تسجيل الدخول

المحاضرة 3 - حديث (إنما مثلي ومثل الناس...)

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا جميعاً علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء. ومع الحديث الثالث من منهجنا لهذا الفصل؛ حديث جابر بن عبد الله بن حرام بن عمرو بن حرام رضي الله عنهما وأرضاهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال. تعالوا بنا إلى هذا الحديث العظيم يا أيها الأحبة، ونستشعر فيه من الدروس ما الله به عليم.

يقول صلى الله عليه وسلم: «مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها، وهو يذبهن عنها، وأنا آخذ بحجزيكم من النار وأنتم تفلتون من يدي». رواه مسلم. الله أكبر. نقف مع بعض المعاني ثم نعود إلى الشرح العام للحديث. الجنادب جمع جندب، وهو نوع من الجراد. وآخذ بحجزيكم؛ أي أمسك بشدة. وحجزيكم جمع حجزة، وهي معقد الإزار والسراويل، وهي من أوثق ما يمسك به الإنسان بحيث لا يتحرك، وهو كناية عن حرصه صلى الله عليه وسلم على منع أمته الإتيان بالمعاصي التي تؤدي بهم إلى الدخول في النار. وتفلتون؛ يقال أفلت وتفلت إذا نازعك الغلبة وهرب.

قبل أن نعطي إطلالة على الحديث أيها الأحبة، دعونا نقف مع هذا الراوي؛ جابر بن عبدالله بن عمرو بن حرام الأنصاري. هو صحابي وأبوه صحابي. استشهد أبوه في غزوة أحد. موقف حقيقة فقد الابن أو الأب لا شك مؤلم. يقول جابر رضي الله عنه وأرضاه: جئت وأبي مغطىً أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي والناس ينهونني ورسول الله لا ينهاني. قال: فالتفت إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا جابر، هل تدري ماذا قال الله لأبيك؟». قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «إن الله كلم أباك كفاحاً بلا ترجمان، وقال: يا عبدي تمنى. قال: يا ربي أتمنى أن أعود إلى الدنيا فأقتل فيك مرة ثانية. ولقد سبق مني القول أنهم إليها لا يرجعون. فتمنى. قال: يا رب أتمنى أن ترضى عني فإني رضيت عنك. وقال: اليوم أحل عليكم رضائي، شيء آخر فلا أسخط عليكم أبدا». يقول: فجعل الله سبحانه وتعالى روح والدك والشهداء معه في حواصل طير خضر تأتي إلى الجنة تأكل من ثمارها وتشرب من مائها، ثم تأوي إلى قناديل معلقة في العرش إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، أو كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم.

انظروا يا أيها الأحبة كرامة الشهداء عند الله سبحانه وتعالى، أن يجعل الله عز وجل أرواحهم في حواصل الطير الخضر ترد الجنة تأكل من ثمارها وتشرب من مائها، ثم تأوي إلى قناديل معلقة في العرش إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. والشاهد أيها الأحبة؛ جابر رضي الله عنه وأرضاه له مواقف جميلة وجليلة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، أحد المكثرين من رواية الحديث، شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم تسع عشرة غزوة، وكانت له في أواخر أيامه حلقة بالمسجد النبوي، وكان يؤخذ عنه العلم، وكُفَّ بصره قبل أن يموت، ومات بالمدينة رضي الله عنه وأرضاه. هذا من حيث راوي الحديث؛ جابر بن عبدالله بن حرام الأنصاري بن عمرو بن حرام الأنصاري.

نعود إلى الحديث؛ النبي صلى الله عليه وسلم يضرب الأمثال الحسية والمعنوية، لأن هذا أيها الأحبة أسلوب يقرب المعنى إلى المتلقي والى السامع. ولو نظرنا أيها الأحبة إلى القرآن لوجدنا فيه كثيراً من الأمثلة من هذا الباب، أمثلة كثيرة في القرآن الكريم وفي السنة النبوية المطهرة، منها هذا المثل. قال صلى الله عليه وسلم: «مثلي ومثلكم يا أمة محمد كمثل رجل أوقد ناراً». وطبعاً يا أحبابي، متى توقد النيران في العادة؟ النيران توقد في العادة في الليل، الانسان إذا كان في سفر، في صحراء، أوقد ناراً، والنار لا تكون إلا في الليل. لا يمنع أن توقد في النهار، ولكن الأصل في إيقاد النار أن تكون في الليل.

طبعاً هذا الرجل لما أوقد النار في الليل في الظلام، الفراش والجنادب وهوام الليل يظنون أن هذه النار هي نور الفجر، فيأتون إليها يظنونها الفجر يظنون النهار. قال: «أوقد ناراً، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها». الفراش والجنادب مخلوقات جاهلة، مخلوقات الله سبحانه وتعالى وضع فيها إمكانيات ولكن في الليل تظن أن هذه هي انوار النهار. قال: «يقعن فيها»، يقعن في النار الفراش مع أنها مهلكة، نار حارة قاتلة، لكن تأتي تدور تدور ثم تسقط فيها. قال: «وهو يذبهن عنها». الرجل من رحمته كلما رأى فراشة ذبها أبعدها، رأى جندب أزاله أزاحه حتى لا يحترق، من رحمته بهذه المخلوقات الضعيفة يذبهن عنها يدقعهن. قال: «وأنا آخذ بحجزيكم من النار وأنتم تفلتون من يدي».

الله أكبر يا أحبابي، حرص النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الأمة. قال: «وأنا آخذ بحجزيكم»، بحجزيكم يعني أوثق منطقة في الرجل يمسك بها الرجل، أخذ بحجزيكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي. شف تفلتون، يعني الرسول يسحبنا من النار ونحن ندفعه ونسقط بأعيننا في النار. مثل والله عجيب، مثل عجيب.

فاصل ثم نعود إليكم بإذن الله تعالى. وصلى الله على محمد.

إن اردت النجاح في الدنيا والسعادة في الآخرة فاسلك طريق العلم، لكن الآفات على هذا الطريق كثيرة، منها الرياء بأن يراد بالعلم الشهرة وثناء الناس. قال صلى الله عليه وسلم: «من طلب العلم ليماري به السفهاء، أو ليباهي به العلماء، أو ليصرف وجوه الناس إليه فهو في النار». ومنها الكبر والعجب، قال مجاهد: لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر. ومنها الحسد، قال تعالى: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 14]، فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم. ومنها الانشغال بالدنيا وملهياتها وأشغالها عن تحصيل العلم النافع. ومنها التعالم والتصدر قبل التأهل، فإن التصدر يمنع من تلقي العلم، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تفقهوا قبل أن تسودوا. ومنها الفتور والكسل، قال صلى الله عليه وسلم: «إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت شرته إلى سنتي فقد أفلح، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك». فالزم طريق العلم ولا تصدنك الآفات، واحذر من قطاع الطريق، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: 6].

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد أيها الأحبة، كما قلت لكم أسلوب ضرب الأمثال من الأسلوب المهم في وعظ الناس وتقريب المعلومة لهم، وكما قلت لكم هذا منتشر في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. من ضمن الأمثلة ضربها النبي صلى الله عليه وسلم: «أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه في كل يوم وليلة خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟». قالوا: لا يا رسول الله. قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس».

هذا المثل كما قلت لكم هو يبين حال النبي صلى الله عليه وسلم المذكور في الحديث، وحال النبي صلى الله عليه وسلم مع الأمة. النبي صلى الله عليه وسلم يضرب هذا المثل يبين حرصه على أمته، رأفته بامته، حرصه على الخير وإجزاء الخير للأمة. قال: «وأنا آخذ بحجزيكم عن النار»، يعني أنا حريص عليكم ما تقعون في النار، أنا ماسك بحجزة الواحد منكم مسكة قوية، أنا اديت اللي علي، أمسك الواحد حتى لا يقع في النار. لكن الكارثة ليست من رسول الله، الكارثة منا نحن؛ أنتم تفلتون من يدي.

طيب النبي صلى الله عليه وسلم شهد الله له بأنه أقبل الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، ولذلك في حجة الوداع: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]. هكذا يشهد الله عز وجل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أدى الأمانة، ولذلك آية في القرآن حتى إن اليهودي جاء لعمر قال: آية في كتابكم لو نزلت علينا نحن معشر اليهود لاتخذناها عيداً. وقال عمر: أعلم والله أين نزلت والمكان الذي نزلت فيه ومتى نزلت.

فالله سبحانه وتعالى يا أحبابي شهد في كتابه الكريم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أدى الأمانة وأدى الرسالة التبليغ، وما عليه قصور صلى الله عليه وسلم حاشاه، وشهد الله بذلك: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]. إذاً «أنا آخذ بحجزيكم من النار»، خلاص أنا أديت الذي علي، لكن المشكلة ليست في رسول الله كما قلت لكم، المشكلة فينا نحن، وأنتم تفلتون من يدي.

طيب نتفلت من يد رسول الله فين؟ الكارثة أنها في النار، الكارثة أنها في النار. يعني لو كنا نتفلت من رسول الله في شيء نافع! لا لا لا. هدي الرسول صلى الله عليه وسلم يقودك إلى الجنة، والرسول صلى الله عليه وسلم يريد أن يسحبك إلى الجنة، يسحبك إلى جنة عرضها السماوات والأرض. الرسول صلى الله عليه وسلم الذي قال الله عنه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، يريد أن يأخذك إلى الجنة.

يأخذ الأمة يا إخواني، من حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على هذه الأمة، يقوم ليلة من الليالي يبكي يبكي يبكي حتى أن الله عز وجل أرسل له جبريل يسليه: يا محمد، ربك يبلغك السلام ويقول: ما الذي يبكيك؟ ليش تبكي يا محمد؟ وقال صلى الله عليه وسلم: «أمتي أمتي». هذا الذي أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يا إخواني ليلة كاملة يبكي عشان أمته، حرصه على أمته؛ أمتي أمتي. أوحى الله إلى جبريل عليه السلام: اخبر محمد أنّا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك. سنرضيك في أمتك يا محمد ولن نسوءك. اللهم صل على رسول الله.

لذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «أهل الجنة مئة وعشرون صفاً، أمتي ثمانون صفاً». أمة محمد صلى الله عليه وسلم ثمانون صفاً، بمعنى أن أهل الجنة من هذه الأمة الثلثين وثلث باقي الأمم. يقول صلى الله عليه وسلم: «إن مثل هذه الأمة بين الأمم كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأبيض». كثرة عظيمة جداً، ومع ذلك هذه الأمة آخر أمة وهم ثلثا الجنة. لذلك إن الصحابة كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم، أخبرهم قال: «أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟» فكبروا. قال: «نصف أهل الجنة؟» فكبروا. قال: «بل ثلثي أهل الجنة» أو نشركهم في النصف الآخر؟ فكبروا، كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم. أمة محمد يا أحبابي ثلثي الجنة.

إذاً النبي صلى الله عليه وسلم حريص على هذه الأمة، والله يا إخواني حريص. أُوذي في نفسه، شُجَّ رأسه، كُسرت رباعيته، طُرِد من مكة، فُعِل به الأفاعيل لما ذهب إلى الطائف وأُدمي وُضرب بالحجارة، ومع ذلك كان يتحمل، يتحمل عشان هذه الأمة. ويحكي ابن مسعود عن نبي من الأنبياء كما قال صلى الله عليه وسلم يمسح الدم عن وجهه ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». يقولون يا ابن مسعود من هذا؟ فقال: هل تراه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ حريص حريص.

ولذلك الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]. هذا هو رسولنا صلى الله عليه وسلم. الكارثة كما قلت لكم هي فينا نحن، في هذه الأمة، أن الخير ظاهر، النور ظاهر، المحجة واضحة، الدين بين، القرآن ناصع البيان، السنة واضحة المعاني. الكارثة عندنا نحن، المشكلة عندنا نحن؛ أننا نرى النور ونرى الصراط المستقيم ونرى الخير أمامنا، ثم بعد ذلك نذهب يمنة ويسرة.

المثل الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم لما خط خطاً مستقيماً، وعلى جانبي الخط خطوط صغيرة، وقال: «هذا صراط الله المستقيم، وهذه السبل ليس من سبيل إلا وعليه شيطان يدعو إليه». ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153]. فالمصيبة المنهج واضح، لكن المصيبة في من يتبع المنهج، من يتبع الدين، من نزل عليهم هذا القرآن، ومع ذلك يبحث عن الهداية يمنة ويسرة. يا اخي الهداية كلها في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً؛ كتاب الله وسنتي». المشكلة ليست في المنهج، المشكلة ليست في القرآن، المشكلة ليست في السنة، المشكلة في المتبعين؛ هل اتبعتم؟ هل اتقيتم؟ هل طبقتم الكتاب والسنة على أنفسكم وإلا لا؟ ولذلك هذه الدنيا نستطيع أن نجعلها جنة، لكن متى؟ متى ما تمسكنا بالكتاب والسنة كما قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله: إن في الدنيا جنة.

من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. قالوا: ما هي؟ قال: جنة الإيمان. ولذلك فعلاً لما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: أنا آخذ بحجزكم عن النار، حرص النبي صلى الله عليه وسلم، رأفة النبي صلى الله عليه وسلم، رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الأمة.

لكن الكارثة قال: وأنتم تفلتون من يدي تفلتون. حريص عليكم لكن مع الأسف يتفلتون من يدي. واصل، ثم نعود إليكم بإذن الله تعالى. عن أي شيء تبحث؟ وفي أي شيء ترغب؟ وماذا تطلب؟ وما هي همتك في هذه الحياة؟ فالمسلم يحب المعالي ويسعى إليها.

قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفاسفها». واعلم أن طلب العلم لا ينتهي، بل هو مستمر إلى آخر العمر. قيل للإمام أحمد وهو يحمل محبرة: إلى متى؟ فقال: مع المحبرة إلى المقبرة. ولا يعوق كبر السن عن طلب العلم إذا توافرت الهمة. فلا أن تموت طالبا للعلم خير من أن تموت قانعا بالجهل.

وذو الهمة في الطلب يهتم بجمع الفوائد وقراءة المطولات. قال أبو عبيد: ربما كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال، فأضعها في الكتاب فأبيت ساهرا فرحا بتلك الفائدة. وقال الخطيب البغدادي: قرأت على إسماعيل بن أحمد صحيح البخاري جميعه في ثلاثة مجالس. ومن المهم المداومة على طلب العلم، فالقليل مع المداومة خير من الكثير مع الانقطاع.

قال عكرمة: طلبت العلم أربعين سنة. وقال أبو العباس النحوي: ما فقدت إبراهيم الحربي من مجلس لغة من خمسين سنة. فاطرح عنك الكسل، واحرص على دراسة العلم وإحسان العمل. ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمَحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد. أيها الأحبة هنا في هناك ملحظ مهم جدا، قضية اتباع الشهوات، اتباع الشهوات. وهذا ملحظ مهم جدا في هذا الحديث، كثير من الناس يتبع شهوته، يتبع هواه، يتبع رغبته ولو كانت مخالفة لكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذه الجنادب وهذه الفراش اتبعت شهواتها وأهواءها وهم يتقحمون في النار، الرجل يذبّهن ومع ذلك يتقحم. وهذا هو وصف لمن تتبع شهوته، تتبع هواه، تتبع الذنوب والمعاصي، أعطى نفسه هواها وترك حدود الكتاب والسنة. أنت الذي أشكيت نفسك، أنت الذي أعطيت نفسك هواها.

ولذلك أحبتي في الله كما قال ابن القيم: الذنوب تنقسم إلى قسمين؛ شهوات وشبهات. شهوات وشبهات. طيب، ما هو الحل للشهوات وما هو الحل للشبهات؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين. بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين.

الصبر أيها الأحبة يسد كل منافذ الشهوات، والصبر يسد كل منافذ الشهوات واليقين يسد كل منافذ الشبهات. فإذا الإنسان صبر فإن الشهوات لا تؤثر فيه مهما عرضت عليه يصد عنها، لأنه صابر على دينه. والشبهات كذلك لا يمكن أن تؤثر فيه، لماذا؟ لأن عنده من اليقين ما يدفع به هذه الشبهات.

ولذلك أيضا يقول ابن القيم رحمه الله عليه: إذا تزود الصبر باليقين خرج من بينهم الإمامة في الدين. نفس الكلمة التي قالها شيخه ابن تيمية رحمه الله عليهم جميعا. ولذلك أحبتي في الله، لابد إذا أردنا النجاة في هذه الحياة قضية الصبر واليقين.

طيب الصبر أيها الأحبة، الصبر باب عظيم جدا من أبواب الخير، وحينما قسم العلماء الصبر قالوا: الصبر عن المعاصي، والصبر على الطاعات، والصبر على أقدار الله، هي ثلاث أنواع. أتمنى إنه ما يكون كلامنا نظري يكون تطبيقي. أن تصبر على الطاعة، الطاعة لها مشقة يا أحبابي، الطاعة لها مشقة، اصبر عليها. اصبر على الصيام، اصبر على الصلاة، اصبر على القيام، اصبر على الذكر، اصبر على الدعاء، اصبر على كل شيء من الدين. إذا ما عندك صبر ما تقدر تعبد الله يا عبد الله، ولذلك هذا ثلث مهم جدا.

الصبر على الطاعة نحتاج مجاهدة، أذكر كلمة للشيخ علي الطنطاوي رحمه الله عليه يقول: قرأت آلاف الكتب فما خرجت بمثل هذه الفائدة من فوائد ابن الجوزي رحمه الله عليه. ما هي؟ قال: مشقة الطاعة تزول ويبقى أجرها، ولذة المعصية تزول ويبقى إثمها. يقول: هذه الفائدة لا تقدر بثمن. إذا الطاعة تحتاج أحبابي ايش؟ صبر، صبر على الطاعة.

المعاصي وكثرتها تحتاج صبر، لا تقع فيها جدا، إذا ما عندك صبر عن المعصية تنقاد لها. ثم الصبر على أقدار الله التي تقع عليك الثلث الثالث. ولذلك أيها الأحبة الله سبحانه وتعالى ماذا يقول؟ ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]. بغير حساب، ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.

أعجبتني كلمة عن بعض السلف يقول: ثلاثة أعمال لا تدخل في الميزان لماذا؟ لعظمها. قالوا: ما هي؟ قال: الصبر؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. ثم قال: والصيام؛ لأن الله يقول: إلا الصوم فانه لي وأنا أجزي به. ثم قال: العفو؛ لماذا؟ قال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40]. يقول: هذه الأعمال لا تدخل في الميزان، هذه لا يعلم أجرها إلا الله سبحانه وتعالى.

فإذا بالصبر أيها الأحبة نبتعد عن الذنوب والمعاصي، نبتعد عن المحرمات، نبتعد عن الأمور التي نهانا عنها الشارع الكريم. وبالصبر كذلك نقوم على الطاعة؛ نصلي ونقوم ونقرأ القرآن وندعو الرحمن ونقوم الليل ونصل الصلوات ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر. ما عندك صبر ما تستطيع أن تفعل ذلك.

إذا فعلا يقول عبد الله بن مسعود يقول: الصبر نصف الدين. الصبر نصف الدين واليقين الدين كله. الله أكبر، الصبر نصف الدين واليقين الدين كله. فنأتي الآن إلى اليقين، إذا ما عندك يقين كيف تعبد الله؟ كيف تواجه الشبهات؟ أو كيف تواجه الأفكار المنحرفة؟ وفعلا اليقين الدين كله.

ولذلك إذا الإنسان، إذا الله سبحانه وتعالى وفق الإنسان كان من الصابرين وكان من الموقنين، أصحاب اليقين، هنا الإنسان في بحبوحة من أمره، لا تضره لا أمراض الشهوات ولا أمراض الشبهات. يقول عمر رضي الله عنه وأرضاه: أدركنا خير عيشنا بالصبر.

ثم يقول أيضا هناك مقولة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه قال: واعلم أن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد. الصبر والإيمان بمنزلة الرأس من الجسد. ويقول ابن القيم رحمه الله: إن اليقين من الإيمان كالروح للجسد. هذه مقولة ابن القيم، أن اليقين من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد. ما عندك يقين ترى الجسد بدون روح، إيمانك ما له قيمة، وهنا أهمية الصبر واليقين، بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين.

ولذلك أيها الأحبة إذا جاء الصبر وجاء اليقين ابتعد الإنسان عن الذنوب والمعاصي، والذنوب والمعاصي هي من الكوارث التي يبتلى بها الإنسان. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41].

مع الأسف، مع الأسف، مع الأسف يا أحبابي القرآن مليء بالآيات التي تنهى عن الذنوب والمعاصي، ومع ذلك لا حول ولا قوة إلا بالله. ليس معنى هذا أيها الأحبة أننا يجب أن نكون معصومين، أبدا، لكن يجب أن نتخفف منها. الله سبحانه وتعالى يقول: يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم. لكن الاستمراء لا يا اخي، إذا أذنبت عجل بالتوبة والاستغفار والإنابة والندم والبكاء والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى.

لأن الذنوب، يعني آدم عليه السلام خرج من الجنة بذنب واحد. الذنوب كانت سببا في إغراق الأرض في زمن نوح عليه السلام، في تدمير قرى وأمم قوم عاد قوم ثمود قوم لوط. الذنوب والمعاصي كارثة، ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30].

ولذلك الإنسان إذا استمرأ الذنب فان الذنب له ذنب آخر، الحسنة لها اخت والسيئة لها اخت. ولذلك أيها الأحبة الإنسان دائما وابدا أن يكثر الاستغفار والتوبة والإنابة والمحاسبة إلى الله، والعودة إلى الله سبحانه وتعالى ومحاسبة نفسه. لأن الذنوب كارثة، الذنوب كارثة أيها الأحبة. ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة، ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة.

يقول صلى الله عليه وسلم: «وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه». الرجل يحرم الرزق بالذنب يصيبه، الذنوب كارثة، الذنوب كارثة أيها الأحبة. ولذلك فعلا الإنسان يحرص، ها، وأنا آخذ بحجزكم من النار وأنتم تفلتون.

الشهوة، الشهوات إذا استحكمت بالانسان والعياذ بالله جرته جرا إلى معصية الله سبحانه وتعالى، ويمكن في البداية يعني يتأثر لكن بعد قليل يستمرئ. بعض الناس في بداية الذنوب والمعاصي قد تؤلمه نفسه، لكن بعد فترة لما يستمرئ الموضوع تصبح عنده سجية وعادة ولا يتأثر. ليش؟ لأن رانت على القلوب والعياذ بالله، غطت القلوب وأصبح الإنسان يرى المعروف منكرا والمنكر معروف.

إذا الشهوات كارثة والاستسلام لها كارثة، ولذلك أحبتي في الله نحرص نحرص على الابتعاد عن الذنوب والمعاصي. نفسك أوبقتك، سحبتك، تب إلى الله، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن يرزقنا خشيته في الغيب والشهادة، وأن يجعلنا وإاياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

واسأل الله عز وجل أن يرزقنا جميعا علما نافعا ورزقا واسعا وشفاء من كل داء، وصلي اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين. يا راغبا في كل علم نافع متطلع لزيادة الإيمان وتريد سهلا يأتيك ميسورا بأي مكان والسنة.