تسجيل الدخول

المحاضرة 20 - حديث: (من نفس عن مؤمن كربة...) (1)

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن يرزقنا جميعاً علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء. حياكم الله وبياكم، وجعل الجنة مثوانا ومثواكم، ولقاء يتجدد مع مادة الحديث في هذه الأكاديمية المباركة، معنا اليوم بإذن الله تعالى الحديث التاسع عشر.

هذا الحديث حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وهو من الأحاديث الجامعة التي فيها كثير من الآداب الإسلامية، والأخلاق الإسلامية، والتوجيهات الإسلامية التي ينبغي لكل مسلم ومسلمة أن يحرص عليها. تعالوا بنا إلى الحديث وما فيه من إشارات، وما فيه من أوامر، وما فيه من ندب من النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله في من عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه» رواه مسلم.

حديث من جوامع الأحاديث، ومن الأحاديث العظيمة والكبيرة والجليلة، والتي فيها من الأوامر الشيء الكثير. قبل أن نبحر أحبتي في الله في هذا الحديث وفي معانيه وفيما يستنبط منه، دعونا نقرأ ما كتب المصنف في معاني الكلمات وشرح المفردات.

قوله: «من نفس» أي وسع. و«كربة» بمعنى هي الشدة العظيمة التي توقع صاحبها في الكرب، وهو الحزن والغم. وتنفيس أن يخفف عنه، مأخوذ من تنفيس الخناق كأنه يرخي له الخناق حتى يأخذ نفساً. قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ﴾ [الأنعام: 64]. فالذي يفرج الكرب وينفس الهم هو الله سبحانه وتعالى، وقال تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنبياء: 76].

وقوله: «على معسر» أي ذي إعسار، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280]. وقوله: «ومن ستر مسلما» أي أخفى وغطى مسلما ارتكب ما يعاب، إما في المروءة والخلق، وإما في الدين والعمل. وقوله: «ومن سلك طريقا» أي دخله ومشى فيه، «يلتمس فيه علما» أي يطلب علما، والمراد بالعلم هنا علم الشريعة وما يسانده من علوم العربية والتاريخ وما أشبه ذلك، وسنفصل في هذا الكلام بإذن الله تعالى.

قوله: «سهل الله به طريقا إلى الجنة» يعني سهل الله له هداية التوفيق بالطريق إلى الجنة. «إلا نزلت عليهم السكينة» أي طمأنينة القلب وانشراح الصدر. وقوله: «وغشيتهم الرحمة» أي غطتهم، والمراد رحمة الله عز وجل. «وحفتهم الملائكة» أي أحاطت بهم إكراماً لهم. وقوله: «وذكرهم الله في من عنده» أي أن هؤلاء القوم الذين اجتمعوا في المسجد يتدارسون كلام الله عز وجل يذكرهم الله في من عنده عز وجل، وهذا كقوله تعالى في الحديث القدسي: «من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه» متفقون عليه.

وقوله: «ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه» أي من كان عمله ناقصاً لم يلحقه بمرتبة أصحاب الأعمال، فينبغي ألا يتكل على شرف النسب وفضيلة الآباء ويقصر في العمل، فمن أخره العمل لم ينفعه النسب. انتهى المصنف هنا من ذكر هذه المعاني لهذا الحديث الشريف.

أيها الأحبة الأفاضل، حقيقة حديث يحتاج إلى -لا أبالغ- مجلد كامل حتى نقوم على شرحه، لكن الوقت لا يتسع، ولكن سنحاول أن نأخذ إشارات، قد أوتي النبي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، وبالتالي الكلمة الواحدة منه صلى الله عليه وسلم تحتاج إلى تفسير وإلى استنباطات كثيرة.

قوله: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة». أيها الأحبة الأفاضل، ديننا دين عظيم، ولذلك هذا الدين يشمل جميع نواحي الحياة؛ فيشتمل علاقتك مع رب العالمين، ويشتمل علاقتك مع الآخرين، ويشتمل على علاقتك مع نفسك، حتى يشتمل على علاقتك مع الجمادات مع النباتات مع العجماوات، لأنه دين شامل كامل، وبالتالي العلاقات الاجتماعية في الإسلام مهمة جداً.

ديننا -يا أحبابي، وأنا ذكرت ذلك سابقاً وأكرر- ليس فقط علاقة في المسجد، علاقة بينك وبين الله قاصرة، لا، ديننا عظيم يشتمل كل مناحي الحياة، وهنا التميز وهنا العظمة أيها الأحبة، وهنا الكمال في التشريع، وبالتالي أنت وأنا ونحن جميعاً مطالبون بأن نكون أعضاء نافعين في المجتمع، أعضاء مصلحين، أعضاء إيجابيين، لسنا بسلبيين، أينما وقع نفع. ولذلك هذا الحديث يحفز الناس إلى اصطناع المعروف، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «عليكم بصنائع المعروف فإنها تقي مصارع السوء». فالإسلام دائماً يأمرنا أيها الأحبة بالإحسان إلى الناس، أيضاً يأمرنا بمحاسن الأخلاق، دين الإسلام كله أخلاق، مع الله، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع النفس، مع الآخرين سواء كانوا بشراً أو غير بشر، نحن مطالبون بأن نكون أصحاب أخلاق عالية في التعامل، وهذا ما نلمسه من هذا الحديث وأشباهه، ولذلك سنفصل إن شاء الله بعد فاصل، بإذن الله نعود إليكم، وصلى الله على محمد.

إيضاح: إن هذا الدين يقوم على التكامل الشامل لجميع مناحي الحياة، ولذلك صنائع المعروف، الأخلاق الإسلامية، العلاقات الاجتماعية مطلب مهم جداً في حياة الأمة، ولذلك الإسلام يأتي إلى تكميل هذه الأمور، صنائع المعروف تقي مصارع السوء. أتتذكر خديجة رضي الله عنها وأرضاها حينما جاءها النبي صلى الله عليه وسلم من غار حراء وهو ينتفض «دثروني دثروني، زملوني زملوني» فأخذته هدأت من روعه وقالت: ما وراك يا ابن عمي؟ فأخبرها بالذي شاهده في غار حراء، فتهلل وجهها وقالت: والله إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الدهر، والله لا يخزيك الله أبدا. استقر في أذهان أهل الجاهلية قبل الإسلام أن صاحب المعروف لا يخزيه الله أبدا، هذا قبل الإسلام إخواني وأخواتي، أبنائي وبناتي، فكيف بعد الإسلام؟

فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وأكد على هذه القضية، قضية صنائع المعروف واصطناع المعروف، وندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الأمر في أحاديث كثيرة، هذا الحديث من ضمنها، أن المسلم يكون دائما مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر في حياته كلها. ولذلك أذكر كلمتين جميلتين؛ الكلمة الأولى: أن صاحب المعروف لا يقع، وإن وقع وجد من الله متكأ. والكلمة الثانية: اصنع المعروف في أهله وفي غير أهله، فإن كان أهله فهو أهله، وإن لم يكن أهله فالله أهله. إذاً المسلم والمسلمة لا بد دائماً وأبداً أن يكونوا مفاتيح للخير مغاليق للشر.

اسمع ماذا يقول صلى الله عليه وسلم: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة». الله أكبر، كما تدين تدان، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ هذه من القواعد المطردة في الإسلام، من القوانين الربانية المطردة في الإسلام، كما تدين تدان، هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ والجزاء من جنس العمل.

ولذلك من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة. طبعاً الإيمان بيوم القيامة من أركان الإيمان، من أصول الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. الإيمان باليوم الآخر -إخواني وأخواتي، أحبابي وأيها الإخوة- هذا الإيمان له أثر كبير جداً في استقامة السلوك، حينما يوقن المؤمن بأن هناك حياة أخرى، وأن هناك بعثاً وجزاءً، يصبح يعمل لهذه اللحظة لهذا اللقاء لهذا اليوم، بعكس غير المسلم، غير المسلم حياته هي واحدة في الدنيا، فرصة واحدة فقط، أما المسلم لا، يعلم أن هناك يوم قيامة ويوم جزاء ويوم بعث ويوم حساب، فبالتالي يصبح الإيمان باليوم الآخر مؤثراً على سلوكه في الدنيا، فتنضبط سلوك أهل الإيمان، لماذا؟ يعلم أن هناك حساباً.

«من نفس عن مسلم أو عن مؤمن كربة من كرب الدنيا»، وما أكثر كرب الدنيا، كثيرة جداً، ما يسلم منها أحد، لذلك لما سئل الإمام أحمد رحمه الله: يا أبا عبد الله متى الراحة؟ قال: عند أول قدم في الجنة. فبالتالي لا بد أن يوطن المسلم نفسه، لا بد أن يوطن المسلم نفسه أن هذه الدنيا دار ابتلاء، وأنه لا بد أن يبتلى، وأن يمر به الهم والغم والقلق والحزن والتعاسة والمشاكل، ما في واحد يسلم، وكلما كان المسلم صاحب إيمان كلما كان صاحب ابتلاء، «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى المرء على قدر دينه».

إذاً ما فينا واحد يسلم، لكن هنا التميز، كيف تكون نافعاً، مفرجاً للهم، منفساً للغم، معيناً لإخوانك المسلمين؟ وتتذكر أنك حينما تعمل هذا، أن هناك جزاءً أخروياً في ذاك اليوم، حينما يتخلى عنك أقرب الناس إليك؛ أبوك وأمك، أخوك وأختك، ابنك وزوجك، أهلك وأقاربك، كل إنسان يقول نفسي نفسي، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرءُ مِن أَخيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبيهِ * وَصاحِبَتِهِ وَبَنيهِ * لِكُلِّ امرِئٍ مِنهُم يَومَئِذٍ شَأنٌ يُغنيهِ﴾ [عبس: 34-37]. هنا تاتي أعمالك في الدنيا يوم القيامة، يوم كرب الناس حفاة عراة غرلا، لا أكل ولا شرب ولا دواء ولا كساء ولا نوم ولا راحة ولا ظل، إلا ما جاء في الحديث، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، كل واحد يقول نفسي نفسي. ﴿يَوَدُّ المُجرِمُ لَو يَفتَدي مِن عَذابِ يَومِئِذٍ بِبَنيهِ * وَصاحِبَتِهِ وَأَخيهِ * وَفَصيلَتِهِ الَّتي تُؤويهِ * وَمَن فِي الأَرضِ جَميعًا ثُمَّ يُنجيهِ﴾ [المعارج: 11-14]. حتى لو من في الأرض، يقول: يا ربي خذ كل من في الأرض لكن اكفني هذا الهم والغم.

فتذكر في ذلك الكرب العظيم الذي هو فعلاً كرب، كرب شدة، شدة ما يمكن حتى العقول أن تتخيل هذا المنظر، تأتي أعمالك في الدنيا فتكون سبباً في نجاتك في الآخرة. «المرء في ظل صدقته يوم القيامة». الله أكبر، قدمها في الدنيا، فيؤت يوم القيامة تحته بالشمس، الناس تحت الشمس قيام، والعرق يلجم الناس على قدر أعمالهم، على قدر الهم، فيأتي أصحاب المعروف وأصحاب الأعمال الصالحة فيكون لهم موقف آخر من الله سبحانه وتعالى.

من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كرباً من كرب يوم القيامة. وأي كرب يوم القيامة وأي كرب الدنيا؟ وبعدين لما يقول لك «كربة من كرب الدنيا»، ترى بعض الناس قد يكرب موقف بسيط، إنسان قد تهمه موقف، قد يكون عنده كرب، الإنسان مثلاً يحتاج عشر ريالات، بالنسبة له كرب، خمس ريالات كرب، لكن عند البعض لا شيء، فيكون تفريج لهذه الكربة سبباً لتفريج عن كربة يوم القيامة، عظيمة جداً جداً جداً. ولذلك أياً كانت الكربة، دائماً اسعَ يا عبد الله واسعي يا أمة الله إلى تفريج الكرب عن الناس، وبعدين كما قلت لا يلزم أن تكون الكربة عظيمة، ولو كان أمراً بسيطاً يهم صاحبه يكرب صاحبه، لكنه سيكون له مردود عظيم يوم القيامة. يوم القيامة الصراط كربة، مدحض مزلة، أدق من الشعرة، وأحد من السيف، وأروغ من الثعلب أو الثعبان، ظلام دامس، كربة عظيمة جداً، فيأتي تفريجك في الدنيا سبباً في تفريج هذه الكربة يوم القيامة يوم الحساب.

كربة الوقوف تحت الشمس ولهيبها شيء عجيب؛ إذ كرب يوم القيامة لا تقاس بكرب الدنيا. ولذلك أقول يا إخواني وأخواتي وأبنائي وبناتي، فلنصطنع المعروف، ولنكن دائماً مفاتيح للخير مغاليق للشر، ولنكن معينين لإخواننا المسلمين، فكما تدين تدان. تنفيس كربة عن أخيك المسلم في الدنيا ينفس الله عنك كربة من كرب يوم القيامة، وهذا هو المطلب الرئيسي.

قال: ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة. هذه نفس القضية؛ صنائع المعروف. الناس تختلف أحوالهم وتختلف أمورهم، ولذلك على الإنسان أن يحرص. إذا استدان منك إنسان مالاً وأعسر، فيسر عليه، واعلم أنك حينما تسلف أحداً فإلى أجل، فإذا جاء هذا الأجل فكأنك تصدقت بنصف مالك، فإذا جاء الأجل وأمهلته ويسرت عليه فكأنك تصدقت بكل مالك.

لا تتشدد مع الآخرين، فـ «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا». وهذا أمر مهم جداً. وكذلك أقول للذي استلف: إن أخذت أموال الناس تريد أداءها أدى الله عنك، وإن أخذتها تريد إتلافها أتلفك الله كما جاء في الحديث. فلنكن من خير الناس أخذاً وأداءً.

الخطبة أولى خطوات الزواج ومقدماته، وقد حث الشرع على تيسيرها، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن من يمن المرأة تيسير خطبتها». والمرأة التي يجوز خطبتها هي غير المتزوجة وغير المعتدة وغير المخطوبة، والتي ليس بها مانع من موانع النكاح من الخاطب. ويحرم التصريح بخطبة المعتدة من وفاة أو من طلاق رجعي أو بائن، وأما التلميح بإبداء الرغبة في الخطبة فمباح.

ويستحب للخاطب النظر إلى المخطوبة لقوله صلى الله عليه وسلم للمغيرة: «انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما». وعلى ظنه الإجابة، أن يكون النظر بلا خلوة، وأن يكون مقصده الاستعلام لا الاستمتاع، وأن ينظر إلى ما يظهر غالباً كالوجه والكفين، وألا تكون المرأة متبرجة أو مطيبة. ونظر المخطوبة إلى خاطبها كحكم نظره إليها. ويجوز للخاطب تكرار النظر إذا لم يكتفِ بالنظرة الأولى، فإذا اكتفى بالأولى لم تجز له الثانية. ولا يجوز للخاطب مصافحة المخطوبة ولا مسها ولا الخلوة بها ولا الخروج معها؛ لأنها قبل عقد النكاح لا تزال أجنبية عنه.

وتحرم خطبة الرجل على خطبة غيره بغير إذنه لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب». ولا يترتب على الخطبة حق للخاطب غير أنه مقدم في النكاح على غيره، فإذا فسخت الخطبة فإن للخاطب أن يسترد ما قدمه من هدايا لأنها في حكم المهر أو هبة لأجل إتمام الزواج ولم يحصل، ولكن الأفضل ألا يستردها خاصة إذا كان الترك من جهته. وينبغي للولي أن يحرص على تزويج الكفء متى تقدم للزواج لقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد».

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فما زلنا مع هذا الحديث العظيم أيها الأحبة: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة». ليست في الآخرة فقط يا إخواني، بل في الدنيا ييسر الله عنك وفي الآخرة ييسر الله عنك؛ وكما تدين تدان، والجزاء من جنس العمل.

ولذلك لا نشدد، فقد يؤتى يوم القيامة برجل، فيقول الله سبحانه وتعالى: أظلمك كتبتي؟ فيقول: لا يا رب. ألك عمل؟ فيقول: لا يا رب، ما عندي شيء. فيتذكر قال: يا ربي إنك كنت أبايع الناس، فقلت لعمالي: إذا جئتم عند إنسان معسر فيسروا عليه، وتجاوزوا عنه؛ لعل الله أن يتجاوز عني. فيقول الله: أنا أولى بالتجاوز، فيتجاوز عنه ويدخله الجنة أو كما جاء في الحديث. وبالتالي ترى العمل لن يذهب سدى.

من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة. بعض الناس يقول: يا أخي حقي مالي، طيب ما اختلفنا مالك، لكن تذكر أن ما عند الله خير وأبقى، وأن هذا الإنسان الذي أعسر، لعل بعض الناس يا أحبابي قد يكون مراوغاً، يأخذ أموال الناس يريد إتلافها، نقول: انتبهوا، لا يسمح الإنسان للآخرين أن يتلاعبوا به. لكن إذا عرفت أنه إنسان وقع في هم أو في غم أو في دين أو ضاقت به الدنيا أو ما استطاع أن يسدد فلا تزد الطين بلة، تجاوز لعل الله أن يتجاوز عنك، يسر له لعل الله أن ييسر، بل سييسر، أقولها متيقناً؛ لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قالها: «يسر الله عليه في الدنيا والآخرة».

وإذا يسر الله عليك في الدنيا والآخرة ماذا تخشى بعد ذلك؟ تخشى ديناً؟ لن يأتيك دين. تخشى مرضاً؟ لن يأتيك مرض. تخشى بلاء عظيماً؟ لن يأتيك بلاء عظيم. تخشى كارثة عظيمة؟ لن تأتيك كارثة عظيمة. لماذا؟ لأن الله يسر، هكذا يسر الله عليه في الدنيا والآخرة. نريد أيها الأحبة إذا مرت علينا هذه الألفاظ وهذه الكلمات أن نعيها، أن نفهمها، أن نوقن بها: من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة. الله ييسر لك أمورك ولبيتك وأبنائك وذريتك ومعاشك ورزقك، وفي الآخرة سييسر الله عنك، سييسر الله عليك في القبر، سييسر الله عليك يوم القيامة.

وقوفك في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة سيمر عليك كصلاة ظهر أو كصلاة عصر كما جاء في الحديث. تخيلوا يوماً يمر على الناس خمسون ألف سنة، ويمر على الناس أيضاً على تفاضل أعمالهم وقرباتهم؛ فيمر على المؤمن هذا اليوم يا إخواني وأخواتي وأبنائي وبناتي كصلاة ظهر أو كصلاة عصر، كأن تأخذ صلاة الظهر أو العصر نصف ساعة، ثلث ساعة، ربع ساعة، هكذا يمر عليك؛ لماذا؟ لأنك كنت مقدماً لنفسك، أنت عملت لنفسك، أنت قدمت لله رب العالمين، وبالتالي الله سبحانه وتعالى كما يسرت على عباده في الدنيا سييسر الله عليك يوم القيامة.

التوجيه الثالث قال: «ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة». من ستر مسلماً، اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض. من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة. كما قلت القاعدة المطردة: كما تدين تدان، والجزاء من جنس العمل. هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ تستر الإنسان في الدنيا يسترك الله في الدنيا والآخرة. الإنسان ضعيف، والإنسان يذنب، والإنسان يعصي، والإنسان يقصر، والإنسان يخطئ، وما سمي الإنسان إلا لنسيه، ولا القلب إلا أنه يتقلب. إذاً ما فينا واحد معصوم.

وبالتالي سنقصر، سنذنب، سنعصي. إذا ظهر مني شيء، الأولى ماذا؟ أنا إنسان غرقت في وحل المعصية مثلاً أو وقعت في ذنب وأنت اطلعت علي، هل تأخذ بيدي تنقذني، أم تغرقني؟ لذلك ذلك الصحابي الذي شرب الخمر وجلده النبي صلى الله عليه وسلم، وسبه بعض الصحابة دائماً يؤتى به إلى الرسول يجلده، ما يتوب! لعنه الله، فقال: «لا، لا تعينوا الشيطان على أخيكم، والله ما أعلم إلا أنه يحب الله ورسوله». إذاً أنا حينما أقع في معصية أو في ذنب، يا أخي لا تغرقني، أنا أخوك المسلم، «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». ولذلك إذا رأيت مني زلة أو خطأً يا أخي أنقذني، انصحني، استر علي، لا تفضحني. ربما لو فضحتني ازددت عتواً وازددت إيغالاً في المعصية، وازددت بعداً عن الدين وازددت عناداً.

لا يا أخي، إذاً دوري ودورك دور الطبيب المعالج، لما يرى المرض ما يزيد المرض، يسعى إلى علاجه وإلى الأخذ بيد المريض وإلى رفع نفسيته وإلى علاجه قدر ما يستطيع الإنسان. أما ما يقع من بعض الناس فبعض الناس مرضى، بعض الناس عنده حب الفضيحة، لكن هذا والعياذ بالله من الشماتة، «ولا تشمت بأخيك فيعافيه الله ويبتليك». وبالتالي أيها الأحبة انظروا: من ستر مسلماً في الدنيا ستره الله في الدنيا والآخرة، سواء كان في أمر خلقي أو حتى أمر في الدين، يا أخي الستر طيب. ولذلك حتى لما جاء ماعز رضي الله عنه وأرضاه يعترف بالزنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ألا ستر نفسه! ألا ستر نفسه! يعني بعض الناس يقول: لا، لازم الدين يطهرني، يا أخي رحمة الله واسعة، ومغفرة الله واسعة، وكرم الله عظيم، والله يحب أن يعفو عن عباده، وبالتالي لا تحمل نفسك شيئاً كبيراً جداً، كان الأولى فيك أن تستر نفسك.

أعود في قضية الستر أيها الأحبة، لا بد أن نتستر، هذا من ديننا. من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، سيستر الله عليك في الدنيا وسيستر الله عليك في الآخرة، هكذا يقول الله سبحانه وتعالى لبعض عباده. فإذاً هذه قضية مهمة جداً يا إخواني وأخواتي ينبغي أن نحرص عليها.

أنا أنبه إلى قضية مهمة جداً؛ يعني بعض الرجال قد يتزوج وقد يطلق زوجته، ثم بعد ذلك يبدأ يتكلم فيها: فعلت، سوت، شكلها كذا، قالت، يعني خلاص يا أخي تزوجت امرأة انقطعت العلاقة بينكما، إذاً اتق الله ما تتكلم فيها، هذا من الغيبة وهذا لا يجوز لك.

حُكيت لي قصة رجل من العرب أراد أن يطلق زوجته وكان له صديق، قال: أخبرني لما تريد أن تطلقها؟ قال: كيف أخبرك وهي زوجتي؟ أفضح زوجتي؟ فلما طلقها جاءه صاحبه قال: أخبرني الآن لما طلقتها؟ قال: الآن قد أصبحت غريبة عني، فلا أفضح سرها ولا أتكلم فيها ولا أغتابها. هذه الأخلاق، هذه المروءة، مع الأسف الآن وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت وما فيه، ومع الأسف فضائح الفنانين والفنانات، فضائح اللاعبين واللاعبات، فضائح الأغنياء، فضائح البيوت، فضائح كذا، سبحان الله! ما لنا ومال هذا الكلام؟ وينتشر النت والإنترنت بكثير من الصور والمقاطع والعبارات والكلمات وفضائح الناس. نسأل الله العافية والسلامة، نسأل الله العافية والسلامة، كما تدين تدان يا عبد الله.

ولذلك من جاءه شيء فضيحة فلان، فضيحة فلان، يا أخي استر واتق الله ولا تنظر واسكت ولا تنشر بين الناس. أما الذي يحدث الآن والعياذ بالله، وبعض الناس عنده هيام في تتبع قطات الناس ومشاكل الناس وفضائح الناس؛ من الذي ما أساء قط، ومن له الحسنى فقط؟ لذلك أيها الإخوة والأخوات، الإنسان يتقي الله سبحانه وتعالى ويعلم أنه كما تدين تدان، والإنسان لا يشمت بالآخرين، بل ديننا يأمرنا بالستر. استر على نفسك، استر على زوجتك، على أولادك وبناتك، على جيرانك وأقاربك، على المسلمين؛ ديننا دين الستر، ما هو الفضيحة. حتى في النصيحة: تعمدني بنصحك في انفرادي ... وجنبني النصيحة في الجماعة فإن النصح بين الناس نوع ... من التوبيخ لا أرضى استماعه فإن خالفتني وعصيت أمري ... فلا تجزع إذا لم تعط طاعة

إذاً الستر مطلب، وأي مطلب أيها الأحبة. الوقت انتهى والحديث لم ينتهِ، ونكمل إن شاء الله في اللقاء القادم. أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن يرزقنا جميعاً علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاء من كل داء، وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.