهر المسلمين محميا بالجبل، وفوق الجبل الرماة بالمصطلح المعاصر اعتبارها مدفعية، مدفعية تمنع اقتراب خيالة المشركين من تطويق المسلمين.

طيب، هذا هو العنصر الأول، العنصر الثاني كما يبدو لنا من المعركة هو تركيز المسلمين على إسقاط الراية اللواء الراية أو اللواء أو القيادة، مركز القيادة، خيمة القيادة هي دائما أهم شيء في الجيش، هي دائما التي إذا انهارت ينهار بعدها الجيش، فلذلك سنجد أن أغلب المشركين الذين قتلوا في المعركة كانوا حملة اللواء، ففهمنا من هذا أن المسلمين كان تركيزهم على حاملي اللواء.

طيب، من حامل اللواء هؤلاء بيت في قريش اسمه اسمهم بنو عبد الدار، قصي بن كلاب اللي هو الجد الذي أسس قريشا كان له أبناء فوزع بينهم حين مات مهمات الحكم، فصار بعضهم معه الرفادة السقاية، وبعضهم معه اللواء، الذين معهم اللواء هؤلاء هم ولده عبد الدار، وتوارث لواء قريش من بعده أبناؤه، فصار اللواء مأثرة في بني عبد الدار، تمام؟

فكانت هذه خطة المسلمين التركيز على اللواء ومنع تطويق إيه ومنع تطويق الكفار للمسلمين، والنبي صلى الله عليه وسلم أوصى الرماة كما هو معروف، مكانكم، ابقوا مكانكم، إن رايتمونا غنمنا فلا تشركون انتصرنا وغنمنا لا تأتوا إلينا ولا تشاركون في الغنيمة، وإن رايتمونا قتلنا فلا تنصرونا حتى أرسل إليكم، تمام، 50 راميا بقيادة سيدنا عبد الله بن جبير.

طيب، ثم بدأ النبي صلى الله عليه وسلم في تعبئة الناس، ومما ورد في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث في مسلم مسك أم حمل سيفا، رفع سيفا وقال: من يأخذ هذا؟ فابتدر الناس إليه، قال: من يأخذه بحقه؟ فأحجم الناس، ما هو حقه؟ فتقدم إليه سيدنا أبو دجانة، أبو دجانه سماك بن خرشة هذا رجل من أبطال المسلمين الكبار تقدم وأخذ سيف النبي صلى الله عليه وسلم بحقه، وحقه أن يقتل به المشركين، وكان سيدنا أبو دجانة إذا دخل في المعركه يعني تعرض للموت، عصب رأسه بعصابة حمراء، علامة من علامات العزم ال يعني الإصرار على القتال ومشى بين الصفين مختالا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذه مشية يبغضها الله ورسوله إلا في هذا الموطن إلا في هذا الموطن، وطبعا إخواننا الفقهاء وطلاب العلم الشرعي يعرفون أنه الحروب يجوز فيها بعض ما لا يجوز فيها غيرها مما يلقي الرهبة في قلوب المشركين.

طيب، على الطرف الآخر المشهد الآخر المشركين كيف كانت خطتهم أيضا؟ المشركين ما زالوا يعني أصحاب توجس وريبة من أن ينهزموا كما هزموا سواء في بدر أو في السرايا والغزوات التي كانت بين بدر وأحد، فلذلك إذا اطلعنا على صف المشركين نجد أن خطتهم كانت تقريبا الخططة المكافئة لخطة المسلمين، فمن أهمها الحفاظ على اللواء، من أهمها الحفاظ على اللواء، ولذلك ذهب أبو سفيان إلى بني عبد الدار، تمام فكلمهم، تستطيع أن تحمل هذا الكلام من أبي سفيان على أنه مهتم بالامر وحريص عليه، وتستطيع أن تحمله أيضا على أنه يحفزهم ويحمسهم ويثير فيهم العصبية.

يا بني عبد الدار، إنكم أهل الراية أهل لوائنا، وإنما يؤتى الناس في الحروب من راياتهم، فاما أنتم قوم تنهضون به وإلا أخذناه فرددناه إلى غيركم، طبعا الكلام ده لما يقال لواحد عربي جاهلي، يعني إيه ما بلاش حتى عربي جاهلي، يعني انت لو بتقولها دلوقتي لأي حد، يعني بص انت راجل في مكانك، لو خايف لو مش هتبقى راجل يعني إيه ممكن نكفيك هذه المهمة، طبعا هذا الكلام طبعا بنو عبد الدار قال: أنت تأخذ منا الراية؟ ده المأثرة التاريخية، نحن أهل الراية، فجاوبوه جوابا شديدا، ويعني لترينا ما نصنع.

تمام، الخطلة الثانية هي التي أيضا تبدو في المعركة، أنه خيل قريش، الخيل اللي هي سلاح الفرسان، خيل قريش كان يقودها سيدنا خالد بن الوليد، طبعا في ذلك الوقت لم يكن قد أسلم وذكرنا أنه لم يشهد غزوة بدر، سيدنا خالد بن الوليد سيظل طوال المعركة يحاول أن يطوق جيش المسلمين.

ثلاث مرات يحاول سيدنا خالد أن يهاجم مجنبتي جبل الرماة فتردها فترده خيل، فترده نبال المسلمين، وبهذا الشكل يعني على هذا النحو وعلى هذا التدبير بدات المعركة، طيب، الآن طبعا نحن ذكرنا أنه قريش كانت قد اصطحبت معها النساء الجهاز الإعلامي التحريضي وذكرنا كان فيها هند بنت عتبة وكان فيها زوج عكرمة بن أبي جهل أم حكيم بنت هشام بن الحارث، وكانت معها أمها لأن أمها فاطمة بنت الوليد بن المغيرة، أيضا كانوا يعني كانت زوجه الحارث بن هشام.

ومعنا طبعا أبو عز الجمحي ذكرناه في الرجل الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عفى عنه في بدر على ألا يعود إلى التحريض عليه، لكن صفوان بن أمية وعده قال: لإن أبقاك الله فلك علي إن بقيت أن أغنيك وإن أصابك شيء أن أغني بناتك وانهن مع بناتي، فطبعا راجل شاعر فراح إيه حنث بقسمه للنبي صلى الله عليه وسلم ونزل إلى صفوف المحرضين، فهذا كله كان موجودا.

بدأت المعركة بالمبارزه، خرج للمبارزة طلحة بن أبي طلحة العبدري، مين طلحة بن أبي طلحة العبدري؟ هذا صاحب لواء قريش، ده رد عملي على مين؟ على أبو سفيان، هذا يذكركم بإيه؟ مشهد إيه؟ مشهد بدر لما كان عتبة بن ربيعة يقول: يا معشر قريش اجعلوها بي وقولوا جبنا عتبة، قولوا احنا كنا هنحارب لولا بس عتبة إيه جبن، فعشان كده رجعنا.

فقام إليه أبو جهل قال: والله ما بعتبه ما قال، ولكنه رأى ولده لأنه سيدنا أبو حذيفة بن عتبة كان موجود عند المسلمين وراهم في قلة وهم أكلات جزور، فالمهم يعني إيه يعني فضل مصلحته الشخصية على مصلحة قريش، ده معنى الكلام، طبعا عتبة منها قال: أنا يقال لهذا يا مصفر استه، ستعلم غدا من الرجل، أول ما بدأت المبارزة عتبة بن ربيعة أول ما خرج، فهنا برضه أبو سفيان استفز طلحة بن أبي طلحة العبدري فكان أول من خرج وخرج يطلب المبارزة.

طبعا كان رجلا فارسا من أشجع فرسان قريش، وخرج يقول من يبارز؟ فنهض إليه سيدنا الزبير بن العوام، طبعا سيدنا الزبير بن العوام أيضا من يقرا في سيرته يقرأ سيرته فارس لا يشق له غبار، يروى عنه أنه كان في المعارك يهد الصفوف ذهابا يصل إلى آخر الجيش ثم يرجع ولا يستطيع أحد أن يتعرض له، فسيدنا الزبير كما ورد في هذه الرواية انه خرج إليه ثم وثب إليه فكان معه على جمله ثم أخذه واقتحم به الأرض ثم ذبحه بسيفه، والرواية تعطيك شعورا بأن هذا تم في إيه في غمضة عين وفي سرعة يعني كان الوقت لم يكن كثيرا.

فلما قتل طلحة بن أبي طلحه العبدري كبر المسلمون وتشائم المشركون وكانت هذه فاتحة المعركة، ما عملوش مبارزات أخرى، وإنما انطلق المسلمون وكذلك انطلق المشركون في أثرهم.

استبسل الصحابة، ولذلك كما ذكرنا كانت الخطه أن يركز المسلمون على أصحاب اللواء من بني عبد الدار، وفعلا أصحاب اللواء استبسلوا حول اللواء، يذكر سيدنا عبد الله بن عباس أنه قتل عند اللواء سبعة أو تسعة من بني عبد الدار كلهم إخوة، بمجرد ما يحمله أحدهم حتى يأتي إليه من المسلمين من يقتله فيسارع أخوه لحمل اللواء من بعده فلا يلبث أن يقتل فيسارع.

أخوه، فلا يلبث أن يقتل حتى قتل حول اللواء سبعة أو تسعة. وكان آخر من قتل منهم عبد، مولى من مواليهم لم يكن منهم، فقيل في وصفه: كان اسمه صواب، إنه استبسل في حمل اللواء حتى قطعت يده اليمنى فأمسكها بيده اليسرى فقطعت فبرك عليه وهو يقول: اللهم هل أعذرت، اللهم هل أعذرت.

وطبعا حقيقةً حقيقةً هذا ثبات مثير للإعجاب لا شك، صحيح صاحبه ذهب إلى النار وهو خالد فيها، لكن ستظل تعجب بكل يعني كل شخصية لديها الصبر وهذا العزم وهذا الجلد على أهدافها، حتى وإن كان ثباتاً أورثه النار هذا يعني هذا باب وهذا باب آخر، ونود لو أن مثل هذا الثبات كان في سبيل الله وكان في سبيل الحق، ولكن يا جماعة الخير الإنسان يعني عنده من الطاقة وعنده من العزم وعنده من الصلابة ما يستطيع أن ينفقه في الحق أو في الباطل، فيحتاج الإنسان أن يفكر قليلاً بعقله وأن يزكي نفسه لكي لا ينفق هذه الطاقة في الباطل.

أصل هو في الآخر يعني هذه الدنيا أيام وكلنا نموت، كلنا نموت. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: كل الناس يغدو، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها، ما هو الدنيا دي أيام سوق وهينفض، في النهاية طاقة كل انسان بذلت فعلاً بذلت في حق أو بذلت في باطل. يعني الفارق بين أن تبذلها في الحق وبين أن تبذلها في الباطل، أن تتأمل بعقلك وأن تقهر نفسك على الحق، وإلا فكما يعني أنتم ترون كما أنه في ناس تقاتل عن دينها هناك من يقاتل عن الشهوات، وهناك من يقاتل على المال، وهناك من يقاتل على المناصب، وهناك من يقاتل على العلو في الأرض.

وفي الحديث المشهور لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل حمية، عنده انتماء عالي لقومه يقاتل حمية، والرجل يقاتل شجاعة، طبع الشجاعة مقدام جُدَع شهم كده، والرجل يقاتل ليرى مكانه، يرى مكانه يعني عنده شعور عالي بالايه بحب المدح حب الشهرة. أي ذلك في سبيل الله؟ فالنبي قال أيه: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، كل الجماعة دول ليسوا في سبيل الله، بل ذكر النبي من أول من تسعر بهم النار مجاهد، مجاهد قاتلت ليقال جريء وقد قيل، فأول من تُسعّر بهم النار.

فالواحد أمام هذه المواقف، مواقف الثبات والاستبسال هذه، لا يملك إلا أن يعجب بها ولا يملك إلا أن يتحسر عليها أيضاً، ويداخله الخوف ويداخله الرعب أن الإنسان تنتصر عليه نفسه فيبذل طاقته ويبذل صلابته في الباطل فيذهب إلى النار. طيب، هؤلاء مذكورون الآن في كتب التاريخ، هل ينفعهم ذلك شيء؟ نسأل الله تبارك وتعالى أن يثبتنا وإياكم.

طيب، فلذلك المسلمون كانوا يهدون الصفوف هداً، كانوا يهدون الصفوف هداً، ولذلك وصفهم ربنا تبارك وتعالى بقوله: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ. تحسونهم يعني تقتلونهم، إذ تحسونهم بإذنه. وسيدنا عبد الله بن عباس كان يقول: ما من يوم نصر الله فيه المسلمين إلا كيوم أحد! فأنكر الناس ما قال: يوم أحد يوم هزيمة! فقال: بيني وبينكم كتاب الله. وتلى عليهم هذه الآية.

ما المعنى الذي يقصده سيدنا عبد الله بن عباس؟ إنه النصر الذي تحقق في بداية هذه المعركة لا مثيل له حتى يوم بدر، هذا معنى ما يريد، أنه القتل العام العارم هذا لم يكن موجوداً حتى يوم بدر، فالمسلمون كانوا يهدون الصفوف، ولذلك السنر - سنرى بعد قليل - أن المسلمين يعني لما هدوا الصفوف وصلوا إلى النساء، والنساء فضلاً عن الرجال اشتددنا يهربن، اشتددنا يعني أسرعنا، الاشتداد هو الإسراع في المشي أو هو العدو الجري، فهم اشتدوا في المشي، خلاص المعركة انتهت.

وهذا هو الذي جعل الرماة يظنون أن المعركة انتهت، خلاص الغنيمة الغنيمة الناس بتجمع الغنائم يعني الموضوع انتهى، فبالتالي كان الأمر سريعاً إلى هذا الحد. لكن في هذه السرعة وفي هذا التقدم وقعت مشكلة أو وقعت ثغرة أو وقعت مصيبة للجيش الإسلامي، وهو مقتل سيدنا حمزة بن عبد المطلب، سيدنا حمزة حمزة قتل في هذا التقدم، تمام. ما الذي حصل؟

هذه الرواية رواية مقتل سيدنا حمزة يرويها قاتله نفسه وهو وحشي، وطبعا وحشي أسلم فيما بعد وحسن إسلامه وجاهد، وكان من أهل الشام كان يسكن حمص لأن حمص كانت دار جهاد في ذلك الوقت. والذي استخرج من وحشي هذه القصة رجل قريب المقتول، يعني من هو؟ سيدنا عبيد الله بن عدي بن الخيار، هذا اسمه معروف لمن يقرأ في تاريخ التابعين، سيدنا عبيد الله بن عدي بن الخيار.

طيب، سيدنا عبد الله بن عدي ده - عبيد الله - ما صلته بوحشي؟ احنا قلنا يا جماعة الخير إنه وحشي كان عند سيده كان جبير بن المطعم بن عدي، وكان حمزة رضي الله عنه قد قتل في بدراً طعيمة بن عدي. أهو سيدنا عبيد الله بن عدي ده هو نفسه عدي اللي احنا ايه اللي احنا معاه، بس هذا ولد صغيراً جداً في آخر حياة أبيه، فلذلك هو من صغار الصحابة وهذا الأرجح ذكره ابن سعد في صغار الصحابة، وذكره بقية المؤرخين في كبار التابعين.

تمام، لكن ما الذي حصل هنا؟ عبيد الله بن عدي بن الخيار كان مع سيدنا جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، هذا أيضاً من التابعين، أبوه عمرو بن أمية الضمري اللي هو كان سفير النبي إلى النجاشي فيما بعد، فقال له: ها هنا وحشي، ما رأيك أن نأتيه فنسأله عن حمزة كيف قتل حمزة؟ قال: نعم. فذهبوا إلى وحشي، وكان عبيد الله معتجراً عمامته، معتجراً عمامته يعني ملثم بالعمامة، فحمزه - فوحشي لا يرى منه إلا عينيه ورجليه قدميه.

فقال: يا وحشي هل عرفتني؟ قال: لا والله غير أني، وراح وحشي افتكر موقف قديم؛ أنه عدي بن الخيار اللي هو أبوه هذا تزوج امرأة تسمى أم قتال، وانجب منها طفلاً صغيراً، وهذا الطفل حمله وحشي لكي يسترضع له، ففاكر شكل رجليه من زمان من ذلك الوقت، فقال: فكاني أنظر إليك. ذاكرة قوية برده، دا يدلك على ايه؟ على مهارته في الرمي يعني يعني نظر ثاقب، الجماعة بتوع المخابرات يسموها الذاكرة الفوتوغرافية، اللي هو بتدخل مكان ما بتنساهوش، بتعرف تفاصيله، بتقابل حد، وهذه ذكرت عن كثير من أئمتنا ومن قادتنا، اللي هو بيتقابل حد بيتعرف عليه مرة واحدة لا ينسى بعد ذلك لو قابلك بعد 20 سنة يقول لك ايه اسمك وأولادك والقرية اللي أنت فيها وايه اخبارك ونحو هذا الكلام.

فوحشي اكتشف انه الطفل الصغير اللي شافه زمان ده هو ايه؟ هو عبيد الله بن عدي بن الخيار. طيب، حدثنا عن مقتل ايه حمزة. فقال: إن حمزة - طبعا هو الآن تكلم عن غزوة واحدة، هو طبعا احنا قلنا إن وحشي خرج لمهمه خاصة وهي مهمة قتل حمزة، هو وحشي ما عندهوش أشكال، الجيش انتصر الجيش ما انتصرش، مين متقدم مين متاخر، هو الراجل ايه عنده مهمة خاصة، تمام - قال: فكان حمزة وكان على جمل أورق يعني أغبر، وكان يهد الناس هداً يهد الصفوف هداً، سيدنا حمزة كان فارساً لا يشق له غبار.

فخرج إليه سباع بن عبد العزى، سباع بن عبد العزى فقال: من يبارز؟ فبرز إليه حمزة. طيب، سباع بن عبد العزى ده برده هذا مما يجوز في الحرب يا جماعة ولا يجوز في غيره اللي احنا رايحين نقوله ده؛ سباع بن عبد العزى أمه كانت تعمل في ختان النساء، وهذه كانت مهنة محقرة عند العرب، فلما خرج إليه عيره حمزة بأمه، قال: تعالى هلم إلي يا ابن مقطعة البذور. وذكرنا أن هذا التعيير مما لا يجوز إلا في حالات معينة منها الحرب.

يقول وحشي: فذهب إليه فكان كأمس الذاهب! يعني ايه؟ انتهى بقى زي إمبارح! عارف أنت دي بقى من التعبيرات العربية القوية، اللي هو ايه: فأقبل إليه فجعله كأمس الذاهب، يعني صار ذكراً، صار حديثاً، صار حكاية، انتهى! ومن ذلك قوله تعالى: وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ ۝ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا، فجعلناهم ايه؟ أحاديث! تعبير مرعب، يعني تتخيل كده قوم وحضارة وبناء وانهار وزروع، فياتي - تاتي الآيات يقول لك ايه: فصاروا أحاديث، انتهوا بقوا حكاية رواية يعني أشياء تروى، صاروا من الماضي، فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ.

طيب، فكمنت لحمزة عند صخرة حتى إذا اقترب مني هززت حربتي حتى استمكنت منها أو حتى رضيتها، ثم رميتها بها فوقعت في سنته، السنة اللي هي العانة يا جماعة اللي هي ما تحت السرة، فوقعت في سنته وخرجت من بين رجليه، ضربة قوية جداً سددها قناص محترف. قال: فوقع، ثم نظر نحوي فقام يعدو إلي، شوف برده القوة القوة الهائلة هذه، فغلب فوقع، فانتظرته حتى مات، ثم مضيت إليه فانتزعت حربتي ورجعت إلى المعسكر، ولم يكن لي به ولم يكن لي غيره حاجة، هو ده هو ده المطلوب.

طيب، ومع أن سيدنا حمزة قتل، طبعا سيدنا حمزة حمزة كان أكثر من يعني حزن عليه النبي صلى الله عليه وسلم، أولاً لأنه سيدنا حمزة يعني عم النبي وبينهما علاقه قديمة، وهو من رحمه وفارس لا يشق له غبار، ونصر المسلمين نصراً كثيراً، وبداية إسلامه كانت حمية للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو من فعل بالكفار الأفاعيل يوم بدر، ولذلك - وكان في قلبه من حب الدين ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول عنه وفي وصفه: سيد الشهداء حمزة.

ومما روي عن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليه 70 صلاة، يعني فيما بعد في نهاية الغزوة كان يؤتى بالمسلم فيسجى إلى جوار حمزة فيصلي عليه النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الجنازه ثم يرفع المسلم ويبقى حم حمزة، وياتي ويؤتى بغيره فيصلي عليه النبي ثم يرفع ويؤتى بغيره وحمزة موجود، حتى صلى عليه النبي 70 صلاة، والرواية وإن كان فيها ضعف إلا أنها تفهم منها شدة حزن النبي صلى الله عليه وسلم على حمزة ولذلك قال يعني: لأقتصن منه بسببين. فنزل قول الله تعالى: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ.

هذا أيضاً يدلك على شدة وجد النبي صلى الله عليه وسلم وشدة حزن النبي عليه، لكن مع ذلك هذا الأمر لم يغير في الموازين العامة للمعركة، يعني ما تزال الموازين العامة للمعركة للمسلمين في تقدم على المشركين. ولذلك وصف يعني السيدة عائشة رضي الله عنها وكانت ممن حضرت الغزوة كما روى البخاري قالت: هزم المشركون يوم أحد هزيمة عرفت فيهم عرفت فيهم. والبراء بن عازب رضي الله عنه قال كما أيضاً عند البخاري: فهزموهم، فانا والله رايت النساء يشتددن - يعني يجرين أو يعدون اللي هو سرعة المشي - قد بدت خلاخلهن وأسوقهن.

الخلاخل معروف الخلخال هو - طبعا لم يعد زينة حاضرة الآن - الخلخال زي الأسورة كده، ولكنه يلبس في الرجل وهو مشهور إلى إلى يعني وقت قريب عند النساء، ف- قد بدت خلاخلهن، هذا ماذا يعني العرب؟ يعني بلاغتهم في التكنية والاستعارة، يعني النساء مشمرات لكي يتمكن من العدو، فلما شمروا ثيابهن لما شمرن شمرت النساء ثيابهن بدت أسوقهن سيقانهن وبدت خلاخلهن يشتددن.

وقال ابن إسحاق روى ابن إسحاق عن سيدنا الزبير بن العوام شيئاً قريباً من هذا أيضاً، أنه قال: فانا والله رأيت خدم - اللي هو جمع خدمه وهي الخلخال - رأيت خدم هند بنت عتبه وصواحباتها مشمرات هوارب ما دون أخذهن قليل ولا كثير، يعني أخذهن أمر سهل ميسور.

طيب، الآن وقع الخلل، طبعا وقع الخلل أن الرماة قالوا: الغنيمة الغنيمة! الجيش انهار، الرجال يفرون حتى النساء تفر، الغنيمة الغنيمة، خلاص المسألة انهارت. سيدنا عبد الله بن جبير قال: يا قوم ألا تذكرون ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: والله لناتين الناس ولنشاركن في الغنيمة. ما يفهم من هذا يعني اللي احنا بنتكلم عليهم دول صحابة من المهاجرين والأنصار، تمام يعني أنا بس مش عايز أحد يستهين أو يستهتر بمقام هؤلاء الصحابة.

يا جماعة الخير، لولا أنه قد بدا أن المعركة انتهت فعلاً، ما كان مثل هؤلاء ليفكروا في النزول، حتى لو لم يكن هذا الأمر يعني ديناً فعلى الأقل عقلاً، يعني ما فيش حد هايسيب مكانه في المعركة وينزل ولديه شيء من شك في أن المعركة ما تزال مشتعلة، فهو المشهد كان مشهداً يدل على أنه المعركة تماماً قد انتهت فلذلك نزلوا ليشاركوا في جمع هذه الغنائم.

وقعت وقع الخلاف بين قائدهم عبد الله بن جبير وبينهم، لكن أغلبهم نزل، نزل 40 منهم وبقي 10 فقط، وأيضاً نزول الأربعين يفهمك أن المشهد لا يكاد يكون عليه خلاف، يعني العشرة الباقين دول ع- باقيين على شدة التمسك أن النبي لسه ما أرسلش إليهم، لكن المشهد نفسه مشهد يقنعهم بالنزول فنزلوا.

هذا - حين نزلوا، انتبه لهذا الأمر مين؟ سيدنا خالد بن الوليد. طبعا لما لما سيدنا خالد بن الوليد سيظل شخصاً مثيراً للإعجاب أبد الدهر. شوفوا الرجال فروا والنساء فروا والمسلمين أغلبهم بيجمع الغنيمة، وفي واحد قاعد هناك مستني مثل هذه اللحظة، ما يعني ماذا أقول! البشر فيهم من ينهزم عند الضربة الأولى، وفيهم من ينهزم عند الضربة العاشرة، وفيهم من لا ينهزم عند الضربة المئة. سيدنا خالد بن وليد كان من هؤلاء، اللي هو يعني سيدنا خالد - وطبعا هذا يفهمك الإعجاز اللي عمله سيدنا خالد يوم مؤتة.

لما تلاقي واحد زي سيدنا خالد انسحب، تعرف إنه إيه هو ده القرار الصحيح، ولا إمكان للبقاء يعني فوق ذلك؛ لأن سيدنا خالد اهو بعد ما جيش المسلمين وجيش المسلمين وجيش، بعد ما جيش المسلمين جمع الغنائم وجيش المشركين انهار.

هو ظل قائدا على الفرسان ثابتا ينتظر هذه الثغرة وقد كان، فسيظل الإنسان يعجب بالأية بهذه بهذا الجلد وبهذا الصبر وبهذه المثابرة. أول ما وقع هذا الخلل، استطاع سيدنا خالد أن ينفذ بفرسانه هذا الالتفاف والتطويق، وأن ينتصر على هؤلاء الرماة العشرة قتلهم جميعا، وبالتالي وقع الخلل أو وقعت الكارثة التي بنيت أصلا خطة المسلمين على ألا تقع وهي منع التطويق.

فصار المسلمون بين الفرسان الذين اخترقوا من خلفهم، فرسان المشركين، وصار المشركون ينادون، حصل اختراق وصار المشركون ينادون في بقا واحدة كده لا تعرف في التاريخ إلا بهذا الموقف تمام، اسمها عمرة بنت علقمة الحارثية. ودي برضو واحدة الإنسان برضو لابد أن يعجب بها يعني مع أنها يعني الله أعلم إذا كانت أسلمت ولا ما أسلمتش، لكن على كل حال أنا لما بحثت عنها لم أعرف لها في السيرة غير هذا الموقف.

عمرة بنت علقمة الحارثية دي انتبهت إلى ما فعله خالد فسارعت، فحملت اللواء الملقى على الأرض. يعني الأثر العسكري اللي عمله سيدنا خالد وازاه الأثر السياسي المعنوي اللي عملته عمرة بنت علقمة الحارثية؛ إنه لواء المشركين رفع مرة أخرى، فبالتالي صار الذين يفرون والذين يهربون انتبهوا إلى إنه إيه حصل خلل في الموازين العسكرية وانه لواء المشركين بعدما كان ساقطا قد رفع مرة أخرى، فأقبلوا إليه.

طبعا ده موقف غير التاريخ، ولا يعرف لها موقف آخر، و يعني ذهبت. ولذلك أرجع وأقول: الإنسان لا يستصغر نفسه ولا يستصغر الثغرة التي هو عليها، ربما فعل فعلا لا يعرفه أحد ولا يذكره أحد، لكن يكون له من الأثر ما يغير مجرى التاريخ.

فها هنا انقلبت موازين المعركة، ما الذي حصل الآن؟ تصوروا معي هذا المشهد يا أحباب النبي صلى الله عليه وسلم في ثلة قليلة معه في مؤخرة الجيش. مؤخرة الجيش هذه يعني الآن لدينا كتلة تقاتل في الوادي، ولدينا مركز القيادة الذي كان فيه النبي ومعه تسعة سبعة من الأنصار واثنان من المهاجرين اللي هم طلحة وسيدنا سعد بن أبي وقاص حراسة خاصة.

لما اخترق المشركون طوقوا الجيش، فحصل انفصال وقسمة بين إيه بين النبي صلى الله عليه وسلم ومعه هؤلاء الحرس الخاص وبين بقية المسلمين. هنا حصل ارتباك واشتداد، وحتى الرماة الذين نزلوا لجمع الغنائم فوجئوا بأن ظهورهم صارت مكشوفة، فالآن صار المسلمون يقتلون من خلفهم ويقتلون من أمامهم، فوقع فيهم الاضطراب والارتباك.

ولما وقع هذا الاختراق، نادى النبي صلى الله عليه وسلم على المسلمين: هلموا إلي يا عباد الله. يحاول ألا يكتمل هذا التطويق، لا يكتمل هذا الاختراق، لا يكتمل هذا الفصل بين مركز النبي وحراسته الخاصة وبين بقية الجيش. لكن نداء النبي على المسلمين: هلم إلي عباد الله، وجه الأنظار إلى إلى مكان النبي، فبالتالي صار قسم من المشركين اللي هم أقربوا إليه انحاز لكي يقاتل، قتل النبي صلى الله عليه وسلم دلوقتي.

احنا قلنا إنه إيه القيادة اللواء الراية هي أهم شيء في الجيش، فالآن صارت مركز قيادة المسلمين معرضة للخطر وهي في حراسة قليلة سبعة من الأنصار واثنين من المهاجرين. فها هنا وقعت نستطيع أن نقول أول بطولات المسلمين الكبيرة في هذه اللحظة الحرجة وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم ك يعني قال: من رجل يدفعهم عنا وله الجنة؟ أو قال: وهو رفيقي في الجنة؟

فتقدم إليه الأنصار، تقدم الأنصار الرواية توحي أو الرواية نصها كالاتي: توحي أن الأنصار تقدموا واحدا تلو الآخر، فخرج فلان انصاري فقاتلهم حتى قتل، ثم تقدم انصاري فقاتل لهم حتى قتل. طيب نفهم من هذه الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم سرعان ما اتخذ لنفسه بين الصخور أو بين وادي وجبل مكانا ضيقا لا يتسع إلا لقتال الواحد؛ لأنه لو كانت الجبهة واسعة كنا نتوقع إيه؟ يقاتلون معا.

لكن يخرج أنصاري واحد ثم واحد ثم واحد حتى قتل الأنصار السبعة جميعا وراء بعضهم البعض، أرحمكم الله، وبقي سيدنا طلحة بن عبيد الله فقاتل قتال من سبقه مجتمعين، فلذلك كانوا يقولون عن يوم أحد: يوم كله لطلحة. ويقال: أصيب بـ 35 ضربة، ويقال: قطعت أصابعه، ويقال: شلت يده في هذا القتال.

طيب ما المطلوب؟ ماذا كان مطلوبا؟ المطلوب أن هذه الحراسة الخاصة تؤجل تؤجل حماية النبي صلى الله عليه وسلم حتى يهرع إليه المسلمون. وبالفعل عند انتهاء قوة سيدنا طلحة، طبعا سيدنا سعد بن أبي وقاص كان راميا، يعني سيدنا طلحة كان يقاتل بسيفه، لكن سيدنا سعد كان راميا كان يقاتل بسهمه، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: ارمي ارمي فداك أبي وأمي، وهو الصحابي الوحيد الذي فداه النبي بأبيه وأمه، فهي في مناقب سيدنا سعد بن أبي وقاص.

وكان النبي إذا رأى مسلما فارا مع الاضطراب والارتباك قال له: انثر كنانتك لسعد. أنظر كنانتك لسعد، إيه يعني تشبه بالمصطلح المعاصر الخزنة بتاعتك خزنة الطلقات يعني القها لسعد. حتى أقبل إليه كتلة من المسلمين كان من أول الواصلين فيها سيدنا أبو بكر، سيدنا عمر، سيدنا أبو عبيدة بن الجراح، وسيدنا علي بن أبي طالب، ومعهم أيضا سيدنا أبو طلحة الأنصاري.

لكن في هذه المعركة في هذه اللحظات، وقع للنبي صلى الله عليه وسلم أشد الإصابات. احنا قلنا إنه ما نفهمه من الرواية أن المعركة كانتها في شق صغير، فصار الكفار لا يكفيهم أن يدخلوا بالسيف، فصاروا يلقون الحجارة على النبي صلى الله عليه وسلم فأصابته بعض حجارة وقع معها على شقه، فلما وقع على شقه صلى الله عليه وسلم جرح فكسرت رباعيته. الرباعية الرباعية هي السن الذي بين الناب وبين انتم عارفين في أربع أسنان قواطع تسمى ثنايا تمام، فوددت الثنايا اللي هي مقدمة الأسنان وبعدها الرباعية، الأربع أسنان يمين وشمال وفوق وتحت وبعدها الناب. فالرباعية هي السن الذي بين الناب وبين الثنايا، فكسرت فكسرت رباعية النبي صلى الله عليه وسلم السفلى اليمنى.

وأصيب بحجر فهذا الحشر فهذا الحجر هشم البيضة، البيضة اللي هي الخوذة، هشمها فجرح رأس النبي صلى الله عليه وسلم وشج راسه شج فتح راسه، وتلقى ضربة سيف اصابته على المغفر الخوذة هذه مغفر، فدخلت حلقتان من حلقتا المغفر في وجنتي النبي صلى الله عليه وسلم فسال دمه الشريف، وضرب على عاتقه ضربة صار يشتكي منها شهرا لكن علشان كان يظاهر بين درعين فالدرعين إيه صد هذه الضربة لكن بقي أثره.

فهذه هي اللحظة التي كاد المشركون أن يصلوا فيها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والتي أصيب فيها النبي بهذه الجراحات. لما أقبل هؤلاء الصحابة الذين ذكرناهم أبو بكر وعمر وعلي وأبو عبيدة بن الجراح وأبو طلحة الأنصاري ومصعب بن عمير وتكتل حوله هؤلاء، بدأوا يعالجوا سيدنا طلحة. سيدنا طلحة طبعا كان قد وقع وحا، وبدأ سيدنا أبو عبيدة ينزع حلقتي المغفر من وجنتي النبي صلى الله عليه وسلم فكثرت فيها ثنيتاه، وهو ينزع حلقه المغفر من النبي صلى الله عليه وسلم، وكلما صب إن يعني صب الصحابة الماء على جرح النبي صلى الله عليه وسلم ازداد الدم، لذلك سنرى بعد ذلك يعني بعد أن تهدا المعركة ستاتي فاطمة وياتي علي رضي الله عنه عنهما وعن صحابة النبي اجمعين، فتروي الرواية أن سيدنا علي كان يحمل الماء في المجن أو في الجحفة اللي هي إيه الترس يعني الدرع. وفاطمة لما رات أنها كلما وضعت الماء ازداد نزيف النبي صلى الله عليه وسلم، فجاءت بخرقة من حصير فأحرقتها ووضعتها فاستمسك الدم.

تمام، فهذه هي أشد اللحظات التي مرت على النبي صلى الله عليه وسلم. طبعا لما جاء سيدنا أبو طلحة الأنصاري، سيدنا أبو طلحة الأنصاري أيضا قام بدور يشبه الدور الذي قام به سيدنا سعد في الجولة الأولى، وهذا الدور يرويه لنا سيدنا أنس بن مالك؛ لأنه سيدنا أنس بن مالك كان ربيب أبو طلحة الأنصاري. يعني سيدنا أنس بن مالك هو انس ابن مالك بن النضر، تمام عمه سيدنا انس بن النضر سيكون له لنا معه قصة، أمه أم سليم هذه كانت متزوجة بابي أنس بن مالك اللي هو اسمه مالك بن النضر ابن ضمضم فمات عنها، ثم تزوجها أبو طلحة الأنصاري، فنشا أنس في حجر أبي طلحة تمام، فهو الذي يروي هذه الرواية عنه أن أبا طلحة كان راميا فتكسر في يده في ذلك اليوم قوسين أو ثلاثة. يعني بالوضع المعاصر مدفعين أو ثلاثة باظوا، أو مسدسين أو بندقيتين أو ثلاثة لشدة ما كان يرمي.

وكان أيضا النبي صلى الله عليه وسلم يوصي يوصي الصحابه: من كان عنده كنانة فلينثرها، انثرها لأبي طلحة. كان يقول له: انثرها لأبي طلحة. وكان أبو طلحة يترس النبي بترس، فسيدنا أنس يقول: أبو طلحة كان أبو طلحة مجوب مجوب على النبي صلى الله عليه وسلم يعني يحفظه بالترس، وكان إذا أشرف النبي ليرى كيف يرمي أبو طلحة كان يقول له: بأبي أنت وأمي لا تشرف لا يصبك شيء من سهام المشركين. فك يعني الصحابه تقاتلوا أو استقتلوا أو استبسلوا أو تكتلوا ليمثلوا حماية للنبي صلى الله عليه وسلم.

ثم وقع هنا أمر سيخلخل هذا الموقف قريبا، احنا الآن لدينا بؤرتان للقتال: البؤرة اللي حول النبي صلى الله عليه وسلم، والبؤرة اللي هي البؤرة العامة اللي هي بقية الجيش الذي يحاول أن يكسر الطوق الذي فرضه المشركون عليه، فالآن لدينا بؤرتان.

هذه البؤرة لما جاء إليها سيدنا مصعب بن عمير وصار يقاتل عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان مصعب يحمله يحمل الراية احنا قلنا سيدنا مصعب كان يحمل راية من راية من ذكرناها في أول الدرس راية المهاجرين، طيب. فرأاه رجل من المشركين اسمه عبد الله بن قمئة، فقاتل سيدنا مصعبا قطع يده، أمسك الراية بيساره فقطع يساره، فاحتضن الراية فضربه حتى قتله، وكان سيدنا مصعب أشبه الناس بالنبي النبي صلى الله عليه وسلم.

فبالتالي ما المشهد الذي حصل هنا؟ الراية سقطت وشبيه النبي قتل، فصار ابن قمئة هذا ينادي: قتلت محمدا، قتلت محمدا. هذا المشهد راية سقطت وشبيه النبي قتل، أو يعني طبعا ما حدش يعرف دلوقتي شبيه ولا مش شبيه، أنتج أثران كبيران أو أنتج أثرين كبيرين.

الأثر الأول هو تخفيف المشركين من ضغطهم على هذه البؤرة القتالية، قتل محمد والراية سقطت. والمشهد الثاني طبعا هذا مشهد حسن بالنسبة لنا، المشهد الثاني أن مقالة قتل النبي صلى الله عليه وسلم أثارت في المسلمين كثيرا من اليأس والاحباط، حتى أن بعضهم فر، سواء فر إلى المدينه أو فر إلى مكان في الجبل يرتفع منه، وبعضهم القى سيفه وجلس يبكي، فالقوة القتالية للمسلمين ازدادت ضعفا وانهيارا، لكن في نفس الوقت أيضا خف ال خف الضغط على النبي صلى الله عليه وسلم.

حتى جاء كعب بن مالك ورأى النبي صلى الله عليه وسلم وعرفه بعينيه؛ لأن النبي كان يرتدي المغفر، فصار ينادي: يا معشر المسلمين، يا معشر المسلمين هلموا، هذا رسول الله. فإذا بالمسلمين يدخل إليهم الانتعاش مرة أخرى، وإذا بالمشركين يدخل إليهم الاضطراب الآن، لا يستطيعون أن يجزموا هل قتل النبي صلى الله عليه وسلم فعلا ولا هذه شائعة؟ فهنا تخل شان المشركين قليلا، واسترد كثير من المسلمين طاقتهم في القتال.

لكن في أجواء الاضطراب السابقة، وقعت عدد من الأحداث والمشكلات، فمنها مثلا سيدنا أنس بن النضر اللي احنا قلنا كان عم سيدنا أنس بن مالك، وسيدنا أنس بن مالك يقول يحكي عن أنس بن النضر قال: عمي الذي سميت باسمه اسمه سيدنا أنس بن النضر، لما رأى بعض المسلمين جالسا يبكي والقى سيفه، ما الأمر؟ قال: قتل رسول الله، قال: فما قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولقي سيدنا سعد بن معاذ، وسيدنا سعد هو اللي بيحكي هذه الحكاية للنبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله فلقيني ف فكان تقول: واها لريح الجنة! والله إني لأجدها دون أحد. فيقول سيدنا سعد: فوالله يا رسول الله ما أطيق ما صنع. يقول أنس بن مالك: فوجدناه وبه 80 ما بين ضربة سيف أو طعنة رمح أو رمية سهم، فما عرفته سوى أخته ببنانه يعني في علامة كده في أصبعه عرفته منه أخته، يعني كان جثة سيدنا انس بن النضر انتهت تمزقت صار لا يعرف.

يقول سيدنا أنس: فكنا نرى أنه فيه وفي أشباهه نزل قول الله تعالى: مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِمْ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا. وذلك أن سيدنا أنس بن النضر اشتد حزنه لما فاته مشهد بدر، فكان يقول: يا رسول الله فاتني أول قتال قاتلت فيه المشركين، والله لئن أشهَدني الله قتالهم ليرين الله ما أصنع. فهذه هي إيه، صدق الله ف صدقه الله.

طيب، وفي المسلمين أيضا في اوقات الارتباك والاضطراب قتل المسلمون بعضهم، فمن أبرز من قتله المسلمون في اضطرابهم هذا سيدنا اليمان والد سيدنا حذيفة بن اليمان. سيدنا حذيفة بن اليمان أنتم عارفين طبعا الصحابي سيدنا حذيفة ده اللي هو إيه يعني لو كنا في زماننا المعاصر هنقول مثلا إيه مسؤول إدارة الأزمات ولا مسؤول مركز الأزمات؟ ده الصحابي اللي كان مهتم بالشرور والفتن، ولذلك حفظت عنه أحاديث الملاحم وأخر.

الزمان كان يقول: كان الناس يسألون رسول الله عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني.

تمام، فسيدنا حذيفة بن اليمان قتل أبوه، وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يدي أباه، يدي يعني يعطيه الدية، فاليمان سيدنا حذيفة تصدق بذلك، فكان من مآثره، ولذلك في هذا المشهد نزل قول الله تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ.

طبعا سيدنا عبد الله بن مسعود استغرب قال: ما كنت أعرف أن منا من يريد الدنيا. ولذلك يا جماعة نرجع ونقول: ما حدش يتصور، ما حدش يتصور إنه الجهاد هذا عمل ملائكي، وأن المجاهدين صنف من الملائكة؛ لا أبدا، سيظل المجاهد بشرا وتدخل إليه أغراض الدنيا أحيانا، ويدخل إليه حب الشهرة وحب المدح أحيانا، ونسأل الله أن يجعل جهادنا، أن يرزقنا الجهاد وأن يجعل جهادنا خالصا لوجهه الكريم.

الوقت انتهى. طيب.

إذا نستكمل معكم إن شاء الله المشهد في المجلس القادم في هاتين البؤرتين؛ البؤرة التي كانت حول النبي صلى الله عليه وسلم، احنا دلوقتي حصل تكتل لكن هتحصل اغتيال محاولات اغتيال للنبي صلى الله عليه وسلم، والبؤرة الكبيرة التي فيها المسلمون وماذا ماذا سيفعل النبي في كسر الطوق الذي كان حول المسلمين؟ نسال الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.