تسجيل الدخول

الحقيبة الشرعية للجيل الصاعد | التفسير 05 | الهمزة - الفيل

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله الذي له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه المصير. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم آت محمدا الوسيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته. اللهم اجعلنا من الواردين على حوضه، وارزقنا صحبته في جنتك يا رب العالمين. حياكم الله، هذا هو اللقاء الخامس من لقاءات مادة التفسير ضمن الحقيبة الشرعية للجيل الصاعد، وهذه المرة مع سورة الفيل.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ۝ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ۝ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ۝ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ۝ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ.

هذه السورة عجيبة وعظيمة، يمكن أن يستفيد منها أطراف مختلفة ومتنوعة ممن كانوا أحياء وقت نزول القرآن. أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ، سؤال هنا، هل النبي صلى الله عليه وسلم رأى بعينيه ما الذي فعل بأصحاب الفيل؟ نعم أو لا؟ لا، ولد في تلك السنة. ثم هنا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ابتداء، ثم لمن يعني لغيره، لكن ابتداء للنبي صلى الله عليه وسلم: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ.

طيب ما المقصود بالرؤية هنا؟ أعجبني، أظنه الطبري إام المفسرين، قال: ألم تر بعيني قلبك يا محمد؟ بعيني قلبك، رؤية الاعتبار. وهذي القضية في غاية الأهمية، وهي أن الوحي يثبت لنا أن لهذه الأعضاء التي تتكون منها أجسادنا، أن لها وظائف غير الوظائف الحسية، لها وظائف معنوية. وهذه الوظائف المعنوية يدور على بعضها الفلاح والنجاة في الآخرة. يعني الآن أنت عندك العين، العين وظيفتها الإبصار والرؤية الحسية، وعندك السمع وظيفته أن يسمع، السماع أو السمع الحسي ما يتردد أو يدخل من الموجات الصوتية، جيد.

ولكن القرآن يثبت لنا وظائف أخرى للبصر وللسمع، بل حتى للقلب الذي وظيفته ضخ الدم وهو المركزي في الجسم وإلى آخره، ها، القرآن يثبت لنا أن القلب له وظيفة أخرى. والذي لا يفقه هذه الوظائف المعنوية للأعضاء الحسية المحسوسة التي في أجسامنا، فيكون قد فاته سبب كبير من أسباب النجاة في الآخرة.

الآن الله سبحانه وتعالى بعد أن ذكر لنا المواعظ التي في سورة ق، وفيها: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، وقبلها: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ۝ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ ۝ مُرِيبٍ، ها، ثم بعد ذلك التبشير بالجنة، آيات تزلزل الإنسان، بعد ذلك قال سبحانه وتعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ، لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ، طيب.

شوف: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ. طيب، الكافر الذي لا يتعظ، هل هو مقصود في هذه الآية أنه سيتذكر أو لن يتذكر من خلال هذه الآية؟ لن يتذكر. السؤال: هل له قلب أو ما له قلب؟ له قلب حسيته، له قلب حسي نعم. والله يقول، أنتم تقولون لن يتذكر، والله يقول: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ، طب هو له قلب؟ لا، ليس له قلب بالاعتبار المعنوي بالاعتبار الأهم، ليس له قلب، ولكن له قلب يارس أو يقوم بادواره الوظيفية الحياتية الحسية.

هنا: ألم تر، طيب هذه الرؤية، الرؤية ما محلها؟ الرؤية من أين تكون؟ العين. طب هنا لم ير النبي صلى الله عليه وسلم بعينيه، ومع ذلك يستعمل لفظ إيش يا سليمان؟ الرؤية، ألم تر؟ آه. إذا الرؤية إيش؟ ليست دائما حسية، هناك رؤية بعيني القلب. القلب يرى، القلب يرى، والقلب يبصر، والقلب يتعظ ويتذكر.

ولذلك الله سبحانه وتعالى قال في الكفار: لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَبْصِرُونَ، لا، لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَعْقِلُونَ بِهَا، وآية أخرى: لا يفقهون بها، ها، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ، لا يُبْصِرُونَ بِهَا، لَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ، لا يَسْمَعُونَ بِهَا. عجيب! لَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا، أنت تعلم أنه ليس المقصود أنه لا يسمعون السمع الحسي، وإنما السمع المعنوي. ولذلك يا شباب، مهم جدا أن نفهم أن هذه الأعضاء التي تتكون منها أجسادنا، أن الوظائف الحسية التي تقوم بها إنما هي جزء يسير مما ينبغي أن تقوم به. وهناك جزء جبري قهري سيحصل يوم القيامة لبعض أعضاء الجسم، لم يكن الإنسان قد حسب أو انتبه له في الدنيا، وهو ما جاء في قول الله سبحانه وتعالى: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ، وفي سورة فصلت: وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا، ترى تشهد شهادة حقيقية، قالوا: أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ.

إذا ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل؟ رؤية اعتبار وتفكر واتعاظ. ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل؟ لذلك ألم تر ذحين لما تسمعها في القرآن أو تقرأها في القرآن، انتبه لهذا المعنى. وقد وردت كثيرا طبعا بصيغة المفرد أو بصيغة الجمع. أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ.

أصحاب الفيل الذين كانوا يعتمدون عليه، ويخوفون به، ويفتخرون به، وكأني بهم وهم يسيرون من اليمن إلى مكة مستهدفين الكعبة، فكأني بهم وهم يسيرون والفيل أمامهم، قد امتلأت صدورهم ثقة بهذا الفيل، واعتزازا بهذا الفيل. وكأنهم حين كانوا يسيرون في الجزيرة العربية ويمرون على بعض أهل البادية وعلى القرى فيتجمع الصغار ويتجمع الناس وهم ينظرون إلى هذا الجيش المقدم بالفيل، فتمتلئ صدورهم هيبة وخوفا وفزعا من هذا الفيل، أن ذلك كان مما يزيد أصحاب الفيل بفيلهم.

ولكل طاغية ولكل أُمَّةٍ متجبرة فيلها الذي تغتر به، والذي تعتمد عليه، والذي تظن أنه، أنها تنتصر به، صواريخ، عتاد معين، تقنية معينة، أعداد، إلى آخره. أولئك أصحاب الفيل كانوا يظنون أن فيلهم ايش؟ هو مكان الفخر والاعتزاز والحماية والقوة، القوة الضاربة، الفيل. أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ۝ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ.

كيدهم ابتدأ قبل تحركهم، إيش كان الكيد اللي بدأ ابتدأ قبل تحركهم بالجيش؟ وإنشاء، آيوه، أنهم أنشأوا بناء ليصرف الناس عن الكعبة. كيد ابتدأ من هناك، ثم بجمع الجيش والعتاد، ثم بالسير بهذا الجيش والافتخار به والتهديد به، ثم آآ محاورة أهل مكة والافتخار أمامهم والجبروت الذي كانوا يصنعونه في كبرها، هذا كله كيد، ولكن الله أضل كيدهم وشتته.

وإذا استمريت في الآيات سترى نهاية هذا الكيد، ترى ذلك المشهد العجيب لأصحاب الفيل الذين كانوا يسيرون، الفيل أمامهم مفتخرين به وبحجمه وبضخامته وبقلة معرفة العرب به. لما ترى الآية الأخيرة، إيش الآية الأخيرة؟ فَجَعَلَهُمْ، عاصفة، عصف من الزرع هذا الذي يؤكل، سواء يأكله خاصة الأكل، المقصود به ابتداء الدواب المواشي الذي تأكل، أو المقصود به حصرا كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ، مثل إذا دخلت زريبة، زريبة غنم ولا زريبة أيا كان، وترى مثل التبن هذا الملقى في الأرض، ها، مشتت هنا وهناك بسبب أكل الدواب له ووطئها له. وحتى بعض العلماء أشار إلى معنى في مأكول أنه كونه خرج من فضلات الحيوانات، ها، كيف كيف هو ملقى متفرق مشتت منبوذ، ها، تلك كانت نهاية كيدهم، تلك كانت نهاية كيدهم، كيد أصحاب الفيل الذين اغتروا بقوتهم وبجيشهم.

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ. آخر آية: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ. أنت الآن تقرأ هذه الآيات قصيرة سريعة متتالية، ولكنها في ذلك الوقت كانت حدثا مهولا هائلا، حدثا مزلزلا، ها، جيش ضخم مخيف مهول، معه هذا الحيوان الكبير العجيب الذي ليس هو معهودا ولا مألوفا وكان مخيفا، ها، أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ۝ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ.

الله أرسل عليهم طير مجتمعة ومتتابعة فرق، أبابيل، تأتي متفرقة متتابعة. وكأنها مجموعات كبيرة من هذه الطير التي أرسلها الله سبحانه وتعالى تهلك أولئك القوم. تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، وذكروا أن السجيل يدل على أن أصل خلقة هذه الحجارة أنها حجارة مطينة، كأنها مصنوعة من طين، كأنها، وكأنها مخلوقة لأجل أن تهلك أولئك القوم.

طيب، بالله قارنوني بين جيش مليء بالعتاد والأسلحة والخيول، ها، والشارة والإشارة إلى آخره، وبين الطير وحجارة من طين مزقت وبددت ذلك الجيش وفرقت جمعه وجعلته كالعصف المأكول. تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ۝ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ.

هذه السورة، كما قلت لكم، هي سورة قصيرة جدا، وآياتها قصيرة ومتتالية، ولكن ابتداؤها بالم تر يفتح عين قلبك للاعتبار الواسع الكبير. اعتبار واسع كبير، أولا، الاعتبار بأن الأدوات المادية لا تغني عن أصحابها شيئا إذا جاء أمر الله. الاعتبار بأن الكيد والتخطيط والمكر لا يغني شيئا إذا أبطله الله. الاعتبار بأن المخلوقات الصغيرة قد تكون بأمر الله سببا في هلاك الجيوش الكبيرة، كما سيحدث في آخر الزمان عند يأجوج ومأجوج، سيهلكهم الله سبحانه وتعالى بمخلوقات صغيرة.

هذا كم عبرة الآن؟ كم عبرة؟ ثلاثة. الاعتبار بأن عاقبة الكيد والمكر وحرب الدين وحرب المقدسات أن عاقبتها وخيمة. الاعتبار، أنا هذي كلها اعتبارات مباشرة، أربع اعتبارات. نكمل الاعتبارات أيضا غير مباشرة بعضها: الاعتبار بأن الذي حمى بيته من ذلك الجيش سيحمي بيته من كيد المشركين وعباد الأصنام، وسيرجعك يا محمد إلى هذا البيت معظما موحدا فاتحا. الاعتبار بأن الله كما أهلك أولئك الذين أرادوا بيته، فانه سيهلك أولئك الذين أرادوا رسوله. وقل ما شئت من الاعتبارات الأخرى، وكلها في آيات قصيرة ومتتابعة، في جمل كما قلت قصيرة، ولكنك تبحر في سماء المعاني والاعتبار والابتكار والابتعاد.

ننتقل سريعا إلى السورة التالية، وهي سورة إيش؟ إيش السورة؟ بسم الله الرحمن الرحيم: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ۝ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ ۝ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ۝ كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ۝ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ ۝ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ۝ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ۝ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ۝ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ.

سورة مخيفة بدأت بالويل، تهديد، وعيد، ممن؟ من الله سبحانه وتعالى، ينزل سورة على نبيه صلى الله عليه وسلم تبتدأ بويل. أنت من يوم ما تبتدئ سورة بويل، انتهى مباشرة، جهز قلبك أنك أمام أمور مخيفة. نعم، ويل للمطففين، ويل لكل همزة لمزة.

ويل لكل همزة، الذي يهمز ويلمز ويكثر من ذلك. همزة، بعضهم قال: الهمز يكون بالفعل، واللمز يكون بالقول وباللسان، يعني الإشارة هذي اللي باليد، هذي الإشارات، هذا الهمز، ها، بالعين،ها، والله سبحانه وتعالى يذكر لنا بعض الإشارات التي كان يمارسها المشركون أو المنافقون، أجسامهم سواء من جهة آآ الأعراض، الابتعاد إلى آخره. ويل لكل همزة لمزة.

هذه السورة إذا اردت أن تستشعر معانيها، تحاول أن ترجع نفسيا وشعوريا إلى أحوال النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في بداية الدعوة، خاصة في المرحلة المكية حين بلغهم الدعوة وواجهوها بالاستهزاء والسخرية والهمز والطعن. ولن تستطيع أن تدرك حقيقة أثر الهمز واللمز والطعن والاستهزاء ما لم تعشه في طريق الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

لكن أضرب لك، أضرب لك مثلا يسيرا حتى لو لم تعش هذا الشعور، خياليا، تخيل يعني،ها، تخيل انك في فصل دراسي، مدرسة، وأنت شايف إنه فيه شيء قبيح جدا جالس يحدث في هذا الفصل، ورزقك الله سبحانه وتعالى الهداية والحكمة والعقل، وجلست اخذت تفكر كيف أحل هذه المشكلة، أو كيف أنفع إخواني في هذا الفصل بسبب المشكلة هذه الموجودة لديهم. هذه المشكلة قد تكون ظلم، ظلما لأحد الطلاب وتسلطا عليه، تجبرا عليه، ظلما بغير وجه حق، والأخ هذاك مثلا مظلوم ومقهور وحزين، وكلها ظلما بغير وجه حق، ظلم بغير وجه حق.

وقد يكون اه عدم اهتمام بالصلاة ولا تطبيق لها ولا فعل لها، وأنت تراهم بعينيك، ثم تتذكر وعيد تارك الصلاة والعهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، ومن تركها فقد كفر، بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة. والعذاب الذي آآ يهدد الله به سبحانه وتعالى من يترك الصلاة أو من حتى يؤخرها عن وقتها، وما، فأنت جاي بنفسية يعني خلنا نقول حريصة ومشفقة، وجالس تفكر وتخطط كيف أنت ممكن توصل هذه الرسالة يا عبد الرحمن. وهديت إلى انك تكتب كتابة معينة، وأنك تستأذن من أحد المدرسين أنك تلقي كلمة في الفصل، زي ما قلت لك أنت تعبان عليها وجالس تفكر لك شهرين كيف توصل الرسالة.

والله والمدرس سمح لك، وجهزت كلمة تعبت فيها وجهزتها وسهرت وضيعت بعض الأمور المهمة عشان تحقق هذي الكلمة، ورتبتها وألقيتها على أهلك وعلى أبوك وأمك وعلى إخوانك وعلى مدرسك، وقالوا لك ممتاز، ما شاء الله، الأمور عالي العال.

ثم جاء اليوم المشهود، ووقفت أمام الطلاب وقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، اللهم صل على رسول الله، إخواني الكرام، أوجه إليكم هذه النصيحة، وهي عن العهد الذي بين المسلم، أو العهد الذي آآ بيننا وبينهم الصلاة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: الفرق بين المسلم والكافر، الحد، الأمانة، الميثاق الذي سنسأل عنه يوم القيامة، هذه الصلاة التي فرضت حين بعث، حين عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء السابعة، هذه الصلوات. وأنت تتكلم، بدأت تلحظ الشباب، وهم كل واحد يدق في الثاني، يقول: أشر كذا بوجهه، إنه شوف، شوف العبيط هذا، شوف، شوف.

وأنت متحمس وجالس تتكلم بحرقة، أنت تلاحظ أثناء الكلام الضحك والاستهزاء بك. لما انتهيت من الكلمة ورجعت إلى فصلك، إلى إلى مقعدك، وانتهت الحصة وخرج المعلم، اجتمعوا عليك: ها، علامة آخر الزمان، ما شاء الله، اللي ما أدري ايش أقول بس يلا، روح شوف لك شغلة بدك تفلسف علينا، يا مجرم، يا مدري مدري ايش، يا بكاش، يا إلى آخره. هنا ستتألم وتحزن في هذا الطعن والهمز. هذه لو كانت مرة واحدة، طيب ما بالك لو استمر هذا معك طول السنة؟ كلما أتيت للفصل، يا علامة، مو كذا بس إنه ضحك، لا، استهزاء حقيقي.

وكل ما تجي تتكلم في أي موضوع، أيوه يا ايش اسمك، شيخ الإسلام، بالله تكلم؟ وصارت ملازمة لك في هذه السنة، والسنة التي بعدها والسنة التي بعدها، لا يراك أحد إلا استهزأ بك وسخر بك، بسبب ايش؟ بسبب انك تكلمت عن الصلاة. هذا الشعور الذي ممكن أن تشعر به هو قبس يسير مما كان ينال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في دعوتهم للإسلام، كثير جدا لا يذكر يعني.

حين يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ويصعد على الجبل وينادي قبائل قريش: يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب، ويجتمع الناس، ثم يقول لهم: أرأيتم لو أخبرتكم أن جيشا خلف هذا الجبل يريد أن يغير عليكم أو يصبحكم أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، أكنتم مصدقين؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. كلمات مهولة تهز الجبل الذي وقف عليه النبي صلى الله عليه وسلم.

ما ينتهي النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الكلام إلا يبادر أبو لهب فيقول: تبا لك سائر هذا اليوم، لهذا جمعتنا؟ أمام الجميع، خير لحظة الصمت التي سادت بعد كلمة أبي لهب تلك، ايش شعور النبي صلى الله عليه وسلم؟ ايش الإجرام هذا الذي فعله أبو لهب؟ ممكن تقول طيب هو ما ضرب ولا أذى، يا ليت يعني، الحر يقول لك أنا احتمل العذاب والضرب ولا احتمل الإهانة. ويا ليت النبي صلى الله عليه وسلم طبعا أمنيتنا أن لا تمسه شعرة، لكن هذه سنة الله في الابتلاء.

هنا تجد لأجل ذلك، لأجل شدة الألم أو لأجل صعوبة الحال الذي كان يمر بالمؤمنين لأنهم كانوا يستهزأ بهم أيضا، وبالنبي صلى الله عليه وسلم بصورة أكبر من حيث حجم الاستهزاء الموجه عليه، تجد أنه في كتاب الله يتكرر ذكر قوله: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. وتجد فيها قوله سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ. قَد نعلم، قد نعلم، سورة الأنعام، لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ، لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ.

من شأن المشركين ومن شأن معادي الحق وحملة الحق دائما أنك تجدهم أصحاب استهزاء وهمز ولمز، ويتشبه بالمشركين أناس من سفهاء المسلمين يتشبهون بهم في سلوك سبيل الهمز واللمز والطعن، ولكن حين تقرأ ويل نخاف من هذه الخصلة. ولذلك من أوائل ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم: وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ، ايش؟ هماز، هماز مشاء بنميم، هنا: وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ، مثل ما ذكرنا في أصحاب الفيل اغتروا بفيلهم، ها، يحسب أن ماله أخلده.

كَلَّا ۖ إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ. يحسب أن ماله أخلده؟ قال: سآوي إلى جبل. هذه هي الأوهام، جبل سيعصمني من الماء، جبل يعصمني من الماء. أو يحسب أن ماله أخلده، ها؟ واللي يقول: لَئِن رَّجَعْتُ إِلَى رَبِّي، ها، ولا رددت إلى ربي، أيه، أن لي عنده للحسنى، أوهام، وهذا وهمه في المال.

عيش شعور ما أنه تخيل كذا واحد عنده السلطة المالية الكبيرة، الخدم والحشم والبنين، وَجَعَلتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا وَمَهَّدتُ لَهُ تَمْهِيدًا ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ، كَلَّا. يحسب أن ماله أخلده؟ كَلَّا. أفرأيت الذي كفر بآياتنا ولا رأيت، أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال: لأوتين مالا وولدا، لسه مؤمن، ها، أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا، كَلَّا، يحسب أن ماله أخلده؟ كَلَّا، لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ، النبذ الإلقاء والطرح، حتى دخوله إلى النار وهي النار يكفي أنها النار من حيث هي عذاب، يلقى إليها إلقاء وينبذ فيها نبذا مهانا.

ليست القضية فقط عذابا حسيا أنه سيكون هناك عذاب حسي، وإنما سيتتابع عليهم العذاب المعنوي، ومن جملته هذا النبذ والطرح والإلقاء والإهانة. كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ، الحطمة اسم من أسماء النار تحطم ما فيها. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ، تكرار فيه تهويل تنبيه، ثم تأتيك الآية التي تخيف أكثر من كل ما سبق: نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ. هنا أنت يجب أن ترهب وتخاف، يجب أن تفزع، القضية حق، قضية أنها نار الله الموقدة. ومن صفة هذه النار أنها حين يلقى فيها أهلها وأصحابها أنها بعد أن تلتهم أو لا تكتفي بالتهام جلودهم وأبشارهم، فإنما تدخل إلى بواطنهم فتطلع على الأفئدة القلوب. وأشار بعض المفسرين كابن عاشور بالتحرير والتنوين أنه هذا الاطلاع حتى فيه شيء من البصيرة التي يجعلها الله في النار، ستكون الدرجة والعذاب بقدر ما في الأفئدة من الكفر والطغيان والإجرام، ولكن هي في الأساس تضطر الأفئدة تصل إليها وتنفذ إليها.

نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ إِنَّهَا عَلَيْهِم مَّؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مَّمَدَّدَةٍ أعمدة كبيرة أو طويلة، مهيبة الله أعلم ب كيفية كونها ممددة هل هي ممددة ترسم حدود هذه النار أعمدة طويلة قد شكلت حدود هذه النار؟ أم هي ممددة على الأبواب لتحكم الإغلاق؟ أم هي ممددة تمديد الذي تربط به القيود؟ الله أعلم، لكنها أعمدة أو عمد طويلة ممددة.

يزيد الخائف خوفا، والوجل وجلا، ومن هذه السورة نخرج بعبر وفوائد كثيرة: أولا، الأناست للمؤمنين وللنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يواجه من الأذى ما يواجه، في هذه السورة إخبار أو تهديد بأولئك المستهزئين وما الذي سينالهم من عذاب الله، وهذا فيه إيناس للمؤمنين أنه ستشفى صدورهم.

اثنين، التهديد للمشركين والتخويف لهم لعلهم يتعظون، لعلهم يعتبرون، تهديد من الله سبحانه وتعالى.

الامر الثالث، وأهمية اجتناب صفتي الهمز واللمز، والابتعاد عن أن يكون الإنسان همازا لمازا، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: المسلم، شف، المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، شف لسانه ويده، احنا قلنا هماز لماز أو همزة لمزة اليد وباللسان، المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.

ومن الاعتبارات أو العبر كذلك في هذه السورة: الحذر من الاغترار بما لا ينفع عند الله سبحانه وتعالى ولا يغني عن عذاب الله أو من عذاب الله شيئا، والحذر من الأوهام التي يعيش فيها الإنسان، يحسب أن ماله أخلده، وهو عبارة عن وهم، إلى آخره من الدروس والعبر الكثيرة في هذه السورة.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجيرنا من عذابه، أن يكفينا شر أنفسنا، ونسأل الله أن يغفر لنا ذنوبنا وأن يجعلنا من أهل الجنة. أعوذ بالله من النار، نعوذ بالله من النار، نعوذ بالله من النار، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين.