بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم. نلتقي لقاءً يتجدد في مادة الحديث الشريف، ومع الحديث الثامن، حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء» رواه مسلم.
راوي الحديث سعد بن مالك بن سنان الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه، وكان من صغار الصحابة وخيارهم، وكان من المكثرين من رواية الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقيهاً مجتهداً مفتياً. شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم الخندق وما بعدها. سعد بن مالك بن سنان كان شاباً صغيراً، ونسمع هذا الاسم كثيراً، هو أبو سعيد الخدري، كان من شباب الصحابة الصغار، لكنه حمل للأمة علماً جماً رضي الله عنهم أجمعين.
أما المفردات ومعانيها: فقوله «إن الدنيا حلوة خضرة» هذان وصفان للدنيا، فالدنيا حلوة في مذاقها، خضرة في مرآها. حلوة، نعم هي حلوة، كيف يستطيع أحد أن يكابر في هذا؟ الدنيا حلوة بأموالها ونسائها وعمائرها ومناصبها؛ ما فيها شيء حلو، لكن احذر، احذر. وقوله «وإن الله مستخلفكم فيها» أي جعلكم فيها خلفاء من القرون الذين من قبلكم، فينظر هل تعملون بطاعته أم بمعصيته وشهواته.
أيها الأحبة الأفاضل، الحديث فيه عدة مسائل. أولاً، نعرف حرص النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الأمة، ومر معنا قبل كم لقاء قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها، وهو يذبهن عنها، وهو يذبهن عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون مني». الشاهد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على الأمة، على كل صغيرة وكبيرة قد تكون فيها أذى لهم، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم ما ترك من خير إلا ودلنا عليه، ولا شر إلا وحذرنا منه عليه الصلاة والسلام.
هنا يحذر الأمة: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء». أيها الأحبة، النبي صلى الله عليه وسلم يحذر في البداية، حذر الناس ألا يتقوا بالدنيا، لماذا؟ لأن الدنيا من الدناءة. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء». والله ما تعدل! والذي لا إله إلا هو إن الدنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما قيمتها؟
وقفت أيها الأحبة على لوحة كبيرة، وهذه الخارطة فيها الكواكب والنجوم، فوجدت نقطة صغيرة حمراء في طرف هذه اللوحة، وكواكب بأشكال مختلفة وأحجام مختلفة، فسألت المشرف على هذا المعرض قلت: ما هذه النقطة الحمراء؟ قال: هذه النقطة الحمراء التي تراها هي الشمس. قلت: نعم. قال: هذه الشمس بالنسبة إلى الكون، الشمس أحبابي تعدل مليوناً وثلاثمئة ألف ضعف الأرض، وبالكاد ترى نقطة حمراء صغيرة جداً جداً في هذا الكون الفسيح، ما لها قيمة الشمس، فكيف بالأرض؟ والله تذكرت مباشرة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء». لكنها ما تعدل هذه التي سكرنا بحبها، هذه التي فيها تحاببنا وفيها تبرنا وفيها تعبنا، وفيها حدثت أمور كثيرة جداً، لا قيمة لها عند رب العالمين.
ما لها قيمة، يقول صلى الله عليه وسلم: «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، أو عالماً أو متعلماً». وين عقولنا؟ نجمع نجمع نجمع، ونقتتل ونتدابر ونقص على بعضنا البعض ونتهاجر على ماذا؟ على دنيا! ثم ماذا؟ كم ستعيش؟ مئة سنة؟ لن تعيش مئة سنة، وإن عشت مئة سنة تحصل أقرب الناس، أسأل الله أن يخفف عنك، الله يحسن لك الخاتمة.
الدنيا مزرعة الآخرة، ولذلك علينا أن نعرف قيمتها. يقول صلى الله عليه وسلم: «والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على الذين من قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم». هذه الدنيا تقول بملء فيها: حذاري حذاري من بطشي وفتكي، فلا يغرركم مني ابتسام؛ فقولي ضحك، والفعل مبكي. انظر لتاريخ الأمم والقبائل والدول، أين ذهبت؟ لا الأموال، الأموال ثم ماذا يا أحبابي؟
الدنيا مزرعة للآخرة، يقول صلى الله عليه وسلم: «إن مثل الدنيا في الآخرة كمثل أحدكم يضع إصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع». اذهب إلى البحر، وضع إصبعك في البحر ثم اسحب الإصبع، انظر إلى هذه القطرات التي تعلق بإصبعك، هذه الدنيا، والآخرة ذلك البحر المتلاطم، لا نسبة وتناسب، والله ما في نسبة ولا تناسب. إذاً لا تغرننا الدنيا، لا تلهنا. الدنيا فيها التعب وفيها النصب وفيها الألم وفيها الحزن وفيها الشقاء وفيها التعاسة وفيها الفقر وفيها المرض وفيها الموت؛ لن تسلم من سلم واحد، ما أحد يسلم من الثاني.
إذا دخل أهل الجنة الجنة، نادى منادٍ: يا أهل الجنة، إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً. يا أهل الجنة خلود فلا موت، يا أهل النار خلود فلا موت. ما في نسبة ولا تناسب، فاصل ثم نعود إليكم بإذن الله تعالى.
يموج العالم بأنواع من المعاملات والعقود منها الحلال ومنها الحرام، فهل تعلم هذا من ذاك؟ فيلزم التاجر أن يتعلم فقه البيوع وأركان البيع وشروطه حتى يكون بيعه صحيحاً، ويتجنب البيوع المحرمة، ويتعلم الربا وصوره وما يشترط فيه التقابض والتماثل معاً أو التقابض فقط حتى لا يقع في الربا. ويلزمه معرفة البيوع المنهي عنها كبيع المحرمات كالخمر، والغرر كبيع الطير في الهواء وبيع ما لا يملك، والقمار.
ويلزمه تعلم أنواع الخيار كخيار المجلس وخيار الشرط وخيار العيب حتى لا يظلم المشتري. ويتعلم أحكام القرض، ما يصح إقراضه وما لا يصح، وكيف يتصرف مع المماطل حتى لا يقع في الربا أو الظلم. ويتعلم القبض وصوره، فقبض كل شيء بحسبه، فإن كان موزوناً فقبضه بوزنه، وإن كان ثياباً ونحوها فقبضه نقلها، وإن كان مما لا ينقل فقبضه بالتخلية.
ويتعلم أحكام الإجارة كحرمة مماطلة الأجير، قال صلى الله عليه وسلم: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه». ويتعلم أحكام الزكاة حتى يعرف كيف يزكي أمواله، وليعلم أن الضريبة لا تغني عن الزكاة، ومن احتاج معاملة تعلم فقهها حتى لا يقع في الحرام، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: 115].
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وبعد، ما زلنا في الحديث عن الدنيا، القرآن مليء بالآيات الكثيرة عن الدنيا، ليتنا لما نمر فيها نتفكر: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185]. لا تلهنا الدنيا، لن نسلم لا من فقر ولا من ألم ولا من حزن ولا من هم ولا من غم ولا من كبر في السن ولا من هرم ولا من موت؛ إذاً الدنيا لازم نعرف قيمتها.
كان علي رضي الله عنه وأرضاه يقول: يا دنيا، يا دنيا يا غرورة، غري غيري فقد طلقتك ثلاثاً. الدنيا من الدناءة، العاقل ما ينغر بها، الدنيا مزرعة للآخرة، تمدح بعملها وتذم بعملها، لكن احذر منها. الدنيا إن أقبلت إليها فرت منك، وإن فررت عنها جاءت تسعى خلفك، هذا قانونها. والتاريخ يشهد بهذا، ولذلك احرص واحذر. نعم المال الصالح للرجل الصالح، لكن أقول لا تتعلق قلوبنا بالدنيا.
يقول صلى الله عليه وسلم: «من كانت الدنيا همه فرق الله عليه شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة همه، جمع الله عليه شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة». اسمع يا عبد الله، أتته الدنيا وهي راغمة غصباً عنها. الخطة أمامك الآن، تتبع الدنيا لن تلحقها أبداً، تفر من الدنيا إلى الله ستتبع.
لذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما لي وللدنيا، ما أنا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها». عمر رضي الله عنه وأرضاه يا أحبابي يدخل على الرسول صلى الله عليه وسلم يوماً من الأيام، والرسول نائم على حصير وقد أثر الحصير في جنبه الشريف صلى الله عليه وسلم، لما رآه عمر بكى، قال: ما يبكيك يا عمر؟ قال: يا رسول الله كسرى وقيصر ينامون على الديباج والحرير، وأنت رسول الله تنام على الحصير! قال: «يا عمر، أو في شك أنت؟ أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟».
الدنيا ما قيمتها؟ ما لها قيمة في الآخرة أيها الأحبة أبداً، الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، مهما الإنسان عاش في الدنيا سيموت، لكن في الآخرة يا أحبابي في الجنة أبداً مخلد أبد الآبدين. يقول صلى الله عليه وسلم: «لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها». لا أقول إخواني وأخواتي، أبنائي وبناتي، لا نغتر لا بالأرض ولا بالعرض ولا بالذهب ولا بالمجوهرات، لا لا، انتبهوا، ترى في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
ولذلك اجعل همك كيف ترضي ربك، والله تأتيك الدنيا. يقول ابن تيمية رحمه الله كلمة جميلة دائماً أرددها لجمالها: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. قالوا: ما هي؟ قال: جنة الإيمان. هذا هو، هذه الحياة الحقيقية أيها الأحبة، جنة الإيمان، أن تكون مع الله سبحانه وجل في علاه.
يوماً من الأيام النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابة، فوجد جدياً مقطوع الأذنين أو صغير الأذنين ميت ملقى على قارعة الطريق، فأخذ هذا الجدي ورفعه، قال: «من يشتري هذا بدرهم؟». فالصحابي قال: يا رسول الله، والله لو كان حياً كان فيه عيب، يعني لو كان حياً هذا ما أحد اشتراه بدرهم أبداً، فقال صلى الله عليه وسلم: «فالدنيا أهون على الله من هذا عليكم». أنتم احتقرتموه، ما نظرتم فيه وقلتم: لو كان حياً ما أحد اشتراه. إذاً لا نقترب بالدنيا، لا نفرح بالدنيا، لا نقول الدنيا والدنيا، أيش الدنيا؟ الدنيا من اسمها دنيا، دنيا لا تفكر فيها.
يقول صلى الله عليه وسلم: «لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، أحب إلي من الدنيا وما عليها». يعني أربع كلمات خير من الدنيا كلها يا أحبابي، هذا ميزان النبي صلى الله عليه وسلم: «لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس». وبالتالي أيها الأحبة لا بد أن نعرف قيمة الدنيا، لا نحلها في قلوبنا، لا نحلها في أمانينا وأهدافنا الكبرى.
ومع ذلك أيضاً نقول: ليست الدنيا مكان رهبانية تنقطع في مسجد ولا تنقطع في خلوة، تقول لا لا اتركوا الدنيا، هذه الدنيا لا لا؛ قال: «مستخلفكم فيها»، الله سبحانه وتعالى استخلفنا في الدنيا، جعلنا فيها خلفاء، ليش؟ لنقيم دين الله، لنقيم شرع الله، إذا أقمنا دين الله وشرع الله، أقمنا الاستخلاف الحقيقي في الدنيا، عمرنا الأرض، جعلنا الأرض هي جنة في الدنيا قبل الآخرة. ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 56-58]. فالاستخلاف عمارة دينية، والمادية تأتي بعد ذلك.
هذه القضايا المتعلقة بالمخططات والقصور والفلل تأتي لاحقاً، إنما الاستخلاف في الأرض أن أقيم شرع الله، أن أقيم دين الله سبحانه وتعالى، أن أكون آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، أن نحكم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن نعبد الناس لربهم، أن ندلهم إلى جنة عرضها السماوات والأرض. ثقوا تماماً متى ما عبدنا الناس لله وأقمنا شرع الله استخلفنا الله، حققنا الاستخلاف، ثم بعد ذلك ستخرج الأرض خيراتها وكنوزها وما فيها من خير، وتصبح الدنيا استخلافاً معنوياً واستخلافاً مادياً.
هكذا كان الصحابة رضوان الله عليهم لما أقاموا دين الله، والسلف الصالح فعلاً عمروا الدنيا بالدين وعمروا الدنيا ببنائها. أنت لما تذهب الآن إلى الأندلس، إلى إسبانيا، وتشوف تراث المسلمين والبناء الذي خلفه المسلمون في الأندلس؛ فعلاً عمروا الأرض عمارة مادية، لكن عمروها لما عمروها بالعمارة الدينية، فلما تركوا العمارة الدينية سلب الله من أيديهم العمارة المادية.
الاستخلاف قال فيه: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾، استخلاف أن نطيع الله وأن ننشر الطاعة وأن نعصي الله (ألا نعصي الله) وأن نبعد المعصية، هذا الاستخلاف يا أحبابي. الاستخلاف فعلاً أن نقيم شرع الله، أن نحكم كتاب الله وسنة رسول الله، أن نقيم الدين في كل شيء، هذا هو الاستخلاف.
ما الفائدة؟ الاستخلاف بناء يا إخوان. الغرب أفضل منا وأحسن منا بمراحل في الأبنية والعمائر وناطحات السحاب والتقدم التكنولوجي، ولكن هل هم فعلاً عمروا الأرض؟ عمروا الأرض بعمران مادي بدون روح وبدون قيمة، لا والله ما له قيمة. والله أنا قيمتي في ماذا؟ أنا قيمتي في ديني، في عقيدتي، في قرآني، في سنة نبيي صلى الله عليه وسلم؛ أما الأشياء المادية البحتة المادية المجردة هذه لا تقدم ولا تؤخر، مطلوبة لكن مطلوبة بعد الدين.
يموج العالم بأنواع من المعاملات والعقود؛ منها الحلال ومنها الحرام، فهل تعلم هذا من ذاك؟ فيلزم التاجر أن يتعلم فقه البيوع وأركان البيع وشروطه حتى يكون بيعه صحيحاً، ويتجنب البيوع المحرمة، ويتعلم الربا وصوره وما يشترط فيه التقابض والتماثل معاً أو التقابض فقط حتى لا يقع في الحرام. ويلزمه معرفة البيوع المنهي عنها كبيع المحرمات كالخمر، والغرر كبيع الطير في الهواء وبيع ما لا يملك، والقمار.
ويلزمه تعلم أنواع الخيار كخيار المجلس وخيار الشرط وخيار العيب حتى لا يظلم المشتري. ويتعلم أحكام القرض؛ ما يصح إقراضه وما لا يصح، وكيف يتصرف مع المماطل حتى لا يقع في الربا أو الظلم. ويتعلم القبض وصوره؛ فقبض كل شيء بحسبه، فإن كان موزوناً فقبضه بوزنه، وإن كان ثياباً ونحوها فقبضها نقلها، وإن كان مما لا ينقل فقبضه بالتخلية.
ويتعلم أحكام الإجارة كحرمة مماطلة الأجير، قال صلى الله عليه وسلم: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه». ويتعلم أحكام الزكاة حتى يعرف كيف يزكي أمواله، وليعلم أن الضريبة لا تغني عن الزكاة. ومن احتاج معاملة تعلم فقهها حتى لا يقع في الحرام، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: 115].
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. أحبتي في الله، نعود إلى حديث رسولنا صلى الله عليه وسلم: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون»، انتبه للعمل، قضية ﴿فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾. «فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء». إذاً التحذير من الدنيا، طيب لكن لا بد منها، أين سنعيش؟ سنعيش في الدنيا لكن احذر.
«واتقوا النساء»، النساء شقائق الرجال. هل يمكن أن تعيش في غير الدنيا؟ مستحيل. هل يمكن أن تعيش بدون النساء؟ أيضاً مستحيل؛ النساء أمك، أختك، جدتك، زوجك، ابنتك، عمتك، خالتك، إذاً لا يمكن أيها الأحبة أن نعيش بعيداً عن النساء. لكن ما مراد النبي صلى الله عليه وسلم؟ «اتقوا فتنة النساء»، فتنة النساء. الإنسان لا بد أن يحذر.
الذنوب أيها الأحبة تنقسم قسمين: شهوات وشبهات. النساء من الشهوات التي يجب أن نحذر من الافتتان بهن لأنهن موطن فتنة. يقول صلى الله عليه وسلم: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء». إذاً النبي صلى الله عليه وسلم سماها فتنة، انتبهوا، ليس هذا قدحاً في النساء؛ نتكلم عن قضية جنس النساء، نوع النساء، أن المرأة فتنة. ولذلك أحبتي في الله، الإنسان ينبغي أن يغض بصره وأن ينتبه لنفسه لأن فتنة النساء فتنة قوية.
ويقول كما سمعنا في الحديث: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء». وفي حديث آخر أيضاً يقول صلى الله عليه وسلم: «حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة». إذاً النساء مطلب شخصي، مطلب ذاتي، مطلب فطري، لكن خذه بالطريق الصحيح. ما هو الطريق الصحيح؟ الزواج، مثنى وثلاث ورباع، عندك، لكن أن تترك الطريق السليم وتلجأ إلى الطريق المحرم، تلجأ إلى ما حرم الله؛ كارثة.
لذلك الزنا والعياذ بالله من كبائر الذنوب. لما تكلم النبي صلى الله عليه وسلم عن أكبر الكبائر قال: «الإشراك بالله أن تجعل لله نداً وهو خلقك»، وقال: «ثم ماذا؟» قال: «أن تزاني بحليلة جارك»، يعني زنا وجيران؛ كارثة. وهناك أيضاً حديث عن الكبائر قال: «من نطفة يضعها الرجل في فرج لا يحل له»، نسأل الله العافية والسلامة. ولذلك كانت جريمة الزنا، إن كان محصناً الرجم حتى الموت؛ قتلة شنيعة، ما في الإسلام قتلة شنيعة أشنع من الرجم؛ ليش؟ لفداحة الجرم. وإن كان غير محصن يجلد ويغرب؛ هذه فيها اختلاط أنساب واختلاط كذا.
ولذلك أيها الأحبة، وقف الإسلام موقف المحافظة على الأعراض والمحافظة على النسل، تحريم الزنا والعياذ بالله، تحريم الخلوة بالأجنبية، بل الله سبحانه وتعالى ماذا يقول في كتابه الكريم؟ هل سمعتم الله يقول ولا تزنوا؟ يقول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ﴾ [الإسراء: 32]. لا تقرب، أي شيء، أي وسيلة تسحبك للزنا ما تقربها فضلاً عن الزنا. يعني إذا علمت أنه أي شيء قد يقودك إلى الزنا ابعد عنه، ما يجوز أن تقترب منه أبداً.
لذلك قضية النظر، لا يجوز للإنسان أن ينظر إلى النساء. يا شيخ والله قلوبنا طيبة! أي قلوبنا طيبة يا أخي؟ ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ﴾ [النور: 30]. النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، ولذلك فعلاً بعض الناس قد يثبت أمام المغريات كلها إلا أمام النساء ما يستطيع يثبت. لما نقرأ قصة برصيص الذي كان من بني إسرائيل، الثلاثة الإخوة الذين ذهبوا للجهاد وخلوا أختهم عند هذا القسيس وهذا المنقطع في الدير يعبد الله سبحانه وتعالى، فالشيطان دخل له طريقاً حتى جعله والعياذ بالله يقع على هذه الفتاة، فتحمل فيقتل ولدها ويقتلها هي.
بعض الناس قد يتحمل شظف الحياة والدنيا وآلامها، لكن نأتي عند قضية النساء ما يتحمل. ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما». ويقول الحسن البصري: ولو كان يعلمها القرآن. انتبه، ابعد الخلوة بالأجنبية احذر منها.
بليت الأمة الآن مع الأسف بالاختلاط وبالعمل المختلط. لا، اتق الله! من عنده موليّة حافظ على ابنتك، لا تخرجها في أماكن الشبهات. الإنسان يحذر العمل المختلط؛ أنا أقول مع الأسف نار وبنزين، ثم ماذا بعد ذلك؟ لا والله شرفاء، أنا ما قلت أنكم غير شرفاء، صح، لكن نار وبنزين ستحدث الكارثة، ستحدث. ولذلك نحن نقول الإنسان يحذر، طبعاً ليس كل ما حدث فيه اختلاط أنه فيه كارثة، لكن هذا الأغلب.
ولذلك نحذر، أي أعداء الإسلام مع الأسف استغلوا هذه النقطة. الآن القنوات الفضائية أغلب القنوات الفضائية الأخبار تقرأها امرأة، أخبار الرياضة امرأة، أخبار المال امرأة، ليش؟ ما في رجال يعرفون يقرؤون؟ لا، وبعدين هناك مواصفات، مواصفات للجمال، مواصفات للبس، وتكشف. أين دين الله؟ والله ودي أتابع الأخبار، أي أخبار؟ سيبقى لك شيء من دينك وأنت تملي عينيك من هذا الحرام؟ لذلك نقول نحذر أيها الأحبة، نحذر.
النظر، كل الحوادث مبدؤها من النظر، ومعظم النار من مستصغر الشرر. كم نظرة فتكت في قلب صاحبها فتك السهام بلا قوس ولا وتر؟ لذلك أنا أقول نحذر وننتبه، غض بصرك، غض طرفك. لا تترك الآن -كما قلت- بلينا مع الأسف: الإعلانات نساء، المجلات نساء، الجرائد نساء، الصحف نساء، القنوات، الإنترنت، المواقع، وأصبح الوصول إلى هذه الأمور سهل جداً.
وأيضاً بلينا كذلك بقضية الأغاني والموسيقى والمسلسلات والأفلام. يا أناس، يا أحبابي، أين الإسلام؟ طب إذا كان الشر انتشر الإنسان ينتبه لنفسه، حافظ على دينك، حافظ على عقيدتك، حافظ على إيمانك، حافظ على خوفك من الله سبحانه وتعالى. يا إخواني، أعداء الإسلام ماذا يقولون؟ كأس وغانية يفعلان بأمة محمد أقوى مما لا يفعله 100 مدفع. شهوات، ولذلك أيها الأحبة الإنسان يحرص، ابتعد عن كل وسيلة قد تسحبك إلى هذه القضية.
«فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء»، وهذه فتنة دائمة. وأنا أختم بطرفة: رجل يقول إن النساء شياطين خلقن لنا، نعوذ بالله من شر الشياطين. فردت عليه امرأة صالحة تقول: إن النساء رياحين خلقن لكم، وكلكم يهوى شم الرياحين. وبالتالي أيها الأحبة القضية لا تمدح لذاتها ولا تذم لذاتها، القضية قضية التقوى، اتقوا الدنيا واتقوا النساء.
لذلك أيها الأحبة في هذا الزمان الإنسان يجب عليه أن يحذر، أن يحذر من الدنيا وما فيها، وأن يحذر من النساء، وهذا الآن التكشف الواضح مع الأسف، وأصبح الحجاب غريباً ولا حول ولا قوة إلا بالله، لكن الإنسان ينبغي أن يكون حريصاً على نفسه، حريصاً على من هم تحت يده، على بناته، على زوجته، على أخواته، على قريباته. كان إماماً للمسلمين، داعية ينبه الناس، يحذر الناس، انتبهوا لأنفسكم، احذروا، الدنيا مزالق.
وبالتالي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظ الإسلام والمسلمين. وصلنا إلى نهاية لقائنا، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا جميعاً مفاتيح خير ومغاليق شر، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
د. موفق كدسة الغامدي