يا راغبا في كل علم نافع، متطلعا لزيادة الإيمان، وتريد سهلا والسنة.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا جميعا علما نافعا، ورزقا واسعا، وشفاء من كل داء.
مع الحديث الثاني في هذا المنهج المبارك؛ حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها وقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا. وقال الآخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال الآخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني» متفق عليه.
الراوي: أنس بن مالك بن النضر الأنصاري، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم خدمه إلى أن قبض عليه الصلاة والسلام، ثم رحل إلى دمشق ومنها إلى البصرة فمات بها، وهو آخر من مات من الصحابة رضي الله عنهم بالبصرة عام ثلاثة وتسعين.
نأتي إلى المفردات أيها الأحبة: كلمة رهط أو الرهط هم الجماعة من ثلاثة أو سبعة إلى عشرة. فقالوها: أي عدوها واعتبروها قليلة. ذنبه: أي ذنب النبي صلى الله عليه وسلم وما يعتبر ذنبا في حقه صلى الله عليه وسلم، ليس هو من جنس الذنوب حقيقة، ولو فعله غيره لا يسمى بذلك، إنما كان يفعل خلاف الأولى ونحو ذلك.
أبدا: أي دائما دون انقطاع. الدهر: أي أواصل الصيام يوما بعد يوم. أرقد: أي بمعنى أنام. رغب عن سنتي: أي أعرض عن طريقي واعرض عنها. فليس مني: أي ليس بمسلم إن كان ميله عنها كرها لها أو عن عدم اعتقاد بها، وإن كان غير ذلك فإنه مخالف لطريقتي السهلة السمحة التي لا تشدد فيها.
ولعلنا أيها الأحبة، هذا الحديث هو أصل في الوسطية والاعتدال في الإسلام. الآن أيها الأحبة عندنا طريق وسط صراط مستقيم، وعندنا ميل إلى الجانب الأيمن ألا وهو يسمى الغلو، وميل إلى الجانب الأيسر ألا وهو الجفاء. إذا التوسط عندنا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: 153].
النبي صلى الله عليه وسلم يوم من الأيام وضع خطا مستقيما، وعلى جانبيه خطوط صغيرة من اليمين ومن اليسار، ثم قال: «هذا صراط الله المستقيم»، وهذه الخطوط هذه السبل ليس من سبيل إلا وعليها شيطان يدعو إليها، سبل في اليمين وسبل في اليسار، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153].
الصراط المستقيم هو الدين الواضح الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام واضح جدا، وبعدين هو خط واحد، طريق واحد، صراط واحد، صراط مستقيم، لكن السبل هنا كارثة. فيغلو الإنسان فيذهب إلى الجانب الأيمن، يعني يستمر في غلوه وانحرافه حتى يصل إلى الغلو والعياذ بالله الذي قد يؤدي إلى كوارث سنتكلم عنهم، أو ينفوا عن الصراط المستقيم.
والجفاء هو ترك الدين بالكلية؛ بعض الناس ليس在这个 الإسلام إلا اسمه، ولا من الدين إلا رسمه. الصلاة: قال الله غفور رحيم. الزكاة: قال الله غفور رحيم. الحج: قال الله غفور رحيم. الواجبات الفرائض: قال الله غفور رحيم. أنت مسلم بايش؟ قال: أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. أي إسلام هذا؟ أي إسلام؟ اليس شهادة أن لا إله إلا الله شروط وواجبات؟ أليس لا إله إلا الله نواقض؟
ولذلك عبد الله بن أبي بن سلول كان يقول لا إله إلا الله، المنافقون كانوا يقولون لا إله إلا الله، هل نفعتهم؟ ما نفعتهم. أعود أيها الأحبة إلى هذا الحديث، كما قلت لكم هذا اصل في اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوَ اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]. هو أسوتنا، هو قدوتنا، هو الذي نمشي على طريقه، وعلى سنته، وعلى هديه، وعلى سمته، وعلى أمره.
الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7]. هؤلاء الثلاثة النفر -قيل منهم علي بن أبي طالب، وقيل عباد بن بشر، والثالث لقد نسيته- سألوا عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم.
طبعا انظروا، هؤلاء شباب ثورة الحماس والإقبال وفي الهمة وفي النشاط، فلما سألوا عن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنهم ايش؟ تقالوها، قالوا: هذا رسول الله قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
طيب، بس وقفة بسيطة جدا، يعني هل الرسول صلى الله عليه وسلم له ذنوب؟ نعم، الرسول صلى الله عليه وسلم قد يذنب، لكن ذنوب رسول الله ليست كذنوبنا نحن. قال العلماء: أما الصغائر فيجوز أن تقع في حقه صلى الله عليه وسلم. وقال بعض العلماء: هي من باب عدم فعل الأولى.
يعني لما كان يرى عبد الله بن أم مكتوم يقول ايش؟ مرحبا بمن عاتبني فيه ربي، مرحبا بمن عاتبني فيه ربي. الله سبحانه وتعالى لما يقول: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 43]، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾، ﴿يا أيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: 1].
إذا قد يحدث من النبي صلى الله عليه وسلم قال العلماء الصغائر أو عدم فعل الأولى لكونه بشر صلى الله عليه وسلم. ولذلك من حديث ايش؟ غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ذنب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست كذنوبنا حاشاه بابي هو وامي صلى الله عليه وسلم.
هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم شباب وحماس وقوة واندفاع، فلما سألوا عن عبادة رسول الله يعني قالوا هذا رسول الله ما يعني خلاص رسول الله، ماذا نقول نحن؟ يجب علينا أن نفعل أعمال أكثر وأكثر وأكثر.
هنا ملحظ مهم جدا أيها الأحبة؛ كل شيء العاطفة ما هي كل شيء، الدليل الدين هو كل شيء من القرآن أو من السنة، لكن إياك أن تترك نفسك العنان باجتهادك القاصر أو عاطفة جياشة ثم بعد ذلك تكون العقبة وخيمة. بل ينبغي أيها الأحبة أن نقصر أنفسنا على الدليل، هذا الدين بالدليل، العبادة بالدليل ليست من اجتهادات أو بالعاطفة المجردة، ثم نعود إليكم بإذن الله تعالى.
يحرص كثير من الآباء والأمهات على تعليم أبنائهم شتى العلوم، ويبذلون في ذلك الغالي والنفيس من أوقاتهم وأموالهم، وهذا مما يؤجرون عليه من الله تعالى. ولكن هل اعتنوا مع ذلك بتعليمهم أدب العلم وسمته؟ فهو الذي يهذب أخلاقهم ويحسن طباعهم.
فحاجة الأطفال إلى الأدب وحسن الخلق أشد من حاجتهم إلى كثير من العلم، لهذا كان السلف يحرصون على تعليم أبنائهم الأدب قبل العلم. قال سفيان الثوري: كانوا لا يخرجون أبناءهم لطلب العلم حتى يتأدبوا. وقال عبد الله بن المبارك: طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة.
وهذا ما جعل الآباء والأمهات قديما يدفعون بأولادهم إلى المؤدبين والعلماء حتى يقتبسوا من أخلاقهم وآدابهم قبل علومهم. قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى: كانت أمي تعممني وتقول لي اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه. وذلك أن العلم لا ينتفع به إلا بطهارة القلب عن دواء الأخلاق.
ولعل هذا الأمر هو ما دفع العلماء إلى اشتراط أن يتتلمذ طالب العلم للعلماء لا للكتب، وذلك حتى يتأكدوا من تخلقه بأخلاق العلماء وتحليه بأدبهم ويظهر عليه سمت العلم وأدبه ونوره. قال عبد الله بن وهب: ما تعلمناه من أدب مالك أكثر مما تعلمناه من علمه. ومما يدلك على منزلة الأدب والأخلاق أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع بين العلم والأخلاق والأدب، ولما أثنى عليه ربه سبحانه وتعالى أثنى عليه بالأخلاق والأدب فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.
أقول أيها الأحبة، ديننا دين الدليل، والعبادات كما قال العلماء توقيفية، بمعنى نتوقف في أي عبادة إلا بالدليل، ما نعبد الله من تلقاء أنفسنا ومن رؤوسنا، إن كان هناك دليل عبدنا الله به، ليس عندنا دليل توقفنا.
الصحابة هؤلاء الشباب اخذوا على عواتقهم زيادة في التعبد وزيادة في العمل لكن كما قلت عن هوى ليس عن دليل، وهذا مما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك النبي لما تكلم عليه الصلاة والسلام عن الخوارج ايش قال: «تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وعبادتكم إلى عبادتهم، وصيامكم إلى صيامكم، وقراءتكم إلى قراءتهم، تحقرون» يعني انتم ولا شيء امام شدتهم وقوتهم في العبادة.
لكن ايش الكارثة يا احبابي؟ قال: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». يمرقون من يخرجون من الدين، يا الله، يا الله! اكثر منا صلاة وصيام وقرآن ويمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.
ما المصيبة؟ ما الكارثة؟ عبادة الله على جهل. لذلك أيها الأحبة، أنا أدعو نفسي واياكم دائما تعلم العلم الشرعي، حفظ القرآن والسنة، مجالسة العلماء، قراءة الكتب، سماع المحاضرات والدروس، هذا مما ينير الإنسان دربه في هذه الحياة.
الشاهد؛ هؤلاء الثلاثة، واحد قال أنا اصوم ولا أفطر، قال أنا لا أتزوج النساء، والثالث قال أنا أقوم الليل ولا أرقد، يعني اخذوا على أنفسهم بالعزيمة، هل يظנים هؤلاء أو أشباههم الآن أنهم أتقى لله من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لا والله.
ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه الخبر ذهب إليهم، انتم الذين قلتم كذا وكذا وكذا؟ «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له». الذي لا إله إلا هو، ما هناك احد أخشى لله من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أتقى لله من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك هو قدوتنا.
لذلك الشيطان أيها الأحبة يحاول أن يستزل من استطاع منا أما بالغلو تارة أو بالجفاء أخرى. الشيطان معنا مع الأسف، لا يريد أن يدخل الشيطان النار لوحده، يريد من يكون معه أنيسا في النار. قال الشيطان لما قضي الأمر: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعَدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: 22].
هكذا يقول إبليس يا إخواني في النار، أنا ما دعوت، أنا دعوتكم فقط، أنا ما أجبرتكم. لذلك أيها الأحبة لابد الإنسان أن يتنور بالعلم الشرعي، أن يتعلم، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 76].
ولذلك من سبل مواجهة مكر الشيطان وكيد الشيطان الاعتصام والاستعانة بالله ثم الاعتصام بالكتاب والسنة والعلماء الناصحين الربانيين الصادقين. أحبتي في الله، الشيطان يجد له فرائس وصيد عند الجهلة ورصيدهم، اقرأ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم عمن تكلم عنهم من الأمم السابقة كيف انقطعوا في الخلوات وانقطعوا في الأديرة وانقطعوا في أماكن العبادة عندهم الفلوات ثم الشيطان يستذلهم بأدنى أدنى حيلة بأدنى حيلة.
إذا النبي صلى الله عليه وسلم ماذا يقول؟ أما والله يحلف: «إني لأخشاكم لله وأتقاكم له». لا يظن أحد فيكم أنه سيكون أخشى لله من رسول الله مني، أو أتقى لله مني، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.
ثم قال: «لكنني أصوم وأفطر، أصلي وأرقد، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني». أحذر يا عبد الله من الغلو، أحذر يا عبد الله من الغنو، الغلو والتنطع والتشدد يا إخواني، إن هذا الدين عميق فأوغلوا فيه برفق، هكذا يقول صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، لن يشاد الدين أحد إلا غلبه، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون» هكذا يقول صلى الله عليه وسلم.
إذا الحياة هذي أيها الأحبة لا تستقيم إلا بالوسطية. والوسطية أيها الأحبة ليست الوسطية التي يدعو إليها الإعلام المنحرف المزيف، الوسطية التي يدعون إلى التحرر من الكتاب والسنة ومن هدي النبي صلى الله عليه وسلم وهدي النبوة، لا لا لا، انتبهوا ترى هناك دعوات مظللة في الإعلام المزيف الإعلام المنحرف.
يقول لك يا اخي الوسطية الوسطية، طيب وش الوسطية؟ ما هو مفهوم الوسطية؟ الوسطية عندهم التحلل من ظوابط الكتاب والسنة، اتركوا الحجاب، اتركوا السنن الظاهرة، اتركوا تحكيم كتاب الله الدين، واتركوا اتتركوا ليش؟ قال هذا يجمع الكلام فاضي.
الوسطية نفهمها من خلال كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليست من أفكار الناس، ليست من أفكار أنصاف المتعلمين وأرباع المتعلمين أشباه المتعلمين. الوسطية نأخذها من الكتاب والسنة وصالح سلف الأمة.
نأخذ هذا الوسطية أيها الأحبة مما جاء في القرآن في سنة النبي صلى الله عليه وسلم العدنان والصحابة الكرام ومن سار على نهجهم، انه فعلا يعني تظهر دعوات للوسطية وكلها انحلال، كلها تخلف. لا لا يا حبيبي الوسطية ما نأخذها إلا من المصدرين الرئيسين في دين الاسلام القرآن والسنة على فهم سلف الأمة، إذا الغلو لا والجفاء لا، الغلو هلك المتنطعون.
وفعلا لما غلا بعض الناس والعياذ بالله وصل بهم الأمر إلى سفك الدماء، واستباحة الأموال والأعراض والنفوس، قتل النفوس البريئة وإزهاقها، إظهار الفساد، نشر الفساد تحت طائلة الغلو. لذلك نحن ما نراه الآن من داعش وأشباه داعش والخوارج وأمثالهم كارثة.
كارثة يقتل من يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله بدايةً أنه مرتد! من قال لا إله إلا الله فقد عصم دمه وماله إلا بحقه، لكن مع الأسف الجهل! الجهل والهوى، وهناك أيضا من يؤزهم أيضاً من أعداء الإسلام. فإذا أعود فأقول أيها الأحبة: الغلو نهينا عنه، «إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين». هكذا يقول صلى الله عليه وسلم.
ويقول صلى الله عليه وسلم: «هلك المتنطعون» ثلاثاً. الصحابة هؤلاء رضوان الله عليهم الثلاثة غلوا، وبلغوا هذه الأمور الثلاثة، لذلك الرسول صلى الله عليه وسلم أنكر عليهم، ذهب إليهم فأنكر: «أنتم تقولون كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأرقد، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني».
فاصل ثم نعود إليكم: هل كان أجدادنا يتخيلون أن يرسلوا رسالة من المشرق إلى المغرب في لمح البصر؟ هل كان أسلافنا يتصورون أن يلتقوا بالعلماء في أقصى الأرض دون أن يرحلوا إليهم؟ إنها التقنية الحديثة. فالاستخدام لها في طلب العلم ميزات؛ منها: سرعة ويسر الوصول إلى المعلومة، وضخامة في المعلومات وتنوعها، والتواصل مع العلماء حيثما كانوا.
ومن ميزاتها الكبيرة: تيسير طلب العلم على المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة. فلا غنى لطالب العلم عن الحاسوب بما عليه من مكتبات ضخمة، حيث يمكنه البحث في ألوف الكتب في ثوان معدودة، لكن عليه الحذر من التصحيف والتحريف. ولا غنى له عن استخدام الإنترنت في أبحاثه، لكن عليه أن يوثق المعلومات من المصادر المتخصصة، ولا يكتفي بالمنتديات ونحوها.
والتعليم عن بُعد من خلال الإنترنت يسّر طلب العلم للمشغولين بالوظائف والأعمال الخاصة. والأجهزة اللوحية بتطبيقاتها وبرامجها سهّلت التعلم، حيث إنها في كف طالب العلم حيثما حل وارتحل. وكذلك الفضائيات -لا سيما العلمية المتخصصة- سهّلت الطلب العلمي في البيوت، فهي من أنسب الوسائل التعليمية للنساء. فلتستفد بميزات التقنية، ولتحذر من شرها.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحرى الخير يعطى، ومن يتق الشر يوق».
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد؛ أيها الأحبة الأفاضل، وما زلنا مع هذا الحديث العظيم، وفيه ينبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى خطورة أن يغلو الإنسان في دينه. والخير كل الخير أيها الأحبة في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم، هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فعل النبي، سلوك النبي، أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام كلها مطلب. ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].
هل نرجو غير ذلك أيها الأحبة؟ ولذلك كما قلت لكم الوسطية والاعتدال في متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله وفي فعله وفي عقيدته، في سلوكه، في أخلاقه، في كل شيء؛ فلا نغلو والعياذ بالله فنقع في الغلو الذي حذر منه صلى الله عليه وسلم، ولا نجفو كذلك فنضيع دين الله سبحانه وتعالى.
ولا أفيكم يعني: الأمة الآن بين بين طرفي نقيض؛ إما غلو وتششد والعياذ بالله عاقبته وخيمة، وعاقبته كما يعني حدث في التاريخ مع الأسف، الدروس تتكرر ولا معتبر مع الأسف. ماذا فعل الخوارج في عصر أول الإسلام وظهورهم وأفعالهم وكذلك استمرار في التاريخ يعني مع الأسف كارثة، ما أخذت دروس منها الأمة، ما أخذت دروس منها وشبابنا الله يصلحهم الأغرار الجهال الذين ينساقون خلف هذا الفكر مع الأسف، ولو كان عندهم شيء من العلم ما تبعوه أصلاً.
هذه قضية الغلو، وقضية الجفاء كذلك، وأيضاً مع الأسف يمكن أغلب الأمة إلا ما رحم ربي شيء كبير من الجفاء. يعني كثير الآن ممن ينتسب إلى الإسلام لا يعرف من الإسلام إلا الاسم فقط! أين الصلاة؟ أين الزكاة؟ أين الحج؟ أين التوحيد الحقيقي الصادق؟ أين النوافل والعبادات؟ أين؟ أين؟ حتى الصلاة بعضهم ما يعرف الصلاة.
هذا أيضاً هذا التضييع للدين، عندنا هنا في الجانب الأيمن الغلو الخوارج وأشباههم، وفي الجانب الآخر المرجئة وأشباههم. المرجئة هؤلاء قالوا: لا يضر مع الإيمان معصية، لا يضر مع الإيمان معصية، أنت قلت لا إله إلا الله محمد رسول الله افعل ما شئت! هذا كارثة وهذا كارثة. الخير كل الخير في التوسط كما أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، «خذوا عني مناسككم». بمعنى أن نجعل النبي صلى الله عليه وسلم هو الأسوة والقدوة في كل شيء؛ قدوتنا وأسوتنا صلى الله عليه وسلم، لا نميل مع هذه الأهواء ومع هذه الخزعبلات ومع هذه الدعوات التي توجه إلى تمييع الدين عن حقيقته وعن منهجه الذي جاء عن الكتاب والسنة، وما أكثر الدعوات أيها الأحبة! ما أكثر الدعوات!
فإذاً الوسطية التي يجب أن ننادي بها: وسطية الاعتدال القائمة على الكتاب والسنة. انتبهوا؛ الوسطية الحقيقية أن تكون على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا غلو كما فعل أصحاب هذا الحديث رضي الله عنهم وأرضاهم، ولا جفاء كما هو منتشر في كثير من البلاد الإسلامية ولا حول ولا قوة إلا بالله، بل عند كثير من المسلمين من تضييع الأوامر والنواهي والحدود، استباحة المحرمات واستباحة الكبائر، لا أقول استباحة الانطلاق، ولكن أقول فعلها ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم بعد ذلك يعني يقول: أنا مسلم! طيب مسلم صحيح، المسلم أن يستسلم لله في هذا الدين، ينقاد لهذا الدين، ينقاد لأوامره، ينقاد إلى نواهيه، ينقاد إلى حدوده، ينقاد إلى كل ما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما بهذا الواقع فنقول: نحتاج إلى مراجعة، مراجعة، والعلماء دورهم، طلبة العلم، لذلك أحبتي في الله الخير كل الخير في هدي النبي صلى الله عليه وسلم، «فمن رغب عن سنتي فليس مني». التوسط مهم جداً؛ التوسط في العبادة، في الطاعة، لا تشدد على نفسك، لا تشدد على نفسك!
وطبعا كما قلت لكم وأؤكد على هذه النقطة أن القيام بالواجبات والفرائض ليس تشدد. بعض الناس يرى إنسان ليش متشدد؟ يا اخي هذي سنة النبي صلى الله عليه وسلم وامر بها، يحافظ على الصلاة في المسجد قال: يا اخي انت ليش متشدد؟ لا لا، القيام بالفرائض والواجبات ما فيه تشدد، التشدد مجاوزة الحد وهذا يدعونا والعياذ بالله إلى أو يجرنا إلى البدعة فنقع في البدعة ونحن لا نشعر. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد».
لذلك أيها الأحبة، أيها الإخوة والأخوات، الخير كل الخير بمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم، والله ما عبد الله أحد مثله، وما اتقى الله أحد مثله، وما خاف من الله أحد مثله، وما رجا الله أحد مثله، وهو قدوتنا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7]. أن نأتي في الدين بشيء ما أذن الله به فلا!
لذلك يعني العلماء دائما يحذرون من قضية الزيادة والنقصان. الزيادة والنقصان؛ الزيادة بدعة والعياذ بالله قد تؤدي إلى الغلو وتؤدي إلى القتل وتؤدي إلى الفساد وتؤدي إلى كثير من المفاسد. والله يا أحبابي مما تقشعر له الجبين بعض المناظر التي انتشرت في بعض وسائل الإعلام؛ كيف المسلم يقتل أخاه المسلم، ينحره كالشاة وهو يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله! القضية الأساسية فيها الغلو، الغلو والغلو، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وأيضاً الصورة المعاكسة تماماً الجفاء؛ تضييع الأوامر، تضييع النواهي، الوقوع في المحرمات، نشرها، استباحتها، الترويج لها، أيضاً هذا غلط، تدمير للدين، تدمير للشريعة، تدمير لأوامر الله سبحانه وتعالى. إذاً ديننا واضح، ما يحتاج ترى إلى صعوبة في لا لا، ترى الدين واضح، الدين بيّن؛ القرآن والسنة، هذي سلف الأمة، الصحابة الكرام وما كانوا عليه ومن تبعهم بإحسان.
لكن القضية التي ينبغي أن ننتبه لها أننا نتأسى برسولنا صلى الله عليه وسلم في كل صغيرة وكبيرة، هنا النجاة: «من رغب عن سنتي فليس مني». وإن أدعو إلى الذين يضيعون السنة؛ انتبهوا من هذا اللفظ! انتبهوا من هذا اللفظ! رسولكم صلى الله عليه وسلم يحذركم: من رغب عن سنتي فليس مني! السنة يثاب فاعلوها ولا يعاقب تركها، من سنّها لك؟ من أمرك بها؟ من ندبك إليها؟ من حثك عليها؟ أليس هو رسولنا صلى الله عليه وسلم؟
ولذلك يوم القيامة يا أحباب يأتي أقوام فيريدون على حوض النبي صلى الله عليه وسلم، فتأتي الملائكة فتطردهم فيقول: أمتي أمتي، يعرفهم غر محجلين من آثار الوضوء، تقول الملائكة: إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «سحقاً سحقاً». هل يرضى أحدنا أن يقال له هذا الكلام؟ والله ما نرضى يا أحبابي، الخير كل الخير في متابعة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
أما إني أصوم وأفطر، وأنام واستيقظ، وأقوم الليل وأرقد، وأتزوج النساء؛ «فمن رغب عن سنتي فليس مني». هدي رسولك صلى الله عليه وسلم واضح، والله واضح، كتب السنن والسير أمامنا، فما في مجال للإنسان يتخبط من تلقاء نفسه.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاء من كل داء. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. اللهم إنا نسألك أن تدلنا إلى السنة وأن توفقنا إلى القيام بها، وأن تعيننا على أن نختم حياتنا بأن نكون على هدي نبيك محمد صلى الله عليه وسلم. والحمد لله رب العالمين. يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان وتريد سهلاً والسنة.
د. موفق كدسة الغامدي