تسجيل الدخول

المحاضرة 4 - حديث: (يأتي على الناس زمان...)

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً أما بعد. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه وصفاته أن يرزقنا جميعاً علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاء من كل داء. ومع الحديث الرابع من هذه السلسلة المباركة، حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأتي على الناس زمان، الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر» رواه الترمذي وصححه الألباني.

وقال صلى الله عليه وسلم: «إن من ورائكم أيام الصبر، الممسك فيهن يومئذ بمثل ما أنتم عليه، له أجر خمسين منكم» قالوا: يا نبي الله أو منهم؟ قال: «بل منكم» اخرجه الطبراني وصححه الألباني رحمه الله عليه. الراوي مر معنا سابقاً أيها الأحبة، أما المفردات فقوله: يأتي على الناس زمان، الصابر فيهم، أي في أهل ذلك الزمان. قال الجعبري رحمه الله: أي هذا الزمان زمان الصبر؛ لأنه قد أنكر المعروف، وعرف المنكر، وفسدت النيات، وظهرت الخيانات، وأذي المحق وأكرم المبطل. هذا في زمن سابق، فكيف لو رأى هذا الزمان الذي نعيش فيه الآن؟ كالقابض: أي كصبر القابض في الشدة ونهاية المحنة، يعني الإنسان في ذاك الزمان الذي يتحدث عنه النبي صلى الله عليه وسلم من غربة الدين، أن المتمسك بدينه كالذي يمسك على جمرة. هل جربنا يوم من الأيام لذعة النار، حرارة النار؟ كمعظمنا مرت به هذه، فكيف بممن يقبض على جمرة، كم الألم، كم الحرقة سيكتوي بها، لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى.

قال: على الجمر. جمع جمرة، وهي الشعلة من النار. كأجر خمسين منكم. قال شيخ الإسلام رحمه الله: وقد يكون لهم، أي للمتاخرين، من الحسنات ما يكون للعامل منهم، أي من الصحابة، أجر خمسين رجلا يعملها في ذلك الزمان؛ لأنهم كانوا يجدون من يعينهم على ذلك، وهؤلاء المتاخرون لم يجدوا من يعينهم على ذلك. يعني هنا أيضاً بيان من ابن تيميه رحمه الله عليه أنه هذا السبب، أنه في ذاك الزمن زمن الفتن ليس هناك لهم معين بعد الله عز وجل أحد، إنما في الصحابة كان لهم معين، الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الحافظ بن حجر رحمه الله: وهنا ملمح جميل يا أحبابي، حديث: للعامل منهم أجر خمسين منكم، قال: لا يدل على أفضلية غير الصحابه على الصحابة رضي الله عنهم؛ لأن مجرد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت الافضلية، فالأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك العمل، فأما ما فاز به من شهد النبي صلى الله عليه وسلم من زيادة فضيله المشاهده، فلا يعدله فيها أحد.

هذه قضية مهمة يا أحبابي، الصحابه رضوان الله عليهم لهم القدح المعلى في المكانة. إن رتبنا البشر في الأفضلية يأتي الأنبياء والرسل؛ الأنبياء والرسل في المرتبة الأولى، ياتي بعدهم مباشرة أحبابي الصحابة؛ صحابة النبي صلى الله عليه وسلم هم أفضل البشر بعد الأنبياء والمرسلين، لابد أن نفهم هذه القضية. الصحابة الكرام هم أفضل البشر بعد الأنبياء والرسل ولا يناقش في هذا أحد، ولذلك كما قلت لكم الصحابة نالوا شرف الصحبه، ولذلك كلهم عدول، حتى المسيء عدل، حتى المخطئ عدل؛ لأنهم فازوا بشرف الصحبة، وأجمعت الأمة على فضلهم، ولذلك لا يقاس بالصحابه أحد. شوف، من بعد الصحابة، التابعين، تابعيهم، تابعوهم إلى بعد ذلك، لا يقاسون بالصحابة أبدا أبدا أبدا.

عبد الله بن المبارك رحمه الله، سئل سؤالا -وابن المبارك أيها الأحبة أمير المؤمنين في الحديث- ماذا يقول السائل؟ يقول: أيهما أفضل، عمر بن عبد العزيز أو معاويه بن أبي سفيان؟ هذا السؤال وجه لمن يا أحبابي؟ وجه لابن المبارك أمير المؤمنين في الحديث، فماذا قال ابن المبارك؟ اسمعوا للإجابة العجيبة. قال ابن المبارك: إن التراب الذي في منخر معاويه رضي الله عنه وأرضاه خير من كذا وكذا من عمر بن عبد العزيز. الله أكبر، التراب الذي في أنف معاوية خير من كذا وكذا من عمر بن عبد العزيز، أو ما ادري قال عشرين أو قال رقم غير ذلك. رايتم ايها الاحبة مكانة الصحابة عند السلف الصالح، وهذا عمر بن عبد العزيز الذي يقال الخليفه الخامس رحمه الله عليه، ومع ذلك لا نقارن أحدا بالصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، ولذلك من ينتقصهم هو أصلا ناقص، من يسبهم هو أصلا والعياذ بالله سفيه، من يعاديهم أصلا ليس له قيمة، ولذلك بلينا بمن يسب الصحابة، ويشتم الصحابة، وربما والعياذ بالله يلعن الصحابة من الروافض وأشكالهم وأشباههم، وهذا يدل على والعياذ بالله يعني على حقدهم الدفين وعلى بعدهم عن هذا الدين العظيم؛ لأن الذي حمل هذا الدين عن رسولنا صلى الله عليه وسلم هم الصحابة، فإذا قدحنا في الصحابة قدحنا في الدين، من حمل الدين إلا الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم؟

ولذلك يقول ابن مسعود: إن الله نظر إلى القلوب، فلما وجد أفضل قلب قلب محمد صلى الله عليه وسلم فاختص بهذه الرساله، ثم نظر إلى بعد ذلك إلى القلوب، فاختار أصحاب محمد ليكونوا أصحابا له ياخذون عنه هذا الدين. وبالتالي لا يجوز لكائن من كان أن يسب الصحابة، أو أن ينتقص من الصحابة، ولذلك من انتقص من الصحابة أو ثلب أو سبهم فهذا يقدح في دينه والعياذ بالله، بل ذهب بعض العلماء على أن من لعن الصحابة أو سبهم فهو كافر يخرج من الدين والعياذ بالله، وتعظم القضية إذا وصلت القضية قضية أبي بكر وعمر وقضية عائشة رضي الله عنها وأرضاها، هذه كارثه وكارثه. ولذلك أيها الأحبة الذي يجب علينا حب الصحابة والترضي عنهم رضوان الله عليهم اجمعين، والذب عن أعراضهم ومعادات من كائنا من كان.

فاصل ثم نعود إليكم.

يموج العالم بانواع من المعاملات والعقود، منها الحلال ومنها الحرام، فهل تعلم هذا من ذاك؟ فيلزم التاجر أن يتعلم فقه البيوع وأركان البيع وشروطه حتى يكون بيعه صحيحاً، ويتجنب البيوع المحرمة، ويتعلم الربا وصُوَره وما يشترط فيه التقابض والتماثل معاً أو التقابض فقط حتى لا يقع في الربا، ويلزمه معرفة البيوع المنهي عنها كبيع المحرمات كالخمر، والغرر كبيع الطير في الهواء، وبيع ما لا يملك، والقمار. ويلزمه تعلم أنواع الخيار كخيار المجلس وخيار الشرط وخيار العيب حتى لا يظلم المشتري، ويتعلم أحكام القرض؛ ما يصح إقراضه وما لا يصح، وكيف يتصرف مع المماطل حتى لا يقع في الربا أو الظلم، ويتعلم القبض وصُوَره، فقبض كل شيء بحسبه، فإن كان موزوناً فقبضه بوزنه، وإن كان ثياباً ونحوها فقبضها نقلها، وإن كان مما لا ينقل فقبضه بالتخلية. ويتعلم أحكام الإجارة كحرمة مماطلة الأجير، قال صلى الله عليه وسلم: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه». ويتعلم أحكام الزكاة حتى يعرف كيف يزكي أمواله، وليعلم أن الضريبة لا تغني عن الزكاة، ومن احتاج معاملة تعلم فقهها حتى لا يقع في الحرام، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلُّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: 115].

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد، أيها الأحبة، فما زلنا مع هذا الحديث العظيم، وهذا الحديث أيها الأحبة يبين قضايا من الامور التي يبينها هذا الحديث كثره الفتن. وكثره الفتن، وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: «اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن». والانسان أيها الأحبة دائماً وأبداً ينبغي عليه أن يتعوذ بالله من الفتن. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «هل تنتظرون إلا فتناً كقطع الليل المظلم؟ يصبح المرء مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا». كم المسافة يا أحبابي؟ يصبح مؤمناً - اثنى عشر ساعة - ويصير كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يعني الوقت بسيط جداً، ليش؟ الفتن؛ الفتن التي تعصف بالأمة.

ثم يقول: يبيع دينه بعرض من الدنيا، عرض بسيط، منصب، مال، جاه، كائناً ما كان. يا أخي، الدين هذا ما يفرط فيه أبدا؛ كان من كان قبلنا يؤتى بالرجل فيوضع في حفره، ثم يوضع المنشار على مفرق رأسه وينشر حتى يصبح فلقتين ما يرد ذلك عن دينه؛ يمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه ما يرده ذلك عن دينه. مع الأسف لا، لما تأتي الفتن، قال: يبيع دينه بعرض من الدنيا. نسأل الله الثبات، ولذلك أحبتي في الله كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك، اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك». إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ولذلك أيها الأحبة الفتن كارثه.

وأخبر صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان فتن يرقق بعضها بعضاً؛ كلما جاءت فتنة قال: هذه مهلكتي، فتأتي فتنة بعدها ترقق التي قبلها. ساضرب لكم مثالا: اول ما جاء عندنا المذياع، وهذا المذياع في البدايه كان فيه الموسيقى وكذا، فكان العلماء يحذرون منه، لماذا؟ فيه لأنه ياتي يعني اذاعات كثيره جدا، وكانت البلد في ذاك الوقت بلد يعني محاطة بشيء من من العلماء المحافظة، ما هناك فتن، ما في موسيقى، ما في أغاني، ما في كذا، ما في كذا. ثم بعد فتره جاءت قضية ايش؟ التلفزيون، فأصبح المذياع ها الذي كان بعض العلماء يحذر منه لا شيء، فاصبح العلماء يتكلمون على قضية ايش؟ الحذر مما في هذا، هذه القناة. بعد فترة انفتحت، فأصبح عندنا الفيديو، فأصبح العلماء يحذرون من قضية الفيديو، انتبهوا الفيديو، احذروا الفيديو، احذروا الكذا.

بعد مرحلة الفيديو جاءت مرحلة القنوات الفضائية، اه، انفتحت بشكل كبير جدا من كل مكان، في البداية كان 14 15 قناة، شوية 100 200 قناة، الآن آلاف القنوات، مئات القنوات، يمكن أكثر من ألف ألفين قناة، فأصبحت الفتن أكثر وأكثر وأكثر. بعد هذه القنوات جاء الانترنت، وأصبح الانترنت سوق مفتوح، ما أحد يستطيع أن يتحكم به، وجاءت البرامج، وجاءت كذا، وفعلا تتذكر: فتن يرقق بعضها بعضا، الآن نقول الله يذكر قناة واحد وقناة اثنين بالخير، الآن نقول الله يذكر الفيديو بالخير، ما كان في مثل هذا، على الأقل كان في شوية محافظة. فتاتي فتن ترقق بعضها البعض، وسبحان الله تاتي فتن والعياذ بالله قد يستشر لها بعض الناس، فتستسلم لواقع الانترنت، ها أصبحت القضية والعياذ بالله انسياق والعياذ بالله وانزلاق، وكم من انسان صالح ترك الصلاح، وكم من صاحب دين ترك الدين بسبب هذه الفتن، يبيع دينه بأعراض من الدنيا.

هذا مثال حي يا أحبابي، هذا مثال حي، بس مثال واحد، ولا الأمثلة كثيرة، الأمثلة كثيرة، ولذلك فعلا فتن يرقق بعضها بعضا: «يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر». إذاً ذلك الذي يتمسك بديني كالذي يمسك الجمرة، من من يستطيع أن يمسك الجمرة؟ من يستطيع؟ ما أحد يستطيع، ولو الجئ الانسان إليها لمات عشرين مره وهو يمسك هذه الجمرة ولا تحترق يده ولا يشعر بالآم. ولذلك فعلا فعلا فعلا الانسان يحمد الله سبحانه وتعالى على حاله وعلى كذا، يعني الحمد لله، يعني القضية ما وصلت إلى أن الانسان ينازع في دينه، وينازع في عرضه، وينازع في ماله، وينازع في روحه، لا لا الحمد لله، يعني الحمد لله الخير موجود، ما وصلنا إلى ربما في بعض البلاد، نعم في بعض البلاد الإسلامية والعربيه وصلت مع الأسف يعني يعني الآن لما نقيس حال إخواننا في العراق الآن مثل قبل مثلا 10 15 سنة، لا ما في مقارنة. حالنا، حال إخواننا مثلا في سوريا، حال إخواننا في اليمن، حال إخواننا مثلا في ليبيا وتونس، إذا نجد سبحان الله يعني اختلفت الحال، لكن لكن أعود فأقول: يعني هناك فتن، فتن فعلا كقطع الليل المظلم ما ترى فيها يعني نور ولا ضياء، ولا حتى بصيص نور يمكن أن تهتدي إليه.

وهذه كما قلت لكم أيها الأحبة في اوقات يذهب فيها العلماء، يذهب فيها العلماء الربانيون الصادقون، يقل فيها العلم، يقل فيها الولاء لغير الناصحين. لذلك الإنسان يا أحبابي يتعوذ بالله من مثل هذه الأزمات، يتعوذ بالله من مثل هذه الأزمنة، يعني وقد يحدث في زمن دون زمن وفي مكان دون مكان، لكن أيها الأحبة الإنسان عليه أن يتمسك بدينه. امسك دينك مهما كثرت الخطوب، مهما ادلهمت، مهما كثرت الفتن، مهما انتشرت ها مهما اقتربت، تمسك بدينك ستتالم، ستتألم، لكن لك في الأنبياء أسوة وقدوة، لك في الصالحين والسلف الصالح أسوة وقدوة. لما تذكر زمن الإمام أحمد رحمه الله يا إخوان إمام أهل السنة والجماعة حينما يعرض على السيف مراراً وتكراراً، مراراً وتكراراً يا إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل، ومع ذلك عرض على السيف مراراً وتكراراً، وغيرهم كثير من العلماء الذين ابتلوا؛ ابتلي أبو بكر بن النابلي رحمه الله، أبو بكر بن النابلسي عالم علماء مصر وقف في

وجّه جوهر الصقلي، وأفتى بوجوب مقاتلتهم قبل اليهود والنصارى؛ لأن الدولة الباطنية الفاطمية كان يزعم ولاتها بعض صفات الألوهية، فأفتى أبو بكر بن النابلسي -رحمه الله- بأنهم يقاتلون قبل اليهود والنصارى؛ إذ ادعوا بعض صفات الألوهية. فجاء جوهر الصقلي يريد أن يترك هذه الفتوى فلم يقبل، هدد، توعد، جُلد، ما عاد عن هذه الفتوى، فأمره فصلب على جذع نخلة، صُلب.

ثم أتى بجزار، جزار يهودي، فسلخه حياً، سلخه حياً، فما كان يزيد على قراءة القرآن وذكر الله سبحانه وتعالى، والجزار يسلخ والرجل حي، يقول الراوي: فأدركت الجزّار اليهودي الشفقة! قال: فوكزه بخنجره في قلبه فقضى عليه وقتله.

هل بلغنا هذا المكان؟ الحمد لله، ونسأل الله أن لا نبتلى. ولكن أقول أيها الأحبة: حتى نعلم سلفنا الصالح، كم صبروا، كم قتل منهم، كم عذب منهم، كم وكم وكم، فصبروا على دينهم؛ فلا يجيني واحد الآن ببعض الفتن البسيطة أو الابتلاءات البسيطة، يترك الدين، ويعادي الدين، ويترك المسجد، ويترك... لا لا يا اخي! لا يا اخي! مهما حدث تمسك بدينك. كم سنعيش؟ ستين، سبعين سنة، ثمانين سنة، ثم ماذا؟ فنل الله سبحانه وتعالى على هذا الدين. فاصل ثم نعود إليكم بإذن الله.

للإيمان أركان لا يتم إلا بها، فاذا سقط منها ركن لم يكن الإنسان مؤمناً وهي ستة: الإيمان بالله، ويشمل الإيمان بربوبيته، أي بأنه الخالق المالك المدبر، وبالوهيته فلا معبود بحق إلا الله وكل معبود سواه باطل، وبأسمائه وصفاته فله الأسماء الحسنى والصفات العليا.

ونؤمن بالملائكة وأنهم مخلوقون من النور، وأنهم عابدون لله مطيعون ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، ولهم أعمال كلفوا بها، فجبريل موكل بالوحي، وميكائيل بالمطر والنبات، وإسرافيل بالنفخ في الصور.

ونؤمن بالكتب أنزلها الله على رسله حجة على العالمين، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]. ومنها التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى، وأعظمها وخاتمها القرآن العظيم، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48].

ونؤمن اليوم الآخر وهو يوم القيامة، ونؤمن بما فيه من البعث والحشر وصحائف الأعمال والميزان والحساب والصراط والحوض والشفاعة والجنة والنار. ونؤمن بالقدر خيره وشره، وهو تقدير الله تعالى للكائنات حسب ما سبق به علمه واقتضت حكمته، وله أربع مراتب: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. فثبت إيمانك بالعلم والعمل، واحذر من شبهات المشككين، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: 53].

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وبعد، أيها الأحبة: فما زلنا مع هذا الحديث: «أن من ورائكم أيام الصبر»، سماها النبي صلى الله عليه وسلم أيام الصبر. يجب أن تصبر! يجب أن تصبر مهما كثرت الفتن، لذلك دواء الفتن الصبر على الدين؛ جاءتك الفتن من كل مكان، لازم تصبر.

ونحن في لقاء سابق أيها الأحبة لما تكلمنا عن الصبر، قلنا: الصبر على الطاعة فتؤدى، والصبر عن المعصية فيُبتعد عنها، والصبر على أقدار الله سبحانه وتعالى النازلة بك. ولذلك خير معين لك بعد الله سبحانه وتعالى في زمن الفتن وانتشار الفتن: الصبر.

والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، هكذا يقول علي بن أبي طالب: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد؛ جسد بلا رأس لا قيمة له، وإيمان بلا صبر لا قيمة له. لذلك الصبر، الصبر ذكر في القرآن في أكثر من تسعين موضعاً، أيها الأحبة: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بَيْرَ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].

والله يا إخواني، وقفة جميلة، يعني سمعت أحد الدعاة يقول: لو قلنا الحسنة في الصبر بعشرة، يقول: محسوبة! العشرة في الحسنة في الصبر بمائة محسوبة! الحسنة في الصبر بألف محسوبة! بمليون، محسوبة! بمائة مليون محسوبة! لكن الله ايش يقول؟ ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]. إذاً غير محسوب! غير محسوب!

ولذلك لما للصبر يا إخواني من أثر عظيم جداً في مواجهه الفتن، المنكرات، البلايا. ولذلك الصبر قال: «أيام الصبر المتمسك فيهن يومئذ بمثل ما أنتم عليه له كأجر خمسين منكم»، يعني الذي يتمسك بدينه، الذي يتمسك ويمسك بدينه في أيام الصبر، في أيام الفتن، له كأجر خمسين من الصحابه. الصحابة يستفسرون قالوا: أو منهم يا رسول الله؟ قال: «لا، بل منكم أنتم». طبعا كما قال العلماء: ليس دلالة على أننا سنكون أو سيكون الذين في في ذاك الزمان أفضل من الصحابه، لا، الصحابة لهم مكانة، لكن كأجر خمسين من الصحابة، كأجر خمسين من الصحابة.

وما هذا أيها الأحبة إلا دلالة على كثرة الفتن، وغربة الدين، ولا حول ولا قوة إلا بالله. «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء».

إذاً يا عبد الله، تذكر قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: 103]. ويقول بعدها بايتين: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106]. ولذلك لا تنظر للهالك كيف هلك، ولكن انظر للناجي كيف نجا!

لما تنظر في حديث النبي صلى الله عليه وسلم يقول عليه الصلاه والسلام: «يقول الله عز وجل لادم يوم القيامة: يا آدم، اخرج بعث النار. فيقول آدم: ومن بعث النار يا رب؟ قال: من كل ألف واحد في الجنة وتسعمائة وتسعة وتسعين في النار». قال صلى الله عليه وسلم: «فحينئذ ترى الناس سكاري وما هم بسكاري، تضع كل ذات حمل حملها، ترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد». واحد في الجنة مقابل تسعمائة وتسعة وتسعين في النار!

إذاً يا أيها الأحبة، علينا أن نوطن أنفسنا؛ القضية ليست الكثره، لا تغتر بالكثره، بل انظر إلى المنهج، انظر إلى الدين، انظر إلى الكتاب والسنة، انظر إلى العلماء الناصحين الربانيين. تمسك بالكتاب والسنة، كن مع العلماء، لا تبتعد عن العلماء، العلماء الصحيحين الحقيقيين الذين فعلاً أجمعت الأمة على صدقهم وعلى تمكنهم وعلى حبهم. هناك من يعني كما يقول: كل يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك. العلماء الذين على الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة، وعرفت سيرتهم وفضلهم ومكانتهم.

ولذلك أيها الأحبة، هذه الفتن وهذه الغربة ليس لها إلا أمور:

الامر الأول: الاعتصام. أولاً: اللجوء إلى الله، الإيمان بالله سبحانه وتعالى أولاً، الإيمان بالله إيماناً صادقاً يقينياً، والاستعانه به، واللجوء إليه، والتوكل عليه، والإنابة إليه؛ هذه قضية مهمة، هذه أول قضية في حياتنا.

القضية الثانية عند وقوع الفتن: التمسك بالكتاب والسنة، أن نتمسك بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على فهم الصحابة.

الامر الثالث أيها الأحبة: الوقوف بجانب العلماء. العلماء، «إن الله لا ينتزع العلم انتزاعاً، وإنما يقبض العلم بقبض العلماء»، لذلك إذا مات العلماء هنا كارثه، ثلمة في الدين يا أحبابي! فاذاً الوقوف بجانب العلماء.

الدعاء: الإنسان يا إخوان دائماً يدعو الله سبحانه وتعالى أن ينجيه من الفتن، يسأل الله دائماً: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك.

أن يلزم العبادة: كما قال صلى الله عليه وسلم: «العبادة في الهرج كهجرة إلي». كثرة الفتن: الزم دينك! الزم مسجدك! الزم صلاتك! الزم قرآنك! الزم العبادة!

عدم الخوض في الفتن: ابتعد عن الفتن! ابتعد عن الفتن! الزم خاصه نفسك، من هم تحت يدك؛ لأنه أنت الآن في زمن غربة، ولذلك إذا جاء هذا الزمان -نسأل الله عز وجل ألا يأتينا وأن يصرفه عنا- لكن إذا جاء الزمان خلاص قدر الله ما شاء فعل، نصبر ونستعين بالله سبحانه وتعالى، نقوي إيماننا بالله، نتمسك بكتاب الله وسنة رسول الله، نكون مع العلماء الناصحين، كما قال الحسن -رحمه الله- يقول الحسن كلمة جميلة: الفتن إذا أقبلت عرفها العلماء، وإذا أدبرت عرفها كل أحد. لكن الفتن من يعرفها في البدايه؟ العلماء! فنكون قريبين من العلماء؛ لماذا؟ لأنهم هم الذين يعرفون الفتن بما عندهم من علم من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الابتعاد عن الغوغاء، عن العوام، عن الجهال. التمسك بالكتاب والسنة، الدعاء. ولذلك هذه يا أحبابي من أهم القضايا التي تحفظ للإنسان دينه وقت ايش؟ وقت الفتن.

ثم اعلم أن للصابر ما له من الأجر الذي سمعنا: خمسون من الصحابة! خمسون من الصحابه! إذا جاءت الفتن وأطلت براسها فثبتناها، وأخذنا كتاب الله وسنة رسول الله، اعتصمنا بالكتاب والسنة، وذنا بالله عز وجل، إن شاء الله لك أجر خمسين من الصحابة. طبعا كما قلت يعني القضية ما هي قضية -الحمد لله نسال الله سبحانه وتعالى أن يحفظنا وإياكم- ما نقول الآن أتت، إن جاءت، إن جاءت، وما ندري ترى الفتن تطل براسها في أي وقت من ليل أو نهار، لكن ندعو الله يا إخوان دائماً وأبداً أن يحفظ الله الإسلام والمسلمين، وأن يحفظ بلاد المسلمين، وأن يحفظ ولاة المسلمين، وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

يعني أنت حتى يا عبد الله في صلاتك، في صيامك، في قيامك في الليل، عليك أن تهتم بالأمة! إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم الليل يبكي: «أمتي أمتي أمتي»، نحن كذلك أيها الأحبة، إذا قام الواحد فينا في الليل ولا وضع رأسه في الأرض يصلي لله، يا اخي لا تنسَ الأمة! إن دعوت لنفسك وأقاربك وأهلك ووالديك لا تنسَ الأمة يا أخي! ادعو الله للأمة، كما كان صلى الله عليه وسلم يهتم بالأمة أنت اهتم أيضاً بالأمة يا عبد الله. ولذلك هذه من الواجبات التي ينبغي أن ننتبه لها ونتفطن إليها.

إذاً أحبتي في الله، الفتن ستطل براسها شئنا أم أبينا، لكن كيف نتعامل معها؟ كما سمعنا: الإيمان بالله، الاعتصام بالكتاب والسنة، لزوم العلماء، الدعاء، وهكذا أيها الأحبة حتى نلقى الله سبحانه وتعالى.

وهذه الدنيا دار ابتلاء، لا يمكن أن نسلم يا أحبابي في الدنيا، لكن كيف تقيم دينك؟ كيف تتعامل؟ كيف تحاول أن تقدم ولو شيئاً يسيراً؟ تأمر بالمعروف، تنهى عن المنكر، تصلح، تدعو إلى الله. لكن جاءت الطامة الكبرى، خلاص الفتن كثرت وكذا وكذا، اه، إذاً تمسك بدينك واصبر! اصبر يا عبد الله حتى تلقى الله سبحانه وتعالى.

وأيضاً وأؤكد: لا تكن سلبياً في التعامل، كن إيجابياً قدر ما تستطيع، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا جميعاً مفاتيح للخير مغاليق للشر، كما أسأله سبحانه وتعالى أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

يا راغباً في كل علم نافع متطلباً لزيادة الإيمان، وتريد سهل النوال ميسراً ياتيك ميسوراً بأي مكان.

زاد اكاديمية ينبوعها صاف ليروي غلة الظمآن، والسنة الغراء شارحة له فهماً لنا من ربنا وأحياني.

بشرى لنا زاد اكاديمية للعلم كالازهار في البستان.