تسجيل الدخول

المحاضرة 22 - حديث: (ازهد في الدنيا يحبك الله...)

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريده سهل النوال ميسراً يأتيك ميسوراً بأي مكان. زاد أكاديمية ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن، والسنة الغراء شارحة له فهماً لنا من ربنا. وحياني بشر لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم. لقاء يتجدد مع أكاديمية زاد ومع مادة الحديث الشريف، ومع الحديث العشرين في هذا الفصل المبارك.

حديثنا اليوم هو من رواية سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه وأرضاه، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس». أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه وصححه الشيخ الألباني رحمه الله عليهم جميعاً.

أما راوي الحديث فهو سهل بن سعد بن مالك الأنصاري الساعدي، عاش سهل وطال عمره حتى أدرك الحجاج بن يوسف وامتحن معه. قال رضي الله عنه وأرضاه: شهدت المتلاعنين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن خمس عشرة سنة، روى عدداً من الأحاديث، وتوفي عام ثمانية وثمانين من الهجرة رضي الله عنه وأرضاه.

أما معاني الكلمات وشرح المفردات؛ فقوله في الحديث "دلني على عمل" أي: عمل جامع نافع في باب المحبة. "إذا أنا" أي: للتوكيد. "ازهد في الدنيا" أي: بترك حبها والإعراض عن زوائدها والإقبال على الآخرة وعوائدها. وقوله "يحبك الله" أي: لزهدك فيها وعدم الانشغال بها. "وازهد فيما عند الناس" أو فيما في أيدي الناس، أي: من المال والجاه، "يحبك الناس" لتركك محبوبهم وعدم المزاحمة على مطلوبهم.

قال والزهد لغة ضد الرغبة، والشيء الزهيد هو القليل، قال عز وجل: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: 20]. وأما الزهد في الاصطلاح فقد كثرت تعريفاته، وهو أن يخلو قلبك مما خلت منه يدك. وقيل وهذا من أشهر التعريفات لشيخ الإسلام ابن تيمية: ترك ما لا ينفع في الآخرة. هذه معاني الكلمات وشرح المفردات.

تعالوا بنا أيها الأحبة إلى هذا الحديث العظيم وما فيه من الفوائد الكثيرة. أولاً: دائماً نجد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة الذين يسألون، وفي العادة أنهم من الأفاقين ومن الأعراب الذين يأتون من قبائل أخرى ومن أماكن شتى؛ فالصحابة رضوان الله عليهم كانوا يهابون أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا يفرحون بمجيء الأعراب ومجيء الأغراب الذين يأتون من خارج المدينة يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا يسألون والصحابة يستفيدون، يسمعون وينقلون ما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم الذي أُوتي جوامع الكلم يعطي كل إنسان على قدر حاجته وعلى قدر ما يريد، كيف لا والله سبحانه وتعالى هو الذي يوحي إليه، ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3-4]. ولذلك يأتيه رجل يقول: أوصني يا رسول الله، يقول: «لا تغضب». زدني، قال: «لا تغضب». زدني، قال: «لا تغضب ولك الجنة». يأتيه آخر مثلاً معاذ يوم من الأيام يقول: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فرأيته يمشي لوحده، فاقتربت منه قلت: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته أدخلني الله به الجنة وباعدني عن النار. قال: «قد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه» إلى آخر الحديث. فمعاذ أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم حوالي صفحة كاملة أو صفحة ونصف حديث كامل، الأول لا؛ كلمة واحدة: «لا تغضب».

يأتي رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يقول: يا رسول الله، من أحب الناس إلى الله؟ وما أحب الأعمال إلى الله؟ فيبدأ يفصل. هذا الرجل جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس. الهمة عالية عند هذا الرجل، ولذلك يريد أن ينال محبة الله وأن ينال محبة الناس.

طبعاً لا بد أن نعرف يا إخواني وأخواتي وأبنائي وبناتي أن العمل مطلب في الدين؛ ما فيه دين بدون عمل، ما يجي الإنسان يقول: يا أخي أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وانتهت القضية. طيب صلِّ، قال: يا أخي الإيمان في القلب. طيب صُم، قال: يا أخي لا يكلف الله نفساً إلا وسعها. طيب زكِّ، قال: يا أخي والله ما هو بلازم. لا يا أخي الكريم، لا تجد دائماً في القرآن الكريم أن العمل مرتبط بالإيمان: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. ما ينفك العمل عن الإيمان، ولذلك الذي يقول هناك إيمان بدون عمل، نقول: ارجع إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تجد أن العمل جزء من الإيمان، لا ينفك عنه أبداً.

النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الإيمان بضع وستون شعبة أو بضع وسبعون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». كله عمل، الإيمان كله عمل. فقال: دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس. ما أجمل أن يحبك الله وأن يحبك الناس.

طيب لو نظرنا إلى لوازم محبة الله؛ إذا أحبك الله ما الذي تناله؟ ما هي لوازم محبة الله؟ كما جاء في الحديث: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه». هذه فقط بعض ثمار المحبة ولوازم المحبة؛ إذا أحبك الله سددك في سمعك، كنت سمعه الذي يسمع به وفي رواية: «فبي يسمع وبي يبصر»، يعني الله معك في كل شيء، في سمعك، في بصرك، في أخذك، في إعطائك، في ذهابك، في مجيئك، في سؤالك، في رغبتك، في رهبتك؛ هو معك في كل أحوالك.

ولئن سألني -شوف تأكيد- لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه. ماذا تريد بعد ذلك يا عبد الله؟ وماذا تريدين بعد ذلك يا أمة الله؟ ماذا نريد نحن إلا أن يكون الله معنا في كل أحوالنا؟ في أسماعنا، في أبصارنا، في أفعالنا، في ذهابنا، في مجيئنا، في دعائنا، في استعاذتنا. إذا لم يكن عون من الله للفتى، فأول ما يقضي عليه اجتهاده. ولذلك الإنسان يكون مع الله ولا يبالي، ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 3]. الزم باب العبودية ولا تخف، فاصل ثم نعود إليكم، وصلى الله على محمد.

عماد الدين، ثاني أركان الإسلام ومبانيه العظام، أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، صلة بين العبد وربه. فضائل سامية وخصال عالية اجتمعت في عبادة واحدة، إنها الصلاة.

قال عليه الصلاة والسلام: «أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟» قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا». وتبعد الإنسان عن الوقوع في المعاصي والمنكرات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]. فكيف لعاقل أن يرد كل هذه الهدايا والعطايا ويعرض نفسه لسخط الله وعذابه؟ فقد توعد الله المتهاون في أدائها فقال: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59]. وحين يسأل أهل النار عن سبب دخولهم فيها يكون أول جوابهم: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: 43]. لذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: لا يختلف المسلمون أن ترك الصلاة المفروضة عمداً من أكبر الكبائر، وأن إثمه عند الله أعظم من إثم قتل النفس وأخذ الأموال، ومن إثم الزنا والسرقة وشرب الخمر، وأنه متعرض لعقوبة الله وسخطه وخزيه في الدنيا والآخرة. فدين بلا صلاة كبيت بلا عماد، فإنها ميزان النجاة وسبيل الفلاح، فاحرص على إقامتها وسلامتها، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281].

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، نعود إلى الحديث الذي بدأنا فيه ونبدأ في قضية "دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس"، فقال صلى الله عليه وسلم: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما أيدي الناس يحبك الناس».

ازهد في الدنيا؛ أولاً دعونا نقف مع كلمة الزهد. الزهد كلمة جميلة، وكم من إنسان يريد أن يكون زاهداً ويحب أن يكون زاهداً وأن يوصف أنه زاهد، لكن الموضوع فيه طرفان ووسط. في زهد فيه غلو، وفي زهد فيه إجحاف، وفي زهد وسط؛ نحن نريد أن نتعرف على الوسط، وكذلك نتعرف على الجانبين الطرفين. عرفت الشر لا للشر أبتغي، ولكن لتوقيه؛ ومن لا يعرف الخير من الشر يوشك أن يقع فيه. عندنا زهد وسط وهو المطلوب، وكما قال ابن تيمية رحمه الله: ترك ما لا ينفع في الآخرة. فتترك من الدنيا ما لا ينفعك في الآخرة، وتأخذ بقدر حياتك، وبقدر ما يبلغك، وبقدر ما يعينك في حياتك.

في عندنا جانب فيه غلو في الزهد، وجانب فيه جفاء في الزهد. هناك من العلماء من قسم الزهد إلى ثلاثة أقسام، فقالوا: زهد واجب؛ يجب عليك، قالوا ما هو؟ قال: أن تزهد في المحرمات والمعاصي والمنكرات، وكل ما يغضب الله عز وجل. هذا يجب عليك وجوباً أن تزهد فيه وألا تقع فيه، وإذا لم تزهد فيه تأثم. وفعلاً الذي يقع في الذنوب الصغائر وفي الكبائر وفي الموبقات، هذه كلها محرمات يجب عليك أن تزهد فيها؛ ما هو بيدك شيء، ديناً يجب علينا أن نزهد فيها، فهذا قالوا الزهد الواجب الذي من لم يتركه يأثم.

طيب عندنا زهد مندوب؛ وهو الزهد في المباحات. الزهد في المباحات مندوب لك حتى لا تتلطخ بكثير من أمور الدنيا التي قد تشغله عن الهدف الأساسي لحياته، فهذا زهد مندوب، تزهد في المباحات، ما نقول تحرمها، تقول تزهد فيها؛ بعض كان كثير من السلف يترك شيئاً من المباحات حتى لا تسحبه إلى المكروهات، فتكون المباحات حاجزاً بينه وبين المكروهات. إذاً هذا هو الزهد.

طيب في عندنا زهد محرم؛ ما هو الزهد المحرم؟ الزهد المحرم الذي يمنعك أنك تقوم بشرع الله وبدين الله، الذي قد يؤدي بك إلى الغلو والتنطع، وهذا النبي نهى عنه لما سمع عن الثلاثة الشباب الذين سألوا عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فكأنهم تقالوها، أما واحد فقال: أما أنا فلا أتزوج النساء، والثاني قال: أنا أقوم الليل ولا أنام، والثالث قال: وأنا أصوم ولا أفطر. فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أما إني أتقاكم لله وأخشاكم له، أما إني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». إذاً هذا زهد محرم، أن الإنسان يترك شيئاً من الدين أو يترك شيئاً من الأوامر التي تعينك في الدين ويظن أنه سيأتي بشيء أفضل مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم؛ نقول: قف، لا تتعب نفسك.

طيب أعود إلى قضية: أن نزهد فيما لا ينفع في الآخرة؛ الذنوب، المعاصي، المحرمات، الأمور التي ما فيها فائدة؛ اتركها، ترك ما لا ينفع في الآخرة. يا أحبابي الزهد ما هو لباس يلبس، وشاح، مشلح، ولا شماغ، الزهد ما هو كذا. الزهد ما هو الثوب تلبسه أو عيشة متقشف تعيشها. بعض الناس عندهم مفهوم مغلوط للزهد؛ إذا لبس الخشن، وتبذل في ملبسه وهيئته، ومشى مطأطئ الرأس ومنكسراً، قال: هذا زاهد من الزهاد. عمر رضي الله عنه وأرضاه رأى رجلاً يمشي منكس الرأس متضاعفاً، فضربه بالدرة، قال: يا هذا ارفع رأسك، لا تُمِت علينا ديننا أماتك الله، ارفع رأسك، أنت قوي، أنت مؤمن، المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف.

فبعض الناس عنده مفهوم غلط عن الزهد، يظن الزهد التساكن وأن يكون مسكيناً، وأن يكون متبذلاً في ملابسه، متبذلاً في مطعمه ومشربه، متبذلاً في هيئته ورائحته؛ لا، هذا مفهوم غلط. قدوتنا النبي صلى الله عليه وسلم، النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا وجد أفضل الملابس لبسها، وإذا وجد أفضل الطعام أكله، وإذا وجد أفضل الطيب تطيب به، وإذا وجد أفضل النساء تزوجها. يا إخواني لماذا نحرم ما أحل الله لنا بدواعي غير صحيحة؟ ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]. أسوتنا وقدوتنا هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ما يفعله كثير من أهل البدع والخرافات وغير ذلك بداعي الزهد، من أين أتوا به؟ من أين أتوا به؟ هل الزهد ينقطع في الخلوات والفلوات وفي الأربطة؟

أما عن الزهد في الصحاري وعلى قارعة الطريق وفي المزابل، فهذا ليس زهداً؛ هذا تخلف وغباء وحمق مع الأسف. ويصور البعض أن هذا هو الزهد الحقيقي، وينسج له كثيراً من القصص، وكل قصة من هذا النوع تُضرب بعرض الحائط. نحن لا نتبع إلا رسول الله ﷺ في قوله وفعله وعمله واعتقاده وسنته وسمته وهديه. والزهد الحقيقي هو ترك ما لا ينفع في الآخرة.

أما ما يفعله بعض الناس، فقد رأت عائشة رضي الله عنها وأرضاها مجموعة من الشباب يمشون متساكنين، مطأطئي الرؤوس، فقالت: من هؤلاء؟ قالوا: هؤلاء قوم من المتنسكة، أي الزهاد، انقطعوا عن الدنيا. فقالت رضي الله عنها وأرضاها: كان عمر إذا مشى أسرع، وإذا أكل أشبع، وإذا ضرب أوجع، وكان خيراً منهم. ديننا ليس فيه تماوت ولا تماوج؛ ديننا دين القوة والجمال. لا يأتيني واحد -وبعض الناس تحصل ثوبه فوقه، أو ملابسه لها أسبوع لم يغسلها ولم يغيرها، وربما فترة لم يغتسل، وشكله حتى لحيته لا يمشطها ولا يتطيب- ويقول: هذا زاهد. أي زاهد؟ هذا كلام فاضي.

هذا يأتي في الدين بمنكر؛ يا أخي رسول الله ﷺ يقول: «حق على كل محتلم أن يغتسل في كل جمعة»، وأن يحتد، وأن يقلم ظفره، وأن يحسن، وأن يلبس أحسن ملابسه، وأن يتطيب في ظاهره، وأن ينتف إبطه، وأن يتجمل. يا أخي، لما جاء النبي ﷺ وقال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»، قال أحد الصحابة: يا رسول الله، إن أحدنا يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً، فقال: «إن الله جميل يحب الجمال. الكبر بطر الحق وغمط الناس». البس أحسن الملابس، تطيب بأفضل الطيب، كن صاحب هندام جميل وشكل جميل ومنضبط، وكن داعية للإسلام بمظهرك ومخبرك وجوهرك. إذاً لا تماوت ولا تكاسر؛ هذا ليس من الدين. الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والبس أجمل؛ فقد لبس النبي ﷺ أجمل الملابس، وأكل أفضل الطعام، وتطيب بأفضل الطيب، وتزوج أجمل النساء وأحسن النساء، وهو رسول الله ﷺ، وما نقص ذلك منه شيئاً. أما ما يُفعل من مفاهيم خاطئة، فالدين منه براء.

هل كرم المرأة أحد مثلما كرمها الإسلام؟ فالنساء شقائق الرجال، وإنما خُصت المرأة ببعض الأحكام كإعفائها من الجمع والجماعات لأنوثتها لا تحقيراً لها. فللمرأة حقها في التعليم، وقد خصص النبي ﷺ درساً لتعليم النساء، ولا يمنعها الحياء من طلب العلم؛ قالت عائشة رضي الله عنها: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين. والتعليم حق للمرأة على أبيها وزوجها. عن علي بن أبي طالب في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6]، قال: علموهم وأدبوهم. وتُعلم المرأة زوجها إن كانت أعلم منه؛ قال النبي ﷺ لأبي رافع حين علمته زوجته بعض الأحكام: «يا أبا رافع، إنها لم تأمرك إلا بخير». والتاريخ الإسلامي زاخر بالنساء العالمات المعلمات، كعائشة أم المؤمنين؛ قال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأياً في العامة. ومنهن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، وحفصة بنت سيرين البصرية، وفاطمة بنت عباس البغدادية. فتعلمي واعملي وأبشري، قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 124].

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد؛ فما زلنا مع هذا الحديث العظيم: «ازهد في الدنيا يحبك الله». اترك المحرمات والمكروهات، اترك كل ما لا يرضاه الله ولا يحبه في الدنيا يحبك الله. ازهد فيها، لا تذهب نفسك؛ لأن بعض الناس يا أحبابي يزهد لأنه ما عنده شيء، هذا ليس زهداً. ولذلك قال العلماء حينما تكلموا عن الزهد: قالوا هناك زهد اضطرار وزهد اختيار، فأيهما أفضل؟ لا شك أن زهد الاختيار أفضل. إنسان يزهد لأنه ما عنده شيء، مضطر أنه يزهد، فقير ما عنده شيء، هذا زهد اضطرار. طيب زهد الاختيار؟ عنده المال والمتاع والدنيا ومع ذلك يزهد فيها، ما لها قيمة عنده أبداً. هذا رسول الله ﷺ، وهؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم، وهؤلاء التابعون رضوان الله عليهم، جاءتهم الدنيا ومع ذلك زهدوا فيها.

ابن المبارك رحمه الله، عالم وأمير المؤمنين في الحديث، كان يأخذ الحجاج من مرو إلى مكة والمدينة للحج والعمرة، وهو ابن المبارك صاحب الأموال، فينفق على القافلة من جيبه وهم يأكلون ويشربون وهو صائم. هذا هو المطلب، هنا الكرامة، هنا الميزة: أن تزهد اختياراً لا اضطراراً. المضطر كل واحد فينا يقدر يزهد إذا ما عنده شيء، لكن التميز أن يكون عندك المال وعندك كل شيء ومع ذلك تزهد، تترفع، تترك ملاذ الدنيا وشهوات الدنيا لله سبحانه وتعالى، تحرم نفسك المباحات وما استطعت إرضاءً لله وإرغاماً للشيطان. هذا الزهد؛ كان عمر رضي الله عنه وأرضاه عنده بيت مال المسلمين، فيقرقر بطنه من الجوع، فيقول: قرقري أو لا تقرقري، والله لا تشبعين حتى يشبع أبناء المسلمين. إذاً فرق بين أن تزهد مضطراً أو أن تزهد مختاراً، والأعظم الاختيار لا شك.

ازهد في الدنيا، حب الدنيا رأس كل خطيئة، ولذلك جاء التحذير في القرآن وفي السنة: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: 33]. احذر من الدنيا، لا تمل إليها، لا تشرق بحبها، الدنيا مزرعة الآخرة. النبي ﷺ يقول: «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، أو عالماً أو متعلماً». سمعت يا عبد الله؟ الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، أو عالماً أو متعلماً. حب الدنيا رأس كل خطيئة. ما الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما يضع أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بماذا يرجع من اليم؟ الدنيا كلها منذ أن خلقها الله، ضع إصبعك في اليم ثم انزع الإصبع، ما يلحق بالإصبع هذه الدنيا، وأما الآخرة فالبحر. لو كانت تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء، ما تعدل شيئاً، لكن أين العقول التي تفكر؟

لذلك يقول ﷺ: «من كانت الدنيا همه فرق الله عليه شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له. ومن كانت الآخرة همه، رضي الله عز وجل، جمع الله عليه شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة». قضية واضحة، معادلة واضحة جداً. ولذلك احرص على الموت توهب لك الحياة، هكذا كان الصحابة يوصون الجنود والمقاتلين للجهاد، ذاهبون للجهاد لكن الركون للدنيا كارثة. حب الدنيا رأس كل خطيئة. نعم الإنسان لا يخطئ إلا إذا أحب الدنيا فيخطئ، لكن لو أنه زهد في الدنيا ما نظر إليها. يا دنيا، يقول علي رضي الله عنه وأرضاه: يا دنيا يا غرورة، غري غيري فقد طلقتك ثلاثاً، يعني ما في رجعة. ويقول رضي الله عنه وأرضاه: إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، وإن لكل منهما بنوناً، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل.

إذاً إن زهدت في الدنيا أحبك الله. إذاً ماذا يكون هدفك؟ هدفك الله، إرضاء الله، طلب مرضاة الله وما عند الله سبحانه وتعالى. وخف من الدنيا، لأن الإنسان إذا مال إلى الدنيا هلك، ولذلك خذ منها بقدر ما يبلغك. يقول ﷺ: «ما لي وللدنيا؟ ما أنا إلا كراكب استظل تحت ظل شجرة ثم راح وتركها». هذه الدنيا ما لها قيمة. ليس معنى هذا كما قلت أن نحرم ما أحل الله، لا، لكن اجعل الدنيا في يدك ولا تجعلها في قلبك، إن استقرت في قلبك هلكت.

ولذلك مسألة الشيء بالشيء يُذكر، أيهما أفضل الغني الشاكر أم الفقير الصابر؟ هذه مسألة مهمة. أيهما أفضل الغني الشاكر أو الفقير الصابر؟ قال بعض أهل العلم: الغني الشاكر أفضل، وقال قوم: بل الفقير الصابر أفضل. فقال بعض العلماء منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم: لا، بقدر صلاح القلب والحال؛ هناك من الأنبياء من كان يملك الدنيا كسليمان عليه السلام، وهناك من الأنبياء من كان فقيراً، وهناك من جُمع له؛ النبي ﷺ كان يوماً من الأيام الدنيا بيده، ويوماً من الأيام يربط الحجر على بطنه والحجرين من شدة الجوع. ما فيه سواء، قد يكون هذا أفضل وقد يكون هذا أفضل، لكن بقدر ما يحل في القلب من يقين وإيمان وتعلق بالرحمن سبحانه جل في علاه.

إذاً ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس. أه، الناس أعداء للناس إذا نظروا إلى ما في أيديهم. تبغى الناس يحبونك؟ لا تسأل الناس أموالهم، لا تسأل الناس ما في أيديهم، لماذا؟ لأن القضية مشكلة؛ تنظر إلى ما في يدي، إذاً أنت تطمع فيما عندي. ولذلك هذا الكلام كلام نبوي، أيها الأحبة، ازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس. يقول أحمد بن حنبل رحمه الله لأحد السلف: كيف النجاة من الناس؟ فيقول: البشر الحافي؛ فيقول: أن تعطيهم من مالك ولا تسألهم أموالهم، وأن تقضي حوائجهم ولا تسألهم حاجتك، وأن تحسن إليهم وأن تتحملهم، قال: وليتك تسلم، ثم ليتك تسلم، ثم ليتك تسلم.

إذاً الإنسان يحرص؛ اجعل حاجتك لله، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. الناس يغضبون من الذين يسألونهم ما في أيديهم، إلا من وفقه الله، ترى بعض الناس عنده طبع الكرم والعطاء يحب أن يعطي، أن يتصدق، أن يبذل، أن ينفق، وبعض الناس لا؛ محروم شحيح بخيل. فالكريم هذا متى ما جئته يفرح بالصدقة بالعطية بالهبة، وبعض الناس لا، مريض مسكين. لكن يعني الوصفة العامة: حاول قدر الإمكان ألا تسأل الناس مما في أيديهم، مع أن السلف ثابت في الشرع والنبي ﷺ استدان من مسلم ومن غير مسلم، هذه قضايا من الأمور المسلمات، لكن بعض الناس لا، كأنه خلاص هذا تملكه إلى قيام الساعة، فنقول لا. الأول ماذا يقول؟ يقول: سألنا فأعطيت وعدنا فعدتم، ومن يكثر التسول يوماً سيحرم، لكن نقول المسلم مفتاح للخير مغلاق للشر. لكن الوصفة النبوية الشريفة: ازهد في الدنيا سيحبك الله، لأن الدنيا تسحبك للذنوب والمعاصي، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس، لو كان أقرب الناس لك حاول أن تجعل حاجتك لله سبحانه وتعالى. الوقت انتهى أيها الأحبة، ولا يسعنا إلا أن نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل حاجتنا له سبحانه، ونسأله سبحانه وتعالى أن يمن علينا بفضله وجوده وكرمه وعطائه وخيره في الدنيا وفي الآخرة، وأن يغنينا عمن سواه. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.