تسجيل الدخول

المحاضرة 1 - الحديث القدسي (من عادى لي وليا...)

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً أما بعد.

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم. ونرحب بكم في بداية هذا الفصل الدراسي الثاني مع هذه المادة المباركة، مع حديث النبي صلى الله عليه وسلم، مع كلام سيد المرسلين بأبي وأمي صلى الله عليه وسلم. بعد أن عشنا فصلاً دراسياً سابقاً وأخذنا فيه عدداً من الأحاديث الشريفة والصحيحة، والفصل هذا بإذن الله تعالى أيها الأحبة سنتناول أيضاً مجموعة أخرى من أحاديث حبيبنا وقدوتنا صلى الله عليه وسلم.

﴿تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَداً؛ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي﴾ ولذلك أيها الأحبة، هذه السنة لابد أن نعتني بها، لابد أن نحفظها، لابد أن نفهمها، لابد أن نتعبد الله عز وجل بما فيها. ﴿أَمَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ هكذا يقول صلى الله عليه وسلم.

ونبدأ على بركة الله لقاءاتنا لهذا الفصل الدراسي الجديد بحديث من الأحاديث العظيمة الجليلة الكريمة الشريفة العظيمة. مهما قلت فلن أوفي كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم حقه. حديث قدسي من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل قال: من عاد لي ولياً فقد آذنت بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فاذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته» اخرجه البخاري.

حديث عظيم، وصدقوني هذا الحديث يمكن أن يكون منهج حياة لوحده، لما فيه من الفوائد الجمة العظيمة الكريمة. طبعا راوي الحديث أيها الأحبة هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه وأرضاه، راوية الإسلام، ولزم النبي صلى الله عليه وسلم. طبعا هو أسلم عام خيبر، وروى عنه أكثر من خمسة آلاف حديث، ولاه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه البحرين ثم عزله، وولي المدينة سنوات في خلافة بني أمية، توفي عام تسعة وخمسين رضي الله عنه وأرضاه.

نبقى مع بعض المعاني أيها الأحبة. قال: من عاد لي ولياً؛ أي اتخذه عدواً لي ولي من أولياء الله. كيف يمكن أن يكون عدواً؟ لكن يحدث مع الأسف، إذا من عاد لي ولياً أي اتخذه عدواً له. فقد أذنت بالحرب؛ أي أعلمته بالهلاك والنكال. وقوله: مما افترضت عليه؛ من الفروض العينية وفروض الكفاية، فجنس الفرائض أحب إلى الله من جنس النوافل. قال: ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه؛ لا يزال هذا من أفعال الاستمرار، أي أنه يستمر يتقرب إلى الله تعالى بالنوافل حتى يحبه الله عز وجل. كنت سمعه؛ أي قال هناك وجهان لهذا المعنى: الأول أن الإنسان إذا كان ولياً لله عز وجل حفظ سمعه فيكون سمعه تابعاً لما يرضي الله عز وجل، وكذلك في بصره وفي يده وفي رجله. والمعنى الثاني أن الله يسدده في سمعه وبصره ويده ورجله، وهذا وهذا أقرب. واستعاذني؛ أي استجار بي مما يخاف.

ثم قوله: وما ترددت؛ قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عليه: إثبات التردد لله عز وجل لا على وجه الإطلاق لا يجوز؛ لأن الله تعالى ذكر التردد في هذه المسألة وعلقه بقضية موت المسلم. فيقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: ما ترددت في شيء أنا فاعل. الحديث قال: وليس هذا التردد من أجل الشك في المصلحة، ولا من أجل الشك في القدرة على فعل الشيء، بل هو من أجل رحمة الله عز وجل بهذا العبد المؤمن. مساءته؛ أي إساءته بفعل ما يكره.

أيها الأحبة الأفاضل، ناتي الآن إلى بعض الوقفات مع هذا الحديث. إن الله عز وجل يقول: من عاد لي ولياً فقد أذنت بالحرب. السؤال الذي يطرح نفسه: من هم أولياء الله؟ لأن الحقيقة أيها الأحبة هناك غبش في التصور وفي الفهم في بعض المجتمعات وعند بعض الناس. أولاً، نحن نفهم كتاب الله أولاً من خلال كتاب الله، ولذلك الله سبحانه وتعالى لما تكلم عن الأولياء قال: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. لا خوف عليهم في الدنيا ولا خوف عليهم في الآخرة، لا حزن لهم في الدنيا ولا حزن عليهم في الآخرة. من هم يا رب؟ قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.

إذاً الولاية أيها الأحبة الحقيقية تتحقق في بشرطين: الإيمان والتقوى. أن يكون الإنسان مؤمناً إيماناً صادقاً حقيقياً بكل ما جاء في الكتاب والسنة، هذه هذا أول شرط. الشرط الثاني: تقوى الله سبحانه وتعالى. تقوى الله. بالنسبة للإيمان أيها الأحبة، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾. فالله سبحانه وتعالى حصر في البداية وأثبت في النهاية: إنما المؤمنون، ثم قال: أولئك المؤمنون حقاً، إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً، على ربهم يتوكلون، يقيمون الصلاة، مما رزقناهم ينفقون. طبعا هذه الأمور الخسة لا تتأتى إلا إذا الإنسان فهم دينه وآمن بأركان الإيمان وأركان الإسلام وطبقها في حياته.

طبعا سننبه أيها الأحبة لأن هناك من يزعم أنهم أولياء وليسوا باولياء، خاصة يعني مع الأسف ينتشر في كثير من البلاد الإسلامية القبور والمزارات والرحاب بزعم أنهم أولياء لله، ولو كانوا أولياء لله هل يجوز أن يدعون من دون الله؟ لا والله ما يجوز، والذي لا إله إلا هو لا يجوز أن يدعى رسول الله صلى الله عليه وسلم من دون الله، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾. ولذلك ما يعمل عند كثير من الأضرحة والقباب والمزارات هذه المزورة مع الأسف كارثه مناقض للدين، كفر مخرج من الملة أن تدعى هذه الأضرحة ومن فيها أنهم أولياء ينفعون ويضرون، لا والله النافع الضار هو الله جل في علاه.

فاصل ثم نعود إليكم.

التعليم في الصغر كالنقش على الحجر، إنه كلام صحيح، ولكن ذلك لا يعني حرمان كبار السن من طلب العلم، ولا ييأس كبير السن من التعلم، فإذا علم الله منه حسن النية وفقه لجمع العلم الكثير في الزمن القليل، ولا يستحي كبير السن من الجلوس في حلق العلم مع الصغار، قال مجاهد: لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر، وزامل ابن الجوزي ابنه في تعلم القراءات العشر وهو ابن ثمانين سنة، فانظر إلى هذه الهمه العاليه، وقد تعلم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في كبر سنهم، وكذا كثير من العلماء كابن حزم والكسائي والعز بن عبد السلام، ولان يتعلم المسن خير من أن يستمر على التفريط، سأل مسن: أيحسب أن يتعلم؟ فقيل له: لأن تموت طالباً للعلم خير من أن تموت قانعاً بالجهل، وليعلم الكبير والصغير أن أبواب العلم مفتحة للراغبين، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾.

بسم الله الرحمن الرحيم، وعودة أخرى أيها الأحبة. إذاً الأولياء أيها الأحبة هم الذين تحقق فيهم الإيمان الحقيقي والتقوى الحقيقي، يتقون الله عز وجل في كل أمورهم، يراقبون الله سبحانه وتعالى في الخلوة والجلوة، في الليل والنهار، في القليل والكثير، في الظاهر والباطن، يتقون الله سبحانه وتعالى، جاء الإيمان، جاء التقوى، جاء مقام الولاية، ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظَّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.

ولذلك الله سبحانه وتعالى أيها الأحبة حذر من عاد لي ولياً فقد أذنت بالحرب. هل كل من زعم أنه ولي فهو ولي؟ لا، طبعا، أقول أيها الأحبة الأولياء في العادة لا يدعون الولاية، بل هم يدعون دائماً التقصير، ودائماً لا يحبون إظهار الأعمال، لا أبدا. بعض الناس يحب أن يظهر عمله، لا، أولياء الله دائماً يحبون يحبون عدم الظهور أمام الناس وعدم الرياء والسمعة، دائماً تجدهم ايش يسعون إلى ستر أنفسهم، لكن الله سبحانه وتعالى يظهر مقاماتهم عند الناس بأعمالهم بعبادات بما يعملونه لدين الله سبحانه جل في علاه. ولذلك الله عز وجل يحذر يحذر يحذر الكبير والصغير والعالم والجاهل والامير والوزير وكل انسان: انتبهوا انتبهوا من أذية أولياء الله، لأن أول من يغار عليهم الله سبحانه وتعالى: أذنت بالحرب. إذاً خصمك يا من تتعدى على أولياء الله ليس هم الأولياء، إنما خصمك الله، ومن له قدرة بمواجهه الله سبحانه؟

قال الله سبحانه وتعالى: وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه. إذاً أيها الأحبة اعظم ما نتقرب به إلى الله تعالى الواجبات والفرائض. الواجبات والفرائض أنت مطالب بها، وإذا لم تأت بها تأثم وربما تتعرض للعقوبه. ولذلك يا ايها الأحبة لا ننتبه للسنن والنوافل ونترك الواجبات. عمر رضي الله عنه وأرضاه يوم أو ليلة من الليالي افتقد شاب في صلاة الفجر ما راه، فذهب إلى بيته وطرق عليه، فقالت أمه: من؟ قال: عمر، أين فلان؟ قالت: قام الليلة ثم غلبته عيناه فذهبت عليه صلاة الفجر. قال: أخبريه أن ما ذهب عليه من الأجر أعظم مما كان يامله أو مما كان يفعله. ففرق يا ايها الأحبة بين صلاة الفجر التي هي واجب فريضة من الفرائض وبين النوافل، ولذلك ايها الأحبة ينبغي أن نحرص على قضية المحافظة على الأركان على الفرائض على الواجبات.

وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه. إذاً أيها الأحبة علينا أن نهتم أولاً بادئ ذي بدء بقضية الفرائض والواجبات، نحن سنسأل عنها، النوافل لن نسأل عنها، سيسأل الله عن هذه الفرائض وعن هذه الواجبات، وأن الله عز وجل يحب من عباده أن ياتوا بها أولاً.

ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ثم قال: جاء في المرتبة الثانية: وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل بالنوافل حتى أحبها. طبعا الذي يأتي عادة أيها الأحبة النوافل يكون قد أتى بالفرائض، ولذلك انظروا الفرائض والأركان هي الأساس، هي الأساس ثم يبنى عليها بالنوافل.

أذكر كلمة جميلة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه يقول: إن للقلوب إقبالاً وإدباراً، أو أن للنفوس إقبالاً وإدباراً، فإذا أقبلت النفوس فعليكم بالنوافل، وإذا أدبرت فعليكم بالفرائض. بعض الأوقات أيها الأحبة الإنسان يجد في نفسه نشاط العبادة، اه هات الفرائض وفوقها النوافل وأكثر، ما دام نفسك انفتحت على العمل وأقبلت على العمل زدها، وإذا رايت في نفسك إحجاماً وثقلاً لا تكلفها حتى لا تمل، عليك بالفرائض أدي الفرائض التي عليك، ثم بعد ذلك إذا زكت نفسك اقض ما ذهب منك من السنن.

لكن أقول أيها الأحبة: السلف الصالح كانوا فعلاً ينتقصون الرجل الذي الذي يترك السنن، وخاصة الرواتب وما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من السنن المؤكدة، لأن بعض الناس مع الأسف يقول لك سنة يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، قل لا يا حبيبي. النبي صلى الله عليه وسلم لما سن لنا هذا الأمر ما سنه إلا لمصلحة، وما سنه إلا لأنه دين من دين الله سبحانه وتعالى، ويقول صلى الله عليه وسلم: «من رغب عن سنتي فليس مني». بالتالي ايها الأحبة مع الأسف كثير من الناس يعني ينظر إلى قال: ولا يعاقب تاركها، طب اترك القضية، انظر إلى الشطر الأول: يثاب فاعلها، يثاب فاعلها، ألا تريد أن الله عز وجل يثيبك؟ بلى.

ثم أيها الأحبة، هذه النوافل وهذه السنن هي تستجلب فضل الله سبحانه وتعالى علينا بعد الواجبات. وما يزال استمرار استمرار المؤمن أيها الأحبة ما عنده وقت يضيعه، ما عنده وقت فراغ، لا ينبغي أن وقتك يعمر في طاعه الله سبحانه وتعالى، ولذلك استنزال فضل الله سبحانه وتعالى بالثبات على الفرائض والأركان والواجبات، اتباع ذلك بالسنن والنوافل: وما يزال يتقرب إلي عبدي بالنوافل. اه، سوق النوافل كبير أيها الأحبة، سوق النوافل كبير. الصلاة المطلقة من التنفل صل يا عبد الله ما شئت، صل ما شئت في غير اوقات النهي، القرآن، الذكر، الصدقات، قيام الليل، الصيام، صيام النوافل، يعني عندنا باب النوافل أيها الأحبة يعني بحر لا ساحل له، الإنسان يستطيع أن يقضي وقته في عبادات كثيرة جداً جداً، في صلاة في صيام في ذكر في دعاء في صدقة في استغفار في إحسان للناس في صلة أرحام في في اشياء كثيرة. ولذلك لا يقول الإنسان أنا ما عندي أعمال، لا، في سوق العمل مفتوح: وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل. ايش الثمره؟ قال: حتى أحبه الله.

أكبر يا اخواني، الله اكبر. إذا أحبك الله أي عظمه، أي فضل، أي كرامة أن يحبك رب العالمين؟ تخيل الان لو أن ملك من ملك الدنيا يحبك، ما هو موقفك؟ ما هو شعورك؟ يعني كم عندك من المكاسب؟ والله ملك ملوك الدنيا يحبني، وأمير وزير كبير كريم، ستكون في قمة سعادتك. فكيف بملك الملوك؟ كيف بالملك؟ لا، هذا الملك غني وهذا الغني كريم، وهذا الكريم قادر، وهذا القادر لطيف، وهذا اللطيف.

حليم وهذا الحليم قريب وهذا رقيب. يا الله! قال: «فإذا أحببته» -اللهم إنا نسألك حبك يا رب، كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك وحب العمل الذي يقربني إلى حبك»- قال: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها».

ماذا تريد أكثر من ذلك؟ إذا أحبك الله سبحانه جل في علاه كان معك في كل أمورك، سددك في كل جوارحك. إذا نظرت فبتوفيق من الله تنظر، وإذا سمعت فبتوفيق من الله تسمع؛ الله معك في نظرك وبصرك، الله معك في سمعك، الله معك في يدك، الله معك في مشيك وذهابك وإيابك. الله يسددك في كل شيء: «كنت سمعه الذي يسمع به، بصره الذي يبصر به، يده التي يبطش بها، رجله التي يمشي عليها».

ماذا نريد؟ طبعا هذه كلها هذه هي المنافذ للإنسان، هي منافذ خير ومنافذ شر. إذا الإنسان اتقى الله سبحانه وتعالى كانت هذه منافذ خير، وإذا لم يتق الله، وإذا الله سبحانه وتعالى أسلمنا لأنفسنا، كانت منافذ شر. فالإنسان والعياذ بالله قد ينظر فيما حرم الله، قد يسمع ما حرم الله، قد يأخذ ويعطي ما حرم الله، قد يذهب ويأتي إلى ما حرم الله. إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يقضي عليه اجتهاده. فاصل أيها الأحبه ثم نعود إليكم.

اين أنت من العلم؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». فهناك مقدار من العلم يجب أن يتعلمه المتخصص وغير المتخصص، فعلى كل مسلم أن يتعلم ما تصح به عقيدته وعبادته، وعلى غير المتخصص أن يبدأ بالكتب الميسرة ثم يتدرج. ففي التوحيد مثلا يبدأ بالأصول الثلاثة والواسطية ثم كتاب التوحيد ثم الطحاوية، وهكذا سائر العلوم؛ ويسأل العلماء عما يشكل عليه ويقلدهم في الفتوى لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: 7]، وليتواصل مع طالب علم متخصص ليشرح له ما صعب عليه فهمه إذ لا يتيسر له التواصل مع العلماء في كل حين.

ويهتم بوسائل التقنية الحديثة لتعوض انشغاله عن حضور مجالس العلم أو الالتحاق بالكليات الشرعية. ويحتاج غير المتخصص إلى علو الهمة وقوة العزيمة، فمع ضيق الوقت لن يحصل العلم إلا بالمواصلة. وليستفيد من تخصصه في إتقان العلم الشرعي؛ فالطبيب مثلا تسهل عليه مسائل الحمل والجراحات، والمهندس تسهل عليه الفرائض لإتقانه الرياضيات، وليس خر ذكائه في فهم دينه وخدمته، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43].

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد. أيها الأحبة فما زلنا مع هذا الحديث العظيم وما فيه من الفوائد وما فيه من الأعمال وما فيه من الأمور التي لو تمسكنا بها لنجونا في الدنيا ولنجونا في الآخرة باذن الله سبحانه وتعالى. توقفنا عند قول الله سبحانه وتعالى: «كنت سمعه الذي يسمع به، بصره الذي يبصر به، يده التي يبطش بها، رجله التي يمشي عليها».

تخيل يا عبد الله أنك تمشي أو تعيش في هذه الحياة وهناك من يعينك في بصرك، في سمعك، في أخذك وعطائك، في ذهابك وإيابك؛ معك مستشارون، فريق مستشار، كيف ستكون حياتك؟ ستكون حياة عجيبة. أثق عندي مستشارين، عندي خبراء، فهذا مدع للنجاح في الحياة، فكيف إذا كان هو الله سبحانه وتعالى هو الرب سبحانه هو الذي معك هو معك؟ «أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه». إذا كان الله معك هل ستخسر؟ لا. هل ستندم؟ لا. هل ستضيع؟ لا. هل ستخسر؟ لا. دائما الله معك.

ولذلك الكلمه الجميلة: من وجد الله فماذا فقد؟ ومن فقد الله فماذا وجد؟ من وجد الله ماذا فقد؟ أبدا من عرف الله وامن بالله هل فقد شيئا؟ والله ما فقد شيئا، والله ما فقد شيئا، لأنه مع رب العالمين. الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: 21]. لذلك هذه كلمة جميلة، شاهد ممتاز جدا: «وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل».

إذا يا عبد الله العمل مصاحب لك في حياتك. انتبه، انتبه تقول بس أنا أعبد الله في رمضان، أعبد الله في الحج، لا لا لا، أعبد الله داخل المسجد، لا يا حبيبي أنت مطالب بالعبادة إلى أن تخرج روحك من جسدك، ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99] ياتيك الموت، غير كذا مالك أجل للعمل. بعض الناس يقول لك لا يا اخي خلاص وصلنا إلى درجة اليقين، آمنا بالله. لا يا حبيبي النبي صلى الله عليه وسلم ما زال يعمل ويعبد الله عز وجل إلى أن فاضت روحه الشريفة.

إذا المسلم في هذه الدنيا يعمل والعمل أيها الأحبة من لوازم الإيمان بالله سبحانه وتعالى. ولذلك: «وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل»، وما يزال، استمرار. وفي أحاديث كثيرة أيها الأحبة واردة عن النبي صلى الله عليه وسلم كان صلى الله عليه وسلم عمله ديمة هكذا تقول عائشة رضي الله عنها وأرضاها: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل». إذا العبادة ليست فقط في المسجد، ليست فقط في رمضان، ليست فقط في الحج، لا العبادة معك أربع وعشرين ساعة، ليلك ونهارك تعبد الله سبحانه وتعالى لأنك أنت عبد لله، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: 56-57].

إذا الاستمرار على العمل يا أيها الأحبة والعبادة والطاعة هذا مما يستجلب محبة الله سبحانه جل في علاه. ولذلك أذكر ابن القيم رحمه الله تكلم عن الأسباب العشرة الموجبة لمحبه الله سبحانه وتعالى، أرجو أن تراجعوه في بعض كتبه رحمه الله عليه، الأسباب العشرة لمحبه الله سبحانه وتعالى، وذكر من ضمنها هذا الأمر وهذا الفعل، أن الاستمرار على العمل هو مدعاة ومجلبة لمحبه الله سبحانه جل في علاه.

ثم يقول الله سبحانه وتعالى: «وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته». طبعا كما قلت التردد عادة يكون عندنا من نقص، من عيب، من عدم خبرة، أما في عند رب العالمين فالتردد هنا من رحمته بعبده، من رحمته بعبده. فالعبد يكره الموت، يقول صلى الله عليه وسلم: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه». طبعا ما في إنسان يحب الموت، لكن المؤمن يشتاق إلى لقاء رب العالمين، المؤمن يشتاق إلى الله.

ولو نظرنا النبي صلى الله عليه وسلم يا أحبابي لنا فيه قدوة؛ ليلة من الليالي أخذ مولاه أبا مويهبة رضي الله عنه وكان مولى عنده، يقول: فخرج بي إلى البقيع في الليل فاستغفر لأهل البقيع، ثم قال: «يا أبا مويهبة...» فلما أمسى تلك الليلة أصبح في مرضه الذي مات فيه صلى الله عليه وسلم.

أيها الأحبة الأفاضل، من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه. المؤمن يحب لقاء الله لما عنده من الإيمان ومن التقوى ومن الشوق ومن حسن الظن بالله سبحانه وتعالى. ولذلك الله عز وجل من رحمته بعباده أنه إذا قدر عليهم الموت يتردد تردد الرحمة، أن بعض الناس ما يعرف أنه يعني قادم على أكرم الأكرمين. لذلك أيها الأحبة بعض الناس اللي عنده إيمان ويقين إذا مات له قريب يحزن صحيح، لكن هذا الحزن مشوب بحسن ظن بالله سبحانه وتعالى. يا أخي فلان إذا مات أو فلانة إذا ماتت ستذهب إلى من؟ ستذهب إلى أكرم الأكرمين، إلى أرحم الراحمين، إلى الغفور الرحيم، إلى اللطيف الخبير، ماذا أقول بعد ذلك؟ الواحد فينا لو ذهب إلى ملك من ملك الدنيا واستضافه ما أحب أن يخرج من عنده، فكيف بملك الملوك!

بلال رضي الله عنه وأرضاه لما جاءته سكرات الموت، زوجته تبكي تقول: وا بلالا! وا فقداه! فيقول رضي الله عنه وأرضاه: بل واطرباه! واطرباه! غدا نلقى الأحبة محمدا وحزبه؛ غدا نلقى الأحبة محمدا وحزبه. يشتاق للموت لأنه سيلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم. هكذا الإيمان يا أيها الأحبة. أحد السلف لما جاءت سكرات الموت وبدا أهله يبكون، غضب عليهم وقال: أخرجوا من عندي لقد وقعت عن الله خمسين سنة دعوني أهنأ بلقاء ربي، يقول: خمسين سنة وأنا أفتي للناس دعوني أهنأ بلقاء ربي. لذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يححسن الظن بربه».

أيها الأحبة، أعود فأقول: نظرة شاملة للحديث، حديث عظيم فيه من الدروس -ترى اللقاء أيها الأحبة لا يكفي، لو أرادنا أن نبقى مع كل عمل سياخذ منا لقاءات- قضية الولاية وقضية حرب الله سبحانه وتعالى على من يحارب أولياء الله، كارثه!

الإامام أحمد رحمه الله لما حمل في الفتنة إلى المأمون والمأمون كان يحمل لواء الاعتزال ولواء القول بخلق القرآن، فجاء خبر أنه سيقتل الإمام أحمد إذا لم يجبه على القول بخلق القرآن، فقام وتوضأ في الليل ودعا الله يقال: يا رب غر حلمك هذا الرجل، اللهم إن كان القرآن منزل غير مخلوق فأرنا فيه عجائب قدرتك. يقول الراوي: فما أذن الفجر إلا مات المأمون.

مات المأمون. أبو جعفر المنصور مع سفيان الثوري، أبو جعفر المنصور أهدر دم سفيان الثوري، دم سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث، وكان يختفي عنه. فسمع كان مرة في مكة سفيان الثوري فسمع أن أبا جعفر قادم للعمره، فقام وتمسك بأستار الكعبة وقال: يا ربي أنا بريء من هذا البيت إن دخله أبو جعفر. فمات أبو جعفر في عسفان ودخل مكة ميتا. «من عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب»، خصمه الله سبحانه وتعالى ثم قسم بعد ذلك.

من فوائد أحبتي في الله جئنا إلى خاتمة لقائنا، أسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون ممن يحبهم الله، وأن يوفقنا إلى الأعمال التي تستجلب محبة الله لنا، نسال الله أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، إنه على كل شيء قدير. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.

يا راغبا في كل علم نافع متطلعا لزيادة الإيمان وتريده سهلا نوالا ميسرا ياتيك ميسورا بأي مكان زاد أكاديمية ينبوعها صاف صاف ليروي غلة الظمآن والسنة الغراء شارحة له فهما لنا من ربنا وأحياي بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالازهار في البستان أم