يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريده سهل النوال ميسراً يأتيك ميسوراً بأي مكان. زاد زاد أكاديمية ينبوعها صافي صاف ليروي غلة الظمآن، والسنة الغراء شارحة له فهماً لنا من ربنا. واحياني بشر لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. حياكم الله وبياكم، وجعل الجنة مثوانا ومثواكم. ولقاء يتجدد في مادة الحديث الشريف مع الحديث التاسع بإذن الله سبحانه وتعالى.
راوي الحديث هو عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي، فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك. رواه البخاري.
راوي الحديث أيها الأحبة هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. شهد الخندق وما بعدها، ولم يشهد بدراً ولا أحداً لصغر سنه. أفتى الناس ستين سنة، كف بصره في آخر حياته، وكان آخر من توفي بمكة من الصحابة سنة 73. وكان من الذين اعتزلوا الفتنة التي وقعت بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. عبد الله بن عمر روى الكثير عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لصغر سنه وكثرة علاقته بالنبي صلى الله عليه وسلم، كيف لا وأخته حفصة هي أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها.
نقف أيها الأحبة بعض الوقفات اليسيرة مع معاني الكلمات والمفردات. قوله: "أخذ بمنكبي" أي أمسك بكتفي، وهو مجتمع رأس العضد والكتف. "كأنك غريب" أي بعيد عن موطنه، لا يتخذ الدار التي هو فيها موطناً، ولا يحدث نفسه بالبقاء. الغريب عن البلاد لا يمكث في مكان. قال أهل العلم: هذه كلمة جامعة لأنواع النصائح؛ إذ الغريب لقله معرفته بالناس قليل الحسد والعداوة والحقد والنفاق والنزاع، وسائر الرذائل منشؤها الاختلاط بالخلائق. ولقلة إقامته قليل الدار والبستان والمزرعة والأهل والعيال، وسائر العلائق التي هي منشأ الشغل عن الخالق سبحانه، ولذلك فعلاً الغريب يكون متخففاً.
"عابر سبيل" أي مار بطريق، وهو أشد حالاً من الغريب، فتعلقه أقل من تعلقات الغريب. الغريب قد يمكن يتملك، لكن عابر السبيل يمضي ما يقف أبداً. قوله: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح" له معنيان: الأول: اعمل عمل المساء قبل أن تصبح، ولا تقل غداً أفعله، فلا تؤخر عمل اليوم للغد، أي المبادرة بالأعمال. وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، أي اعمل عمل الصباح في الصباح وأنههِ. قال المعنى الثاني: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح لأنك قد تموت قبل أن تصبح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء لأنك قد تموت قبل أن تمسي. وقوله: "من حياتك لموتك" أي اغتنم أيام حياتك التي تنفعك عند الله تعالى بعد موتك.
هذه إطلالة سريعة أيها الأحبة على هذا الحديث العظيم الذي يرويه هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه. هذا الحديث أيها الأحبة لنا فيه وقفات. الوقفة الأولى: حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تعليم الصحابة وخاصة الصغار. الصغير سوف يكبر، والصغير أكثر حملاً للعلم، وأكثر حفظاً، وأكثر تقبلاً. ولذلك رأينا النبي صلى الله عليه وسلم يهتم بصغار الصحابة: أبو سعيد الخدري، جابر بن عبد الله، عبد الله بن عمر، عبد الله بن عمرو بن العاص، أنس بن مالك، عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. فنجد أن النبي صلى الله عليه وسلم يهتم كثيراً بالصغار؛ أولاً لأن الاهتمام بهم يعطيهم في أنفسهم ثقة، وأيضاً يحملون عن النبي صلى الله عليه وسلم العلم. وكم حمل هؤلاء الأسماء التي ذكرتها لكم من العلم وبلغوه للأمة، معاذ بن جبل، زيد بن ثابت، أبي بن كعب. كثير من الصحابة صغار السن حملوا العلم وبلغوه للأمة.
ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يهتم بالصغار، وهذا أيضاً درس لنا نحن جميعاً أن نهتم بالصغار ولا نهملهم في حياتنا ولا في تعليمهم. هذا الصغير غداً سيكبر، وسيتذكر الصحابة يقول: أتذكر مَجَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه من الماء، النبي صلى الله عليه وسلم أخذ في فمه ماء ثم مج في وجه هذا الطفل الصغير يداعبه ويلاعبه، فيقول وهو صغير: أذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل هذا معي. إذاً الصغار أيها الأحبة ربما يكونون أكثر تملكاً للعلم وحرصاً عليه وحفظاً له.
الدرس الثاني والمهم جداً أيضاً: أهمية القرب الجسدي والنفسي من أبنائنا ومن الصغار. انظر ما نسي عبد الله بن عمر مسكة النبي صلى الله عليه وسلم له من منكبه، وهذه تعد فخراً، الإنسان يفتخر بها. ونحن حين كنا صغاراً نتذكر المدير إذا وضع يده على رأس الطالب مثلاً، أو صافحه، أو داعبه، فأمسك أذنه من قبيل المداعبة والمزح، نتذكر هذه المواقف ونحن صغار. ولذلك علماء النفس الآن يؤكدون على قضية القرب الجسدي من أبنائنا، قضية ضم الطفل إلى صدرك يا أيها الأب أو أيتها الأم، احرصوا على أن تضموا أبناءكم إلى صدوركم. وقالوا إن الطفل يحتاج في اليوم قرابة 20 إلى 40 مرة أن يضمه أبوه أو أمه إلى صدره، هذه حاجة وضعت في نفوس أطفالنا وأبنائنا.
ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ بكتف أو بمنكبي عبد الله بن عمر وينصح هذه النصيحة، فلا تزال تؤثر النصيحة القولية وأيضاً الفعل الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم. ولذلك جاء الإسلام: "امسح على رأس اليتيم، أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك؟ قال: امسح على رأس اليتيم هكذا وأحسن إليه هكذا"، يقول صلى الله عليه وسلم. ولذلك يقولون تقارب الجلود يدل على تقارب القلوب. دلالة أن حرص النبي صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن عمر، وكان يقول: «نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل»، فما ترك قيام الليل أبداً عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وأرضاه. ولذلك أخذ العلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم فترك الفتنة التي وقعت بين الصحابة ولم يشارك فيها لا من قريب ولا من بعيد؛ وذلك امتثالاً لتربية النبي صلى الله عليه وسلم. فاصل أيها الأحبة الأفاضل ثم نعود إليكم بإذن الله.
أين أنت من العلم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». فهناك مقدار من العلم يجب أن يتعلمه المتخصص وغير المتخصص، فعلى كل مسلم أن يتعلم ما تصح به عقيدته وعبادته، وعلى غير المتخصص أن يبدأ بالكتب الميسرة ثم يتدرج. ففي التوحيد مثلاً يبدأ بالأصول الثلاثة والواسطية ثم كتاب التوحيد ثم الطحاوية، وهكذا سائر العلوم، ويسأل العلماء عما يشكل عليه ويقلدهم في الفتوى لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
ويتواصل مع طالب علم متخصص ليشرح له ما صعب عليه فهمه، إذ لا يتيسر له التواصل مع العلماء في كل حين. ويهتم بوسائل التقنية الحديثة لتعوض انشغاله عن حضور مجالس العلم أو الالتحاق بالكليات الشرعية. ويحتاج غير المتخصص إلى علو الهمة وقوة العزيمة، فمع ضيق الوقت لن يحصل العلم إلا بالمواصلة. وليستفد من تخصصه في إتقان العلم الشرعي، فالطبيب مثلاً تسهل عليه مسائل الحمل والجراحات، والمهندس عليه الفرائض لإتقانه الرياضيات، وليسخر ذكاءه في فهم دينه وخدمته، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43].
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: ما زلنا في هذا الحديث العظيم الشريف الكريم. النبي صلى الله عليه وسلم يمسك بمنكبي عبد الله بن عمر ويقول: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». نصيحة، وأي نصيحة، ومن من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى. يحذر النبي صلى الله عليه وسلم من الدنيا، ومر معنا في لقاء سابق أيها الأحبة كيف التحذير من الدنيا وعدم التعلق بها وعدم الانشغال بها وعدم السعي خلفها. "يا دنيا يا غرور، غري غيري، فقد طلقتك ثلاثاً"، هكذا كان يقول علي رضي الله عنه وأرضاه.
وكان صلى الله عليه وسلم حينما يحذر من الدنيا يا أحبابي، هو ضرب أروع الأمثلة في هذا الباب. لما نقرأ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم نجد العجب العجاب، كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الدنيا وزينتها وملذاتها وشهواتها ولم يسعَ خلفها. فهو حينما أمر بأمر أيها الأحبة لم يخالفنا، والله ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأمر إلا وكان هو من أعظم المتمسكين بهذا الأمر فعلاً أو تركاً؛ لأنه هناك من يأمرك بأمر ويخالفك عن أمر ويذهب إليه، فيصبح عند الإنسان شيء من التشتت. أما رسولنا صلى الله عليه وسلم فإذا أمر بأمر كان من أسرع الناس إليه، وإذا نهى عن أمر كان من أبعد الناس عنه. ولذلك لما نقرأ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وبعده عن "ما لي وللدنيا؟ ما أنا إلا كراكب استظل تحت ظل شجرة ثم راح وتركها".
يأخذ بيد أبي ذر رضي الله عنه ورضاه، قال: «يا أبا ذر، أترى جبل أحد؟» قال: نعم. قال: «والذي نفسي بيده، لو كان عندي مثل جبل أحد ذهباً» -الله أكبر، جبل أحد يا أحبابي 3 ونص في 7 ونص، 3 كيلو ونصف و7 كيلو ونصف ذهب- يقول: «ما أحببت أن يمر علي ثلاثة أيام وعندي منه شيء، إلا شيئاً أدخره للدين». إذاً حرص النبي على البعد عن الدنيا. يدخل عليه عمر وقد أثر الحصير في جنبه، فيبكي، ما لك تبكي يا عمر؟ قال: كسرى وقيصر ينامون على الديباج والحرير وأنت رسول الله تنام على الحصير! قال: «أوفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟». الله أكبر، هذا المقياس الحقيقي.
وأيضاً لا يفهم من كلامي -وأنا أؤكد- أن الدنيا لا تذم لذاتها ولا تمدح لذاتها، لكن الإنسان ينبغي أن ينتبه منها، هي زاد للآخرة. الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، أو عالماً أو متعلماً، هكذا يقول صلى الله عليه وسلم. ولذلك يقول: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس». إذاً لا نغتر بها. والنبي لما حذر هو يعرف قيمتها، لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء. "حب الدنيا رأس كل خطيئة". ولذلك قال: «كن في الدنيا كأنك غريب».
إذاً النبي صلى الله عليه وسلم يحذر من الدنيا، مع أن الله عز وجل أحبتي في الله عرض عليه الخلود في الدنيا، وأن يعطيه مفاتح كنوزها، الخلد فيها والجنة، أو لقاءه والجنة. ماذا اختار صلى الله عليه وسلم؟ قال: «بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى». مع أن الله خيره أن يخلده الله في الدنيا، أن يقلب له الجبال ذهباً، أن يعطيه مفاتح خزائن الأرض يخلد فيها والجنة، قال: لا، بل الرفيق الأعلى. فاختار ما عند الله. إيش الدنيا هذه؟ ما قيمتها؟ لا قيمة لها. إذاً لا بد أن نعرف قدرها أيها الأحبة.
ولذلك يقول: «كن في الدنيا كأنك غريب». ما هي صفات الغريب أيها الأحبة؟ غريب عن بلاده يذهب، فدائماً تجد الغريب إنساناً متحسساً، دائماً يراقب نفسه، يراقب أفعاله، يعني لا يحمل شيئاً، دائماً يحاول أن يكون في كما يقولونه في الطريق السليم، لا يشغل نفسه بترات ولا بمشاكل ولا بأمور ولا ببعلائق، هو غريب عن هذا البلد. ولذلك تجد الغريب دائماً يتحفز ودائماً يحذر ودائماً بعيد عن أي شبهة أو أي أمر قد والعياذ بالله يجر إليه بلاء أو فتنة أو عيباً حتى. ولذلك الغريب تجد دائماً، حتى الغريب دائماً تحصلة يعني تجده إنساناً ربما كان يعني ضعيفاً، أو ربما كان مستكيناً، أو ربما لا ينظر إلى ما عند الناس. ولا غريب، يقولون في الأمثال: "يا غريب خلك أديب".
ولذلك كن في الدنيا كأنك غريب؛ هذه الدنيا ليست دارك، خذ منها بقدر حاجتك، خذ منها بقدر ما يكفيك، لا تحمل نفسك ما لا تحتمل، أنت غريب عنها، هذه ليست دارك، دارك الجنة بإذن الله تعالى. ولذلك الغريب دائماً يحذر، متوجس، يخاف من أي أمر قد يعيق عن إكمال رحلته التي يريدها أو العودة إلى وطنه الذي خرج منه. ولذلك كن في الدنيا كأنك غريب، قال: "أو عابر سبيل". الله أكبر، عابر السبيل إنسان ماشٍ في طريق، مسافر، يمر على قرية أو على بلد أو على مكان، فتجده يحافظ على كلامه وعلى أفعاله، وتجده في عجلة من أمره، ما عنده وقت يضيعه، هو في هذا الطريق عنده أعمال يقوم بها، ما عنده استعداد أن يضيع وقته وجهده وماله وفكره وعافيته في أمور أو في مكان ليس له فيه حاجة. فتخيل لما يكون هذا غريب وعابر سبيل، أنت في هذه الدنيا يا عبد الله، أنت في هذه الدنيا يا أمة الله، أنتم غرباء في.
هذه الدنيا عابري سبيل فقط. هذه الدنيا ممر والآخرة مقر، ولذلك المسلم والمسلمة عليهما أن يفهما قيمة الدنيا، وأن ينتبها ألا ينشغلا بها. انشغال بماذا يا أخي؟ الدنيا مهما عشت فيها ستموت، ومهما أخذت من الصحة ستمرض، ومهما جمعت من المال سيفنى. إذا عليك أن تعد العدة للدار الآخرة.
دخل رجل على أبي ذر فرأى بيته ما فيه شيء، فقال: أين متاعك يا أبا ذر؟ قال: لي بيت آخر أرسل إليه المتاع -يعني الدار الآخرة-. قال: لِمَ لا تستبقِ شيئاً عندك؟ قال: صاحب البيت لا يدعنا. كيف كان عنده من الفقه أن هذه الدنيا اختبار، وأن أمامنا عقبة كؤوداً ولا يجاوزها إلا المخف، هكذا كان الصحابة رضوان الله عليهم. الإمام أحمد رحمه الله يقول: طعام دون طعام، ولباس دون لباس حتى نلقى الله سبحانه وتعالى.
ولذلك أيها الأحبة، العاقل ينتبه من قضية الركون للدنيا. انتبه، هي الدنيا تقول بملء فيها: حذاري حذاري من بطشي وفتكي، فلا يغرركم مني ابتسام؛ فقولي مضحك والفعل مبكي. ماذا فعلت الدنيا بمن هم قبلنا، بالأقوام وبالمُلك وبالسلاح وبالجمع؟ ولذلك العاقل يعرف قيمة الدنيا، وأنها لا تعدل عند الله جناح بعوضة. لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء، لكن ما تعدل.
إن مثل الدنيا في الآخرة كمثل أحدكم يضع إصبعه في اليم، فلينظر بماذا يرجع؟ لا موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها. لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إلي من الدنيا وما عليها مما طلعت عليه الشمس؛ هذه قيمة الدنيا في المعيار الحقيقي من النبي صلى الله عليه وسلم. ولذلك الله حذر: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: 33].
انتبه يا عبد الله، نحذر أيها الأحبة، ماذا فعلت الدنيا بالآخرين، بالناس، بالسابقين؟ أليس لنا فيهم أسوة أو عبرة؟ ولذلك بعض الناس يعمل من أجل الدنيا، يحب من أجل الدنيا، يتزوج من أجل الدنيا، يصاحب من أجل الدنيا، ثم ماذا؟ ثم ماذا يا عبد الله؟ في النهاية تلك الحفرة ستدخلها كما خلقت يا عبد الله. ولذلك أحبتي في الله لابد أن ننتبه، لا بد أن نحذر، لا بد أن نعرف قيمتها، هذه الدنيا مزرعة للآخرة. من عمل فيها صالحاً، من سابق فيها، كانت المحصلة عظيمة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]. فلننتبه أيها الأحبة، هي ممر وليست مقراً. فاصل ثم نعود إليكم بإذن الله.
اقرأ؛ إنها أول كلمة نزلت من القرآن الكريم على قلب النبي الأمين صلى الله عليه وسلم. إن الأمم القارئة هي الأمم القائدة؛ لأن القراءة والمعرفة تطرد الجهل والتخلف والخرافة. وقد بلغ حب العلماء للقراءة مبلغاً عظيماً؛ قيل لأحدهم عند موته: ما تشتهي؟ قال: النظرة في حواشي الكتب. وقد أظهرت بعض الدراسات أن حوالي 70% من معلومات الإنسان يحصل عليها عن طريق القراءة، وتعلم الباقي بالاستماع والتجربة وغير ذلك.
ولكي تكون قراءتك واعية، فابدأ بالمرحلة التأسيسية، حيث تنتقي كتب أهل السنة التي تضمن بها سلامة العقيدة، وإذا قابلتك مصطلحات غامضة فاسأل عنها العلماء. ولدفع النفور من القراءة ابدأ بالكتب السهلة قبل الصعبة، وبالمختصرة قبل المطولات. ولدفع الملل استرح، وأرح عينيك، وتحرك بين الحين والآخر، ويمكن إذا مللت من كتاب أن تقرأ في غيره. ولدفع شرود الذهن عليك بالصبر والمجاهدة، والبعد عن المؤثرات الخارجية، واستخدم الترقيم والتلوين لتمييز العبارات المهمة، واكتب الحواشي والتعليقات، ولخص الكتاب، واستفد بما تقرأ، لتكون ممن قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 18].
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، وبعد. أيها الأحبة، فما زلنا مع هذا الحديث العظيم. ابن عمر أيها الأحبة وعى الدرس جيداً، وعى تلك النصيحة العظيمة: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». ولذلك ابن عمر أخذ هذه الوصية وكان يوصي الناس، فكان يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.
الكلام هذا ما يأتي من فراغ أيها الأحبة، هذا الكلام يأتي من تربية عظيمة جداً من النبي صلى الله عليه وسلم. إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، بمعنى أن الإنسان يكون قصير الأمل. قصر الأمل منقبة، وطول الأمل مفسدة. الإنسان حينما يقصر أمله أيها الأحبة يبادر بالعمل، يبادر بالطاعة، يبادر بالقربة، يبادر بقضاء ديون الله أولاً ثم ديون الناس ثانياً. ما عنده وقت فراغ، ما عنده وقت يضيعه، ما عنده انشغال بالتفاهات وسفاسف الأمور، هو عنده ربما أموت الآن، ربما أموت بعد قليل. ولذلك السلف ضربوا أروع الأمثلة في هذا الباب. أذكر قرأت قصة عن ثلاثة من السلف، كل واحد يتكلم عن أمله؛ بعضهم يقول: إذا صليت الفجر فاستبعد أن أصلي العشاء، قالوا: أنت طويل الأمل. وقال أحدهم: إذا توضأت لا أضمن هل أصلي أم لا أصلي، قالوا: أنت طويل الأمل. قال الثالث: وأما أنا فإذا أخذت النفس فلا أضمن هل سيخرج أم لا يخرج، قالوا: أنت، أنت، أنت. انظر أيها الأحبة كيف قصر الأمل يجعل الإنسان يبادر في العمل.
طول الأمل والعياذ بالله -والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذا أن من أسباب هلاك الأمة في آخر الزمان طول الأمل- مفسدة. ولذلك أحبتي في الله الإنسان ينبغي أن يسابق الزمان، أنت لا تعلم متى تموت، متى تُقبض روحك. ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 99-100]. فلنبادر أيها الأحبة، فإن الراحة لا تُنال بالراحة.
لذلك الإنسان يحرص أن يبادر إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء. عليك بالمبادرة، عليك بقصر الأمل، عليك بقضاء الحقوق: حق الله أولاً، وحق الآخرين ثانياً. كن مبادراً، ابدأ بالمبادرة في العمل، في قضاء الحقوق، في قضاء الديون، في المسابقة في العمل الصالح. يا إخواني النبي صلى الله عليه وسلم يقول في معنى الحديث: ما من رجل يجلس مجلساً لا يذكر الله فيه إلا كان عليه تِرَة وحسرة يوم القيامة. ولذلك ينبغي أن نغتنم الأوقات. قيل لأحد السلف: تعال تكلمنا، حدثنا، قال: أوقفوا الشمس وأنا أحدثكم.
يقول ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت فيه شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي. شوفوا الغبن فين والحسرة فين، قضية اليوم الذي ينتهي وما تزودت فيه للآخرة. وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ورحمه يقول: إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما. يعملان فيك فاعمل فيهما، الليل يسلمك للنهار والنهار لليل وهكذا. ويقول غيره: إن الليل والنهار رأس مال المسلم، ربحه الجنة وخسرانه النار، فنحرص أيها الأحبة على اغتنام الأوقات والمبادرة بالعمل.
الإنسان لا بد أن يبادر، فرصة عظيمة جداً أن تغتنم أوقاتك وأن تغتنم أحوالك. كيف أحوالك؟ قال: خذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك. يا إخواني الأحوال تختلف، يوم أنت في صحة، يوم أنت في مرض، يوم أنت في فراغ، يوم أنت في شغل، يوم أنت حي، يوم أنت ميت. ولذا خذ من صحتك لمرضك، إذا جاءت الصحة أقبل على العمل، لا تضيع شيئاً وأنت صحيح؛ لماذا؟ غداً ستمرض وكلنا ذاك الرجل، وبالتالي ستعجز، ستتعب، سيفوتك خير كثير. العاقل ينتبه لهذه الصحة، لا تقضها في النوم وفي الكسل وفي الغفلة وفي التماشي التي ليس لها فائدة، لا، لا، هذه الصحة اغتنمها قد لا تعود.
وقال: ومن حياتك لموتك، أنت الآن حي عندك فرصة للعمل، فرصة للعبادة، للصلاة، للدعاء، للذكر، للصدقة، لصلة الرحم، لكل عمل ما دمت حياً. إذا جاء الموت تمت القضية وحيل بينهم وبين ما يشتهون. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اغتنم خمساً قبل خمس». اغتنمها، والغنيمة أيها الأحبة ما تكون إلا من الأعداء غنائم؛ شبابك قبل هرمك، وقت الشباب؛ صحتك قبل سقمك؛ فراغك قبل شغلك؛ غناك قبل فقرك؛ حياتك قبل موتك. غنيمة إن ذهبت ذهبت.
ولذلك أيها الأحبة العاقل من ينتبه، شبابك قبل هرمك، إن الشباب فترة الصبا، روائح الجنة في الشباب، الشاب يستطيع أن يفعل أعمالاً وأفعالاً ما يستطيع كبار السن، فلا ينشغل شبابنا بهذه الأجهزة وبمواقع التواصل والقنوات وبمواقع ينسى الله والدار الآخرة. انتبه، الشباب هم ثروة الأمم، شبابك قبل هرمك، الشباب في قوة، صحتك قبل سقمك. يا أحبابي كان قرأت أنه مكتوب في حكمة آل داود: العافية هي الملك الخفي. نعم والله ملك، والله الملك الحقيقي أيها الأحبة ليست الأموال ولا القصور ولا العمائر ولا السيارات ولا العمارات ولا الأسهم، لا لا لا، الملك الحقيقي العافية، العافية.
ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «ما أُعطي أحد بعد اليقين خيراً من العافية». يأتي العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يا رسول الله علمني دعاء أدعو الله به، قال: «سل الله العفو والعافية». جاء اليوم الثاني: يا رسول الله علمني دعاء أدعو الله به، قال: «سل الله العفو والعافية». جاء اليوم الثالث: يا رسول الله علمني دعاء -يعني يريد أن عمك، أعطني شيئاً- قال: يا عباس يا عم رسول الله، سل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة. وفي حديث آخر جاء رجل قال: فإن عافاك الله فقد أفلحت، فإن عافاك الله فقد أفلحت.
ولذلك يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: ما كان صلى الله عليه وسلم يدع هذه الكلمات إذا أصبح وإذا أمسى؛ ما هي يا أحبابي؟ ما هي؟ قال: «اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي». بقي شيء يا أحبابي؟ بقي شيء من أمر الدنيا والآخرة؟ ولذلك العافية اسم جامع؛ يعافيك الله من الذنوب ومن المعاصي ومن الآلام ومن الأحزان ومن الأكدار ومن كل ما يكدر عليك، سواء في جسدك أو في قلبك أو في حياتك أو بعد مماتك. حتى الأموات يا أحبابي، حتى الأموات يحتاجون العافية؛ كان صلى الله عليه وسلم إذا ذهب إلى القبور: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية». حتى لأهل القبور نسأل الله لنا ولكم العافية؛ عافية مطلب.
ولذلك قال: خذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك. الفرص، الفرصة إذا جاءت لا تتركها، الفرصة قد لا تتكرر مرة ثانية. عليك يا عبد الله، ولذلك أيها الأحبة على الإنسان أن ينتبه لنفسه، وأن ينتبه لشرف الزمان وقيمة الوقت، لا سيما والله سبحانه وتعالى أقسم بجميع أنواع العصر، الزمان؛ قال: ﴿وَالْفَجْرِ﴾، وقال: ﴿وَالضُّحَىٰ﴾، وقال: ﴿وَالْعَصْرِ﴾، وقال: ﴿وَاللَّيْلِ﴾، وقال: ﴿وَالنَّهَارِ﴾. إذاً أقسم الله بهذا الزمن، ليش؟ لقيمته، لمكانته، حتى الناس ينتبهون. نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ، الصحة والوقت الفراغ. ولذلك أكثر الناس عنده لكن ما يعرف قيمته مع الأسف، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وصلنا للنهاية، أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن يرزقنا علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاء من كل داء. اللهم يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث، أصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين أبداً. وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
د. موفق كدسة الغامدي