بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم.
حديثنا في هذه السلسلة المباركة هو الحديث الواحد والعشرون، وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». رواه مسلم.
أيها الأحبة الأفاضل، أولاً: الموت حقيقة لابد لكل مسلم أن يعيها، وألا تغيب عن عينيه أبداً، وأن يعلم أنه لن يخلد. لو كان سيخلد أحد لخلد رسولنا صلى الله عليه وسلم، لكن الله ماذا قال؟ ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30]. و﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185].
إذاً، هذه قضية مسلمة ينبغي ألا ننسى، وينبغي دائماً أن نتفكر في الموت، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لنا: «كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها؛ فإنها تذكركم الآخرة». وأكثروا من ذكر هادم اللذات ومفرق الجماعات. إذاً أحبتي في الله، أول فائدة اليوم هي أهمية تذكر الموت كثيراً؛ لأن التذكر للموت يجعلك دائم الاستعداد، ودائم المحاسبة، ودائم التوبة، ودائم العمل، ودائم المراقبة. يجعلك دائماً في مسابقة مع الوقت.
وكما قال الأول: الموت لا والداً يبقي ولا ولداً، هذا الطريق إلى أن لا ترى أحداً. كان النبي صلى الله عليه وسلم سيد الخلق ولم يخلد لأمته، لو خلد الله خلقاً قبله لخلد، لكن لن يخلد، مات صلى الله عليه وسلم. عُرضت عليه الدنيا، مفاتيح خزائن الدنيا والخلود في الدنيا والجنة، أو لقاء الله والجنة، فاختار لقاء الله والجنة. لماذا الدنيا؟ ما تعدل عند الله جناح بعوضة.
ولذلك الموت قضية يا إخواني وأخواتي ينبغي أن تكون على البال. مات الكبير والصغير، والمرأة والعالم والجاهل، والبر والفاجر، ناس كلهم سيموتون ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: 26]. وبالتالي لما الإنسان يوقن بهذه القضية وبهذه المعاني يصبح عنده استعداد، ما عنده غفلة، ما عنده نوم، ما عنده كسل، ما عنده ركون للدنيا، بل هو دائماً في مجاهدة وفي مثابرة وفي مسابقة إلى رضاء الله سبحانه جل في علاه.
يغتر جهول أمله، يموت من جاء أجله، ومن دنا من حتفه لم تغنِ عنه حيله. وكيف يبقى آخر ما راح منه أوله؟ والمرء لا يصحبه في القبر إلا عمله. يا ابن آدم إنما أنت أيام، كلما ذهب يومك ذهب بعضك، وإذا ذهب بعضك ذهب كلك. يا من بدنياه اشتغل وغره طول الأمل، الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل.
إذاً يا عبد الله، يا أمة الله، أيها المسلم والمسلمة، انتبهوا، بادروا بالأعمال. يقول صلى الله عليه وسلم: «اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك». اغتنمها. الإنسان في هذه الدنيا يضع أمامه ثلاثة مشاريع رئيسية ينبغي أن ينتبه لها: المشروع الأول الصدقة الجارية، المشروع الثاني العلم الذي ينتفع به، المشروع الثالث الولد الذي يدعو له.
أتمنى أن تكون هذه المشاريع نصب أعيننا، ثلاثة أهداف رئيسية في حياتي وحياتك وحياة كل مسلم. الهدف الأول الصدقة الجارية، الهدف الثاني العلم الذي ينتفع به، الهدف الثالث الولد الذي يدعو له. طبعاً كل هدف يتفرع منه فروع. مثال الصدقة الجارية؛ هذا هدفي الأول، أنا سأموت، كل واحد فينا سيموت، كيف أستطيع أن أجعل لي صدقة جارية تعطيني حسنات تدر عليّ حسنات بعد أن أموت؟
ما أشكال الصدقات الجارية؟ كثيرة، ولو جلست مع نفسك وأخذت تتفكر ستجد أنواعاً كثيرة وأشكالاً وفيرة. بالصدقة الجارية مثلاً وقف العقارات؛ يا أخي أوقف عقاراً. والصحابة رضوان الله عليهم ما كان أحد يجد شيئاً من الدنيا إلا أوقف، ضع لك وقفاً. طيب أنا الآن ما أقدر؟ طيب يا أخي ساهم في أوقاف؛ الآن ما شاء الله مشاريع الأوقاف كثيرة، وما بين الفينة والأخرى تأتيك رسائل، تسمع عن مشاريع وقف البلد الحرام، وقف كذا، وقف الأيتام، وقف القرآن.
ساهم فيه بقدر ما تستطيع ولو بشيء يسير، ما تقدر تبني مبنى، توقف عمارة، توقف شقة؛ يا أخي ساهم في هذه المشاريع، الصدقات الجارية وأجرك يدر عليك بقدر مساهمتك. أظن ما لنا عذر، ولذلك أي مشروع تسمع فيه وقف، لا تبخل على نفسك ولو بمئة ريال، ولو بخمسين ريال، لكن أقول زد قدر ما تستطيع.
أقول ولو بريال إذا ما عندك. كلامي عام لمن يسمعني، لكن كلما أعطيت كل ما كان المردود أكثر لك. وبالتالي لا يمر عليك مشروع تسمع به صدقة جارية، بناء مسجد، بناء أوقاف، بناء كذا، لا تبخل؛ ﴿وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ [محمد: 38].
فبالتالي أنا أقول الأوقاف فرصة، فرصة، السلف يا إخواني حتى كبار السن إلى الآن عندهم هذا المبدأ؛ أن يوقف لخدمة الدين، لخدمة القرآن، لخدمة الفقراء، لخدمة العلماء، لخدمة الدعاة، لخدمة الأرامل والأيتام. أوقف صدقة جارية؛ أنت في قبرك آلاف السنين تمر عليك، والعداد يشتغل، والحسنات تعمل وتتكاثر وتتوافر. صدقة باردة، سهلة، ميسرة.
لا يكاد يوم يمر إلا ويعرض لنا أمر نحتار في حكمه الشرعي فكيف نتصرف؟ الحل أن نستفتي العلماء، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. وثم آداب ينبغي أن يتحلى بها المستفتي؛ آداب في نفسه وآداب مع العالم، وآداب في طريقة السؤال؛ فيستفتي أهل الذكر المتبعين للأدلة، ويتجنب من يفتون بالجهل أو الهوى. قال صلى الله عليه وسلم: «إن من أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلين».
ويعرض السؤال على حقيقته دون كذب أو كتمان، وليعلم أن تدليسه لا يحل له الحرام، فإنما يفتيه المفتي على حسب ما يسمع، ويوقر مفتيه. قال صلى الله عليه وسلم: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه». ويتحين الوقت والحال المناسب للسؤال، ولا يقاطع الشيخ ولا يلح عليه إذا اعتذر عن الإجابة، ولا يضيع وقته بما لا علاقة له بالسؤال، ويترك السؤال عما لا يعنيه. قال صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».
ويتقبل الحكم الشرعي ولو لم يكن على هوى، قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].
ما زلنا نتكلم عن الأوقاف، أقول فرص تأتينا مشاريع تمر علينا لا نعرض عنها، لا نريد الصفح، لا نلتفت، لا نتعامل. ابذل لنفسك يا أخي، عندك مئة ريال؟ طيب، خمسين لي، وخمسة وعشرين لأبي، وخمسة وعشرين لأمي، طيب ممكن توزعها لي، جزء لزوجتي وجزء لأبنائي وجزء لأبي وجزء لأمي وجزء لإخواني وجزء لأخواتي، حاول، ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8].
يا رسول الله ما أفضل الصدقة؟ قال: «جهد المقل». اللي ما عنده إلا شيء قليل ومع ذلك يعطي ويبذل ويتصدق وينفق، لا تبخل، تبخل على نفسك، الله سيعيدها. فاقول هذا نوع من الصدقات الجارية. بناء مسجد، يا سلام لو قدرت تبني مسجداً، كل من يستفيد من هذا المسجد يجري لك مثل أجورهم، وهي أيضاً والآن الحمد لله في كثير من مناطق المسلمين يحتاجون بناء مساجد.
أيضاً المصاحف؛ تولي طباعة المصاحف ونشرها بين الناس في المساجد وفي البلاد التي ما فيها مصاحف، أيضاً الكتب، أيضاً من الصدقات الجارية، بناء المدارس، الثلاجات، المكيفات في المساجد أيضاً من الصدقة الجارية. شاهد أيها الأحبة، لن نعدم مثل هذه الصدقات الموجودة، وترى لا يشترط أنك تكون عندك أموال كثيرة، يا سلام لو كان عندك أموال كثيرة ضع الأوقاف.
أنا كنت أسمع قبل أيام برنامجاً في الإذاعة ويقول أحدهم: جلست في أحد المجالس مع بعض التجار الكبار، يقول: فأحدهم تأثر فقال يا شيخ، أنا عندي مليار ريال أريد أن أوقفها. مليار، عايزين كمان مليار، يعني ألف مليون ريال، من الذي استطاع أن يترفع بشهوات نفسه ورغبات قلبه فينفذ المليار يجعلها أوقافاً لله؟ ترى الأمة فيها خير كثير، ونسمع ما بين الفينة والأخرى من ينفقون مئات الملايين وأيضاً المليارات.
الناس يتحدثون قبل فترة عن أحد التجار العالميين غير المسلمين، يعني أنفق قرابة أربعين مليار دولار وقال هذه أوقاف للأعمال الخيرية وهو غير مسلم، فكيف بالمسلم الذي يوقن أن الله سيعيد عليه أضعافاً كثيرة؟ فإذاً الأوقاف فرصة، إن أعطاك الله المال أوقف لنفسك ولوالديك ولزوجتك وإخوانك وأخواتك وأبنائك ومن تحبهم في الله، ولك مثل أجرهم، كذلك لن تُعدم الأجر. إذاً هذا الهدف الأول الصدقة الجارية، هذا هدف رئيسي في حياتنا لأنه أنت بعد موتك هذه الأهداف الثلاثة ستكون هي التي تدر عليك.
الهدف الثاني قال: «علم ينتفع به»، يا سلام العلم الذي ينتفع به. التعليم، والتأليف، وتدريس الناس، والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وكفالة الدعاة، وإنشاء المعاهد، وإنشاء المراكز العلمية، وتسيير الرحلات الدعوية والقوافل الدعوية للطلاب والطالبات. يا أحبابي، يا أحبابي، علم ينتفع به.
المحاضرات، والدروس، والخطب، والمواعظ التي يستفيد منها الناس علم ينتفع به، سواء كان العلم شرعياً أو غير شرعي مما يفيد الناس في حياتهم، علوم الطبيعة، علوم الطب والهندسة والحاسوبات، وهذه كلها أشياء مما يفيد الناس، وبالتالي قال علم ينتفع به. لا شك أن أعظمها علم الشريعة، علم الدين، العلم ما كان فيه قال حدثنا، وما سوى ذاك وسواس الشياطين، المقصود من البدع والخرافات التي كانت في ذاك الزمان.
لكن نقول العلم الذي ينتفع به سواء العلوم الشرعية وما يتعلق بها، أو علوم الدنيا وما يتعلق بها وتنفع الناس. وأنا أقول فرصة، هذه رسالة نوجهها الآن إلى التجار وإلى الموسرين، كثير من الناس يقول لك: يا أخي أنا أبغى أبني مسجداً، طيب جزاك الله خيراً، لكن ترى في بعض الأوقات في مشاريع أفضل من بناء المساجد، مثل ماذا؟ بناء المدارس، لأن المدارس تخرج لك دعاة وعلماء وهذا خيره متعدٍ.
كفالة الدعاة وطلبة العلم والقيام على تدريسهم وعلى تنشئتهم للعلم الشرعي، وبعد ذلك يتولون الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. أنا قد أبني مسجداً في منطقة فيها عشرون مسجداً، فيها مئة مسجد، فيها ألف مسجد، فيها ثلاث مساجد، لكن سيصبح العدد زائداً، فلماذا أنا لا أكون أكثر فقهاً وأسأل من عنده من يريد أن يبني مساجد، مدارس مثلاً، معاهد شرعية لتخريج، معاهد أيضاً لتقوية علوم الآلة عند الدعاة وعند أهل العلم الذين يحملون هم الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.
فأقول أيها الأحبة، العلم الذي ينتفع به أشكاله كثيرة، يعني أنا ما شاء الله تبارك الله، في بعض أسمع عن بعض الدول تكفل الداعية، يعني أظن بخمس مئة ريال سعودي، سبع مئة ريال، ألف ريال سعودي، تكفل داعية. هناك من الدعاة من كفالته ألف دولار في الشهر، ومنهم من كفالته مئتين دولار، مئة دولار أو مئتين دولار أو ثلاث مئة دولار في الشهر، لكن هذا يجوب القرى، ويجوب الهجار، ويذهب للناس، ويعمل في الدعوة إلى الله خاصة في أفريقيا، وأنت في بيتك وهذا يتولى الدعوة إلى الله ويدخل في الإسلام ألوف مؤلفة في موازين حسناتك.
إذاً ينبغي أن نكون أكثر فقهاً في التعامل مع الأموال، صدقة جارية من جهة، ولا يلزم دائماً تكون الصدقات مساجد، إذا كان المسجد في منطقة يحتاج إليها فأنا أنعم وأكرم، والحمد لله، ومن بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة. لكن أيضاً أن نهتم ببناء القلوب والنفوس والعقول، أن نهتم ببناء الإيمان، بناء التوحيد، بناء العلم، وهذا حقيقة مما يتصدى له العلماء، ينشرون العلم، يدرسون الناس.
يا إخواني لما نسمع مثلاً عن بعض علماء الأمة لهم ثلاث مئة، أربع مئة، ست مئة، سبع مئة ألف سنة قد ماتوا، ومع ذلك حياتهم إلى الآن مستمرة؛ قل لي مثلاً واحداً مثل ابن تيمية، ابن القيم في القرن السابع والثامن الهجري، أحمد بن حنبل في القرن الثاني الهجري، العز بن عبد السلام، الليث بن سعد، أبو حنيفة، مالك بن أنس، الشافعي رحمه الله، محمد بن عبد الوهاب، علماء الأمة لهم سنين قد ماتوا، ومع ذلك هم أحياء بأيش؟ بعلمهم. لما نقول ابن تيمية رحمه الله، لما نقول الشافعي رحمه الله، لما نقول مالك بن أنس رحمه الله، الإمام أحمد رحمه الله، إذاً نجد أننا نترحم عليهم.
هم صحف قبورهم، لكنهم أحياء بين الناس بعلمهم؛ فأنت إن وفقك الله إلى التعليم أو التدريس أو التأليف أو كفالة الدعاة، أو كفالة العلماء، أو كفالة المدارس، أو نشر علم ينتفع به عبر القنوات الفضائية، فهذا أيضاً من العلم الذي ينتفع به.
الدروس والمحاضرات، وإيجاد القنوات الفضائية، ومواقع الإنترنت التي تبث العلم الشرعي، ومواقع اليوتيوب، والفيسبوك، وتويتر، كل هذه متى ما سُيرت في الدعوة إلى الله، كم ستنتج من أجور؟ وكل من رآها؛ بمعنى أن المسلم يكون عنده أيضاً هدف «علم ينتفع به». فاصل ثم نعود إليكم، وصلى الله على محمد.
أنيق المنظر، طيب المخبر، مجالسته أنفع مجالسة، ومؤانسته أمتع مؤانسة، إنه الكتاب؛ من خلاله نجالس العلماء والصالحين. قيل لابن المبارك: ألا تجلس معنا؟ قال: ما أجلس إلا مع الصحابة والتابعين، يعني قراءة سيرهم. وقد كان العلماء مشغوفين بالكتب شراءً وقراءة؛ قال ابن الجوزي: ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتاباً لم أره فكأني وقعت على كنز، ولو قلت إني طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر.
طالب العلم لا تخلو مكتبته من الكتب الأساسية في شتى العلوم؛ ففي التفسير مثلاً: تفسير السعدي وتفسير ابن كثير، وفي العقيدة: كتاب التوحيد والطحاوية والواسطية مع بعض الشروح، وفي الحديث: الكتب الستة مع أهم شروحها، وهكذا بقية العلوم. وقبل الشراء استشر أهل الخبرة ليدلوك على أهم الكتب وأفضل الطبعات، لا سيما ما حققه العلماء الثقات كالألباني وبكر أبو زيد. احرص على التنويع في شراء الكتب، ولا تقتصر على فن واحد أو فنين، واعتن بكتب النوازل الفقهية والعقدية. ولا تبخل بإعارة الكتاب، وحافظ عليه إن استعرته، ولا تستكثر ما تنفقه في شراء الكتب، وصدق من قال: تلك النفائس لو تباع بوزنها ذهباً لكان البائع المغبونا.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. ما زلنا مع هذه الدرة من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، تكلمنا عن الصدقة الجارية وأشكالها وأنواعها، الهدف الأول في حياتك وفي مشاريعك المستقبلية بعد الممات. الهدف الثاني: العلم الذي ينتفع به، وتكلمنا عن أشكاله وعن أنواعه وعن فضائله، وأن الإنسان يا أحبابي لا يحقر شيئاً؛ علم ينتفع به، تورث كتاباً، تورث كتيباً، تورث حلقة تلفزيونية، تورث أمراً يكون فيه علم.
وترى مكانة المعلم ما هي سهلة، مكانة المعلم ما هي سهلة أبداً، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض، حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير». معلم الناس الخير علم ينتفع به، وما دام أنت معلم للناس، تعلم الناس وتهدي الناس وتبلغ دين الله وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فأنت في خير عظيم، أنت في خير عظيم. ولذلك علم ينتفع به؛ سواء علم مادي محسوس ككتاب أو ما شابه ذلك، أو علم من تعليم الناس مواعظ الناس، خطب الجمعة، الدروس، الندوات، وما إلى ذلك.
الهدف الثالث في الحديث أن يجعل الإنسان نصب عينيه بعد أن يموت، قال: «أو ولد صالح يدعو له». ولد صالح يدعو لك، إذاً هذا الولد الصالح قال: «يدعو له». خلونا نقف مع قضية ولد صالح؛ عادة الولد الصالح بعد توفيق الله قضية الأرض الخصبة التي يخرج منها هذا الولد؛ بمعنى أنك إذا أردت صلاح الولد ابحث عن صلاح الزوجة الأم، لذلك الإنسان ينبغي أيها الأحبة أن يحرص على اختيار الزوجة الصالحة؛ لأن هذه الزوجة ستنتج له الأولاد البنين والبنات، فإذا كانت المرأة صالحة خرج الأبناء صالحين، وإذا كانت المرأة فاسدة خرج الأبناء فاسدين، هذا الأصل إلا أن يشاء الله.
ولذلك الإنسان ينتبه، جاء رجل إلى عمر رضي الله عنه وأرضاه يشتكي عقوق ولده، وجاء عمر بالولد فقال: يا أمير المؤمنين، إن أبي لم يحسن لي في تربيتي أو في شيء من هذا القبيل. وقال الغلام: يا أمير المؤمنين، ما هو حقي تجاه أبي؟ قال: حقك تجاه أبيك أن يحسن اختيار أمك، وأن يحسن اسمك، وأن يحسن تربيتك. فقال: والله ما فعل شيئاً من هذه والدي؛ أما أمي فكانت أمة مجوسية، فأخذها وطلقها وأعتقها وتزوجها، وأما اسمي فجعله كذا، وأما تربيتي فما رباني. فنظر عمر إلى الرجل وقال: قد عققت ابنك من قبل أن يعقك. شاهدي أن الإنسان ينبغي أن يختار المنبت الحسن، لأنه إذا بذر فيه بذرة خرجت حسنة؛ إذاً قضية اختيار الأم هذا مطلب مهم جداً.
قضية التربية: تريد ابنك ولداً صالحاً يدعو لك وأنت ما ربيته على التربية الحسنة؟ ما يمكن، لكن في الأصل كما تدين تدان، من زرع الشوك يحصد الشوك، ومن زرع الورد يحصد الورد، والذي لا يزرع لا يحصد. وبالتالي لما جاء رجل إلى عمر يقول: يا أمير المؤمنين، إن ابني ضربني، استعجب: ابن يضرب أباه! فدعا بالغلام فجيء به، أضربت أباك؟ فنظر الرجل إلى الرجل وقال: هل علمته القرآن؟ قال: لا. هل علمته السنة؟ قال: لا. هل علمت آداب العرب؟ قال: لا. قال: ماذا علمته؟ قال: علمته الحراثة والسقاية. قال: نعم، ظنّك ثوراً فضربك، ظنّك ثوراً فضربك. إذاً أنت الآن لم تربّه، ولم تعلّمه، ولم تحفظه القرآن ولا السنة ولا الأخلاق، ماذا تريد أن ينتج لك؟
لذلك أيها الأحبة «أو ولد صالح يدعو له» لابد أن نتعب فعلياً في تربية أبنائنا، وأن نأخذهم باللين وبالحزم بالحرص، وبعض الأوقات لو كان أيضاً بشيء من القوة لا بأس، لكن أن نتعب على تنشئتهم التنشئة الصالحة مطلب لك، هذا هو رأس مالك؛ ترى رأس مالك ما هي الوظيفة ولا هي الشهادة، مع الأسف كثير من الناس قد يقع في أخطاء، ويبذل وقته وجهده للعمل والوظيفة والدراسة، وينسى أن رأس مالك الحقيقي هم أبناؤك وبناتك. لذلك إذا أصلحت هؤلاء الأبناء أو كنت سبباً في صلاحهم أخذت الثمار في الدنيا، كانوا خير المعين لك بعد الله سبحانه وتعالى، خير من يقف معك بعد الله سبحانه وتعالى، خير من يكون معك قوة ورِدْءاً ومعيناً. الإنسان سيكبر سيضعف، يأتي هؤلاء الأبناء الأقوياء الأشداء فيقفون مع آبائهم.
طيب هذا في الدنيا، طيب في الآخرة؟ في الآخرة إذا متّ أنت سيكون هذا الولد دائماً يدعو لك ويستغفر لك، وقال: «يدعو له». انتبهوا وهذه قضية الدعوة مهمة جداً يا أحبابي؛ يعني أيهما أفضل؟ وأذكر كثير من مشايخنا لما قال: يا شيخ، أنا أريد مثلاً أن أعتمر عن والدي أو أحج عن والدي، فما كان يقول: اعتمر عن نفسك، حج عن نفسك، وادعُ لوالديك. لماذا؟ لأن الرسول قال: «أو ولد صالح يدعو له». شوفوا يا أحبابي كلمة «يدعو له» مفتوحة؛ أنا لو أردت أن أحج عن أبي، فالحج والعمرة مو دائماً متيسرة، المال ما هو دائماً متيسر، الصدقة ما هي دائماً متيسرة، لكن الدعاء متيسر مفتوح أربع وعشرين ساعة، تستطيع أن تدعو لأبيك ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً، وهذا شيء لا يعذرك الله فيه، ما تقدرون تقولوا أنا ما عندي وقت، لا لا لا، عندك.
شوف «أو ولد صالح يدعو له»، طيب هل في أوقات؟ لا، مفتوح، تقدر وأنت ماشي وأنت جالس وأنت في الليل وأنت في النهار تدعو لوالدك؛ تدعو لوالدك، تدعو لوالدك، وهذه من فضل الله، بعض الناس ما ينتبه لهذه القضية. أولاً الدعاء: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء». ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186]. وقال ربكم: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]. إن الله يحب الملحّين في الدعاء، إن الله يغضب من العبد الذي لا يسأله ولا يدعوه، إذاً الدعاء هو العبادة كما قال صلى الله عليه وسلم، فما عندك عذر؛ أنا ما عندي وقت، أنا ما أقدر، أنا مشغول، لا لا لا، الدعاء مفتوح لك، أسهل شيء؛ إذاً يمكن المال غير موجود، الجهد غير متوفر، المكان غير مناسب، لكن الدعاء مفتوح لك تدعو لوالدك.
ولذلك قال: «أو ولد صالح يدعو له»، دائماً لا تجد الإنسان ولا عاق يدعو لوالديه، يمكن بعض الأبناء العاقين يسب والده أو يدعو على والده، ها، لكن الصالح لا: اللهم اغفر لأبي، اللهم اغفر لأمي، اللهم اغفر لوالدي، دائماً يدعون لآبائهم وأمهاتهم. إذاً الاهتمام بالتربية، الاهتمام بالزوجة، الاهتمام بالتنشئة، الاهتمام بالأبناء؛ ولد صالح هذا استمرار لمشروعك بعد الموت، استمرار لمشروعك بعد الموت أن الإنسان دائماً وهو يقدم. فأنت في الدنيا ستقدم، لكن في الآخرة إذا لحقت بالرفيق الأعلى لن تقدم شيئاً إلا ما ورثته قبل أن تموت؛ إما صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له. هذه أمور ثلاثة أيها الأحبة لابد أن ننتبه لها أن تكون من أهدافنا؛ كما أن عندنا أهداف في الدنيا نسعى لتحقيقها من أجل الدنيا، اجعلوا لنا أهدافاً في الآخرة بعد أن تموت: هذه الأهداف الثلاثة؛ الصدقة الجارية، العلم الذي ينتفع به، الولد الصالح الذي يدعو لك.
ولذلك هنا رغب العلماء كذلك في -اسمحوا لي لا يزعلون أخواتي وبناتي النساء- قضية الاستكثار من الأولاد، استكثر من الأولاد، خلي عندك أولاد، ولذلك جاء التعدد في الإسلام، ليش؟ الاستكثار من الأولاد؛ بدل ما يكون عندك واحد يكون عندك عشرة، بدل ما يكون عندك عشرة يكون عندك عشرين، وقضية الرزق على الله سبحانه وتعالى، لكن لعله يخرج منهم واحد أو اثنين يكون سبباً في ارتقائك في الجنة إذا قصر بك العمل أو الجهد. خلونا نكون واقعيين، اتركونا من العواطف، نتكلم كلام واقعي: استكثر، سواء كانوا أولاداً أو بنات، أحمد الله عز وجل، غيرك ما حصل. وإن جاءك أولاد أو جاءك بنات هذه نعمة عظيمة امتداد لك؛ الولد إذا قاله «ولد صالح» معنى «ولد» ما هو ذكر، الولد يطلق على الرجل على الذكر والأنثى؛ صالح، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح نياتنا وذرياتنا، وأن يجعلنا جميعاً مفاتيح للخير مغاليق للشر، وأن يجعلنا ميسرين ولا يجعلنا معسرين، وأن يجعلنا مبشرين ولا يجعلنا منفرين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
د. موفق كدسة الغامدي