بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد.
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. حياكم الله وبياكم، وجعل الجنة مثوانا ومثواكم. في لقاء يتجدد في هذه الأكاديمية المباركة، أكاديمية زاد، ومع مادة الحديث الشريف (هدي النبوة وتوجيهات نبوية عظيمة). معنا اليوم حديث آخر من هذه السلسلة المباركة، ألا وهو الحديث السادس عشر، حديث أبي موسى رضي الله عنه وأرضاه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً»، وشبك بين أصابعه. متفق عليه. المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً.
أحبتي في الله، حديث فيه من التوجيهات والاستنباط والأمثلة الشيء العظيم. أولاً من هدي الكتاب والسنة ضرب الأمثال. ضرب الأمثال لأن ضرب المثل مما يقرب الصورة، وهي وسيلة قرآنية ووسيلة نبوية تقرب الصورة إلى ذهن المتلقي، فيتخيل الموضوع، ويتخيل التوجيه، ويتخيل الأمر. ولذلك كما قلت، القرآن الكريم مليء بالأمثلة، ومليء بضرب الأمثال، وكذلك الأحاديث النبوية الشريفة. يقول صلى الله عليه وسلم: «إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً» -والإنسان لا يوقد النار عادة إلا في الليل- «فجعل الجنادب والفراش يتقاحمن فيها، وهو يذبّهن بيده، يعني من شفقة هذا الرجل ما يريد الجنادب والفراش أن يموت، قال صلى الله عليه وسلم: وأنا آخذ بحجزكم من النار وأنتم تفلتون مني».
لا إله إلا الله، مثال عجيب جداً على حرص النبي صلى الله عليه وسلم. أولاً ضرب مثل بهذا الرجل أوقد ناراً فجأة في الليل، دائماً الفراش والجنادب تأتي إلى النار تظنه نور النهار، فكانت هذه الجنادب والحشرات الضعيفة المسكينة تلقي بنفسها في النار تظن أنه ضوء النهار. الرجل من شفقته يبعد هذه الجنادب وهذا الفراش من شفقته بهذه الحيوانات أو بهذه الحشرات. هذه الشفقة يشبه النبي صلى الله عليه وسلم حاله، يقول: «وأنا آخذ بحجزكم من النار وأنتم تفلتون مني».
إيش الحجز يا إخوان؟ الحجز هي اللباس أو الذي يوضع على المنطقة على بطن كان العربي يتحزم بمثل الحزام؛ قطعة من القماش يربطها على بطنه حتى تمسك الثوب أو الإزار. يقولون هذا أمكن مكان يمكن أن يقبض به على الرجل، يعني لو جاء إنسان يسقط في شيء، إذا مسكته من هذه الحجز فقد تمكنت منه تمكناً قوياً، تستطيع أن تسحبه أو أن تدفعه. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «وأنا آخذ بحجزكم من النار»، يعني أنتم تريدون أن تتفلت مني إلى النار، تلقون بأيديكم في النار، والرسول يمسك الواحد فينا من الحجز -أوثق مكان يمسك به الرجل- يسحبنا ونحن نتفلت! لا حول ولا قوة إلا بالله.
أنا آخذ بحجزكم من النار وأنتم تتفلتون مني. صدق صلى الله عليه وسلم، والله ما ترك من خير إلا ودلنا عليه، ولا شر إلا وحذرنا منه، وشهد الله بهذا في كتابه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]. خلاص انتهت القضية، انتهى التبليغ، انتهت الشريعة نزلت كاملة على لسان المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأنتم تفلتون مني في النار!
فالأمثلة تقرب المعنى. هذا مثال آخر يضربه النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً». أنا أنت جميعنا، نحن كمجتمع، أرايت الجدار؟ كيف يبنى الجدار؟ أصبة واحدة؟ لا، هذه لبنة وهذه لبنة -بمصطلحنا المعاصر هذه طوبه وهذه طوبه، هذه بلوكة وهذه بلوكة- ونجد أن هذا البلوك لما يكون متساوي منضبط في البناء، هذه فوق هذه وهذه فوق هذه وهذه جنب هذه وهذه جنب هذه، يصبح البناء متماسكاً مترابطاً. ولذلك بعض الأبنيه يرمى فيها بالدبابات بالصواريخ ما تأثر! لماذا؟ قوة البناء، يرمى فيها بالرصاص بالقنابل ما تأثر! لماذا؟ قوة البناء والتماسك. هكذا المجتمع المسلم، هكذا المجتمع المسلم. المؤمن للمؤمن، وانظر كيف اختار النبي صلى الله عليه وسلم صفة الإيمان: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً».
شوف أنت لوحدك لو كنت لبنة لوحدك، مثال اللبنة هذه، يستطيع طفل صغير أن ياخذها وأن يقذف بها حيث ما شاء؛ لبنة ما لها قيمة، هذه اللبنة متى يصبح لها قيمة؟ لوحدها ما لها قيمة، وإن كان لها قيمة فقليلة جداً زهيدة جداً. لكن هذه اللبنة تصبح ذات قيمة عالية إذا كانت مع رفيقاتها. الآن انظر إلى أقرب جدار عندك، أنت الآن تسمعني، التفت يميناً إلى أي جدار وانظر إلى الجدار كيف مبني؛ بناء جميل، بناء أملس، بناء مصبوب على أفضل ما يكون، التلييس كما يسمونه، البويا كما يسمونها، فتجد أن الجدار ممتاز.
الآن لو قلت لك يا اخي البلوكة أو الطوبة تراها نص ريال ولا بريال، بالله اخلع لي واحدة من الجدار اللي عندك واعطني ولك عشرة ريال، ترضى؟ ما ترضى يا أخي قيمتها نص ريال! طيب اعطيك خمسين ريال ترضى؟ ما ترضى! طيب أنا بعطيك ألف ريال ترضى؟ ما ترضى! لماذا؟ لأن وجودها متمم للبناء، وإخراجه، مع أن قيمتها زهيده لوحدها لكن لأنها صارت مع المجتمع، مع الجدار، أصبحت غالية الثمن يا أخي، كلفتني شيئاً كثيراً لا يمكن أن أنازل عنها. هذا أنت وهذا أنا وهذا نحن جميعاً، لما نكون كالجدار الواحد كالبناء الواحد، أولاً قيمتنا تكون غالية، أثرنا يكون عظيماً، نفعنا يكون كبيراً، لكن لوحدك لبنة لوحدك قيمتك ضعيفة، ربما لا قيمة لك.
قد عرفنا الآن المثال النبوي الشريف؛ الواحد لوحده ضعيف، لذلك يقولون: الرجل أو الانسان ضعيف بنفسه قوي بإخوانه. فاصل ثم نعود إليكم بإذن الله، وصلى الله على محمد.
هل كان اجدادنا يتخيلون أن يرسلوا رسالة من المشرق إلى المغرب في لمح البصر؟ هل كان أسلافنا يتصورون أن يلتقوا بالعلماء في أقصى الأرض دون أن يرحلوا إليهم؟ إنها التقنية الحديثة. فلاستخدامها في طلب العلم ميزات؛ منها سرعة ويسر الوصول إلى المعلومة، وضخامة المعلومات وتنوعها، والتواصل مع العلماء حيثما كانوا. ومن ميزاتها الكبيرة تيسير طلب العلم على المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة.
فلا غنى لطالب العلم عن الحاسوب بما عليه من مكتبات ضخمة، حيث يمكنه البحث في آلاف الكتب في ثوان معدودة، لكن عليه الحذر من التصحيف والتحريف. ولا غنى له عن استخدام الإنترنت في أبحاثه، لكن عليه أن يوثق المعلومات من المصادر المتخصصة ولا يكتفي بالمنتديات ونحوها. والتعليم عن بعد من خلال الإنترنت يسر طلب العلم للمشغولين بالوظائف والأعمال الخاصة. والأجهزة اللوحية بتطبيقاتها وبرامجها سهلت التعلم، حيث أنها في كف طالب العلم حيثما حل وارتحل. وكذلك الفضائيات لا سيما العلمية المتخصصات سهلت طلب العلم في البيوت، فهي من أنسب الوسائل التعليمية للنساء. فلتستثمر التقنية ولتحذر من شرها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحرى الخير يعطى، ومن يتق الشر يوقى».
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
ما زلنا في هذا الحديث وما فيه من مثال، وسَبْكٍ لهذا المثال الجميل: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً». أنا ضعيف مهما أوتيت من قوة، أنت ضعيفة مهما أتيتم من قوة. متى نقوى؟ إذا اجتمعنا، إذا اتحدنا، كنا على قلب واحد، على منهج واحد، على دين واحد، على مجمع واحد. بس المجمع لازم يكون قائم على الكتاب والسنة، ما هو أي مجمع ترى!
طبعا لا شك أن الاجتماع دائماً قوة، الاجتماع قوة، وأضرب لك مثال اليهود. الآن يا إخواني اليهود ما لهم قيمة أصلاً، منبوذون في كل مكان، لكن متى صار لهم قيمة؟ لما اجتمعوا! لما اجتمعوا صار لهم قيمة، وإلا كم؟ خمسة ملايين، عشرة ملايين ما يصيرون عشرة ملايين ما لهم قيمة، فاجتمعوا وهم على ضلال فصار لهم قوة، لكن قوة ترى نسبية.
القوة الحقيقية هي قوة الإسلام، حينما يكون الاجتماع على الدين الحقيقي الصحيح، على المنهج الصحيح، على الكتاب والسنة، ليس على الأهواء والاجتهادات الشخصية. ولذلك الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]. الاعتصام يعطيك قوة، مكانة. لذلك أعداء الإسلام عرفونا معرفة طيبة وقوية، ودرسونا دراسة قوية، وعرفوا أن المسلمين إذا اجتمعوا لن تقوم قائمة لغيرهم. المسلمون إذا اجتمعوا واتحدوا بعيدا عن الأهواء والنعرات والتحزب، لن تقوم قائمة لأعدائهم. والتاريخ يشهد أكثر من ألف وأربعمائة سنة، فهم اخذوا عبراً واخذوا دروساً وعرفوا قيمة المسلمين لما يجتمعون، وبالتالي: فرِّق تسد، فرِّق تسد.
لذلك تجد الآن معظم الخلافات في العالم أين توجد؟ بين المسلمين! لا اقول بين العرب، بين المسلمين، وهذه كارثه، كارثه بكل ما تعنيه الكلمة. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]. ونجد أن كثيراً ممن ينتسب للإسلام مشاكل، مطاحن، حروب، تكفير، تفجير، تدمير، قلاقل، مصائب، اتهامات. طيب متى متى نستفيق من هذه الغفلة؟ متى نصحو ونستيقظ من هذا السبات؟
طبعاً أعداؤنا لا يريدون أن نستيقظ أبداً، لا يريدون: ناموا ولا تكلموا! ما فاز إلا النوم مع الأسف. ولذلك نجد أنه كلما شاء الإسلام والمسلمون يستيقظون يعودون إلى ما كانوا عليه، جاءتهم القلاقل والحيل والانقسامات وكثير من المكر الكبار ليفت في عضد الأمة. ترى تاريخنا مكشوف عندهم، تاريخ الإسلام مكشوف عندهم، وتقوم عليه دراسات كثيرة جداً لفهم الواقع، واقع الإسلام والمسلمين. ولذلك ليس خوفاً ما منا خوف طول ما نحن متفرقون ما منا خوف، الكارثة الكبرى لو اتحد المسلمون! كارثة، كارثة بكل ما تعنيه الكلمة. لذلك أعداؤنا يعرفون هذا الكلام، يعرفون أثره، ومع الأسف نحن نتطاحن فيما بيننا وياكل بعضنا بعضاً، وإلى الله المشتكى.
إذاً، القوة حينما المؤمن للمؤمن كالبنيان، البنيان المتراس المنضبط الذي بني على أساس قوي، واستقبل بناؤه على أساس صحيح، يصبح آمناً، يصبح قوياً، يصبح مأمناً، يصبح حصناً، يصبح مكاناً يِلاذ به ويعتصم به بعد الله سبحانه وتعالى. هذا الذي قصده النبي صلى الله عليه وسلم. لذلك أي اجتماع على غير الكتاب والسنة، وإن كان فيه قوة، لكنه ليس فيه دوام. يعني امتحنوا قبل فترة من الزمن بالقومية العربية والقومية العربية والقومية العربية، والعرب والعرب والعرب، واجتمع المسلم العربي والمسيحي العربي والماركسي العربي والشيوعي العربي، وبعدين؟ ثم ماذا؟ ما الذي حدث؟ ما في استمراريه؛ لأن أساسه هش، أساسه ضعيف. الاعتصام يكون بالإيمان، وقديماً يقولون: اللي ما هم على دينك ما يعينك! اللي ما هو على دينك ما يعينك.
ولذلك نقول أيها الأحبة، الاجتماع قوة والاتحاد قوة. فإذا كان على أساس متين من الكتاب والسنة، قوة وثيقة جداً وثابته وراسخة، وإذا كان على أساس غير متين، قد يكون قوة فترة من زمن، لكن لن تدوم. ولذلك هل تعتقدون أنه الآن اليهود سيدومون؟ لا والله، لن يدوموا أبداً، والتاريخ يشهد، أمة ملعونة. لذلك علينا نحن إذا اردنا أن ننتصر أن نعود إلى كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، أن نعتصم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. كل واحد يعرف ما له وما عليه.
ولذلك عمر رضي الله عنه وأرضاه يقول: ألا إن كل منكم على ثغر من ثغور الإسلام، فلا يأتين الإسلام من قبل أحدكم. كلنا يا إخواني نكون هذا النسيج وهذا السياج وهذا البنيان. ولذلك أنا عضو في المجتمع ونحن أعضاء في المجتمع، لابد من التكاتف والترابط والتلاحم والألفة والأخوة والمحبه والصدق حتى يبقى هذا المجتمع متماسكاً. لكن لو والعياذ بالله لبنة من اللبنات فسدت وانكسرت وإلا انخرقت، سيأبد البلاء. لذلك يقولون إن سد مأرب -سد مأرب الذي يضرب به في التاريخ المثل- سد عظيم جداً، ما الذي دمره؟ ما الذي كان سبباً في تدمير هذا السد الذي نتج عنه هجر عظيمة من البشر وفساد كبير في في ذلك الوقت؟
فأرة! هذه الفأرة نقبت هذا السد العظيم الذي يحمل خلفه المياه الكثيرة، فهذه الفأرة نقبت فيه نقباً بسيطاً، هذا النقب البسيط، هذا الخرم البسيط مع الوقت تكسر قليلاً قليلاً قليلاً حتى انهدم سد مأرب وأصبح التاريخ يحكي قصة هذا السد وما خلفه، السبب: فُوَيْسِقَة، فأرة دمرت هذا السد! طيب، نحن كمجتمع لابد من الترابط، لابد من التلاحم، لابد من الاجتماع والاتحاد، نبذ الفرقة، نبذ الخلافات، الترفع عن سفاسف الأمور. هكذا المجتمع المسلم؛ تحب لأخيك ما تحب لنفسك، وتحب لنفسك ما تحب لأخيك، وكل إنسان يغار على أخيه وعلى مجتمعه. هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يربي الأمة، وهكذا ينبغي أن نكون أيها الأحبة.
فالإسلام ليس فقط شعارات، لا، شعارات مع عمل، وهذا الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم: «يشد بعضه بعضاً»، فيها فوائد عظيمة هذه الكلمة، لكن بعد الفاصل إن شاء الله. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.
بالوالدين إحسانًا، والبر بالوالدين يعود نفعه على الولد البار بثمرات وفوائد؛ منها: تحصيل مرضاة الله تعالى، إطالة العمر وزيادة الرزق، اكتساب بر الأبناء في المستقبل فالجزاء من جنس العمل، تكفير الذنوب والخطايا؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أصبت ذنبًا عظيمًا فهل لي توبة؟ قال: «هل لك من أم؟» قال: لا. قال: «هل لك من خالة؟» قال: نعم. قال: «فبرها».
وللبر بالوالدين صور وأشكال؛ منه ما يكون في حياتهما: كإحسان القول إليهما، وخفض الصوت عندهما، وطاعتهما فيما يأمران به، وتعليمهما ما يحتاجان إليه، واستئذانهما عند السفر، وإظهار التقدير والاحترام لهما، وتقبيل أيديه ومنكبيه، والسعي في إرضائهما، وتحمل المشاق في سبيل ذلك. ومنها ما يكون بعد وفاتهما: كالدعاء لهما والاستغفار لهما، وقضاء دينهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام أصدقائهما؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي».
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وما زلنا أيها الأحبه مع حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا». كلمة «يشد بعضه بعضًا»: أنا ضعيف وأنت ضعيف ونحن متفرقون ضعفاء، لكن متى نقوى؟ إذا اجتمعنا. قلبك علي وقلبي عليك، قلوبنا على بعضنا البعض. لما نكون بهذا المستوى الأخلاقي السلوكي يشد بعضه بعضًا: إن رأيت في ضعف قويتني، غفلة نبهتني، سبات ونوم أيقظتني، جهل علمتني، مرض داويتني، انحراف قومتني. هكذا المجتمع!
تخيل لما يقول سلمان الفارسي رضي الله عنه وأرضاه لعمر: والله لو رأينا فيك عِوَجًا لقومناك يا عمر بحد سيوفنا. فلا يغضب عمر رضي الله عنه وأرضاه، وهو عمر الخليفة الذي كان القرآن موافقًا لكلام عمر، ولم يرد سلمان إيقاظ فتنة ولكن قضية الإصلاح، ولذلك يقول عمر: رحم الله من أهدى إلينا عيوبنا. إذا الإصلاح يكون بالحكمة، بالموعظة الحسنة، بالنصيحة، بالدعوة إلى الله، بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر، بالصدق في المشاعر، ليس بالعنف يا إخواني، عمر العنف ما أصلح شيئًا أبدا. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نُزع من شيء إلا شانه». الرفق مطلب في التعامل مع أهل بيت، مع جيراني، مع المجتمع، مع كل أحد.
إذا يشد بعضه بعضًا، إذا قضية التلاحم والصدق في المشاعر وفي الحب وفي الأخاء وفي الألفة وفي الجيرة وفي المجتمع، هذا مطلب مهم جدا يا أحبابي، مطلب مهم جدا. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم أكد على العلاقات الاجتماعية: أنا وانت ونحن جميعًا في المجتمع بيننا حقوق وواجبات؛ قال صلى الله عليه وسلم: «حق المسلم علىست: إذا لقيته فسلم عليه» أي مسلم تعرفه أو لا تعرفه أبدًا، أي مسلم إذا لقيته فسلم عليه «وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له» هذه من حقوقي عليك ومن حقوقك علي «وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبع جنازته». تخيل هذه حقوق! إذا قلنا حقوق يعني يجب وجوبًا وتأثم إذا لم تقم بهذه الحقوق، أقل ما فيها الكراهة. حق المسلم على المسلم ست.
إذا هذا المجتمع المتماسك، المجتمع مثل ما شبهه النبي صلى الله عليه وسلم بالسفينة، السفينة التي يعيش فيها قوم، هذا هو المجتمع الإسلامي؛ أنت وانا ونحن جميعًا مطالبون بالمحافظة على هذا المجتمع، مطالبون بأن نتحد في حياتنا في هذا المجتمع. أنت تحافظ على سلامة مجتمع السفينة، وانا مطالب بأن أحافظ على سلامة المجتمع، وكل واحد فينا مطالب بالمحافظة على سلامة مجتمع السفينة. وإذا رايتني قد أخطأت في هذا وأردت أن أفسد في السفينة، يجب عليك أن تردني وانا يجب علي أن اردك، لماذا؟ لأننا نسعى إلى سلامة مجتمع السفينة. لكن لو كان كل واحد قال: وأنا مالي! أنا مسؤول عن نفسي وبيتي، السفينه ستهلك في أي لحظة ستهلك. ولذلك نحن جميعًا مطالبون بأن نحافظ على سفينتنا على مجتمعنا من أن يخرق أو أن يخترق أو أن يؤذى أو أن يفسد، لماذا؟ هذا واجب علي مادام نحن كالبنيان، إذا هذا واجب علي وعلى الصغير وعلى الكبير وعلى الأمير وعلى غير الأمير والفقير، كل الناس. هذه تعاليم النبوة يا إخواني.
ولذلك كما قلت، النبي صلى الله عليه وسلم جعل لنا كثيرًا من الضوابط والآداب التي من خلالها نحافظ على هذا المجتمع، على التماسك، على أن يحيا أكبر قدر ممكن حياة العزة والقوة والمنعة والسؤدد، ليس حياة الذله والانحدار والانحراف. لا، خذ ماذا يقول صلى الله عليه وسلم: يقول صلى الله عليه وسلم: «لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا». الله أكبر، «وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره. التقوى هاهنا» ويشير إلى صدره صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه» رواه مسلم.
تخيلوا يا إخواني لو فعلنا هذا التوجيه النبوي، ما نحتاج بعد ذلك إلى أي شيء آخر! لو فعلنا هذا التوجيه النبوي: «لا تحاسدوا، لا تناجشوا، لا تباغضوا، لا تدابروا، لا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا». يا سلام، الآن معظم المشاكل من عدم تطبيق هذه القواعد! النبي يقول: لا تحاسدوا، ونحن نتحاسد؛ لا تناجشوا، ونحن نتناجش؛ لا تباغضوا، ونحن نتباغض؛ لا تدابروا، ونحن نتدابر؛ إذا نحن نخالف التوجيهات النبوية التي تضمن قيام المجتمع. يعني حتى البيع «ولا يبيع بعضكم على بيع بعض»، خلاص فلان يشتري، خلاص يبغى يشتريها يشتريها إذا طابت نفسه، أنا أتقدم بعد ذلك؟ لا، الآن أصبح الناس تشتريها لا أنا زايد عليك! يعني حتى الإنسان «ولا يخطب أحدكم على خطبة أخيه»، لا انسان يخطب فلانة أنا أروح أتقدم وأعطيهم مهر أكثر وأكثر؟ لا، هذا ما هو مجتمع! هذا مجتمع الفتن، مجتمع الخلافات. «وكونوا عباد الله إخوانًا»، كونوا إخوان، والأخو يترك لأخيه، ويعطف لأخيه، ويتسامح مع أخيه، ويكرم أخاه، وهكذا. «وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره. التقوى هاهنا» ويشير إلى قلبه صلى الله عليه وسلم «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم».
يا إخواني، ترى المجتمع الإسلامي لبناته مترابطة، مترابطة يكمل بعضها البعض، لا تظن أنك ستكون احسن مني أو أنا احسن منك أبدًا، نحن مجتمع لابد أن يكون يعني بنيان مرصوص، ما تدخلنا الخلافات ولا الاعوجاجات ولا الفتن وإلا سنهلك. أنت يا إخواني فعلا مثال السفينة أوضح مثال لابد أن نحافظ على هذه السفينة، لا يتيها أي مشكلة، والله خرق بسيط في السفينة يدمر السفينة ونحن لا نشعر! لذلك لابد هذه السفينة في أعناقنا، مجتمعاتنا في أعناقنا أن نحافظ عليها.
في مثل يقولون: السفينة التي يقودها ربانان تغرق. إن الربان واحد والبقية يعملون على حمايه السفينة، إذا تماسك بين القائد وبين أهل السفينة حتى تقوم السفينة، لكن إن كان في السفينة بدل قائد واحد عشرون قائدًا، ثلاثون قائدًا، خمسون قائدًا، هذه مباشرة تغرق السفينة. لذلك فعلًا تطبيق الأوامر النبوية من النبي صلى الله عليه وسلم كفيل بإذن الله أن تبقى سفينتنا وأن ننجو بإذن ربنا، لكن المشكله إذا هذا البناء كان بناء هشًا ننتظر الكارثة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظ علينا استقرارنا وبلادنا وولاة أمرنا وعلمائنا ومشايخنا، وأن يستعملنا في طاعته، وأن يجعلنا جميعًا مفاتيح للخير مغاليق للشر، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.
د. موفق كدسة الغامدي