تسجيل الدخول

السنن الإلهية 01 | مقدمات منهجية

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. نحمد الله سبحانه وتعالى ونثني عليه، ونستغفره من ذنوبنا ونتوب إليه، ونسأله سبحانه وتعالى العون والتوفيق والمدد والبركة.

وهذا استفتاح لهذه السلسلة المهمة الجديدة والتي هي بعنوان: السنن الإلهية وأثرها في الإصلاح. وهذه السلسلة هي من أهم المواد التي أريد تقديمها تحت إطار عام، وهو إطار المنهج الإصلاحي. والذي سبق تقديم عدة مواد فيه؛ منها ومن أهمها بوصلة المصلح. وقدمت بصيغة كتاب، يعني كتبت كتابا وكذلك محاضرات، وصيغة الكتاب أهم. وكذلك مجموعة المواد الأخرى لشرح المنهاج؛ وأنوار الأنبياء، ومعالجة القرآن لنفوس المصلحين، ومركزيات الإصلاح، وما إلى ذلك من المواد. وكل مادة منها تتناول المنهج الإصلاحي من جهة معينة. وهذه المادة: السنن الإلهية وأثرها في الإصلاح، هي تتناول المنهج الإصلاحي كذلك من جهة مهمة جدا.

وحقيقة الحديث عن هذه الماده في هذا الواقع الذي نعيله هو يعني من الأهمية بمكان؛ لأن أهمية الموضوع تكتسب من أمرين: من أهميته في ذاته، ومن أهميته في الواقع الذي ينزل فيه. فإذا اجتمع في الموضوع أن يكون مهما في ذاته ومهما في الواقع، يعني يتحتم الحديث عنه.

وحقيقة موضوع السنن الإلهية هو موضوع يجمع هاتين الصفتين؛ هو مهم في ذاته، ومهم في الواقع. فأما أهميته في ذاته؛ فلأن هذا الأمر متعلق بالله سبحانه وتعالى وبأفْعَاله وأقداره وحكمته؛ ليس متعلقا بالأقدار فقط، وإنما متعلق بالأقدار وبالحكمة الإلهية. فهو موضوع من أشرف الموضوعات بشرف متعلقه. وأما أهميته في الواقع؛ فلأن كثيرا ممن يعيش اليوم من العاملين للدين، من لديهم غيرة على الإسلام، كثير منهم يعيشون اليوم شعورا مستحكما في الياس والإحباط؛ وذلك لأنهم يتفاعلون مع الأحداث، والأحداث التي نعيلها في هذا الزمن هي أحداث مؤلمة. فالذي ينحصر في الأحداث سيصاب بالياس والإحباط، والذي يرتفع عن الأحداث فينظر إليها ولكنه لا ينحصر فيها هو الذي يكون قادرا على تجاوز أزمة الياس والإحباط.

طيب، كيف ترتفع عن الأحداث وتنظر بمنظور أرحب وأوسع؟ من أهم ما يعين على هذه على هذا الارتفاع هو موضوع السنن الإلهية. السنن الإلهية متعلقة بأحداث نعم، ولكن لا باعتبارها الجزئي، وإنما باعتبار السياق الشمولي. فالميزة في وعي السنة الإلهية أنها تخرج الإنسان من ضيق الأزمة إلى سعة الحكمة الإلهية. فهذا يعني من اعظم ما يحتم الحديث عن السنن الإلهية من جهة أهميتها في الواقع.

وأما أهميتها في ذاتها؛ فقد أشرت إلى شيء من ذلك، وسيأتي بعد قليل إن شاء الله إشارة إلى بعض الجوانب الأخرى المهمة أو التي تبين أهميتها في ذاته. السنن الإلهية هي، كما يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: السنة الإلهية هي عادة الله التي تتضمن أن يفعل في الثاني نظير ما فعله في الأول. فالله سبحانه وتعالى يقدر أقدارا ثم يقدر مثلها، يقدر مثلها ويفعل مثلها سبحانه وتعالى في الحالة المشابهة لتلك الأحداث التي قدر الله سبحانه وتعالى فيها أمرا معينا؛ لأن الله سبحانه وتعالى حين قدر أمورا معينة ذكرها في كتابه، مما أجراه على الأمم، إهلاك قوم لوط، إهلاك عاد كذا إلى آخره، الله سبحانه وتعالى يبين لنا أن هذا القدر ليس شانا خاصا بتلك الأمة، وإنما فعل بهم ذلك لأنهم كانوا على صفة معينة، وأن هذه الصفة متى ما توفرت في أمة ما فإنه سيفعل سبحانه وتعالى في تلك الأمة المتأخرة نظير ما فعله في تلك الأمة المتقدمة؛ بجامع السنة الإلهية المضطردة التي لا تنخرم.

وهذا التعريف يعني مهم بحيث الإنسان يفهم القضية، وهذا التعريف يبرز لنا قيمة ماذا؟ يعني هذا التعريف يبرز لنا قيمة شيء معين يمكن أن يعمله الإنسان حتى يتفق مع هذا التعريف. نعم، يمكن أن تختصر في كلمة واحدة، اللي هي: الاعتبار، أحسنت. لذلك ابن تيمية نفسه يقول عن السنة الإلهية أيضا، يقول: وحقيقة الاستدلال بسنته وعادته هو اعتبار الشيء بنظيره، اعتبار الشيء بنظيره، وهو التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين. وهو الاعتبار المامور به في القرآن.

جيد، وهذا يعني أمر مهم جدا أن يفهم، أن القانون هو قانون الاعتبار، هو قضية الاعتبار بالنظر في يعني الأسباب التي أوجبت ما حدث للأمم السابقة فيعتبر بذلك، وطبعا يتقى ما يمكن أن يؤدي إلى مثل حدوث هذه الإشكالية.

حقيقة أعود قليلا فقط لما تكلمت عن أهمية الحديث عن السنن الإلهية. أنا ايش ذكرت؟ أهمية حدث، لماذا؟ بسبب الياس والإحباط المشكلة، وتحقيق نظر أوسع. كذلك، يعني حتى لا يفوتني الأمر، من الموجبات للحديث عن السنن الإلهية من ناحية الواقع هو أنه كثيرا ما تبذل الجهود في الإصلاح أو في العمل للدين، ولكنها لا تحدث ثمرة ونتيجة؛ وذلك لأسباب، أحيانا يكون من أهم الأسباب في عدم إحداث الثمرة والنتيجة هو أن المصلحين أولئك لم يوافقوا السنن الإلهية، لم يوافقوا السنن الإلهية، وأحيانا تصل بعض الأعمال الإصلاحية إلى معارضة ومصادمه السنن، واضح؟

فاذا قمت بمشروع إصلاحي ولو كنت صادقا فيه مع الله ومخلصا، هذا قد يكتب الله سبحانه وتعالى لك الأجر ولو أخطأت، لكن لن تتحقق الثمرة، الثمرة لا تتحقق إلا بموافقة السنن. هذا مثل موافقة السنة الكونية، تعرف إنسان يريد أن يزرع أرضا، إذا ما اختار ما يتفق مع قوانين زراعة الأرض التي جعلها الله في الكون فإنها لن تنتج ولن تثمر، وهكذا في قضية الإصلاح.

ونحن حقيقه إذا تكلمنا عن الواقع؛ فإحنا نتكلم عن نقطة جوهرية مرتبطة بهذا المعنى، أنه أحيانا الإنسان مثلا بحماسة وعاطفة للدين وكذا، يريد أن يبذل كل شيء، ولكن يا اخي ترى صورة الواقع التي تعيش فيها لا تتوافق مع هذا العمل الإصلاحي من حيث السنن، من حيث منطق السنن، من حيث مبدأ السنن، من حيث ما يشبه حالات الأنبياء السابقة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في القرآن. فالذي يفهم السنن من الميزات التي تنتج عنده هو أنه يعمل بشكل صحيح. وإذا عمل بشكل صحيح فإن الله سبحانه وتعالى يؤيده وينصره ويعينه، وبالتالي تتحقق الثمرات المرجوة، وهذا يعني أمر كما قلت في غاية الأهمية وفيه إشكال في الواقع، إشكال كبير في الواقع. فهذه من ثمرات الحديث عن السنن الإلهية.

طيب، ممكن يعني ياتي سؤال: أنه أين نجد موضوع السنن الإلهية؟ من الذي تحدث عنه؟ هل هو موضوع قديم أم موضوع جديد؟ هل العلماء يعني اعتنوا به؟ هل العلماء المتقدمون اعتنوا به أم لا؟ هذه يعني أيضا نقطة مهمة جدا.

حقيقه، عند النظر في التراث الإسلامي نجد أن أهم مصدر من مصادر السنن الإلهية، مما كتبه علماء المسلمين، هو كتب تفسير القرآن، وذلك لأن هذا الموضوع في القرآن هو موضوع يعني كثير منتشر في القرآن، يعني الله سبحانه وتعالى انزل فيه آيات كثيرة جدا. والمفسرون حين يفسرون كتاب الله سبحانه وتعالى فإذا أاتوا إلى موضوع السنة الإلهية سلطوا عليها الضوء، اعتنوا بها، بينوا متعلقاتها، وهم ما بين مستقل ومستكثر في قضيّة التركيز على هذه السنن.

يعني كنتيجة وصلت إليها في النظر في كتب التفسير وما إلى ذلك، وجدت أن من أهم المفسرين الذين ينبغي الرجوع إلى كلامهم في الآيات المتعلقة بالسنن ومتعلقاتها هو الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله تعالى إمام المفسرين. وعنايته وطبيعة، خلينا نقول، تفصيله في الآيات المتعلقة بالسنن عظيمة جدا؛ لأنه أصلا يعني، ربما هذه الملاحظة ذكرت سابقا، لكن الإمام الطبري رحمه الله تعالى دائما مشغول في ذهنه حين يتكلم عن الأنبياء في القرآن، وتعرفون آيات الأنبياء كثيرة جدا، دائما ينظر بعينين في قصص الأنبياء، وهذه قلة، قلة من يراعيها من المفسرين.

الإمام الطبري ينظر بعينين وهو وهو يفسر قصة الأنبياء؛ عين إلى قصة النبي وما جاء فيها من آيات، وعين إلى حال النبي صلى الله عليه وسلم وقومه وأمته، ثم يحدث المشابهة أو يبين لماذا جاءت هذه الآيات عن الأنبياء باعتبار نزولها على النبي صلى الله عليه وسلم. فحين يتكلم عن يوسف عليه السلام: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا، وكذلك نجد المحسنين بعد الآيات التي فيها ابتلاء يوسف عليه السلام باخوته، يقول الإمام الطبري: وهذا اللفظ اللي هو وكذلك نجد المحسنين، يقول: وإن تناول ظاهره كل محسن إلا أن المقصود به محمد صلى الله عليه وسلم، يقول الله له: كما نجيت يوسف وخلصته من اخوته وكذا وكذا، وكذلك سافعل بك يا محمد.

لاحظ هذه السنن الآن، هذه الانتباه للشيء ونظيره، للقدر الالهي السابق أو في الأمم السابقة ولما يمكن أن يفعلها، يعني ولما سيفعله الله سبحانه وتعالى ويفعله في الأمم اللاحقة بناء على فهم حكمة الله سبحانه وتعالى في مثل هذه الأقدار.

ففي التراث الإسلامي لم تكن هناك، خلينا نقول، تلك الكتب المفردة المستقله في هذا الباب، لكن بقدر آيات القرآن المتعلقة بالسنن وما أكثرها تجد تفاصيل هذه المعلومات وهذه الآيات وما يتعلق بها من أحكام وحكم في كتب المفسرين رحمه الله. من أهم من يرجع إليه في ذلك: ابن كثير، ابن عطية في المحرر الوجيز. من المراجع المهمة في قضية السنن من المتاخرين: ابن عاشور رحمه الله أيضا مرجع مهم في قضية السنة الإلهية.

ويعني وجدت من خلال كذلك الاستقراء والبحث في هذا الموضوع والآيات القرآنية المتعلقة به أنه لا يوجد تفسير يغنيك عن الآخر في قضية السنن، هو طبعا في كل شيء، لكن الإنسان يبحث بحثا تفصيليا في الآيات المتعلقة بالسنن، فعلا كلما تقرا من تفسير، وهذا ترى في الأيام الماضية كنا احنا يعني في طريق من الطرق مع بعض الشباب تناولنا بعض الآيات المتعلقة بالسنن، نفتح تفسير ثم التفسير الثاني ثم الثالث ثم الرابع ثم الخامس، تقرا تفسير نفس الآية، كل مفسر يضيف لك إضافة، تجد أن الأول ما شفاك تماما، الثاني يحكم لك شيئا، الثالث يعطيك زاوية أخرى، الرابع كذا، بعدين تكتمل عندك الصورة في قضية تفسير الآية. هذا طبعا كما قلت عام، ليس خاصا بموضوع السنن، ولكنه في موضوع السنن واضح ومهم جدا.

أما المعاصرون طبعا، وكذلك طبعا في شرح السنة، الأحاديث المتعلقة بالسنن. من أهم مصادر السنن في التراث الإسلامي، وإن كانت حقيقة ليست يعني نقول من باب التنبه التفصيلي لكثير المؤلفين في هذا الباب، اللي هي كتب السيرة النبوية، لكنها مصدر لاستخراج السنن للمتفكر المتأمل. وكذلك من المصادر المهمة: كتب التاريخ؛ كتب التاريخ هي من مصادر السنن، والعلماء متفاوتون في ملاحظة، يعني متفاوتون في ملاحظة السنن الإلهية من خلال التاريخ، جيد. فالبعض مهتم بسرد الأحداث، والبعض خلال الأحداث يهتم ببيان السنن وبيان الأحكام. ابن كثير مثلا له عنايه، وإن كانت ليست يعني كبيرة، في البداية والنهاية، لكن له عناية بهذه القضية. من الذين اشتهروا بقضية السنن والعناية بها في كتابه التاريخ: ابن خلدون، يعني كان له عناية، ساذكر بعض النصوص سريعا.

ساذكر سريعا بعض ما ذكره رحمه الله تعالى في من عنايته بالسنن في كتابه في التاريخ، أولا اشار إلى معنى، قال: ومن الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والاجيال بتبدل الأعصار ومرور الأيام، وهو داء دوي شديد الخفاء، إذ لا يقع إلا بعد أحقاب متطاولة، فلا يكاد يتفطن له إلا الآحاد من أهل الخليقة أو من الخليقة؛ وذلك أن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر، إنما هو اختلاف على الأيام والازمنة، وانتقال من حال إلى حال. وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول، سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا. جيد.

ويقول أيضا، عموما له كلام كثير، أنا نقلت هنا عدة نقلات يعني من كتابه، لكن يمكن أن تراجع في الكتاب. كما قلت ابن كثير أحيانا يستحضر مثل هذا، مثل هذا الموضوع ويشير إليه.

هذا بالنسبة لي، يعني أين نجد الحديث عن السنن؟ أما المعاصرون فقد اعتنوا بموضوع السنة الإلهية كثيرا، كثيرا جدا، وكتبوا في كتابات كثيرة مفردة. البعض حتى صار تخصصه بحيث إنه اشتهر البعض بالتركيز على هذا المجال والكتاب الطويل فيه. ولكن لاحظت في كتب المعاصرين أنه يعني تحتاج، يعني أقصد وأنت تنظر في كتب المعاصرين أنت حين تنظر تحتاج إلى تنقية وتنقيح كثير. ليس كل من تحدث عن هذا الموضوع يعني أجاد فيه وأفاد. وأحيانا يدخل بعض المعاصرين إلى موضوع السنن الإلهية، يعني خلينا نقول، بأمور مستحضرة مسبقا، منهجيات معينة، رؤية معينة في الواقع وفي الإصلاح، ثم يطوع موضوع السنن لها، وهذا إشكال يعني كبير يظهر عند بعض المهتمين بالسياقات الحضارية للأمة وما إلى ذلك، أحيانا يتم تكلف بعض القضايا في موضوع السنن. فيعني يستفاد من كتابات المعاصرين، فيها كتابات جيدة ومفيدة وكذا. على سبيل المثال لا الحصر من الكتابات الجيدة: كتاب الدكتور حسن حميد، اللي هو: آيات الله في الأمم، أو: سنن الله في الأمم من خلال القرآن الكريم، من الكتب التي كتبها المعاصرون وهي جيدة ومفيدة في هذا الباب.

طيب، هذا اللقاء هو عبارة عن مقدمة للسلسلة وللمادة، وحقيقة يعني أنا ايش هدفي من هذه الماده بحيث إنه هذا سينعكس على محتواها؟ أنا حقيقة من أهم أهدافي هي الضبط المنهجي للقضية، والضبط المنهجي الذي أريد أن أقدمه في المادة هو على جهتين: ضبط منهجي لقضية السنن بشكل عام، وضبط منهجي لكل سنة بعينها. بحيث لما بشكل عام، يعني كيف نتعامل مع ملف...

أو مع موضوع السنن الإلهية بشكل خاص، كيف نفهم سنة النصر، سنة نصر الله للمؤمنين؟ كيف نفهم سنة الابتلاء؟ كيف نفهم سنة إهلاك الله للمكذبين؟

هذه كل واحدة من هذه السنن لها قواعد ووضوابط في فهمها. واحنا نتكلم عن الأهمية في الواقع؛ هناك الكثير ممن تعامل مع هذه السنن في الواقع بشكل خاطئ، أو البعض ما يعني ما يعرف يتعامل معهم، فيقول لك الله سبحانه وتعالى قال: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ، هذه سنة إلهية.

طيب، لماذا لم ينصر الله سبحانه وتعالى مثلاً كذا أو كذا أو فلان أو فلان أو هذه الحالة أو هذه الحالة؟ كيف يحصل أحياناً يعني عدم خلل أو عدم تصور لقضية أنه إيش كيف تفهم هذه القضية في يعني مجموع سياقها؟

ولذلك، طبعا هذا هدف من أهداف المادة ومن الأهداف الأخرى أو من يعني أهداف أخرى غير هذا الهدف اللي هو يعني دراسة السنن نفسهم؛ لأن ندرس السنن سنة سنة، ونفهم ونفقه يعني أبعاد هذه السنة أو كل سنة من السنن الإلهية بإذن الله تعالى. طيب، بناء على ذلك أنا سأذكر في هذه المدخل مجموعة من المقدمات، خلينا نقول المنهجية للتعامل مع السنن الإلهية.

المقدمة الأولى، المقدمة الأولى: أن هذا هذا الموضوع اللي هو موضوع السنن الإلهية هو موضوع من محكمات الدين والإسلام، من المحكمات، وموضوع من مركزيات الوحي، من أعظم ما جاء به القرآن. والحديث عنه في القرآن حديث طويل كثير جداً، بل كما يعني يذكر بعض الباحثين أن الآيات المتعلقة بالسنن الإلهية تصل تقارب أو تتجاوز الألف وخمسمائة آية؛ لأنه أهم أهم موضع للذكر هو موضع القصص القراني، والقصص القراني تعلمون مدى كثرتها واتساعها في كتاب الله سبحانه وتعالى، قصص الأنبياء خاصة يعني بشكل أكبر وأكثر؛ لأنه كما تقدم معنا موضوع الاعتبار وقياس الشيء على نظيره وما إلى ذلك يعني.

أول مقدمة هي نحن نتعامل مع موضوع من محكمات الدين وأصوله ومركزياته. وهذا يجعل الإنسان حين يتعامل مع هذا الموضوع يعني يتعامل معه أولا بتقدير وتعظيم واهتمام، وهو كما اسلفت في بداية اللقاء هو متعلق بالعلم بالله، فهو وسيلة من وسائل العلم بالله سبحانه وتعالى؛ لأن العلم بالله يتحقق من خلال التفكر في آياته الكونية والتدبر في آياته الشرعية، وأيضا يكون من خلال معرفة أقْداره وحكمته، وليه موضوع الأساسي هو موضوع السنن الإلهية.

فهذه المقدمة الأولى، بحيث إنه إيش الفائدة من هذه المقدمة غير التعظيم؟ غير أنه أنا لما أدرك هذا أعظم هذا الموضوع في قلبي وأدخل له بهذه العين اكتساب الثواب. طيب جيد، احتساب يعني احتساب جيد. إيش في كمان؟

استحضار جميل، بما أنه مركزي في الوحي، فإذاً وهو متعلق بالأمم والناس والعمل التفاعل في في هذه الأرض بالإصلاح فيها، فلا يصلح أن يتعامل مصلح مع الإصلاح وهو بعيد عن موضوع مركزي أساسي فيه، وهو موضوع السنن الإلهية. هاي ثمره عملية ومهمة، نعم. وأيضا...

طيب، نكتفي بهذه المقدمة. المقدمة الثانية: أن أساليب القرآن في تناول هذه السنن متنوعة ومختلفة، وأن من يتطلب فهم السنة الإلهية تحت الآيات التي فيها لفظ السنة فقد ضيق واسعاً، ولم يتناول باب السنن إلا من طرف يعني ضيق، وإلا في موضوع السنن موضوع واسع، وبقدر الفقه في كتاب الله وفي كلام العرب وأساليب القرآن يستطيع الإنسان أن يعرف مواضع السنن في القرآن.

وكما قلت، الموضع الأعظم من حيث الكثرة للسنن في القرآن هو موضوع قصص الأنبياء وما جرى عليهم من سنة النصر والتأييد وإعلاء كلمتهم وما جرى على أممهم المكذبة من الإهلاك، هذا هو الموضع الأهم والأوسع في القرآن لقضية السنن، وبطبيعة الحال الآيات التي فيها التصريح.

لكن هناك صيغ: وما كان ربك، هذه الآيات التي فيها وما كان ربك هذه سنة إلهية وهي متكررة في القرآن ومرتبطه بايات أخرى تثبت السنن: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُوهُم مُّصْلِحُونَ.

وما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب، هنا يعني لما تأتي هذه الآية في آل عمران في سياق غزوة أحد بهذا الأسلوب، مثلا لو أتت باسلوب مثلا: وقد ميز الله الخبيث من الطيب، قد ينصرف الذهن إلى أنه حصل هذا لكم انتهى، لكن: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، يعلم الإنسان أن هذا من سنن الله، من سنن الله؛ فالله سبحانه وتعالى لن يذر المؤمنين على ما هم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب فتجري عليهم مثل هذه السنن الإلهية.

نعم: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ، وكذلك نجزي المحسنين.

تعليق العقوبة أو القدر بصفة معينة حصلت ليس: فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ، كيف كان عاقبة الظالمين، كيف كان عاقبة: وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا، وكذلك: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ، ولقد أرسلناها فيهم منذرين فانظر كيف كان عاقبة المنذرين. هذه كلها يعني صيغ قرآنية يفهم منها موضوع السنن الإلهية، فهذه مقدمة مهمة، يعني ما تدخل للسنن من الابواب التي فيها سنة الله أو الآيات التي فيها سنة الله، وإنما تنظر إليها باعتبار تنوع أساليب القرآن في تقرير هذه السنة.

المقدمة الثالثة: أن السنن الإلهية متنوعة، فمنها ما هو متعلق بالمؤمنين ومنها ما هو متعلق بالكفار، منها ما هو متعلق بالأمم والجماعات والاقوام والقرى ومنها ما هو متعلق بالافراد.

ومن المهم إادراك هذا التنوع، يعني نقول الاختلاف في السنن الإلهية ومن فوائد ذلك أنه يتعامل الإنسان مع كل سنة مع كل نوع بخصائصه، فمثلا سنة الله سبحانه وتعالى المتعلقة بالكون لها طبعا هي لها ارتباط بالسنن المتعلقة بالأمم، مثلا لكن هذه لها خصائص وهذه لها خصائص، هذه لها خصائص وهذه لها خصائص. يعني اعتنى بعض العلماء الذين تكلموا عن خصائص السنن الإلهية ببيان الفروقات فيما بين هذه الخصائص.

مثلا الكتاب الذي أشرت إليه قبل قليل (سنن الله في الامم من خلال القرآن الكريم) عقد مبحثا مطولا عن خصائص السنة الإلهية وأبدى، وهذا من أهم المراجع في هذه النقطة تحديدا، أبدى الفروقات الدقيقة بين السنن مثلا المتعلقة بالأمم والسنة المتعلقة بالأفراد، في خصائص لهذه السنن وفي خصائص لهذه للسنة المتعلقة بالأفراد. فإدراك أنه ترى السنن أنواع، وهذه الانواع لها خصائص وتراجع في مراجعها هذا يفيد.

لفهم المقدمة الرابعة: هي أهمية إدراك -وهذه من أهم المقدمات المتعلقة بفهم السنن على الإطلاق- أهمية إدراك التداخل الذي يجري بين السنن الإلهية في المحل الواحد، في الزمن الواحد، على يعني خلينا نقول الأمة الواحدة. هذا هذه القاعدة لو لو آردت أن اختصر المقدمات المنهجية واكتفيت بهذه لكان هذا فيه بيان لأهم قاعدة في فهم السنة الإلهية، وأن من ينظر في الأحداث بعين واحدة على سنة واحدة فلا يمكن أن يفقه السنن المرتبطه بالواقع.

لابد وأنت تنظر إلى السنن أن تنظر إلى تداخلها في المكان الواحد. السنن مثلا أكثر ما تجري في التدافع بين الحق والباطل، صح ولا لا؟ أول شيء هذا التدافع سنة، طيب، هذا التدافع له حكم، وبعض هذه الحكم مرتبط فيها سنة الابتلاء سنة، صح ولا لا؟ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثْلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ۖ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُعُ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ.

زلزلوا بماذا؟ بماذا زلزلوا؟ بالأعداء، جيد؛ مثل قوله سبحانه وتعالى: هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا في سورة الأحزاب.

طيب، الله يقول لك: لن تدخل الجنة، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثْلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ، ليس فقط أنتم، أخذت في الذين من قبل. طب هذه زلزلة الأعداء كيف تاتي؟ تأتي بسنه ممكن المداولة؛ لأن الله سبحانه وتعالى لما أَدال المشركين على المؤمنين في أحد أنزل آيات سورة آل عمران وقال فيها ماذا؟ في نفس آيات آل عمران المتعلقة بأحد قال: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ.

طيب، لاحظ أنا الآن أنظر إلى سنة تدافع وسنة مداولة وسنة ابتلاء كلها دخلت في وين؟ في إطار واحد، طيب اين سنة النصر في هذه الثلاث سنن؟ هل لها تداخل أو لها انفصال؟ لا، هي ترى ممكن تتداخل حتى في نفس المحل بطريقة معينة والمثال من أسرع وأفضل الأمثلة في ذلك هو ما جرى يوم بدر ويوم أحد وما أنزله الله في سورة الأنفال وفي سورة آل عمران.

وتأملوا معي هذه النقطة المهمة جداً؛ الله سبحانه وتعالى قال في سورة الأنفال المتعلقة ببدر يقول للمشركين: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ. هذه الآن في بدر، عاد المشركين بعد بدر في أحد وحصل حصلت الهزيمة للمؤمنين.

طب أين وعد الله بالنصر للمؤمنين؟ يبينه قوله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران المتعلقة بأحد قال عن غزوة أحد التي حصل فيها الانكسار قال: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ، وهذه بداية المعركة حين انتصر المسلمون، لكن تدخلت هنا سنة أخرى أو دخل شرط في سنة وسياتينا بعد قليل الشرور، دخل شرط في سنة: حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحُبُّونَ، منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم، لقد دافع عنكم والله.

لاحظ أنت الآن حتى وانت تتحدث عن معركة هزم فيها المسلمون لم تغب عنك سنة النصر التي تحققت في بدايه اليوم وبين الله في القرآن أنها تحققت، لكن حين تخلف الشرط ذهبت أو رفعت. واضح؟

طيب، ما علاقة هذه السنة التي ذكرتها بسنة إهلاك المكذبين والمجرمين؟ هو إهلاكهم من أهم أسبابه أصلاً هو التسلط على المؤمنين وتعذيب المؤمنين وشدة الظلم الحاصل لهم، فتاتي سنة الإهلاك بعد هذا التمادي في الإجرام، هذا التمادي في الإجرام هو من جهة سنة ابتلاء تتحقق على المؤمنين، وفي نفس الوقت كونه لم ياتي العذاب مباشرة لأن هناك سنة أخرى تدخل هنا وهي سنة الاستدراج والامهال وهي سنة أن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه ولم يفلته، هذه كما قلت أهم مقدمة عندي في المادة: إنه ما يمكن أن تفهم السنة الإلهية إلا بفهم التداخل فيما بينها في المحل الواحد في الزمن الواحد.

المقدمة الخامسة: أن لتحقق السنن الإلهية شروطاً، ورفعها أو تأخرها موانع، يعني لها شروط ولها موانع. فحتى لو فهمت التداخل لابد أن تفهم أن السنن مرتبطه بما يفعله المؤمنون وما يفعله الكفار، هناك شروط معينة.

مثلا المثال الذي ذكرته قبل قليل وهو من أهم الأمثلة على الإطلاق: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ، جاءت سنة النصر، يعني لو لم يفعل الرماة ما فعلوا لانتصر المسلمون يوم أحد، ليس من باب العسكري وإنما من باب السنن، وإنما رفع هذا النصر لتخلف شرطه: حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحُبُّونَ.

مثلا يأتي من يعملون للدين ولكنهم لا يفكون لا يعني لا ينفكون عن التنازع والخصام والاختلاف، ثم ينتظرون سنة النصر لأنهم مؤمنون ولأنهم له ان لهم صدقا مع الله سبحانه وتعالى ودعاء وإخلاصاً، تمام؛ الله سبحانه وتعالى قال: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ولكنه قال: وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ.

سنن لها شروط، سنن لها شروط ولها موانع ترفعها أو تؤخرها. وهذه المقدمة فائدتها ما هي؟ فائدة هذه المقدمة هي أن على المصلحين أن يحقق الشروط التي تتحقق بسببها السنن، وأن يبتعدوا عن الموانع التي بسببها تؤخر السنن، وهذا هو الذي عليهم وعلى الله تحقيق السنة.

وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، النصر كما يعني سبق في بعض المواد الأخرى وهذه نقطه آية عظيمة في فهم هذا المعنى: النصر ثواب ليس جهدا أنت تحققه، والدليل: وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا اللي هو النصر وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ. النصر ثواب، النصر ثواب ليس النصر خطة استراتيجية تتحقق بخطوات تحسبها، نعم أنت مطلوب تبذل الاسباب كامله وتفكر، ولكن النصر في نزوله فعلا يجب أن يدرك المؤمن وأن يدرك المصلح أنه كلمة من الله سبحانه وتعالى وثواب، إن نزلت فلن يردها راد، إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غالِبَ لَكُمْ انتهى، ما في ما يمكن أن يدخلك شك أصلاً في مثل هذا.

لكن فائدة هذه المقدمة هي ماذا؟ فائدة هذه المقدمة هي أن عليك تحقيق الشرط. طيب كيف نعرف هذه الشروط؟ هنا يأتي أهمية الفقه في السنن اقرأ في هذه السنة هي توسع فيها، انظر هذه الآيات التي قرأناها قبل قليل فيها شروط أليس كذلك؟ وفيها موانع. فلا يصلح الإنسان المؤمن الذي يتعامل مع السنن يتعامل معها بخارطة نظرية: يلا ناخذ السنة الأولى هذه الآيات الواردة فيها، يلا اللي بعده السنة الثانية ما هي كذا؟ سنن لها قانون لها نظام وتأتي وتأتي سنة أخرى تتداخل في شروط في موانع. فهذه يعني من أهم ما يمكن أن يقال ويوصل ويبنى في موضوع السنن الإلهية.

المقدمة السادسة: أن المقياس الزمني في تحقق السنن هو المقياس الإلهي وليس المقياس البشري.

وأن الله سبحانه وتعالى يقدر الأقدار بما يعلمه سبحانه وتعالى، بما يعلمه صالحاً سبحانه وتعالى، ما يعلمه خيراً. ومن شأن ذلك؛ لأن السنن خاصة المتعلقة بالأمم والجماعات والأفراد والقرى، من شأن ذلك امتداد الزمن، ومن شأن امتداد الزمن ألا يرى الجميع عكس، ليس كل من عاش في ظرف تحقق سنة ما، فبالضرورة أن يدرك رؤية السنة، يعني السنة لها زمن متسع. فمن يعيش في زمن سنن يحققها الله سبحانه وتعالى من حيث الأفراد، قد لا يدرك الجميع هذه السنن، لكن هذه الأمة من الأمم تنطبق عليها هذه السنة.

مثلا سنة النصر تحققت للنبي صلى الله عليه وسلم، صح؟ إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وكان في وعود سابقة بالنصر ثم تحققت، كم عدد الذين سمعوا الآيات القرآنية التي فيها الوعد بالنصر ولكنهم استشهدوا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فلم يلحقوا النصر؟ كثير. لو نظر أحدهم بمنظاره الشخصي لنتساءل: أين سنة النصر التي وعدنا بها؟ بينما النظر إلى مجموع الحال، احنا الآن ننظر إلى السيرة النبوية جاهزة في كتاب نقرأها السنة الأولى، السنة الثانية، السنة الثالثه، ونعرف القصة إلى النهاية، وَإِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا إلى آخره.

لكن الذي صنع أو جندل صريعاً يوم أحد، مُدرجاً بدِمائه، وحتى ضاقت القبور عن أصحابها، فكان يُدفن في القبر الواحد يدفن أكثر من شخص، هؤلاء ما رأوا سنة النصر، ما رأوا سنة النصر النهائية، رأوا سنة النصر في بدر مثلاً، لكن لم يروا سنة علو كلمة المسلمين، العلو المطلق الذي كُسرت فيه شوكة الكفار وإلى آخره. فخلاصة المقدمة هي أن الإنسان ينبغي ألا ينظر إلى السنة باعتبار القياس الزمني البشري المحدود المتعلق بالأفراد، وإنما ينظر إليها باعتبار ما يقدره الله على الأمم والأفراد والجماعات، وهذا في ميزان الله سبحانه وتعالى.

ومن أهم الأمثله على ذلك ما أجراه الله سبحانه وتعالى على الأمة المستضعفة في زمن موسى عليه السلام، وهم بنو إسرائيل. استضعفوا وذبح أطفالهم، وبينه الله سبحانه وتعالى أنه يريد لهم النصر ويريد لهم علو كلمة، فقال: وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ. ثم بعد ذلك جعل الله سبحانه وتعالى نجاة هؤلاء المستضعفين الذين تسيل دماء أطفالهم على تلك الأجساد الغض الطرية، جعل الله سبحانه وتعالى نصرهم بعد زمن طويل بولادة موسى عليه السلام ثم تربيته ونشأته وإلى آخره، حتى نصر به دينه وحرر به المستضعفين.

ثم قال الله تعالى مبيناً هذه السنة كذا في ختامها بعد أن حصلت وتحققت، قال سبحانه وتعالى: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ. فهذه كما أسلفت أيضاً مقدمة من المقدمات المهمة، كم خلصنا مقدمة؟ خلصنا ست مقدمات.

طيب، المقدمة السابعة: لا يمكن للمؤمن أو للفقيه أو للمصلح أو لمن يتعامل مع السنة الإلهية بشكل عام أن يتفاعل معها تفاعلاً صحيحاً في حالة في حال واقعه إلا إذا كان لديه وعي كاف بالواقع. فالسنن من حيث هي ومن حيث شروطها ومن حيث متعلقاتها تفهم من خلال الوحي، والسنن من حيث تنزيلها على الواقع لا يكتفي الإنسان بالفهم للوحي ليستطيع أن ينزلها على الواقع، وإنما يجب مع ذلك وعلى ضوء ذلك أن يكون فقيهاً بذلك الواقع عارفاَ له وبه بحيث إنه يقول: أها، هذا الواقع هو مشابه لذلك الواقع الذي ذكره الله في القرآن. فهو من جهة استفاد قاعدة من القرآن، ومن جهة استفاد ما يشابهها من معرفته بالواقع.

ولذلك لا تفهم السنن من يعني خلنا نقول مجرد الانحصار في بعض العلوم الشرعية والمتون والشروحات وكذا، لابد أن يكون هناك فهم لهذا الواقع، وفهم الواقع لا يكتفى فيه بالقراءة، وإنما من أهم ما يعين على فهم الواقع هي مكابدة هذا الواقع والعيش فيه. أقصد مكابدته من جهة، أو أقصد مكابدته من جهة العمل للدين وللإسلام، وعيش معاني يعني الثبات أولاً في النفس، الاستقامة، الصبر، الثبات، الدعوة، الإصلاح إلى آخره. نعم، لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ، وكان هذا تفقهوا من جهة الواقع، أو يعني تحقق بالمكابدة في الواقع. فلأجل ذلك لتكتمل حلقة الاستدلال بالسنن، فمن المهم أن يكون هناك عناية بالواقع، وهذا يجعل يعني يزيد العلم بالواقع أهمية بحيث إنه يعني يزداد الإنسان عناية بهم. كم خلصنا؟ سبعة.

الثامنة: من أهم ما يعين على فهم السنن الإلهية أن ينظر في كل سنة من جهة أصلها النظر في القرآن، أن ينظر مع هذا الأصل النظري في القرآن إلى التطبيقات العملية في القرآن نفسه؛ فتفهم حدود السنة. فحين يقول الله سبحانه وتعالى: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ، لكي تفهم هذه السنة، انظر إلى مواضعها في القرآن، خاصة مواضعها المرتبطة بالوقائع، كيف نصر الله نوحاً عليه السلام؟ كيف نصر الله صالحاً ونجاه؟ كيف نصر الله هوداً ونجاه؟ كيف نصر الله وهكذا؟ جيد، هذه مهمة جداً أنه تفهم السنة بصيغتيها في القرآن؛ صيغة أصلها النظر، وبصيغة أمثلتها التطبيقية التي يذكرها أو أمثلتها المتحققة في هذه السنة في كتاب الله سبحانه وتعالى.

المقدمة التاسعة: من أهم ما يعين على فهم السنن الإلهية هو فهم تحققاتها في التاريخ. فهم تحققاتها، قبل قليل قلنا: فهم تحققاتها في القرآن، هنا: فهم تحققاتها في التاريخ. احنا نتكلم عن تاريخ، خاصة التاريخ المحفوظ بشكل جيد، اللي هو تاريخ هذه الأمة، وإن كان حتى تاريخ الأمم السابق، لذلك هنا تأتي نافذة القرآن والسنة يعني تسليط الضوء على بعض الوقائع التاريخية المسبقة، السابقة لزمن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن تاريخ هذه الأمة تحققت في سنن، الواقع التاريخ المعاصر تحققت فيه سنن. فالعناية بالتاريخ من النظر السنني هو من جملة ما يعين على تحقيق الفقه في السنن.

هذه أمثله تطبيقية، يعني متى يكتمل نظر الإنسان في فهم سنة، فهم سنة النصر مثلاً؟ متى يكتمل؟ أولاً: حين تنظر إلى أصولها النظرية في القرآن، وأمثلتها التطبيقية في القرآن، والآن فتره التطبيقية في التاريخ. طبعا إذا قلنا التاريخ باسمه العام، أول وأهم ما يدخل فيه: السيرة النبوية. السيرة النبوية النبوية أهم مرجع ومصدر تحت نافذة التاريخ في انطباق السنن الإلهية، وإن اردت أن تفردها فأفردها، فقول: السيرة النبوية والتاريخ. لكن بعض يدخلها في الاسم العام للتاريخ، لكن يعني البعض يستحسن التفصيل؛ النظر في تحقق هذه السنن في السيرة النبوية وفي التاريخ، تاريخ هذه الأمة الإسلامية، هذا أمر في غاية الأهمية، وخاصة المراحل التي حصل فيها تدافع شديد.

هذه مهمة جداً، خاصة وأنت الآن في زمن متأخر تنظر إليها باعتبار انتهائها واستوائها، وسنة الله لا تتخلف لا تتخلف ولا تنخرم، فيقرا الإنسان مثل هذه القراءة وهذا يعينه على تطبيقها. طيب، أكتفي بهذه المقدمات المتعلقة بالسنن الإلهية، وتعد هي يعني خلينا نقول هي المقدمات المرتبطة بعموم السنن، ثم بعد ذلك إن شاء الله يعني تعتبر ضوابط لفهم السنن، ثم بعد ذلك إن شاء الله كل ما نتناول سنة بعينها، ساتناول معها إما بشكل مفرد هذه الضوابط، وإما بشكل يعني ممتزج مع عرض السنة، فالضوابط تعين على فقهها، وضوابط تعين على فهمها.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في الدين، وأن يعفو عنا ويعافينا، ونسأله سبحانه وتعالى يؤتينا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ونسأله سبحانه وتعالى الجنة، ونعوذ به من عذاب القبر ومن عذاب النار. ونسأله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه المادة، وأن ينفع بها، وأن يتقبلها منا بفضله ورحمته، إنه سميع عليم. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.