تسجيل الدخول

المحاضرة 19 - حديث: (من أحب أن يبسط له في رزقه...)

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريده سهل النوال ميسراً يأتيك ميسوراً بأي مكان، زاد زاد أكاديمية ينبوعها صاف ليروي غلة الظمآن، والسنة الغراء شارحة له فهماً لنا من ربنا. وحياني بشرى نال زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه وصفاته أن يرزقنا جميعاً علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء.

حيّاكم الله وبيّاكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم في لقاء يتجدد مع الحديث الشريف وأكاديمية زاد، ومع الحديث الثامن عشر في مقررنا لهذا الفصل الدراسي. هذا الحديث هو حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه» متفق عليه.

المفردات: يبسط له في رزقه أي يوسع ويكثر، ورزقه أي في دنياه وآخرته، وينسأ أي يؤخر، وأثره أي أجله. حديث عظيم جداً، وفيه من الفوائد ما الله بها عليم.

أحبتي في الله، صلة الرحم عبادة، وأي عبادة؟ قبل أن نشرع في معرفة الفضائل، من هم الأرحام؟ بعض الناس يسأل، طبعاً أكثر العلماء على أن الرحم هم أقارب الأم وأقارب الأب. هؤلاء هم أرحامك، أقرباؤك من ناحية الوالد وأقرباء من ناحية الوالدة. وكلما كان الرحم قريباً كلما كان حقّه أكبر وأفضل؛ فحق عمك أكثر من حق ابن عمك، وحق أخيك أكثر من حق ابن عمك، وهكذا.

ولذلك قال هنا المصنف: والمراد بالرحم الأقرباء من طرفي الرجل والمرأة من ناحية الأب ومن ناحية الأم، فأقرباؤك من هنا ومن هنا هم أرحامك. بعض الناس يظن أن الأرحام هم أقارب الزوجة، لا؛ هؤلاء هم الأصهار والأنساب، لكن أرحامك أقاربك من ناحية الأب ومن ناحية الأم. أقاربي من ناحية الزوجة؟ لا بأس كذلك تصلهم ولهم حق عليك كذلك.

فأقول أيها الأحبة، اهتم الإسلام بقضية صلة الرحم، الإحسان للأقربين من ذوي النسب والأصهار، والعطف عليهم، والرفق بهم، والرعاية لأحوالهم. حقيقة هذا الموضوع يحتاج منا وقفات مهمة؛ لأن صلة الرحم أيها الأحبة هي حفظ للمجتمعات، وقوة للكيانات، وطاعة لرب الأرض والسماوات، ينال به فضله سبحانه، ويرجى به كرمه من هذه العبادة، ويستنزف ويطلب به عفوه.

صلة الأرحام أحبتي في الله ورد فيها أحاديث كثيرة ونصوص كثيرة ينبغي للإنسان أن ينتبه لها، أن يفعلها في حياته. الله سبحانه وتعالى ذكر هنا في المُلخص قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: 22-23].

يعني من النهاية خذوها مني، ما هو مني بل من كتاب الله سبحانه وتعالى، قاطع الرحم ملعون. قاطع الرحم ملعون! كارثة، كارثة أن يكون الإنسان من أهل الصف الأول، ومن أهل الصدقة، ومن أهل قيام الليل، ومن أهل الأعمال الصالحة، ومن أهل حسن الخلق، ويصبح في لعنة الله ويمسي في لعنة الله، لماذا يا أحبابي؟

النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الشيطان عجز أن يعبد في جزيرة العرب، ولم يعجز عن التحريش بينهم». كون الشيطان يُعبد في الجزيرة العربية مستحيل، هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم. لكن ما هو دور الشيطان الآن؟ أن يحرّش، وتعظم هذه بين الأقارب. ومع الأسف تسمع قصصاً يندى له الجبين؛ فلان يقطع أخاه سنتين، ثلاث، أربع، ست، سبع سنوات، عشر سنوات! وإذا اتصلوا عليه: فلان الحق أخوك مات، يجيء عند رأسه يبكي، يسلّم عليه ويطيح عليه ويحضنه ويبكي! عشر سنوات تقاطعه، وين المشاعر الكاذبة هذه؟ مع الأسف، مع الأسف.

أقول أيها الأحبة: قطيعة الرحم كارثة وتستوجب لصاحبها اللعنة، هذا كلام الله: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾. قال علي بن الحسين لولده: يا بني، لا تصاحبن قاطع رحم، فإني وجدته ملعوناً في كتاب الله. وفي رواية: ملعون في كتاب الله في ثلاثة مواضع.

إذاً يا قاطع الرحم، أبشرك -وحاشاكم أن تكونوا منهم لكن أقول عن قاطع الرحم- يا قاطع الرحم تراك ملعون، وتصبح في لعنة، وتمسي في لعنة، وتعيش في لعنة وأنت ما تدري! كل هذا إشباع غرائز النفس، هوى النفس. لماذا؟ أين العفو؟ أين الإصلاح؟ أين التجاوز؟ أين اللطف؟ أين الترفع عن سفاسف الأمور؟

ديننا أيها الأحبة دين الصلة، دين البر، دين الأخلاق، دين التسامح، دين الرأفة والرحمة، ما هو دين القطيعة. ومجتمع مسلم أسرة متقاطعة؟ ما هي أسرة مسلمة، كل واحد في جهة، إذا أنتم ما عرفتم الإسلام حق المعرفة. لذلك أحبتي في الله نحتاج أن نفهم أن الإسلام يدعو إلى الترابط والألفة والمحبة والصلة، أما قضية القطيعة فلا.

اسمع كيف اهتم الإسلام بصلة الرحم، يقول صلى الله عليه وسلم: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر» حديث صحيح. كيف النبي صلى الله عليه وسلم يحفزك أن تعرف نسبك: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم». يا أخي اعرف، اسأل أباك، اسأل جدك، اسأل عمك، اسأل أقاربك الذين أحياء، من هم أقاربنا؟ من هم أرحامنا؟ وابدأ اسأل، تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم.

فإن صلة الرحم محبة في الأهل، صدقوني دائماً الذي يصل محبوب، يتصل ويزور ويذهب محبوب، وهذا مصداق حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إن صلة الرحم محبة في الأهل». خلاص، طيب، مثراة في المال، مثراة يجعل الإنسان ثري، ماله كثير، بركة في المال يكثر ماله، منسأة في الأثر يطول عمره. لذلك كان يقول صلى الله عليه وسلم: «أرحامكم أرحامكم»، ويقول صلى الله عليه وسلم: «بلّوا أرحامكم ولو بالسلام»، بلّوها لا تقطعوها، لا تنسوها، بلّوا أرحامكم ولو بالسلام. فاصل ثم نعود إليكم بإذنه تعالى، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد، فما زلنا مع هذه العبادة العظيمة؛ فاعلها يستحق كل خير وكل فضل وكل كرامة، وتاركها والزاهد فيها يستحق كل ذنب، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

نعود إلى صلة الرحم، يقول صلى الله عليه وسلم واسمعوا، الحديث الأول يقول صلى الله عليه وسلم: «أرحامكم أرحامكم أرحامكم». الحديث الثاني يقول صلى الله عليه وسلم: «بلّوا أرحامكم ولو بالسلام»، بلّوها لا تقطعوها، لا تهجروها. سئل الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله عليه-: هل الاتصال بالهاتف من صلة الرحم؟ قال: نعم، نعم. الآن كل واحد فينا عنده كم جهاز في جيبه؟ يا أخي وقّت لك كل يوم عشر دقائق، ربع ساعة، في الأسبوع ساعة، أو يوماً محدداً، وابدأ اتصل على أعمامك، على أخوالك، على بني عمك. بني الآن الأجهزة الواتساب وغير ذلك، يعني أقول عندنا وسائل اتصال كثيرة، لماذا نقصر؟ لماذا نزهد؟ لماذا يكون بعض أصحابنا أقرب إلينا من بعض أقاربنا؟

لا، لا، لا، يقول لك الأقارب عقارب، اتق الله! من روى هذا الحديث؟ الشيطان عن أبي مُرّة، ها! لا، لا، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «بلّوا أرحامكم ولو بالسلام». اسمع الحديث العجيب الآن، يقول صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليعمر بالقوم الديار، ويثمر لهم الأموال، وما نظر إليهم منذ خلقهم بغضاً لهم»، يا الله ما هذا الحديث؟ «إن الله ليعمر بالقوم الديار، ويثمر لهم الأموال، وما نظر إليهم منذ أن خلقهم بغضاً لهم». قالوا الصحابة: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: «بصلتهم لأرحامهم» حديث صحيح.

الله ما نظر إليهم منذ أن خلقهم بغضاً لهم، ومع ذلك يعمر بهم الديار ويثمر لهم الأموال! لماذا؟ أهل صلة، يصلون أرحامهم، يصلون أرحامهم. ما أجمل ما أجمل أن تكون في بيتك ويأتيك قريب من أقربائك ويدق الباب عليك، يطرق الباب: فلان أنا جاي أزور في الله، جاي أزور رحمي، جاي أزور قريبي. افتقدناها يا أحبابي صدقوني افتقدناها مع ثورة ما يسمونها وسائل الاتصال الحديث هذه والتواصل الاجتماعي، فقدت الزيارات، فُقد الجلوس في بيوت بعضنا البعض، التزاور كارثة! وأصبح الإنسان بس أرسل رسالة واتساب ولا رسالة نصية أو كذا.

طبعاً كما يقولون: إذا تقاربت الجنوب تقاربت القلوب. أين الصلة؟ مع الأسف، مع الأسف يا أحبابي. يقول صلى الله عليه وسلم: «كل رحم آتية يوم القيامة أمام صاحبها، تشهد له بصلة إن كان وصلها، وعليه بقطيعة إن كان قطعها» حديث صحيح. هذه تجي أمامك يوم القيامة الرحم، إن وصلتها تقول: يا رب هذا وصلني، وإن قطعتها تقول: يا ربي هذا قطعني.

يقول أبو ذر رضي الله عنه وأرضاه: أوصاني خليلي ألا تأخذني في الله لومة لائم، وأوصاني بصلة الرحم وإن أدبرت. أوصاني خليلي ألا تأخذني في الحق لومة لائم، وأوصاني بالرحم وإن أدبرت. حتى لو إنسان رحمي قريبي هجرني، قلاني، قطعني، أنا لا ما أفعل ذلك، أصله لأن هذا استجابة لأمر الله وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الأحاديث في هذا كثيرة أحبتي في الله، ولذلك ينبغي أن الإنسان ينتبه. يقول صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق الخلق، حتى إذا فرغ من خلقه قامت الرحم، فقال الله لها: مَه (يعني مالك؟)، فقالت الرحم: يا رب، هذا مقام العائذ بك من القطيعة». شوف لما خلق الله الخلق كلهم، الرحم هي التي وقفت، فسأل: مالك؟ ما عندك؟ قالت: يا ربي هذا مقام العائذ بك من القطيعة. فقال الله سبحانه وتعالى: «أما ترضين أن أصِل من وصلك، وأن أقطع من قطعك؟» قالت: رضيت يا رب، قال: فذلك لك، فذلك لك.

خلاص، هذا وعد من الله أن الذي يصل رحمه يصله الله، والذي يقطع رحمه يقطعه الله. إذاً القضية ما هي قضية والله ارتياح نفسي أو عدم ارتياح نفسي، لا، تأخذ نفسك بالعزيمة، تأطر نفسك على الحق أطراً، تجبرها حتى نفسك لو أنها عافت، لا، هذا أمر الله، أمر الله سبحانه وتعالى.

إذاً عندنا نحن جانبان خطيران: جانب إن فعلته نلت الأجر، وجانب إن قطعته استحقيت اللعنة، فإذاً كلا الطرفين يقودان إلى صلة الرحم، أن تظفر بالأجر العظيم، وأن تحذر العذاب الأليم. يقول صلى الله عليه وسلم: «ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له يوم القيامة من قطيعة الرحم والخيانة والكذب».

ما معنى هذا الكلام يا أحبابي؟ معنى ذلك أن قطيعة الرحم إثمها معجّل في الدنيا قبل الآخرة. ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له يوم القيامة من قطيعة الرحم والخيانة والكذب. اسمع باقي الحديث، ثم يقول صلى الله عليه وسلم: «وإن أعجل الطاعة ثواباً لصلة الرحم، لصلة الرحم، حتى إن أهل البيت ليكونوا فجرة فجرة فتنمو أموالهم ويكثر عددهم إذا تواصلوا».

أتألم لما أرى بعض الناس يظهر عليهم سيماء الصالحين والسنة وقطيعة! وترى بعض العوام لا يظهر عليهم أثر التدين أو الدين وبينهم صلة قوية! إذاً القضية ما هي قضية مظاهر، قضية جواهر. وبالتالي قضية أن الإنسان يطبق دينه كاملاً، وما يأخذ بس الذي على كيفه والذي يعجبه، والذي ما يعجبه يرمي به عرض الحائط، لا.

أيضاً حديث آخر: «إن الرحم معلقة بالعرش تقول: اللهم صِل من وصلني، واقطع من قطعني، اللهم صِل من وصلني، واقطع من قطعني». الحديث الذي ذكرته قبل قليل، أن الله سبحانه وتعالى لما خلق الخلق وفرغ، فقالت الرحم: يا ربي هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال: «أما ترضين أن أصِل من وصلك، وأن أقطع من قطعك؟» قالت: بلى يا رب، قال: «فذلك لك». قال صلى الله عليه وسلم فاقرأ تعليقاً على هذا الحديث: فاقرأ قول الله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾.

أبصارهم. إذاً النبي ﷺ يؤكد على أن قاطع الرحم ملعون، استشهاداً بكلام الله سبحانه وتعالى. أقول يا قاطع الرحم، وحاشاهم، يا قاطع الرحم، اعلم أنك تصبح في لعنة الله وتمسي في لعنة الله، ولو كنت من أهل الفروض الخمسة ومن أهل قيام الليل ومن أهل صيام النوافل، ترى هذه القضية مسلمة، ما فيها قولان.

إذا أردت أن تكمل دينك صِل رحمك، طبعاً هذه القضية قضية قلبك، فما إن كان عندي أقارب في أقاصي الدنيا لا بد أن أزورهم، طبعاً إن قدرت أن أزورهم فبها، وإن لم أقدر فبالتلفون، أنت تعذر بذلك، أهم شيء القلب يكون سليماً ناحيتهم، تدعو لهم، تتصل بهم، تحاول أن توصل لهم سلامك، لكن لا تقطعهم، لا تهجرهم أبداً. انتبه، احذر. أسأل الله أن يوفقنا وإياكم.

ما أوثق العلاقة بين العلم والعمل! العلم شجرة والعمل ثمرة، والعلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل. قال النبي ﷺ: «القرآن حجة لك أو عليك»، أي تنتفع به إن تلوته وعملت به، وإلا فهو حجة عليك، وإنما يراد العلم لأجل العمل. قال أبو الدرداء: "لا تكون بالعلم عالماً حتى تكون به عاملاً". وقد ذم الله تعالى من لا يعملون بالعلم فقال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]. وقال صلى الله عليه وسلم: «مثل العالم الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه».

والعلم النافع يورث خشية الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. قال ابن مسعود: "ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية"، والخشية تنير العقل، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282]، أي أن تقوى الله طريق لحصول العلم، فمن صدق العلم بالعمل كان قدوة للمتعلمين، ومن خالف فعله قوله كان من الممقوت، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3].

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد. أعود للحديث: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه». تريد الرزق؟ أن يرزقك الله؟ أن ينمو مالك؟ أن ينمو خيرك؟ يا أخي صِل رحمك. صلة الرحم عندنا في الإسلام يا أحبابي أعمال كثيرة ربطها النبي ﷺ بالرزق، من ضمنها صلة الرحم، لأن الرزق عند الناس مشكلة كبيرة وعويصة، وبعضهم ربما يواصل الليل والنهار من أجل هذا الرزق، اتق الله في نفسك، خذ بالأسباب، واعلم أن من الأسباب صلة الرحم. هذا الحديث حديث متفق عليه، من أحب أن يبسط له في رزقه -بسط أي كثرة الرزق والبركة فيه- وينسأ له في أثره -أي يطول عمره- فليصل رحمه.

قال العلماء في معنى ينسأ له في أثره: يكتب في اللوح المحفوظ إن وصل رحمه يزاد في عمره، وإن لم يصل رحمه ينقص من عمره، هذا واحد. والمعنى الثاني قالوا: زيادة العمر بكثرة البركة، بحيث إنه يستطيع أن يعمل في هذا الزمن القليل ما يعمله ناس كثر في زمن طويل. وإن كان أهل العلم يذهبون أغلبهم إلى المعنى الأول: أنك إذا وصلت رحمك طال عمرك وزاد عمرك زيادة حقيقية، وقد تجمع الاثنتين مع بعض، هذا لا يمتنع.

ومن الأعمال التي سبب في الرزق يا أحبابي، شيء بالشيء يذكر، يقول صلى الله عليه وسلم: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». تابعوا، متابعة، مداومة، أيضاً هذا من بسط الرزق. كذلك من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاء عافية، ويرزقه من حيث لا يحتسب. الصدقة، كان علي رضي الله عنه وأرضاه يقول: "استنزلوا الرزق من السماء بالصدقة". أشياء كثيرة، لكن أعود إلى الموضوع الرئيسي هنا: قضية صلة الرحم. صلة الرحم عندي مطلب، وقطيعة الرحم عندي مهرب، لذلك لا بد أن أحرص أيها الأحبة على قضية صلة الرحم، ننشرها بين الناس، عدم القطيعة، التجاوز، المحبة، التسامح، لا بالقطيعة.

والله يا أحبابي سمعت عن قصص يندى لها الجبين، وبعدين لما تسأل عن الناس تحصلهم من أهل الصف الأول. قصة أنا حضرتها: إخوان متقاطعان من سنوات طويلة، سنوات! أحدهما في الصف الأول في اليمين والثاني في الصف الأول في اليسار، من أهل الصف الأول عدة سنوات، قرابة عشر سنوات متقاطعان وهم يصلون في مسجد واحد، وهذا في طرف الصف وهذا في طرف الصف الأول. الشيطان حضر، وتدخل الناس الطيبون، وبطريقة أو أخرى وصلوا إلى طريقة الألفة بينهم، كان منظر اللقاء منظراً مبكياً بكل ما تعنيه الكلمة.

فأقول أيها الأحبة: ننتبه من قطيعة الرحم، يلعن قاطع الرحم في كتاب الله. اسمع إلى هذا الحديث العجيب، يقول صلى الله عليه وسلم: «إن أعمال بني آدم تعرض كل خميس ليلة الجمعة، فلا يقبل عمل قاطع رحم»، حديث صحيح. طب إيش الفائدة من العمل؟ إيش الفائدة من الجهد المبذول؟ نسأل الله العافية والسلامة.

طيب بعض الناس يقول: أنا عندي مشكلة أن أقاربي أزورهم ما يزوروني، وبعض الناس يقول: لا تزورني لا أزورك، ما تزورني ما أزورك. طيب اسمع ماذا يعلق النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الموقف، قال صلى الله عليه وسلم: «ليس الواصل بالمكافئ -تزورني مرة أزورك مرة، تزورني مرتين أزورك مرتين-، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها». فإما تزورني وأزورك، هذه ليست صلة، هذا رد واجب، لكن الواصل كما يقول صلى الله عليه وسلم الذي إذا قطعت رحمه وصلها، لماذا؟ ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى.

يسأل واحد آخر فيقول: يا أخي لي أقارب أزورهم مرة واثنتين وثلاثاً وما يزوروني، ويفتحون لي الباب على مضض، وإذا جلست يجلس على قول إخواننا "مكشر"، ماذا يقول صلى الله عليه وسلم؟ جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي -يعني دائماً يبادر بالحسنة وهم يردون بالسيئة-، خلاص يا رسول الله، فعلت الذي علي وأبرأ إلى الله ذمتي؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «لئن كنت كما تقول فكأنما تسفهم المَلَّ» -كانما تضع في أفواههم الرماد الحار- «ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت كذلك». شوف! "ما دمت كذلك"، إذاً واصل واصل واصل. لا تقل لي خلاص أنا سويت الذي علي، أنت لا تتعامل مع البشر، أنت تتعامل مع رب البشر يا عبد الله، ولذلك ننتبه أيها الأحبة من قضية القطيعة، القطيعة كارثة.

لما نزل قول الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، يقول صلى الله عليه وسلم: «يا جبريل ماذا أراد الله بهذا؟ قال: يا محمد إن الله يأمرك أن تصل من قطعك، وأن تعطي من حرمك، وأن تعفو عمن ظلمك». هذا عامة، فكيف برحمك يا عبد الله؟

يقول عمر بن دينار رحمه الله: "تعلمن أنه ما من خطوة بعد الفريضة أعظم أجراً عند الله من أجر خطوة إلى ذي رحم لك". ويقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، وهذه كلمة والله مهمة جداً: يوم من الأيام عبد الله بن مسعود كان مع الصحابة فأراد أن يدعو مع أصحابه، فماذا قال؟ قال ابن مسعود: "أنشد الله كل قاطع رحم بيننا إلا قام عنا، فإنا نريد أن ندعو ربنا، وإن أبواب السماء مغلقة دون قاطع الرحم". ابن مسعود من أين جاء بالكلام يا أحبابي؟ من رأسه؟ لا، ولا يمكن لصحابي أن يأتي بكلام من تلقاء نفسه، وهذا من الأمور الغيبية، إذاً ما جاء به إلا من رسول الله ﷺ، لكنه لم يسنده، أن أبواب السماء مغلقة أمام دعاء كل قاطع رحم.

إذاً أحبتي في الله، الله الله في الصلة يا أحبابي. الصلة أجر وفضل وكرامة ومال وطول عمر ومحبة في الأهل، أيش تبغي أحسن من كذا؟ والقطيعة لعنة وبوار وخسران وغضب من الله وشقاء في الدنيا وشقاء في الآخرة، وكما تدين تدان، تقطع الناس يقطعونك. وأعظم الصلة ما كانت صلة لوالديك وأقاربك الأقرب فالأقرب، وأعظم قطيعة قطيعة الأقرب فالأقرب؛ تقطع والديك، تقطع إخوانك، تقطع أبناءك، ليش يا أحبابي؟ دين الله عظيم، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7].

أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا من الواصلين، ولا يجعلنا من القاطعين، وأن يجعلنا مفاتيح خير مغالق شر. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاءً من كل داء، وصلى الله اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.