تسجيل الدخول

السيرة النبوية | 39. كيف هيأ القرآن المسلمين للهجرة وقيام الدولة من العهد المكي؟

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله، بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. اللهم اجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين.

مرحباً بكم أيها الأحباب، طبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً. نسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا على طاعته أن يجمعنا في جنته ومستقر رحمته ودار كرامته. وهذا هو المجلس التاسع من مجالس سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، نسأل الله تبارك وتعالى كما آمنا به ولم نره ألا يفرق بيننا وبينه حتى يدخلنا مدخلاً طيباً.

كنا توقفنا في المجلس الماضي عند هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه، هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وذكرنا أن هذه الهجرة كان قد فهم منها أبو بكر رضي الله عنه اقتراب موعدها. طيب، فكيف فهم أبو بكر اقتراب هذا الموعد؟

هنا نحتاج أن نعيش معكم في الأجواء التي كانت قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف أن القرآن الكريم أشار إلى هذه الهجرة إشارات والتماعات يستطيع من كان يعني يعايش القرآن الكريم ويفهم، ومن كأبي بكر، أن يفهم اقتراب موعد الهجرة، وأن يفهم ملامح هذه الهجرة.

طيب، لكي نعرف السور التي نزلت قبيل الهجرة، فهذا يدخلنا في باب في علوم القرآن، اللي هو ترتيب نزول السور في القرآن الكريم. طبعا هذا يعني باب يعرفه المتخصصون في علوم القرآن الكريم، لا يهمنا نحن الآن أن ندخل في تفاصيله، لكن الخلاصة يا جماعة الخير هي أن الروايات الواردة في ترتيب نزول السور الروايات الواردة هي حوالي سبع روايات أو ثماني روايات، هذه كلها روايات ضعيفة تماماً ولا تتقوى بضعفها.

يعني وردت عدد من الروايات ترتب القرآن الكريم بحسب نزول السور، هذه الروايات روايات ضعيفة لا تصلح للاحتجاج بها، لكن محاولة استكشاف واستكناه والبحث عن ترتيب السور بحسب النزول، هذا جهد ممكن من خلال جمع الآثار والروايات الصحيحة، ومقارنة أسباب النزول الواردة في الآيات، ومقارنة حال الراوي الذي فسر لماذا نزلت.

فهذا المجهود قام به بعض العلماء والباحثين، من أفضل ما اطلعت على مجهودهم في هذا رجل شيخ اسمه الشيخ محمد رزق طرهوني، وهذا الشيخ له كتاب في السيرة النبوية الصحيحة سماه السيرة الذهبية، صدر منها مجلدان عن الفترة المكية، وعلى حد علمي لم تصدر مجلدات الفترة المدنية، وآخر علم به أنه معتقل، معتقل في السعودية، هذا آخر علم به، الله أعلم إن كان أفرج عنه أو لم يفرج، لأن هذا الكلام كان ربما قبل نحو تسع سنين أو ثمان سنين، فالله أعلم.

لكن حقيقة هذا هو يعني أفضل من اطلعت على منهجه في محاولة ترتيب السور بحسب النزول، خصوصاً في المرحلة المكية، ساعده على ذلك، يعني أمكنه من ترتيب السور بحسب النزول في المرحلة المكية، مشروعه الذي قام به في جمع السيرة النبوية الصحيحة. تمام واضح؟

فحين نتكلم عن ترتيب السور فنحن، فأنا أستند إلى هذا المجهود على وجه التحديد. طيب، فمما نزل في هذه الفترة، من السنة العاشرة للبعثة إلى السنة الثالثة عشرة للبعثة، هي سور: الإسراء، والكافرون، والفرقان، والرعد، وفصلت، والقمر، وإبراهيم، وص، والقصص، على هذا الترتيب، وآخر ما نزل هو سورة العنكبوت والأعراف.

طيب، لو أننا حاولنا أن نمسك بهذه السور ونحاول أن نفهم منها ما هي الأجواء التي رسمتها هذه السور، وكيف كان الصحابه رضوان الله عليهم يتلقونها، سنجد الآتي. سنجد أمامنا خمسة أشياء يا جماعة الخير، خمسة أشياء.

الأمر الأول هو تكرار مصارع الأمم وقرب انتهاء المهلة أمام أهل مكة، يعني القرآن المكي كله ذكر مصارع الأمم والأمم التي لم تستجب لنبيها، لكن هذه السور على وجه التحديد تشعر فيها بارتفاع اللهجة، وتشعر فيها بقرب الهلكة، وتشعر فيها بأنها التحذير الأخير. تمام، وسناتي.

يبقى الملامح الأولى التي نجدها في هذه السور هو قرب المهلة، قرب انتهاء الوقت، قرب المفاصله بين المسلمين وبين الكافرين.

الملمح الثاني هو تكرار إيراد قصة بني إسرائيل، ليس في مرحلة فرعون فحسب، ولكن في مرحلة أنهم كونوا دولة، يعني الآن بنو إسرائيل جزء من قصتهم هي قصتهم مع فرعون، والجزء الثاني هو قصتهم مع موسى عليه السلام ومن بعد موسى عليه السلام، الفترات التي قامت فيها دولة داود وسليمان واختلافهم على أنبيائهم، هذه القصة الثانية كثرت في القرآن المدني، لكن بداياتها والاشارة إليها كانت في القران المكي.

أن هؤلاء قوم اقاموا دولة، بمعنى أن الدولة ليست هي الغاية في نفسها، ليست هي الغرض الأخير في نفسها، وإنما قد تقوم دولة للذين أنزل الله عليهم الكتاب ثم هم يفسدون في الأرض، فيعاقبهم الله بالفتن، ويعاقبهم الله بالهزيمة، ويعاقبهم الله بالتمزق، ويعاقبهم الله بتسليط الكافرين عليهم.

هذا الكلام نزل في أواخر السور المكية، فيجعل أو يضع في نفس المؤمنين ماذا؟ قرب أن تكون لهم دولة، وأن هذا سيكون نوعاً من اختبار الله تعالى له. هذا رقم اثنين.

يبقى رقم واحد هو ارتفاع اللهجة بتكرار مصارع الأمم وقرب الهلكة، ورقم اثنين هو وجود قصة بني إسرائيل حين كانت لهم دولة. تمام.

طيب، المسيلة الثالثة هي الإشارة إلى التحديات التي ستواجه المسلمين مع أهل الكتاب، الآن مكة ليس فيها أهل كتاب، مكة ليس فيها نصارى، ليس فيها يهود، أهل الكتاب سيوجدون فين؟ في المدينه، فوجد في هذه السور الأخيرة التي نزلت في مكة الإشارات إلى التحديات التي سيجدها النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل الكتاب، فهذا يفهم منه من يعايش القرآن الكريم ويلتقط إشاراته إلى أن المرحلة القادمة هي مرحلة فيها مواجهة مع أهل الكتاب.

طيب، المسألة الرابعة هي الإشارة إلى قرب الهجرة، وأن هذه الهجرة ليست كهجرة الحبشة، بل هي هجرة تكوين دولة ونزول شريعة، هذا موجود في السور التي نزلت آخر العهد المكي، الفترة المكية.

والسّألة الخامسة والأخيرة، أن هذه الدولة التي ستقوم وهذا الرسول الذي سيهاجر سيعود قريبا فاتحا منتصرا إلى مكة مرة أخرى، فهذه آيات وإشارات يفهمها المؤمنون الذين يعايشون القرآن الكريم.

رقم واحد: مصارع الأمم، تكرار مصارع الأمم وارتفاع اللهجة أنه النذير الأخير. رقم اثنين: أيوه، رواية دولة، رواية بني إسرائيل في مرحلة دولتهم. رقم ثلاثة: تحديات جديدة عند المسلمين وهو أهل الكتاب. رقم أربعة: الهجرة هجرة إقامة دولة ونزول شريعة وليست كهجرة الحبشة. ورقم خمسة: أن هذه الدولة، أن هذا، هذه الدولة سيعود، ستنتصر وهذا الرسول المهاجر سيعود إلى مكة فاتحاً مرة أخرى. تمام.

طيب، الآن نحن ذكرنا يا جماعة الخير في حلقة أو في مجلس الذي ذكرنا فيه الإسراء والمعراج أنه من ملامح رحلة الإسراء والمعراج أنها لم تكن فقط رحلة تسرية وتسليّة للنبي صلى الله عليه وسلم، وإنما كانت آية، أيضاً كانت رحلة تهيئة للدولة.

ذكرنا ذلك وفصلنا فيه، وذكرنا منها عدد من الأمور: أولاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الإسراء والمعراج شق قلبه مرة ثانية، واختلفت عن المره الأولى، المرة الأولى التي كانت حين رضاعه في بني سعد قال: فنزع حظ الشيطان من قلبه، دي المرة الأولى. لكن المرة الثانية حين شق قلب، صدر النبي صلى الله عليه وسلم قال: وحشي قلبه إيماناً وحكمةً. يبقى هذا أمر آخر يعده للزعيمة والتهيئه.

طيب الملمح الثاني هو حوار النبي صلى الله عليه وسلم مع موسى، وموسى وهو يقول له: فاني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، ما قالوش: عالجت فرعون، قال له: عشت مين؟ بني إسرائيل. يبقى الآن مقبل، النبي صلى الله عليه وسلم مقبل على إيه؟ على قيادة أمة، على زعامة أمة، فهو سيعالج أمته، فهذا ملمح آخر.

الملمح الثالث هو فرض الصلاة، لو أنها، لو أنها رحلة تسرية فقط ما كانت تمكن، ما كانت تكون رحلة فرض لعبادة وخمسين صلاة تنقص إلى خمس صلوات، فهي معناها أنه خلاص الآن الأمة الإسلامية تستكمل عباداتها وفرائضها.

الملمح الرابع ذكرناه، هو أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالانبياء، صلى بالأنبياء، وهذا معناه استلام الزعامة واللواء من الأنبياء لهداية هؤلاء البشر، وكذلك صلى بهم في المسجد الأقصى، لو كانت رحلة تسرية وتسلية فقط كان إيه؟ عرج من مكة إلى السماء، لكن وجوده مع الأنبياء في المسجد الأقصى فهو قد ورث منهم هذا الدين وهذا الشريعة وهذا المكان، هذه الأرض المقدسة، بيت المقدس قد صارت من أمانات المسلمين فيها مصر النبي صلى الله عليه وسلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لم ير بيت المقدس، يعني النبي مات قبل أن تفتح الشام، فتحت الشام في عهد من؟ في عهد عمر رضي الله عنه.

تمام، فنبينا هذه زيارته الوحيدة، يعني هذا هو الذي جعل بيت المقدس عقيدة عند المسلمين. جميل.

طيب، فبالتالي، وذكرنا أيضاً من ملامح مسألة الدولة هو ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم عند سدرة المنتهى وقال: وفيها نهران ينبعان من الجنة هما النيل والفرات، فكان هذا من الإشارات التي فهم منها بعض العلماء أن هذه المنطقة بين النيل والفرات هي منطقة ستظل قلب أمة الإسلام، وهي منذ فتحت لم تخرج من حوزة المسلمين، ما بين النيل والفرات.

طيب، الآن أنا أذكر هذا تذكيراً لكم بأن رحلة الإسراء والمعراج لم تكن آية، لم تكن فقط مجرد رحلة التسلية، وإنما كانت تهيئة للدولة.

تعالوا ننظر في هذه السور وأولها سورة الإسراء. تمام.

نعم، يا مجيد، طيب حاضر، هبقى أحكي لك ماشي، أنا وانت مع بعض. تمام.

طيب صلوا على النبي الأول. تعالوا ننظر في مسألة تكرار مصارع الأمم وما يشعر بقرب انتهاء المهلة أمام أهل مكة. سورة الإسراء: مَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وِزْرَ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا. وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا. وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا.

طيب، هذه الآية حين يسمعها الصحابة، يسمعها أهل مكة، بهذه اللهجة تشعرك بقرب هذا الهلاك. وكذلك في قول الله تعالى أيضاً في سورة الإسراء: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَىٰ مَسْحُورًا. قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ هذه الآيات إلا رب السماوات والأرض بصائر للناس بصائر، واني لأظنك يا فرعون، فاراد أن يستفزهم من الأرض، شوف هذا هو نبؤه، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفَزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا. تمام.

وهي هذه، هذه تاتي في عنصر آخر، الآن أنا أتكلم عن قرب الهلكة، عن قرب الهلكة، ما هو، آه نعم، لكن لكن هذا سياتي معك في قرب الهجرة، هذه الآية ستاتي معنا في قرب الهجرة.

لكن الآن نحن نتكلم عن قرب الهلكة، واني لأظنك يا فرعون مثبوراً. طيب.

طيب تعالوا في سورة الفرقان، قال تعالى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا. يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا. لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا.

وأيضاً في سورة الفرقان: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا. فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا. وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً ۖ وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا. وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا. وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا.

أنا الآن وأنت تسمع هذه الآيات تشعر أن هذه الآيات تنذر أهل مكة بقرب الهلكة وتنذر المسلمين بقرب النجاة والمفاصلة.

في سورة الرعد، وهي أيضاً نزلت بعد الفرقان، قال تعالى، وتأمل معي هذه الآية، يقول تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ، معنى الآية إيه؟ يعني لو أن الله تبارك وتعالى جعل، يعني جعل الخوارق في هذا القرآن، فلو أن قرآناً سيرت به الجبال، سيرت يعني تفتتت تشتتت انهارت، وقطعت به الأرض، وكلم به الموتى يعني الموتى يكلمون ويردون، لو أن قرآناً يفعل هذا، لكان هذا القرآن، هذه، هذا تقدير الآية: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ لَكَانَ هَذَا الْقُرْآنَ.

معنى ذلك أنه أمر لا يمكن أن يرد العاقل الذي يسمع هذا القرآن، لا يمكن أن يشك في أنه من عند الله تبارك وتعالى، فيقول تعالى: بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ۗ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ. وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيفَ كَانَ عِقَابِ.

سورة فصلت التي نزلت بعد سورة الرعد فيها أيضاً هذا التذكير بقرب الهلكة وبهذه الاقوام، قال تعالى: فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ. فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ. وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا

يَكْسِبُونَ، وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ.

كُلُّ هَذَا يَا جَمَاعَةَ الْخَيْرِ بِخِلَافِ هَلَكَةِ الْآخِرَةِ، وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ.

طَيْبٌ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ فُصِّلَتْ سُورَةُ الْقَمَرِ، وَسُورَةُ الْقَمَرِ كَمَا تَرَوْنَ كُلُّهَا عَنْ إِيهِ؟ عَنْ مَهَالِكِ الْقَوْمِ، كُلُّهَا عَنْ مَهَالِكِ الْقَوْمِ، وَبِدَايَتُهَا بِدَايَةُ إِيهِ شَدِيدَةٌ: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ، وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٍّ، اُنْظُرْ اسْمَعْ: وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ.

يَعْنِي تَشْعُرُ مَعَ الْآيَاتِ أَنَّهُ يَا جَمَاعَةُ الْوَقْتُ انْتَهَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ، لَوْ أَنَّ فِي حَدٍّ بِيَسْمَعْ، لَوْ أَنَّ فِي حَدٍّ بِيَعْقِلْ، لَوْ أَنَّ فِي حَدٍّ بِيَهْتَزُّ، فَفِي الْأَنْبَاءِ الَّتِي جَاءَتْ، فِي الْآيَاتِ الَّتِي جَاءَتْ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ.

حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ جَاءَتْهُمْ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ، لَمْ تَعُدِ النُّذُرُ تُغْنِي أَوْ تَنْفَعُ مَعَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، ثُمَّ عِنْدَكَ مَهَالِكَ: فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ، فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ، هَذِهِ فِي قِصَّةِ نُوحٍ.

ثُمَّ فِي قِصَّةِ عَادٍ، آهِ، وَتَنْزَعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ، فَكَانُوا ثَمُودَ، فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ، وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ، كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا، وَبَعْدَيْنِ أَكْفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكَ، هَا، يَعْنِي مِنْ أَنْتُمْ يَا يَا أَهْلَ قُرَيْشٍ يَا أَهْلَ مَكَّةَ، كُفَّارُ هَؤُلَاءِ خَيْرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَلَكُوا؟ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ؟ عِنْدَكُمْ بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ أَلَّا يُعَذِّبَكُمْ؟ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ؟

اسْمَعْ وَتَأَمَّلْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْعَجِيبَةِ: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ.

اسْمَعْ يَا اسْمَعْ يَا أَخِي الْحَبِيبَ، اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ سَيُهْلِكُ الْجَمْعُ وَلَا قَالَ سَيُهْزَمُ؟ مَا مَعْنَى هَذَا؟ آهِ، لَنْ تَكُونَ هَلَكَةُ قُرَيْشٍ بِخَارِ مِنْ خَوَارِقِ السَّمَاءِ، وَلَكِنَّهَا سَتَكُونُ عَلَى يَدِ جَيْشٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ، يَفِرُّونَ مِنْ أَمَامِهِمْ؛ لِأَنَّهُ أَصْلًا عَذَابُ اللَّهِ لَا يَفِرُّ مِنْهُ أَحَدٌ، سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ، هَذَا عَذَابُهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَالْعَذَابُ الثَّانِي: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ.

أَسْأَلُ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يُعِيذَنَا وَإِيَّاكُمْ أَنْ نَقِفَ فِي صَفِّ بَاطِلٍ، أَوْ أَنْ نَكُونَ فِي مَعَسْكَرِ الْبَاطِلِ: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ.

طَيْبٌ، هَذَا فِي سُورَةِ الْقَمَرِ.

تَعَالَوْا إِلَى سُورَةِ صَدَّ الَّتِي نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْقَمَرِ، قَالَ تَعَالَى أَيْضًا فِي مَهَالِكِ الْقَوْمِ: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ، وَثَمُودُ وَقَوْمُ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ، إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَفَحَقَّ عِقَابِ، وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ.

فَأَيْضًا اللَّهْجَةُ هُنَا فِي هِذِهِ الْآيَةِ إِيهِ؟ لَهْجَةٌ عَالِيَةٌ تُشْعِرُكَ بِقُرْبِ التَّهْدِيدِ وَالْإِنْذَارِ: فَفَحَقَّ عِقَابِ وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً.

جَمِيلٌ، بَعْدَهَا سُورَةُ غَافِرٍ، وَسُورَةُ غَافِرٍ يَا جَمَاعَةَ الْخَيْرِ تَصِفُ الْمَشْهَدَ الْأَخِيرَ فِي قِصَّةِ فِرْعَوْنَ، سُورَةُ غَافِرٍ أَغْلَبُ سُورَةِ غَافِرٍ هِيَ قِصَّةُ الْمَشْهَدِ الْأَخِيرِ مِنْ فِرْعَوْنَ، وَفِيهَا بَرَزَ الدَّاعِيَةُ الْمُؤْمِنُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ: وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، وَبَقِيَّةُ الْآيَاتِ: وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ، مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَالثَّمُودِ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ، وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ، يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ، وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا، وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ، يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ، بَقِيَّةُ الْآيَاتِ آخِرُهَا إِيهِ بَقَى؟ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ، النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا، يَعْنِي هَذَا هُوَ عَذَابُ الْقَبْرِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى: يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ، وَفِي قِرَاءَةٍ أُخْرَى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ.

وَبَعْدَ سُورَةِ غَافِرٍ سُورَةُ يَاسِينَ، وَفِيهَا أَيْضًا النَّذِيرُ الْأَخِيرُ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ ثَلَاثَةَ أَنْبِيَاءَ فَكَذَّبُوهُ، إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا ثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ، قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ، قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ، وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ، قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى، تَشْعُرُ هُنَا فِي سُورَةِ يَاسِينَ، يَعْنِي مُؤْمِنُ آلِ يَاسِينَ وَمُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، تَشْعُرُ أَنَّ الرُّسُلَ خَلَاصٌ وَصَلَتْ، وَصَلَتِ الْمَسْأَلَةُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَقْوَامِهِمْ إِلَى نِهَايَتِهَا، فَلِذَلِكَ انْبَعَثَ مِنْ بَيْنِ هَؤُلَاءِ مَنْ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ كَأَنَّهُ النِّدَاءُ الْأَخِيرُ، وَلِذَلِكَ لَمَّا جَاءَ هَذَا الرَّجُلُ وَقَتَلُوهُ مَاذَا قَالَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى؟ قَالَ: وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ، إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ، يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ.

تَمَامٌ يَا جَمَاعَةَ الْخَيْرِ، طَيْبٌ، بَعْدَ سُورَةِ يَاسِينَ سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ كُنَّا تَلَوْنَاهَا فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ قَلِيلٍ، وَفِيهَا قَوْلُ تَعَالَى: وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ، وَفِيهِ: فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ.

وَآخِرُ مَا نَزَلَ مِنَ السُّوَرِ فِي مَكَّةَ هِيَ سُورَةُ الْأَعْرَافِ، سُورَةُ الْأَعْرَافِ لِمَنْ قَرَأَهَا وَجَدَهَا كُلَّهَا تَقْرِيبًا هِيَ قَصَصُ الْأَنْبِيَاءِ مَعَ أَقْوَامِهِمْ، يَبْقَى هَذِهِ هِيَ اللَّمْحَةُ الْأُولَى الَّتِي نَرَاهَا قَدْ بَدَاتْ تَظْهَرُ فِي السُّوَرِ فِي أَوَاخِرِ الْعَهْدِ الْمَكِّيِّ؛ أَنَّ لَهْجَةَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي التَّهْدِيدِ وَالْإِنْذَارِ وَالْوَعِيدِ بَلَغَتْ أَقْصَاهَا وَغَايَتَهَا، خَلَاصٌ بِنَتَكَلَّمُ عَنِ اللَّحْظَةِ النِّهَائِيَّةِ وَعَنِ الصَّيْحَةِ الْوَاحِدَةِ وَمَا أَنْزَلْنَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ، وَهَكَذَا.

طَيْبٌ، نَاتِي لِلْمَلْمَحِ الثَّانِي الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ أَنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ بَدَأَ يَذْكُرُ قِصَّةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَكِنْ لَيْسَ فِي مَرْحَلَةِ جِهَادِهِمْ مَعَ فِرْعَوْنَ، وَلَكِنْ فِي مَرْحَلَةِ دَوْلَتِهِمْ.

جَمِيلٌ، طَيْبٌ، نَاتِي إِلَى سُورَةِ الْإِسْرَاءِ، اللَّحْظَةِ الَّتِي إِحْنَا بَدَأْنَا مِنْهَا التَّهْئَةَ لِلدَّوْلَةِ: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.

آيَةٌ بَعْدَهَا آيَةٌ: وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ.

وَآتَيْنَا مَتَى أَتَى اللَّهُ مُوسَى الْكِتَابَ؟ بَعْدَ نَجَاتِهِ مِنْ فِرْعَوْنَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ التَّوْرَاةَ: وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا، ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ.

وَتَمْضِي الْآيَاتِ يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا.

طَيْبٌ، هَذِهِ حِكَايَةٌ تُحْكَى لِقَوْمٍ مَا زَالُوا فِي مَكَّةَ، اللَّهُ يُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ أَتَى بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَجَعَلَهُمْ مُمَكَّنِينَ فِي الْأَرْضِ، وَلَكِنَّهُمْ بَعْدَ تَمْكِينِهِمْ سَيُفْسِدُونَ، وَجَزَاءً لَهُمْ عَلَى إِفْسَادِهِمْ سَيُسَلِّطُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ مَنْ يُمَزِّقُهُمْ وَيُذِلُّهُمْ وَيَضْطَهِدُهُمْ: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا، ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا، يَعْنِي أَكْثَرَ جَيْشًا، إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا، عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ، يَعْنِي عُدْتُمْ إِلَى الْإِفْسَادِ عُدْنَا إِلَى هَذَا الْإِهْلَاكِ، وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا.

هَذَا الْكَلَامُ يُقَالُ لِمَنْ؟ يُقَالُ لِلْمُسْلِمِينَ وَهُمْ مَا زَالُوا فِي مَكَّةَ، فَأَنَا أَحْكِي لَكُمُ الْآنَ هَذِهِ أَجْوَاءٌ يَرْسُمُهَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ فِي ضَمَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فِي أَذْهَانِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ قَدِ اقْتَرَبُوا مِنْ مَرْحَلَةِ الدَّوْلَةِ وَالتَّمَكُّنِ، وَيُحَذِّرُهُمْ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْحَلَةَ لَيْسَتْ مَرْحَلَةً لَيْسَتِ الْغَايَةَ النِّهَائِيَّةَ لَيْسَتِ الْهَدَفَ الْأَعْظَمَ، بَلْ هِيَ أَيْضًا امْتِحَانٌ وَابْتِلَاءٌ وَفِتْنَةٌ، تَمَامٌ، وَمَنْ قَامَ بِأَمْرِ اللَّهِ فِيهَا نَجَا، وَمَنْ لَمْ يَقُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ فِيهَا هَلَكَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارَ.

طَيْبٌ، كَذَلِكَ فِي سُورَةِ صَدَّ نَجِدُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى حِكَايَتَهُ عَنْ مُلُوكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْبِيَاءَ الْمُلُوكِ: وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ دَاوُدَ.

دَهْ الْآنَ هُوَ إِيهِ؟ مَلِكٌ نَبِيٌّ مَلِكٌ، وَالْحِكَايَةُ الْمَعْرُوفَةُ أَنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ، فَسَيِّدُنَا دَاوُدُ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ إِلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ قَالَ: لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ، فَاخْتَفَى الرَّجُلَانِ فَعَرَفَ أَنَّهُمَا مَلَكَانِ، وَعَرَفَ أَنَّ هَذَا ابْتِلَاءٌ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ، وَنَزَلَتْ نَزَلَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.

هَذَا خِطَابٌ لِقَوْمٍ مَا زَالُوا فِينَا فِي مَكَّةَ، لَكِنَّهُ خِطَابٌ يُهَيِّئُ إِلَى إِلَى مَرْحَلَةِ أَنْ يَكُونُوا أَهْلَ حُكْمٍ وَأَهْلَ حُكْمٍ بَيْنَ النَّاسِ، وَلِذَلِكَ هَذَا التَّحْذِيرُ: جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ.

وَبَقِيَّةُ سُورَةِ صَدَّ بَقِيَّةُ سُورَةِ صَدَّ: وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ.

بَعْدَهُ بِآيَاتٍ (يَعْنِي شُوفِ اسْمَعِ الْآيَةَ): قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ، وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ، أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ؟ اسْمَعْ: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ، هَذِهِ الْأُمَّةُ سَتَحْكُمُ بِهَذَا الْكِتَابِ.

ثُمَّ دَخَلْنَا إِلَى سُلَيْمَانَ: وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابُ، وَذَكَرَ قِصَّةَ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ شَغَلَهُ بَعْضُ مُلْكِهِ وَبَعْضُ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ التَّمْكِينِ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَعَنْ وَاجِبَاتِ اللَّهِ: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ، الْقِصَّةُ الْمَعْرُوفَةُ.

يَبْقَى هَذِهِ حِكَايَةُ أَنْبِيَاءَ مُلُوكٍ تُتْلَى عَلَى قَوْمٍ مُسْتَضْعَفِينَ فِي مَكَّةَ تُؤَهِّلُهُمْ وَتُحَضِّرُ إِلَى لَحْظَةِ الْحُكْمِ.

كِدَةَ رَقْمُ وَاحِدٍ: قُرْبُ الْهَلَكَةِ.

رَقْمُ اثْنَيْنِ: بَدْءُ ظُهُورِ قِصَّةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ حِينَ كَانُوا أَصْحَابَ دَوْلَةٍ.

رَقْمُ ثَلَاثَةٍ: الْإِشَارَةُ إِلَى التَّحَدِّيَاتِ مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ، هَذِهِ كَثِيرَةٌ، الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ سَيُوَاجِهُونَ التَّحَدِّيَاتِ مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ.

هُنَا مَثَلًا تَقْرَأُ فِي سُورَةِ الرَّعْدِ قَوْلَهُ تَعَالَى قَوْلَهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ، الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ، هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا، وَمِنَ الْأَحْزَابِ، الْأَحْزَابُ هُنَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِمَعْنَى الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلَيْكَ مِنَ الْيَهُودِ وَمِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ، اُنْظُرْ هَذِهِ الْآيَةَ ذُكِرَ فِيهَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، هَذِهِ بِِدَايَةُ ظُهُورِ تَحَدِّي أَهْلِ الْكِتَابِ.

وَقَوْلُهُ تَعَالَى بَعْدَهَا فِي سُورَةِ الرَّعْدِ: وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا، أَنْزَلْنَا إِيهِ؟ الْقُرْآنَ، أَنْزَلْنَاهُ إِيهِ؟ حُكْمًا، يَعْنِي يَحْكُمُ بِهِ، وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ، هَذَا كَلَامٌ يُتْلَى عَلَى الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي مَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِأَنَّ هَذَا الْكِتَابَ الَّذِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ سَيَكُونُ كِتَابَ حُكْمٍ، وَأَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْكِتَابِ سَيَفْرَحُ بِهِ وَيُؤْمِنُ بِهِ وَبَعْضَهُمْ سَيُنْكِرُ بَعْضَ مَا فِيهِ: وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ.

طَيْبٌ، سُورَةُ الْبَيِّنَةِ وَهِيَ أَيْضًا مِنَ السُّوَرِ الَّتِي نَزَلَتْ فِي أَوَاخِرِ الْعَهْدِ الْمَكِّيِّ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ، آهِ، لَمْ يَكُنْ مِينَ؟ أَهْلُ الْكِتَابِ، لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ (مِشْ بَسِّ الْمُشْرِكِينَ بتوع مَكَّةَ) وَأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ هَؤُلَاءِ جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَمَعَ ذَلِكَ انْقَسَمُوا وَتَفَرَّقُوا وَصَدُّوا، جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ، الْمُفْتَرَضُ أَنَّ الَّذِي تَأْتِيهِ الْبَيِّنَاتُ يَهْتَدِي وَلَا يَضِلُّ، دَهِ الطَّبِيعِيُّ، لَكِنْ هَؤُلَاءِ لَمْ يَكُنْ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ، وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ.

طَيْبٌ، جَمِيلٌ، هُوَ أَنَا طَبْعًاِ الْتَقَطْتُ الْتِقَاطَاتٍ هُنَا، نَعَمْ، يَبْقَى كِدَةَ إِحْنَا خَلَصْنَا كَمْ مَلْمَحٍ يَا جَمَاعَةَ الْخَيْرِ؟ ثَلَاثَةٌ، الَّذِينَ هُمْ إِيهِ؟ قُرْبُ الْهَلَكَةِ، جَمِيلٌ، بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي مَرْحَلَةِ الدَّوْلَةِ، التَّحَدِّيَاتُ الَّتِي وَصَلَتْ لِأَهْلِ الْكِتَابِ، جَمِيلٌ، الْمَرْحَلَةُ الرَّابِعَةُ، طَبْ مِينْ فَاكِرْ رَقْمُ أَرْبَعَةِ إِيهِ؟ مَا شَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ.

طَيْبٌ، مَسْأَلَةُ أَنَّ هَذِهِ الْهِجْرَةَ سَتَكُونُ هِجْرَةَ إِقَامَةِ دَوْلَةٍ، وَهَذِهِ الدَّوْلَةُ لَهَا شَرِيعَةٌ أَيْضًا بَدَأَتْ فِي هَذِهِ السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ، وَمَثَلًا إِحْنَا بَدَأْنَا بِسُورَةِ الْإِسْرَاءِ بِاعْتِبَارِهَا أَوَّلَ السُّوَرِ الَّتِي نَزَلَتْ لِلتَّهْئَةِ لِلدَّوْلَةِ فِي حَادِثَةِ الْإِسْرَاءِ.

سُورَةُ الْإِسْرَاءِ كَمَا تَرَوْنَ مَلِيئَةٌ بِالْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا مَعْنَى الشَّرَائِعِ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا، هَذَا الْكَلَامُ يُقَالُ (يَعْنِي تَشْعُرُ مَعَهُ أَنَّكَ بَدَأْتَ الْجَمَاعَةَ يَكُونُ عِنْدَهَا أَمْوَالٌ، وَبَدَأَتِ الْجَمَاعَةُ تَتَصَرَّفُ فِي مَالِهَا، فَلِذَلِكَ) ذَا الْقُرْبَا آتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ، وَآتِ الْمِسْكِينَ حَقَّهُ، وَآتِ ابْنَ السَّبِيلِ (لِسَّهْ جَايَةْ، لَكِنَّ ابْنَ السَّبِيلِ الْآنَ هَذَا خِطَابٌ مِنْ تَشْعُرُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ دَخَلَتْ فِي مَرْحَلَةِ الْإِيهِ؟ أَنْ تَكُونَ جَمَاعَةً لَهَا تَصَرُّفٌ وَلَهَا شَرَائِعُ)، بَعْدَهَا: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ، بَعْدَهَا: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (وَحَتَّى هُنَا كَلِمَةُ تَقْرَبُوا تُشْعُرُ فِيهَا بِمَعْنَى الْآنَ الْإِنْسَانُ الْمَوْجُودُ فِي مُجْتَعٍ كَافِرٍ أَوْ فِي مُجْتَعٍ عِلْمَانِيٍّ يَعْنِي مُتَحَلِّلٍ مِنَ الْإِسْلَامِ، الْإِنْسَانُ دَهْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقْرَبَ الزِّنَى، يَسْتَطِيعُ أَنْ لَا يَقْرَبَ، هُوَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَزْنِيَ، لَكِنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقْرَبَ؛ لِأَنَّ هُوَ أَصْلًا الزِّنَى قَرِيبٌ مِنْهُ، يَعْنِي يَعْنِي إِحْنَا الْآنَ فِي عَوَاصِمِنَا الَّتِي اسْمُهَا إِسْلَامِيَّةٌ كَمَا يَقُولُ بَعْضُ شُيُوخِنَا حَتَّى مِنْ قَدِيمٍ يَقُولُ لَكَ: تَبُصُّ يَمِينًا تَلَاقِي وَاحِدَةً كَذَا، تَبُصُّ شِمَالًا، تَبُصُّ فَوْقُ تَلَاقِي وَاحِدَةً بَاصَّةً مِنَ الْبَلْكُونَةِ، تَعْمَلُ إِيهِ؟ طَبْعًا أَنْتَ الْآنَ الْآنَ لَوْ بِتَرْكَبُ مُوَاصَلَاتٍ أَنْتَ يَعْنِي الْأَمْرُ يَصْعُبُ عَلَيْكَ لِكَيْ يَعْنِي تَتَجَنَّبَ الِاحْتِكَاكَ).

والتلامس. فكلمة لا تقربوا هنا توحي لك بأن هذا المجتمع سيصير مجتمعًا يمنع ويحول دون مجرد القرب، لأن الإنسان في مجتمع ليس إسلاميًا لا يستطيع أن لا يقرب تمامًا.

وعلى كل حال يعني الأمر يحتمل. وقوله تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وقوله تعالى: وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا. هذا كلام قالوا لمن يعني أنت إذا قرأت الآية ولم تعرف أين نزلت تشعر أنها نزلت لقوم أصحاب دولة ولا لقوم مضطهدين في دولة أخرى.

أهو نعم ما هي أصحاب مجتمع أي أنهم أصحاب دولة وإلا فهم غير قادرين في مرحلة مكة على أنه يقتص لنفسه إذا هو مضطهد. المسلمون لم يستطيعوا أن يقتصوا لمن مات منهم وأن يعطى ولي القتيل سلطان، وتكون التوصية له أن لا يسرف في القتل.

تمام. وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ، هذه كلها نوع من الشرائع. وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ، تمام، طيب.

وكذلك نروح مثلاً لسورة الفرقان نجد فيها أيضًا الحديث عن المؤمنين باعتبارهم جماعة، قوله تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا، وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا. مفهوم هذه الآيات والدعوات، لكن بعدها: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. شوف الآية وهي تبدأ بصيغة الجمع أنه المجتمع لا يفعل هذا، لكن قد يوجد من الأفراد من يقع في هذا يعني لا يدعون مع الله إلها آخر، لا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، لا يزنون، لكن في آية متساقط في مذنبين، وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ، هنا الصيغة صارت صيغة إيه صيغة فرد، وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، جميل.

كذلك في سورة الرعد أيضًا مثل هذه الجماعة قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَفُون بَعْهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ، وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ، وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ. لا ننسى أيضًا ما قيل في سورة الرعد الآية التي ذكرناها قبل قليل، وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا، دولة لها حكم، جميل.

وسبحان الله حتى يعني جاء في سورة الرعد تهديد للمشركين بمعنى المستقبل في صيغة الماضي. أنتم تعرفون القرآن الكريم فيه بعض هذه اللمحات التي يتكلم الله فيها عن المستقبل بصيغة الماضي للجزم بالوقوع، ما في ذلك قوله تعالى: أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ، تمام. كيف أتى وكيف لا تستعجلوه؟ أتى بمعنى سياتي جزمًا. الله تبارك وتعالى حين يقول أمرًا لا معقب لحكمه، فهنا قول الله تعالى ذكر بهذا المعنى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَاتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا، يعني هذا تهديد لمكة بأنه سينقص من نفوذهم، سينقص من أرضهم، تمام. فلذلك هذا ما معناه، هذا قريب من قوله تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ، جميل.

فقال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَاتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ، وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَفَلِلَّهِ مَكْرُهُمْ جَمِيعًا. أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا. هذه الآية يمكن أن نرجعها إلى القسم الأول وهو قرب الهلكة اللي هو هي قريبه من معنى قوله تعالى: وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الْأَنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ. يعني الآن نحن في الآية في اللحظة الأخيرة، في النداء الأخير، هؤلاء الذين بقوا حتى الآن لا يؤمنون ينبغي أن يجري أو يحصل اليأس منهم: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا.

طيب، سورة الشورى. سورة الشورى أيضًا من أواخر ما نزل في الفترة المكية، وهذه سورة الشورى ترسم في ذهن المسلمين دولة، قال تعالى: وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ، لكن هذا صح صح، لكن هنا الكلام هنا للمؤمنين. الكلام هنا للمؤمنين أن المؤمنين أمرهم صار شورى بينهم، يعني ما بقاش إقامة الصلاة وإيتاء زكاة، لا، بقى دخل شيء في النص بين إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة: اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ، يعني يستطيعون أن ينتصروا لأنفسهم وأن يدفعوا هذا عن أنفسهم. هذه هذا كلام يجعل ويغرس ويبث في عقول المسلمين وفي ضمائرهم أنه ستقوم لهم دولة يستطيعون فيها أن يردوا وأن ينتصروا لأنفسهم، وقال: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ، تمام. فهذه يعني هذه السور تبث في ضمائر المسلمين مسألة الدولة.

طيب الملمح الاخير وأن هذا النبي سيعود إلى مكة منتصرًا وأن هذه دولة ستهدم دولة الكفار، وذلك في قوله تعالى الآية اللي انت عايزها يا شيخ عبد الله: وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوك منها وإذا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا. طيب وفي قوله تعالى أيضًا في سورة الإسراء: وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مَن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا، وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا. هذه هذه آية نزلت في مكة.

طيب وفي قوله تعالى أيضًا في سورة الإسراء حكاية عن فرعون: فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا، وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ. فهذا تبشير للمسلمين وتحذير لهؤلاء الكافرين، وذكرنا في قوله تعالى في سورة القمر: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ، ذكرناها هناك للهلكة: فَأَحَطْنَا بِهِمْ، فاوحى اليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم، ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد، واستفتحوا. واستفتحوا يعني طلب الرسل من ربهم الفتح، قال تعالى: وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ. هذا قريب من قوله تبارك وتعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ، بل الساعة موعدهم. هناك هزيمة في الدنيا وهناك عذاب في الآخرة، هنا: وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ أي في الدنيا، مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ في الآخرة.

طيب ويسقى من ماء صديد، طبعا يتجرعه ولا يكاد يسيغه وبقية الآية. وأيضًا في قول الله تعالى في سورة الرعد: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ، يعني هذا شبيه بجهنم يصلونها وبئس القرار، شبيه بسيهزم الجمع ويولون الدبر، وشبيه بوخاب كل جبار عنيد من ورائه جهنم. يعني الآن مع هذه مع هذا الدين مع هذه الدولة الإسلامية هزيمة في الدنيا للكافرين ثم عذاب في الآخرة.

وطبيعي إذا نظرنا حتى في سورة إيراهيم سنجد ما في هذه السورة من قصة إبراهيم وهجرته وتركه زوجته وولده من بغير أنيس، وهذه بشرى للنبي صلى الله عليه وسلم، يعني الآن مكة صارت مزدهرة وصارت عاصفة العرب وصار ياتيها الناس ويحج اليها الناس، وقد كانت أيام إبراهيم إيه؟ أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع. هذا بشير للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه كما أجاب الله دعوة إبراهيم يجيب الله دعوته هو، الدعوة المضطهدة دي اللي مافيش حد أو يعني قليل من الناس من آمن بها يجيب الله دعوته وأنها إجابة دعوة إبراهيم حين قال: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ، فهذه قرب إجابة دعوة إبراهيم تكون على يد محمد صلى الله عليه وسلم.

طيب، السورة أيضًا في سورة إبراهيم قول الله تعالى: وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ، فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِ رُسُلِهِ. هذا يقال للناس في مكة يفهمون منه ماذا؟ نعم، وهم في مكة.

ثم سورة القصص. سورة القصص كلها سورة سيدنا موسى عليه السلام وهو خارج من مصر خائفًا، فخرج منها خائفًا يترقب. وهذا الذي خرج منها خائفًا يترقب ودخل دخل المدينة على حين على حين غفله من أهلها في هذه في الأول، ثم دخل ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون، وجد من دونهم امرأتين تذودان. هذا الرجل الذي كان خائفًا والذي خرج بلا مال وبلا نصير وبلا أنيس، في يوم واحد شوف سيدنا موسى في يوم واحد وجد إيه؟ وجد عملًا ووجد بيتًا ووجد زوجة في يوم واحد، فانظر يعني ما أقرب هذا وما أبعده.

فالله تبارك وتعالى يقص على نبيه صلى الله عليه وسلم نبأ موسى، وقبلها سبحان الله هذا فاتاني الان قص الله على نبيه نبأ أم موسى. أم موسى اضطرت أن يفارقها ولدها، ولكن الله تبارك وتعالى قال: فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ. وبعد أن نجا موسى عاد إلى مصر نبيًا رسولًا، وكان على يده هلاك القوم الذين خرج خائفًا منهم، تمام.

وحين تنتهي السورة قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ. فهذه أجواء القرآن الكريم التي بثت في ضمائر المسلمين وفي عقولهم وآذانهم، معنى أن الهجرة قد صارت قريبة، وأن الدولة قد صارت قريبة، وأن هذه الدولة بدأت تظهر تحدياتها من خلال أهل الكتاب، وبدأت تظهر شرائعها، وبدأت تظهر الوعود التي يعدها الله تبارك وتعالى لهذه الدولة بالنصر والتمكين. انتهى الوقت، إن شاء الله في المجلس القادم نختم هذه المرحلة المكية ونبدأ المرحلة المدنية. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علمًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحياء جيل على خطى السابقين.