الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. نستعين بالله ونتوكل عليه ونستهدي به ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس السنن الإلهية وأثرها في الإصلاح.
واه هذه المجالس يعني اه نوشك أن ننتهي منها آآ ولم يبق إلا القليل، ولكن القليل الذي بقي مهم جدا ومركزي وأساسي. وحديث اليوم عن سنة مركزية من السنن وهي سنة الابتلاء.
ولو تتذكرون لما تحدثنا عن سنة الإهلاك للمجرمين قلت إن تلك السنة سنة من السنن المركزية وتنتظم في داخلها مجموعة من السنن المتعلقة بالكفار، أليس كذلك؟ فمثلا سنة الإهلاك تتضمن في داخلها سنة الاستدراج والإملاء والإمهال للمجرمين. اليوم سنة الابتلاء سنة مركزية في سياق المؤمنين وترتبط بها سنن إلهية متعددة. فإذا تحدثنا عن سنة النصر إن شاء الله في اللقاء القادم، فلا يمكن أن تتصور سنة النصر في ميزان الله إلا بعد تصور سنة الابتلاء، أو لا يمكن أن يتحقق النصر في جملة السنن الإلهية إلا بعد سنة الابتلاء. وهكذا سيأتي بعد قليل يعني سنة الابتلاء مرتبطة بسبع سنن، ليس فقط بسنة النصر.
طيب آآ سنة الابتلاء آآ المقصود بها هي يعني السنة التي يديم الله سبحانه وتعالى فيها امتحان عباده وابتلاءهم واختبارهم. آآ وهي سنة في الأصل عامة، ولكنها يعني في سياق الحديث المتعلق بالسنة الإلهية التي سأتحدث عنه سأتحدث عن سياقها في المؤمنين، ابتلاء المؤمنين. اه وهذه السنة كما قلت هي السنة القاضية بأن يديم الله الابتلاء والاختبار والامتحان على عباده المؤمنين حتى يميز الخبيث من الطيب، والصالح من الطالح، والمؤمن من المنافق.
اه كما تعلمون نحن نتناول السنة الإلهية تحت كم عنصر؟ سبعة عناصر: أولا بيان معناها، ثم ضوابط منهجية لفهم هذه السنة، ثم الأدلة من الوحي على هذه السنة، ثم ايش؟ علاقة هذه السنة بغيرها من السنن، ثم ايش؟ الحكم والمقاصد الربانية من هذه السنة، ثم الثمرات التي تستقر في أو تترتب على وعي هذه السنة، ثم ايش؟ تنزيل هذه السنة على الواقع.
طيب، ضوابط منهجية لفهم سنة الابتلاء:
الضابط الأول: هذه السنة آآ تأتي على أفراد المؤمنين وتأتي على الجماعات المؤمنة. يعني سنة الابتلاء تأتي على الأفراد، على الإنسان المؤمن ولو كان وحده، وتأتي على المجموعات أو الجماعات أو الأمم المؤمنة التي تعمل بمقتضى أمر الله في إقامة دينه. وهناك ابتلاءات متعلقة بالأفراد، وهناك ابتلاءات من نمط خاص متعلقة بالجماعات المؤمنة أو مجتمعات المؤمنة، جيد؟ كثيرا أو بعض الحكم الأساسية في سنة الابتلاء متصلة بسياق الابتلاء الجماعي أكثر من اتصالها بسياق الابتلاء الفردي. مثلا من أعظم حكم الابتلاء تمييز الخبيث من الطيب والمؤمن من المنافق، هذا أكثر ما يكون في أي ابتلاء؟ ليس في الابتلاء الفردي، جيد، وإنما يكون في الابتلاء الجماعي. والتركيز في قضية حتى في الحديث هنا سيكون على الابتلاءات المتعلقة بجماعة المؤمنين أكثر من التركيز على الابتلاء المتعلق بالأفراد. هذا الضابط المنهجي الأول لفهم السنن الإلهية.
الضابط الثاني: أن سنة الابتلاء لا تنحصر في الشدائد والمصائب وزلزلة الأعداء، لا تنحصر في البأساء والضراء وزلزلة الأعداء، وإنما قد يكون الابتلاء كذلك بماذا؟ بالرخاء والنعماء والسراء، كما قال الله سبحانه وتعالى: وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً. وكما قال سبحانه وتعالى على لسان موسى عليه السلام لقومه: عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ. فذاك ابتلاء بعد التمكين، والأول ابتلاء يعني في وقت الاستضعاف. إذاً الابتلاءات، سنة الابتلاء حين نتحدث عنها فلا تنصرف الأذهان إلى مجرد الشدائد والمصائب، وإن كانت هي الأصل، وإنما قد يكون الابتلاء كذلك بالسراء وبالخير وبالنعمة.
الضابط الثالث: سنة الابتلاء ليست مرتبطة بالأقدار فقط، وإنما قد تكون بالأقدار وقد تكون بالتكليفات الشرعية. سنة الابتلاء قد لا تكون بمجرد القدر المحض المرتبط بالألم والشدة والمصيبة، وإنما قد تكون سنة الابتلاء متعلقة بالأمر كذلك وبالتكليف. يعني قد يبتلي الله عباده المؤمنين بأن... طبعًا عفوا، قبل أن أذكر المثال، وقد يجتمع القدر والشرع. مثلا قد يبتلي الله عباده المؤمنين بأن يسلط عليهم عدوا، الآن هذا التسليط قدري ولا شرعي؟ قدري. أين الابتلاء هنا؟ أين فين صورة الابتلاء؟ وين معناه؟ أو إيش صورة الابتلاء اللي راح تكون؟ القتل، الأذى، التسلط، القهر، الاستضعاف، صح؟ طيب، وهنا يأتي ابتلاء شرعي بمقتضى الأمر الشرعي، وهو ما يطلبه الله من المؤمنين في مثل هذه الأحوال التي يتسلط فيها الأعداء، ما يطلبه منهم بأمرين اثنين عادة ما يذكرهما الله في شأن البلاء: الجهاد والصبر. والجهاد والصبر هنا لما نتحدث أنا في هذا السياق لا نتحدث عنها بسياق أنه هي مجرد أحكام شرعية، لا، وإنما نتحدث عنها باعتبارها مرتبطة بسنة الابتلاء. إيش الدليل أنها مرتبطة بسنة الابتلاء؟ لاحظ، بسنة الابتلاء وليس بمجرد معنى الابتلاء، إيش الدليل؟ في دليل واضح تماما، قال الله سبحانه وتعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ. لاحظ "أم حسبتم"، هذا أسلوب يدل على إيش؟ على السنة، صح ولا لا؟ وكذلك قول الله سبحانه وتعالى في سورة محمد: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ. وهذا ضابط مهم في فهم السنن الإلهية، في فهم سنة الابتلاء، فسنة الابتلاء ليست خاصة بالقدر، وإنما هي أيضا متعلقة بالشرع وبالأمر، واضح؟
طيب، كم ضابطا ذكرنا؟ ثلاثة. الرابع: أن سنة الابتلاء لا تنحصر في مرحلة الاستضعاف للمؤمنين، وإنما هي مستمرة على طول الطريق ولكل مرحلة ابتلاؤها. وبطبيعة الحال أساس الابتلاء في مرحلة الاستضعاف هو ماذا؟ القهر والاستضعاف والقتل والأذى والسجن إلى آخره. وأساس الابتلاء في مرحلة التمكين ما هو؟ الابتلاء بالتكليف الشرعي في إقامة الدين: الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ إلى آخر الآية. الابتلاء في مرحلة الاستضعاف له صور، والابتلاء في مرحلة التمكين له صور، وكله اسمه ابتلاء، وكله اسمه ابتلاء وكله فيه شدة وصعوبة.
اه الضابط الخامس هو أن الأدلة الواردة في سنة الابتلاء على نوعين: النوع الأول: هي الأدلة المباشرة في بيان سنة الابتلاء. النوع الثاني: هي الأدلة التطبيقية أو التي فيها الأمثلة التطبيقية على تحقق الابتلاء على مر التاريخ. ولا يكتمل فهم الإنسان لسنة الابتلاء إلا بالجمع بين النوعين من الأدلة. فمن النوع الأول قوله سبحانه وتعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم إلى آخره. ومن النوع الثاني أن ترى ابتلاء الله سبحانه وتعالى لنوح عليه السلام، وفي ابتلائه للوط عليه السلام، وفي ابتلائه لإبراهيم عليه السلام، وفي ابتلائه لموسى عليه السلام، وفي ابتلائه لعيسى عليه السلام، وفي ابتلائه للنبي صلى الله عليه وسلم. فلا يكتمل فهم سنة الابتلاء بالأدلة الأولى التي هي مباشرة في بيان السنة، وإنما تكتمل بتتبع صور الابتلاء في القرآن الكريم وهي كثيرة جدا، وكذلك في سنة النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا ضابط مهم في فهم صور الابتلاء وما يتعلق به. هذه خمسة ضوابط لفهم سنة الابتلاء.
طيب عفوا، خلنا نأخذ ضابطا سادسا، وهو أن سنة الابتلاء هي في الأصل عامة لجميع البشر، المسلم والكافر، وهي مرتبطة بأساس خلق الإنسان وأساس وجوده. إيش الدليل أنها مرتبطة بأساس خلق الإنسان وأساس وجوده؟ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، وفي سورة هود: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا. هذه الثلاث آيات تدل على أن الابتلاء مرتبط بأساس خلق البشر أصلا. وهذا الابتلاء المتعلق بأساس خلق البشر هو أكثر ما هو مرتبط بقضية التكليف، في قضية أن الله سبحانه وتعالى سيبتلي البشر بتكاليف شرعية، وهذه التكاليف آآ نتيجة الاستجابة لها أو عدم الاستجابة لها يكون مصير الإنسان. فهذه ستة ضوابط منهجية لفهم سنة الابتلاء.
الآن ننتقل للعنصر الثالث اللي هو ما هو؟ الأدلة من الوحي على هذه السنة.
طيب، أولا سأذكر يمكن خمسة أو ستة أدلة:
الدليل الأول: قوله سبحانه وتعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ. هذه الآية برأيي هي قد تكون أهم آية في سنة الابتلاء. وجه كون هذه الآية تدل على أن الابتلاء سنة ماضية في قوله سبحانه وتعالى: وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم، فيخاطب الله الأمة المتأخرة زمنا وهي أمة محمد صلى الله عليه وسلم، بأنهم لن ينفكوا عن أن يصيبهم ما أصاب المؤمنين قبلهم. وهذا يربط حلقة الإنسان المتأخر بالإنسان المتقدم، المؤمن المتأخر زمنا بالمؤمن المتقدم. ويبدد الله وهم من جاء متأخرا من المؤمنين، يبدد الله الوهم الذي قد ينشأ في أذهانهم من أنهم قد يعفون من هذا الابتلاء بقوله: أَمْ حَسِبْتُمْ، أي لا يمكن أن يكون، لا تظنوا، هذا الأمر لن ينفك عنه المؤمنون: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم.
سؤال: حين يقول الله سبحانه وتعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، هل الظن الذي يمكن أن يقع في أوهام المؤمنين أنهم يدخلون الجنة بدون ابتلاء بمثل ما ذكر الله سبحانه وتعالى، هل ظنهم ودخول الجنة بدون استجابة للتكليف الشرعي بمجرد الأماني ولا بالاستجابة؟ السؤال، يعني: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، اللي يأتي في الذهن أم حسبتم تدخلوا الجنة دون أن تقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة وتستجيبوا للأوامر؟ هذا الظن يأتي في قلوب المؤمنين؟ ما يمكن يأتي، يعني هم ما كان في بالهم أنه يمكن أن يدخلوا الجنة بدون عمل، هم عارفين أنه ما يدخل الجنة بدون عمل، لكن الله سبحانه وتعالى يقول لهم: هذا لا يكفي، لا يكفي أن تستجيب أو أن تأتي بالأوامر الشرعية التي أُمرت بها، هذا لا يكون في سنة الله، لن تدخل الجنة بذلك وحده، بل لا بد أن يقدر الله عليك من الأقدار ما تبتلى به وبناء على ذلك تدخل الجنة، مع استجابتك للتكليف الشرعي.
بمعنى الآن إحنا عندنا ثلاثة أحوال: شخص غير مستجيب للتكاليف الشرعية أصلا، هذا خارج نطاق المعادلة صح ولا لا؟ يعني هو لن يدخل الجنة سواء ابتلي ولا ما ابتلي، صح ولا لا؟ فهو خارج نطاق "أم حسبتم"، واضح؟ اللي هو من يظن أن الجنة تدخل بمجرد الأماني، فهذا خارج نطاق "أم حسبتم"، هذا واحد. اثنين: من يظن أن الجنة يوصل إليها بأداء الأوامر الشرعية واجتناب النواهي الشرعية، دون أن تأتيه أقدار مؤلمة ويطلب منه الصبر عليها، هذه النقطة الثانية هي التي أراد الله سبحانه وتعالى أن يزيل الإشكال الذي قد ينشأ في أذهان بعض المؤمنين تجاهها، أنه لن يكون الأمر كذلك، لن يكون الأمر كذلك: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ؟ يعني ولو قمتم بما أمر الله به من التكاليف الشرعية، وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم، يعني لن يكون الأمر كذلك، لا بد أن يأتيكم مثل الذين خلوا من قبلكم.
ما المقصود بالذين خلوا من قبلكم؟ من الأنبياء وأتباعهم. إيش الدليل أن المقصود من الأنبياء وأتباعهم؟ أحسنت، تتمة الآية: حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ. إذاً: وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم، أي مما جاء على الرسل وأتباعهم. ما الذي أتى؟ ما هو الشيء الذي أتى على الذين من قبلنا من الرسل وأتباعهم؟ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا. مستهم البأساء، هذا ما يتعلق بالفقر، والضراء، الأمراض والأسقام والأوجاع، وزلزلوا، هذه إيش؟ زلزلة الأعداء، وما يتبع ذلك من الآلام والشدائد.
وفي هذه الآية من الفائدة في سنة الابتلاء، أن الابتلاء الذي يلحق هذه الجماعات المؤمنة -وإحنا قلنا في البداية أنه قد يأتي للأفراد وقد يأتي للجماعات، وهذه الآية في السياق الجماعي، جيد- أنه حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، والقضية على قضية النصر وقضية زلزلة الأعداء، وهذه كلها قرائن تدل على أنه يعني مجموع حال المؤمنين. هذه الآية فيها فائدة مهمة في سنة الابتلاء، ويمكن أن تضاف إلى الضوابط المنهجية في فهم سنة الابتلاء، وهي أن سنة الابتلاء التي تأتي على الجماعات المؤمنة أو المجتمعات المؤمنة لا بد أن يكون معها طول الزمن. إيش الدليل من هذه الآية على طول الزمن؟ حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ. ومن المعلوم أن قولهم: مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ليس سؤالا معرفيا، أليس كذلك؟ "متى نصر الله" هنا ليس سؤالا معرفيا عن مطلق الزمان الذي يأتي فيه النصر، وإنما هو سؤال إيش؟ سؤال مبني على تأخر هذا النصر وتأخر مجيئه، إلى درجة أن يقول الرسول والذين آمنوا معه: مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ.
ولأجل ذلك أيها الكرام، هذه الآية كما قلت هي برأيي أهم آية في فهم سنة الابتلاء: أولا فيها إثبات أنها سنة ماضية وليست شيئا عابرا بدليل: وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم. وفيها السياق الجماعي: الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ. مرتبطة بالمؤمنين: الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ. وإيش فيها أيضا من الفوائد المتعلقة بالابتلاء؟ كذا كفائدة أساسية: تنوع أنواع الابتلاء: البأساء والضراء وزلزلوا. وهذا يذكركم بإيش من الآيات في تنوع الابتلاء؟ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ. هذه الآية أيضا فيها هذا التنوع: البأساء والضراء وزلزلوا. وفيها فائدة تأخر الزمن، ومرتبطة بسنة النصر كذلك، وفيها أن الابتلاء قبل النصر، أو أن النصر لا يأتي إلا بعد الابتلاء. يعني هذه الآية مليئة بالفوائد المرتبطة بسنة الابتلاء، وفيها تأكيد على حتمية هذا الابتلاء بأسلوب "أم حسبتم"، يعني لا تظنوا، لا يخطر ببالك أنه يمكن أن تدخل الجنة بمجرد الاستجابة للأمر والنهي دون تعرض أو دون تحقق عفوا لسنة الابتلاء عليك. وهذا كما أسلفت يدل غاية الدلالة على هذا المعنى.
أذكر الآن من كلام بعض المفسرين ما يدل على أن هذا الأمر سنة، وإن كانت الدلالة واضحة ذكرناها، قال الشيخ ابن سعدي رحمه الله تعالى: "أخبر تبارك وتعالى أنه لا بد أن يمتحن عباده بالسراء والضراء والمشقة كما فعل بمن قبلهم، فهي سنته الجارية التي لا تتغير ولا تتبدل". هذا الشاهد، "التي لا تتغير ولا تتبدل". إيش هي؟ يقول: "إن من قام بدينه وشرعه لا بد أن يبتليه، فإن صبر على أمر الله ولم يبالِ بالمكاره الواقفة في سبيله فهو الصادق الذي قد نال من السعادة كمالها ومن السيادة آلتها، ومن جعل فتنة الناس كعذاب الله بأن صدته المكاره عما هو بصدده وثنته المحن عن مقصده فهو الكاذب في دعوى الإيمان، فإنه ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ومجرد الدعاوى حتى تصدقه الأعمال أو تكذبه"، وذكر ما قد جرى على الأمم السابقة.
وكذلك ابن عاشور رحمه الله تعالى ذكر أن هذه الآية تدل على أن الابتلاء سنة، قال رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: "وتطرق هاته الحالة سنة من سنن الله تعالى في اتباع الرسل في أول ظهور الدين، وذلك من أسباب مزيد فضائل اتباع الرسل، فلذلك هيأ المسلمون لتلقيه من قبل وقوعه لطفا بهم ليكون حصوله أهون عليهم". هذه الجملة جميلة جدا جدا جدا، أعيدها مرة أخرى، يقول: "فلذلك هيأ المسلمون لتلقيه من قبل وقوعه لطفا بهم ليكون حصوله أهون عليهم". وهذا سيأتينا بعد قليل إن شاء الله في عنصر ما الثمرات التي تترتب على الوعي بهذه السنة؟ الجواب: واحدة من أهم الثمرات التهيؤ النفسي للابتلاء وعدم المفاجأة به. الله سبحانه وتعالى يعلمك: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ. ولذلك أنا ما أريد أسبق الأحداث، لكن سآتي إن شاء الله لقضية من تكون الابتلاءات سببا لشكه، وأين الله عن كذا؟ وبالمناسبة ترى كثير من هؤلاء الذين يشكون فيقول لك أين الله عن الأطفال الذين يقتلون؟ يعني كثير منهم هم يشكون بالابتلاء الذي حصل على غيرهم وليس الذي حصل عليهم، هو ابتلاء حصل لأشخاص آخرين فهو يشك في وجود الله أو في حكمته، والابتلاء لم يحصل له أصلا، إنما حصل لغيره. بينما يبين الله سبحانه وتعالى في آيات أخرى أن هذا النوع من الابتلاء يحصل للمؤمنين فيزيدهم إيمانا وليس العكس.
طيب، الآية الثانية: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ. إيش الفرق بين هذه الآية وبين الآية السابقة عفوا؟ هذه ما فيها ذكر الأمم السابقة، طيب، هذه فيها الحكم والمقاصد، جيد، هذه فيها إشارة إلى ذكر ثمرة. لا، في فرق أساسي ذكرناه في ضوابط فهم سنة الابتلاء، اللي هو قلنا يا جماعة: فرق بين الابتلاء بالقدر وبين الابتلاء بالشرع وبالتكليف. يعني: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا، هذا ابتلاء بإيش؟ هذا ابتلاء بالقدر، بأساء وضراء وزلزلوا. أما هذه: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ، فهذا ابتلاء وإن كانت فيه جهة قدرية، ولكن حقيقة الابتلاء فيه هو من الذي سيقوم منكم بمقتضى ما يجب في هذا الابتلاء، فيكون الابتلاء هنا في القيام بما أمر الله سبحانه وتعالى.
وأوضح منها قوله سبحانه وتعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ، هذه مثلها صح؟ لأنها جمعت بين الجهاد والصبر والابتلاء. دعوني أقرأ لكم كلام بعض المفسرين حتى تفهموا كيف أنه هذا ابتلاء بالتكليف الشرعي أكثر من كونه ابتلاء بالتسليط القدري، جيد؟ يقول الطبري رحمه الله تعالى في قوله: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ، لأن حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين هي نفسها إيش؟ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ، نفس الأسلوب. إيش يقول الطبري على هذه الآية الثانية؟ يقول: "تعالى ذكره لأهل الإيمان به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولنبلونكم أيها المؤمنون"، لاحظ كيف جمع بين أمرين: "ولنبلونكم أيها المؤمنون بالقتل وجهاد أعداء الله"، إيش هذه وهذه؟ بالقدر والشرع، "لنبلونكم بالقتل وجهاد أعداء الله حتى نعلم المجاهدين منكم" إلى آخر الكلام. والسعدي كاد يحصرها في قضية التكليف، يقول في الآية: "ثم ذكر أعظم امتحان يمتحن به عباده"، إيش تتوقعوا أعظم امتحان يمتحن به عباده؟ أنت يعني تعرف لأنه إحنا نبهنا في البداية، بس أحيانا يأتي لما تسمع الامتحان أو الابتلاء على طول يجي في بالك اللي هو الأقدار المؤلمة، المصائب، تسلط الأعداء. السعدي يقول لك في هذه الآية: "ذكر أعظم امتحان يمتحن به عباده وهو الجهاد في سبيل الله"، لاحظ مختلف الفكرة! وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ، إيش هو هذا البلاء؟ نبلونكم بقضية الجهاد. قال: "ثم ذكر أعظم امتحان يمتحن به عباده وهو الجهاد في سبيل الله، فقال: ولنبلونكم، أي نختبر إيمانكم وصبركم، حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم، قال: فمن امتثل أمر الله وجاهد في سبيل الله لنصر دينه وإعلاء كلمته فهو المؤمن حقا، ومن تكاسل عن ذلك كان ذلك نقصا في إيمانه". واضحة القضية؟
طيب، كذا كم ذكرنا آية؟ تعتبر ثلاثة مع هذه ثلاث آيات.
طيب، الآية الرابعة: قول الله سبحانه وتعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ، أيضا أم حسبتم، كم آية "أم حسبتم" في القرآن في قضية الابتلاء؟ ثلاث: "أم حسبتم" اللي في سورة البقرة اللي هي أول آية قلنا الآية الأساسية: وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم، وفي سورة آل عمران: أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ، و"أم حسبتم" في سورة التوبة: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً.
في معنى لافت للانتباه جدا في "أم حسبتم، أم حسبتم، أم حسبتم" هذه الآيات الثلاث. أم حسبتم في سورة البقرة، سورة البقرة متى نزلت؟ في أول المدينة قبل معركة بدر. هناك قول عند بعض المفسرين أنه "أم حسبتم" هذه اللي في البداية في سورة البقرة أنها نزلت مع الأحزاب، هناك قول آخر لبعض المتقدمين أيضا لأنه في سياق سورة البقرة نفسها. طيب إذاً "أم حسبتم"، طبعا سورة البقرة نزلت متفرقة ليست كلها دفعة واحدة.
على كل حال، لاحظ المعنى اللامت للانتباه، كيف أنه الله سبحانه وتعالى استمر يصحح هذا المفهوم عند المؤمنين على طول الطريق، مع أنهم أثناء هذا الطريق لم تأتهم مراحل رخاء واسعة يركنون فيها إلى الدنيا، ومع ذلك يكرر الله عليهم هذا المعنى، يصحح هذا المفهوم بشكل دائم: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ. فاول شيء قال: وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا، وكأنها تهيئة لهذه الابتلاءات. بس نضع نقطة: هؤلاء المؤمنون الذين خوطبوا بهذه الآية، إيش كانوا في مكة؟ عندهم قصور وأنهار وجبال ورحلات؟ إيش كان عندهم في مكة؟ ابتلاءات، كانت ابتلاءات ثلاثة عشر عاما من الابتلاءات. تخيلوا يأتون المدينة وتستقبلهم هذه الآية: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا، وفي نفس السورة سورة البقرة: وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. ينصرهم الله في بدر فتأتيهم مصيبة يوم أحد وما فيها من الحكم والفوائد العظيمة، ويأتي فيها: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ. يستمرون ثم يأتيهم في آخر الأحداث في السيرة في غزوة تبوك: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً. هنا الوليجة هؤلاء البطانة من غيرهم، البطانة من أعداء الله. وهنا تأتي قضية الولاء والبراء وتصفية الصف وتصحيح قضية الولاء أن يكون لله ولرسوله وللمؤمنين.
ولأجل ذلك هذا المعنى، هذا المعنى فهم سنة الابتلاء، وأنا يعني اتمنى هذا الجزء أن يفهم من كثير من الشباب المسلمين اليوم: من يفهم سنة الابتلاء التي بينها الله في كتابه فلن يفاجأ من أحداث الواقع، ولن يصدم مهما كانت مؤلمة. وكونه لن يفاجأ ولن يصدم، فمن باب أولى أنه لن يتزعزع إيمانه ويقول لماذا يحصل كذا وأين الله عن كذا ولماذا ما يجري من أقدار مؤلمة وشدائد. والله الذي لا إله إلا هو، من يفهم القرآن جيدا يعرف أنه ليس مفاجئا وليس خارجا عن نظام السنن، وليس أول مرة يحدث هذا، ولا هو بغريب على أعداء الله أن يتسلطوا على أولياء الله، ولا هو بغريب أن يقدر الله على أوليائه وأحبابه أن تصيبهم الابتلاءات، أنواع الابتلاءات والشدائد ليس نوعا واحدا، ليس نوعا واحدا فقط من الابتلاء.
إن أردت الجوع فقد ابتلى الله خير خلقه محمدا صلى الله عليه وسلم بذلك، وفي سنن الترمذي من حديث أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أُخِفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أتت علي ثلاثون ما بين يوم وليلة وما لي ولبلال شيء يأكله ذو كبد إلا ما يواريه إبط بلال. ما في. والحصار، حصار الشعب، وتعلمون كيف جاعوا وكيف...
إن قلت بالتسلط على رقاب المؤمنين وأن يعني يكونون في محل لا يتحمله الإنسان الشريف العزيز الكريم، أقول لك: يوسف عليه السلام بيع واشتُري، وكان جعل فتى يخدم فتى، عبد يعني عبد يستخدم ويباع، وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ كمان! يعني مو أنه بيع بذاك، وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ، وقال الذي اشتراه... مين الذي يُشترى ويُباع؟ يوسف عليه السلام اللي هو كما بين النبي صلى الله عليه وسلم: الكريم ابن الكريم، لما سئل من أكرم الناس قال: يوسف، اللي هو نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله.
وإن قلت القتل، ما بقول لك قُتل المؤمنون، أنبياء الله الذين ينزل عليهم جبريل من عند الله بالوحي أنبياء الله قُتلوا: وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قُتِلَ في قراءة. ذكر الله عن بني إسرائيل أنهم يقتلون الأنبياء، وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ. لاحظ، حتى الآية تدل على أنه ليس نبيا واحدا الذي قُتل وإنما أنبياء.
طيب إن قلت الأطفال، لا إحنا زماننا غير، في أطفال يموتوا كثير، يعني قولوا الأنبياء والمؤمنون الذين معهم يصبرون لأنه الإيمان وكذا. إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ. وهذا لم يحصل لمجموعة من الأطفال دون آخرين، إنما كان يذبح جيلا من الأطفال.
فإن قلت الابتلاء بتشويه السمعة والكلام التكذيب والافتراءات، السب والشتم والتهم الزائفة وما إلى ذلك، وبالمناسبة هذا قد يكون في كثير من الأحيان أشد من القتل، أشد من القتل! الإنسان الحر الكريم الشريف يتحمل أن يُقتل وأن يُراق دمه على أن يُتهم في عرضه أو في أمانته ونزاهته وتُشوه سمعته بين العالمين وبين الناس... إلى آخره.
طبعا هذه من أهم الثمرات التي تترتب على فهم سنة الابتلاء، وأكون هنا قد يعني استعجلت بذكر هذه الثمرة؛ لأنه لم يأتِ عنصر الثمرات بعد.
طيب، الشاهد: الآية الأخيرة قوله سبحانه وتعالى -طبعا هي الآية الأخيرة فقط في هذا العرض وإلا الآيات المؤسسة لهذا المعنى أكثر من ذلك-: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ. هذه الآية أيضا تدل على أن الابتلاء سنة من سنن الله سبحانه وتعالى على أنبيائه، ويشمل ذلك المؤمنين؛ لأنه: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا، وهذا صورة أخرى من صور الابتلاء غير التكذيب، حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ.
طيب، أكتفي بعرض هذه الآيات، ننتقل للعنصر الرابع، عنصر مهم جدا وهو علاقة هذه السنة بغيرها من السنن.
علاقة هذه السنة بغيرها من السنن الإلهية: إحنا سبق أن قلنا هذه السنة، سنة الابتلاء، سنة مركزية مرتبطة بمجموعة من السنن.
أولًا: في أثر من آثار سنة الإملاء والإمهال للمجرمين، صح ولا لا؟ الله سبحانه وتعالى حين يملي للظالم ويمهله، فإنه من أهم آثار هذا الإمهال والإملاء هو إيش؟ في الإجرام والظلم والإفساد والتسلط على عباد الله. وهي متصلة بسنة الإهلاك للظالمين والمجرمين؛ لماذا؟ لأن من أهم أسباب الإهلاك وموجباته -كما تقدم في سنة الإهلاك تذكرون لما قلنا- من أهم أسباب الإهلاك للمجرمين هو الإفساد في الأرض والتسلط على رقاب المؤمنين واستضعافهم. فلماذا يهلك الله هؤلاء المكذبين؟ واحدة من أهم أسباب الهلاك هو تسلطهم على المؤمنين. طيب لما يتسلطوا على المؤمنين مو أول ما يتسلطوا على المؤمنين يهلكهم الله سبحانه وتعالى، وإنما يمليهم ويستدرجهم ويمهله؛ فهذه السنن المرتبطة بالكفار من أهم آثارها تحقق الابتلاء على المؤمنين.
وهي مرتبطة بسنة التدافع، أليس كذلك؟ وبطبيعة الحال هذه أظنها الثالثة. وبطبيعة الحال مرتبطة بصورة أوضح في سنة إيش؟ لا لا، قبل النصر. تدافع إيش؟ إحنا قلنا التدافع مرتبط معاه سنة ثانية واضحة: المداولة، صح ولا لا؟ التدافع والمداولة قلنا هما سنتان قريبتان من بعضهما. إيش أبرز شيء يترتب على التدافع والمداولة؟ الابتلاء. وسنة الابتلاء مرتبطة بسنة التدافع وسنة المداولة. والدليل أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر سنة المداولة، مباشرة ذكر فيها آثار الابتلاء وقال: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ.
طيب، وهي كذلك مرتبطة بسنة أخرى، كنت أريد أن أفردها هي والتي بعدها، ولكني آثرت أن أدرجها هنا، وهي سنة التمييز بين الخبيث والطيب والحق والباطل. هذه سنة ترى سنة كذا مستقلة، أو سنة أقصد يعني أتى فيها دليل يبين أنها سنة، أو دليل يؤسس لكونها سنة، وهو قوله سبحانه وتعالى إيش: مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ. مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ. إيش الدليل على أنها سنة؟ (مَا كَانَ اللَّهُ) سبق في الضوابط المنهجية في البداية، في أول درس، سبق بيان أنه كيف نعرف السنن؟ قلنا في أساليب متعددة في القرآن، واحدة من الأساليب التي في القرآن التي نفهم من خلالها أن هذه سنة هو قوله: (مَا كَانَ اللَّهُ)، مثل هذه الآية ومثل قوله سبحانه وتعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ؛ أي وما كانت هذه عادته وسنته. ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه، ليس من سنة الله أن يفعل كذا حتى إيش يفعل سبحانه وتعالى؟ يميز الخبيث من الطيب.
طيب، إذاً في سنة ترى في سنة اللي هي تمييز الخبيث من الطيب. هذه السنة أكثر ما هي متوجهة للصف الإسلامي، لصف المسلمين، لصف المؤمنين: مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المؤمنين ها، عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ. نسمع ما الذي قاله الطبري رحمه الله في تفسير هذه الآية، يعني توضيح جيد وربطها بسنة الابتلاء؛ لأنه إحنا الآن ترى تفرعنا لسنة التمييز عن طريق سنة الابتلاء صح؟ يقول الطبري: يعني بقوله: مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ، ما كان الله ليدع المؤمنين على ما أنتم عليه من التباس المؤمن منكم بالمنافق، فلا يعرف هذا من هذا حتى يميز الخبيث من الطيب، يعني بذلك: حتى يميز الخبيث وهو المنافق المستسر للكفر من الطيب وهو المؤمن المخلص الصادق الإيمان بالمحن والاختبار. وهذا الربط بينه وبين إيش؟ سنة الابتلاء بالمحن، يعني كيف تتحقق سنة التمييز؟ بالمحن والاختبار كما قال الطبري رحمه الله: كما ميز بينهم يوم أُحُد عند لقاء العدو عند خروجهم إليه. واضح يا جماعة ولا مو واضح؟ واضح ولا لا؟ فسنة الابتلاء مرتبطة بسنة التمييز بين الحق والباطل، وهذا ارتباط مهم جدًا. طيب، كم سنة ذكرنا الآن؟ خمسة، خمسة.
السنة السادسة المرتبطة بالابتلاء، و يعني سأذكر بعد قليل ما يدل على أنها سنة، وهي سنة الاستبدال، سنة الاستبدال. إيش سنة الاستبدال؟ هي السنة القاضية بإبدال الله تعالى القوم المقصرين من المؤمنين في الاستجابة له في نصرة دينه والجهاد في سبيله والإنفاق في سبيله بقوم آخرين يستجيبون وينفقون ويجاهدون. وقد تأتي هذه السنة في أعلى درجاتها في إبدال المرتدين بالمؤمنين. يعني قد تأتي هذه السنة، سنة الاستبدال، في المؤمنين القاعدين عن نصرة الدين المتخاذلين عن الإنفاق في سبيل الله، وقد تأتي على المرتدين الذين أصلًا ليس فقط قعدوا عن نصرة دين الله وإنما الذين ارتدوا عن دين الله أصلًا، واضح؟
قضية الاستبدال ذُكِرَت في القرآن مرارًا، والإنسان يحتاج يتأمل هل هي سنة أم يعني هل هي سنة؟ واضح أنها سنة في ألفاظها وفي دلالة الآيات، أو حتى من كلام المفسرين استنباطهم لهذا الأسلوب. أو نقول حتى لو لم تكن سنة، ولكن الله سبحانه وتعالى قد فعل وقدر أن استبدل، أو قد قدر الله سبحانه وتعالى استبدال بعض من تأخر عن نصرة دينه وارتد عن دينه بكذا، فنقول على الأقل حتى لا يفعل بكم كما فعل بالأولين قوموا بما أوجب الله سبحانه وتعالى، واضحة الفكرة؟ أنا أقول من كلام بعض المفسرين والعلماء ما يدل على أنها سنة، وليس مجرد أنه أنه يعني تؤخذ منها العبرة العامة، وحتى لو كانت كذلك فهي كافية.
طيب، سأذكر آيتين في هذا المعنى. الآية الأولى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، لاحظ آمنوا هنا الآن في سياق المؤمنين فليست يعني ارتدادًا عن الدين، طبعًا لا تكفي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) بسياق الآية كذلك يدل عليه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. قال الطبري رحمه الله تعالى الآن في تفسير الآية -ليس في إثبات كونها سنة جيد، لكنه كلام الطبري مهم جدًا-: يقول تعالى ذكره للمؤمنين من أصحاب رسوله متوعدًا لهم على ترك النفر إلى عدوهم من الروم: إن لم تنفروا أيها المؤمنون إلى من استنفركم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعذبكم الله عاجلًا في الدنيا بترككم النفر إليم عذابًا موجعًا، ويستبدل قومًا غيركم، يقول: يستبدل الله بكم نبيه قومًا غيركم ينفرون إذا استُنفروا ويجيبونه إذا دُعوا ويطيعون الله ورسوله، ولا تضروه شيئًا، يقول: ولا تضروا الله بترككم نفيرًا ومعصيتكم إياه شيئًا؛ لأنه لا حاجة به إليكم بل أنتم أهل الحاجة إليه، وهو الغني عنكم وأنتم الفقراء والله على كل شيء قدير. يقول جل ثناؤه: والله على إهلاككم واستبدال قوم غيركم بكم وعلى كل ما يشاء من الأشياء قدير. هذا الآن تفسير الآية.
ما قد يدل على أنها سنة من كلام بعض المفسرين، أولًا ابن كثير رحمه الله، طبعًا إذا قرأت كلام المفسرين لا عفوا عفوا خلينا الآن قبل ابن كثير، ابن تيمية رحمه الله تعالى، ابن تيمية طبق هذه الآية على غير يعني الصورة أو على غير الحادثة التي نزلت فيها. بتعرفوا هذه الآية في أي سورة؟ التوبة، في سياق إيش؟ غزوة تبوك، في سياق غزوة تبوك صح ولا لا؟ هل هذه الآية خاصة يعني مرتبطة بالصحابة وبرسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون الاستبدال لأنكم لم تجيبوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، أو هي عامة؟ ابن تيمية طبقها تطبيقًا في زمنه مما يدل على فهمه كون هذا المعنى مستمرًا وليس خاصًا. هذا في زمن التتار لما جاء التتار، يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: وقد سافر الشيخ مرة على البريد إلى الديار المصرية يستنفر السلطان عند مجيء التتار سنة من السنين. تمام، راح للسلطان في مصر: استنفروا يا ابن الحلال، أنت حكومة وعندك جيش وكذا وجاء الأعداء وجالسين يقتلون الناس، فلازم تسوي شيء. تمام، إنه هذا من أدوار العلماء، إن العلماء يستنفرون أصحاب السلطة وأصحاب القدرة على أنهم ينصرون الدين. فذهب ابن تيمية وكلم السلطان في مصر، وتلا عليهم آيات الجهاد. طبعًا وين كان التتار؟ كان التتار في الشام، يعني جاؤوا إلى الشام، وين السلطان؟ السلطان في مصر. ابن تيمية وين كان؟ في الشام، خرج من الشام إلى مصر يستنفر السلطان: أرسل الجيوش لازم تدافع عن الشام من هؤلاء الأعداء. وتلا عليهم آيات الجهاد وقال: إن تخليتم عن الشام ونصرة أهله والذب عنهم فإن الله تعالى يقيم لهم من ينصرهم غيركم، ويستبدل بكم سواكم. وتلا قوله تعالى: وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ، وقوله تعالى: إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا. قال ابن رجب: وبلغ ذلك الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد وكان هو القاضي حينئذ، فاستحسن ذلك وأعجبه هذا الاستنباط وتأثر وتعجب من مواجهة الشيخ للسلطان بمثل هذا الكلام. واضح؟ هذا تطبيق عملي على سنة الاستبدال، وتصرف ابن تيمية يدل على أنه معنى متكرر وليس منحصِرًا فيمن أنزل الله فيهم هذه الآيات.
فهذه الآية الأولى في قضية الاستبدال. الآية الثانية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ. ابن تيمية أيضًا له كلام يفهم منه قضية الاستمرار؛ لأنه ذكر في هذه الآية تحديدًا: مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، قال: معنى الكلام وهكذا الحال، أنه متى وُجِد المرتدون فإنه يوجد المحبون المحبوبون. متى وجد المرتدون فإنه يوجد المحبون المحبوبون: مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، المحبون المحبوبون. ابن كثير في تفسير: مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، أيضًا يُفهَم منه أنه في معنى عدم الانحصار فيمن نزلت فيه؛ لأنه لما تقرأ كلام المفسرين في: مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، المفسرون -يعني عامة المفسرين- أسقطوها على أمثلة معينة، وهذا الإسقاط بطبيعة الحال لا يستلزم الحصر يعني حتى عند المفسرين، لكن الكثير منهم نزلها على أبي بكر الصديق بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، أنه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، وسياق الآية وما حدث في التاريخ يعني قريب من كلام المفسرين، أو يعني يؤكد كلام المفسرين. وهذه الآية تعرفون نزلت في سورة المائدة من أواخر ما نزل يعني، فـ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ بالفعل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ارتد كثير من المسلمين، فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، وكان على رأسهم أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. وطبعًا لما تقرأ كلام المفسرين كيف يستدلون بهذه الآية على فضل أبي بكر رضي الله تعالى عنه وإمامته إلى آخره، كلام ابن كثير في تفسير الآية يدل على العموم، قال يقول ابن كثير: يقول تعالى مخبرًا عن قدرته العظيمة أن من تولى عن نصرة دينه، ها أن من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته فإن الله يستبدل به من هو خير منه وأشد منعة وأقوم سبيلاً، كما قال تعالى: وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ. وقال تعالى: إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ، شوف أتى بالآيات التي فيها الاستبدال جمعها في مكان واحد مما يدل على هذا المعنى. وقال تعالى: إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ. وقال تعالى هاهنا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، أي يرجع عن الحق إلى الباطل... إلى آخره.
إيش علاقة هذه السنة بالابتلاء؟ إحنا الآن ما أخذنا درسًا مستقلًا عن سنة الاستبدال، إحنا ربطناها بسنة الابتلاء، إيش العلاقة؟ سريعًا: أنه هذا الاستبدال لا يكون بمجرد الفسق أو المعاصي ها، وإنما يكون مرتبطًا بالابتلاء، بمعنى الابتلاء بإقامة الدين ونصرة الشريعة والقيام في سبيل الله والتضحية لأجل الدين. ولو تتذكرون إحنا قلنا هذا المعنى هو من أعظم المعاني المرتبطة بالابتلاء، اللي هو معنى الجهاد في سبيل الله. وبالتالي هو مرتبط بمعاني الابتلاء من جهة التكليف الشرعي المرتبط بقضية الجهاد والصبر والإنفاق في سبيل الله ونصرة الدين عمومًا، واضح؟
السنة السابعة والأخيرة المرتبطة بسنة الابتلاء وهي سنة إيش؟ النصر. بل وهي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا جدًا، بل لو قلت تختصر يعني هذه السنن السبع، أهم سنتين مرتبطتين بقضية الابتلاء يقول لك: سنة التمييز بين الحق والباطل، وسنة النصر، ما في، هاتان أهم سنتين مرتبطتان بسنة الابتلاء. النصر لا يكون إلا بعد الابتلاء، إيش الدليل؟ حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا، هذا واحد. الدليل الثاني: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ. الدليل الثالث: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا. الدليل الرابع: وكذلك الرسل تُبتلَى ثم تكون لهم العاقبة.
العنصر الخامس: الحكم والمقاصد من هذه السنة، لماذا قدر الله هذه السنة؟ لماذا قدر الله هذه السنة؟ أولًا: اختبار صدق ادعاء المؤمن في إيمانه. وهذا المعنى والمقصد هل هو خاص بالابتلاء لجماعة المؤمنين؟ ولا حتى للأفراد؟ حتى للأفراد. أهم دليل على هذه الثمرة هو ما هو؟ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ. إذاً لماذا يقدر الله الابتلاء؟ أول شيء: لتحقيق صدق ادعاء الإيمان، فليعلمن الله الذين صدقوا في ماذا يا محمد؟ في قولهم آمنا: أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا ها؟ إذاً لكي يصدق قولك أمنت تُبتلَى، هذا عام شامل للأفراد والجماعة.
الأمر الثاني: ظهور معاني الإيمان وعلاماته ومقتضياته، وتحديدًا من الصبر والجهاد؛ فإن هاتين الكلمتين وإن هذين المعنيين هما من أهم المعاني الشرعية العظمى التي تظهر بالابتلاء. وقد تقدم معنا أن الله جمع بينهما في قوله: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ، وهذا واضح تمامًا.
كذلك من الحكم والمقاصد: اتخاذ الشهداء: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ.
الرابعة: تمييز الصف الإسلامي أو المسلم أو المؤمنين من المنافقين: مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، بماذا؟ بالابتلاء والمحن. إذاً لماذا يقدر الله الابتلاءات؟ من أهم الثمرات أو المقاصد ما هو؟ تحقيق سنة التمييز.
المقصد الخامس: التمحيص. تمحيص غير التمييز، شو الفرق بين التمييز والتمحيص؟ التمييز متعلق بجماعة المؤمنين: هذا مؤمن، هذا منافق، يميز بين الخبيث والطيب، جيد؟ كيف يميز؟ لأنه في ناس مدعين للإيمان، كيف يميز؟ وقت الرخاء كلهم مع بعض، لما تأتي الشدائد تظهر ويميز. التمحيص ما هو؟ للقلوب، فيها معنى التمحيص في معنى التصفية والتزكية والتنقية، من ماذا؟ من أمرين: أولًا من الذنوب، ولذلك من أعظم أسباب تكفير الذنوب الابتلاءات. والثاني: التصفية والتنقية من الدواخل السيئة، معاني الظنون الفاسدة إلى آخره، واضح؟ إذاً هذه الثمرة الخامسة اللي هي التمحيص.
الثمرة السادسة إيش؟ تهيئة المؤمنين للنصر بعد التمحيص والتنقية. فلا يتهيؤون لنصر الله سبحانه وتعالى والتمكين في الأرض إلا بعد أن يمحَّصوا وينقَّوا ويميز الخبيث من الطيب منهم.
والحكمة السابعة: إيجاد أسباب استحقاق الكفار لمزيد من العذاب وألا يكون لهم حظ في الآخرة، وهذا معنى مختلف في فكرة في قضية ابتلاء المؤمنين.
طيب، العنصر السادس: الثمرات المترتبة على الوعي بهذه السنة. ماذا يترتب على الوعي بسنة الابتلاء؟ أهم ثمرة أو من أهم الثمرات قدمتها قبل قليل، ذكرت لما قلت لكم إنه الإنسان يتأمل حقائق القرآن ما يفاجأ بالابتلاءات الموجودة في الواقع ترى هي مذكورة في كتاب الله. لذلك أول شيء: التهيؤ والاستعداد، طبعًا هذا أيضًا معنى إضافي. نقول: أولًا التهيؤ الاستعداد النفسي للابتلاءات والشدائد وعدم التفاجؤ بها.
ثانيًا: من أهم المكتسبات ها، إحسان الظن بالله عند وقوع الابتلاءات وعند وقوع المصائب على الأمة، إحسان الظن بالله. وأنا برأيي أنه من أهم التكاليف الشرعية التي يطالب بها المؤمنون عند الابتلاءات: إحسان الظن بالله. ومن أهم ما يقع أو من أخطر ما يقع فيه الإنسان المؤمن عند الابتلاءات أن يسيء الظن بالله سبحانه وتعالى. طب كيف تحسن الظن بالله وأنت ترى الدماء والأشلاء وتسلط الكفار إلى آخره، وطول المدة والامتحان وتأخر النصر والفساد والإفساد وعلو الكفار والمجرمين والطغاة، كيف تحسن الظن بالله؟ تحسن الظن بالله حين تكون قد وعيت عنه مسبقًا من كتابه لماذا يبتلي، وما أنواع هذا الابتلاء؟ وهل قُدِّر على أحد قبلك أم لا؟ وهل نجا من هذا الابتلاء أحبابه أم كانوا هم أكثر المبتلين وأشد المبتلين؟ وهل وهل؟ لما تعي كل هذه المعاني وتأتي هذه الابتلاءات في الواقع تقول: آه الحمد لله خلاص أنا مستوعب القضية، نعم أتألم، نعم شديدة جدًا، نعم أحزن، نعم إلى آخره، ولكن لن أسيء الظن بالله؛ لأن هذا ليس أمرًا مفاجئًا. ولذلك من يأتي ويقول: طيب لماذا لا يجيب الله الدعاء؟ نقول له: تمام، إجابة الله الدعاء هذا معنى من المعاني التي ذكرها في القرآن، وتحقق الابتلاء وطول مدة الابتلاء معنى من المعاني ذُكِرَت في القرآن، والمؤمنون يأخذون بمجموع ما ورد في القرآن ولا يأخذون بواحد وتاركِين الآخر، جيد.
الأمر الثالث، الثمرة الثالثة: الصبر والثبات وعدم الانكسار عند الهزيمة. هذا الآن غير التهيؤ النفسي، التهيؤ النفسي قبل الابتلاء، وإحسان الظن بالله أثناء الابتلاء. بس إيش الثمرة أيضًا؟ أنه في صمود، في ثبات، في عدم انكسار، ليش؟ مستعد أنا أصلًا لمثل هذا الابتلاء.
رابعًا: تحقيق العبودية لله على جميع الأحوال وعدم الركون إلى الدنيا والافتتان بها عند تحقق النصر والتمكين. هذه ثمرة عظيمة لفهم سنة الابتلاء؛ لأنه سبق في الضوابط المنهجية لفهم سنة الابتلاء أن الابتلاء لا يكون في أوقات الاستضعاف فقط، وإنما قولوا كذلك متى؟ في أوقات التمكين: عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وايش؟ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ، هذا التمكين إيش؟ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، هذا إيش؟ ابتلاء. إذاً لكل مرحلة ابتلاء. ما الثمرة على هذا الوعي؟ الثمرة على هذا الوعي أنه لما يأتي نصر أو استخلاف أو تمكين، فلا يكون نتيجة ذلك هو التنافس في الدنيا والركون إليها، وإنما المحافظة على معنى العبودية لله سبحانه وتعالى على كل الأحوال.
والعنصر الأخير اللي هو تنزيل هذه السنة على الواقع يعني، هذه السنة نحتاج إلى فهم كثير مما يجري في الواقع على ضوئها، وعدم نزع سياق الواقع أو سياق هذه السنة عن الواقع الذي نعيش فيه. وبرأيي أن من أهم الموجبات لتنزيل هذه السنة على الواقع وكثرة ذكرها وفهمها هو معنى تثبيت القلوب المؤمنة نظرًا لكثرة الاضطرابات التي تحصل بسبب ضعف الإيمان وضعف العلم. ما يجري في مختلف بقاع المسلمين من تسلط في مختلف الدنيا في الأرض بشكل عام، ما يجري من ابتلاءات مختلفة، يعني إحنا الابتلاء اليوم ليس في بلد واحد ولا في منطقة واحدة ولا بصورة واحدة، أن يستوعب الإنسان قضية الابتلاء ويتأمل في مواردها في الوحي وكيف صورها ومتى يرتفع هذا الابتلاء ومتى ينتقل المؤمنون من حال الاستضعاف إلى حال كذا، هذا كله من أهم ما يحتاج إليه في فهم الواقع وفي تنزيله. ولذلك حتى مع أحداث غزة التي تجري في هذه الأيام، فهم سنة الابتلاء مهم جدًا، فهم سنة الابتلاء مهم جدًا جدًا، بحيث إنه الإنسان يعني يثبت قلبه ويثبت إيمانه، ويعلم أن ما يجري ليس بخارج عن سنن الله سبحانه وتعالى.
ربما لا يسع المقام كذلك الحديث عن تنزيل هذه السنة أو السنة المرتبطة بها قضية التمحيص والتمييز بين الخبيث والطيب وما إلى ذلك، لعله يأتي لها مقام آخر بإذن الله تعالى. وإن شاء الله في اللقاء القادم نتحدث عن سنة النصر وتأييد المؤمنين، ولا أدري هل يسع المقام حينها، وغالبًا سيسع إن شاء الله لإدماج كذلك سنة التمكين والوراثة، وراثة الأرض لعباد الله الصالحين، فيكون آخر درس أو آخر سنة من السنن الإلهية نتناولها في اللقاء القادم بإذن الله تعالى. ثم بعد ذلك احتمال يكون هناك درس ختامي للسنن مرتبط بالسنن لا المتعلقة بالأفراد؛ لأنه كل السنن الماضية هي متعلقة بمجموع، فقد يعني يتيسر ذلك.
لكن إن شاء الله بس قبل ما نختم، أولًا نحمد الله سبحانه وتعالى على تيسير ما مضى، فالحمد لله أولًا وآخرًا. ثم نسأله تيسير ما بقي، ونستغفره من الخطأ والزلل، ونسأله أن يصلي ويسلم على عبده ورسوله محمد.
الشيخ أحمد السيد