تسجيل الدخول

قول عائشة رضي الله عنها: (كان خلقه ﷺ القرآن) المحاضرة 6 - الحديث - المستوى الثالث - د . موفق كدسة

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي، أكاديمية زاد، زاد أكاديمية ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن، والسنة الغراء شارحة له. فما لنا من ربنا وأحياني بشرى لنا، زاد أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً أما بعد.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم. لقاء يتجدد في أكاديمية زاد، ومع مادة الحديث، مع قبس النبوة ومشکاة الرسالة، مع كلام المصطفى صلى الله عليه وسلم.

اليوم معنا أثر عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها، عن سعد بن هشام رحمه الله قال: انطلقت إلى عائشة رضي الله عنها أم المؤمنين الطيبة المطيبة البريئة المبرأة فقلت: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم، أخبريني عن أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم. قالت: أستقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قالت: فإن خلق النبي صلى الله عليه وسلم كان القرآن. اللهم صل على رسول الله، اللهم صل على رسول الله، اللهم صل على رسول الله. كان خلقه صلى الله عليه وسلم القرآن. رواه مسلم.

سعد بن هشام رحمه الله هو تابعي جليل. خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم أي أخلاقه وشمائله. قوله: فان خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن، أي في العمل به والوقوف عند حدوده والتأدب بآدابه والاعتبار بأمثاله وقصصه وتدبره وحسن تلاوته.

أيها الأحبه، لنا في هذا الحديث وفي هذا الأثر عدة وقفات. الوقفه الأولى والتي ينبغي ألا أتجوزها أبداً، ألا وهي مكانة حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانة عائشة رضي الله عنها وأرضاها، كما يقولون خط أحمر. أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كلهن أمهات المؤمنين يتفاضلن، لكن أفضل أمهات المؤمنين عائشة. عمرو بن العاص رضي الله عنه وأرضاه لما قال: يا رسول الله، من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة. قال: لا، من الرجال؟ قال: أبوها. الله أكبر. قال: ثم من؟ قال: عمر.

إذا نحن نتوقف أمام عائشة، وهل يخفى القمر؟ وهل تكسف الشمس في رابعة النهار؟ ما يمكن، لا تخفى. ولذلك أيها الأحبة، عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها كلنا يعلم مكانتها وفضلها، وكم روت عن النبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث، ومكانتها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. فياتي من ينتسب، أسف، من يزعم أنه ينتسب للإسلام فيقدم، يقدح في عائشة، يقدح في أمنا، يقدح في حب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب الخلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة!

فياتي من يدعي الإسلام ويقدح في عائشة، طبعا نحن نعرف في قصة الإفك التي وقعت لها رضي الله عنها وأرضاها، وهو شرف لها أن الله يذكرها في كتابه ونتعبد الله بقراءة القرآن في تبرئتها، فما يزال هناك من يزعم أنه مسلم ويقذف عائشة. من يقذف عائشة؟ كافر كلاماً واحداً وحكماً واحداً. من يتعدى على عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زنديق. لذلك ما هو مسلم، والله ما هو مسلم من يزعم ومن يتهم عائشة في شرفها وقد برأها الله سبحانه وتعالى.

يقول لك: مسلم. قل: تكذب يا بعيد، أنت كافر خارج من الدين. الواحد فينا لو أسيء إلى أمه لأقام الدنيا ولم يقعدها، لفعل الأفاعيل، أمي هذه! أيهم اعظم؟ أمهاتنا نسباً أم أمنا عائشة شرعاً؟ لا والله عائشة أعظم رضي الله عنها وأرضاها. ولذلك هذه رسالة إلى من يطعن في عائشة رضي الله عنها وحفصة وأمهات المؤمنين ويطعن في الصحابه، أقول: خبتم خبتم، ما أنتم مسلمين أبداً، ما أنتم بمسلمين وإن زعمتم وإن تشدقتم وإن تكلّمتم أنكم مسلمون، لا، لستم بمسلمين.

المسلم أغير ما يغار عليه دينه ورسوله صلى الله عليه وسلم. ولذلك أمهات المؤمنين، هذا فراش النبي صلى الله عليه وسلم، عرض النبي صلى الله عليه وسلم. الذي يقدح في عائشة وينال منها أو من أحد أمهات المؤمنين أو ينال من الصحابة، يقدح أولاً في رسول الله، ويقدح ثانياً في الله سبحانه وتعالى. كيف أنا، اقول كيف أنا كرجل لو أراد ابني أن يتزوج امرأة سمعتها سيئة والله لن أوافق، لأقيم الدنيا وأقعدها ولو كان في ذلك الموت الأحمر. كيف هذا ولدي؟

طيب، أما يغار الله سبحانه وتعالى على رسوله وحبه وخليله؟ أما يغار الله على فراش رسوله؟ أما يغار الله على أصدقاء وأصحاب رسوله؟ الله قادر على كل شيء، الله يخرج الحي من الميت، الله يحيي العظام وهي رميم، الله يقول للقلوب إن صلحي أو تفسدي، كل شيء بأمر الله. هل نظن أن الله عز وجل يقيم الدنيا على أعظم حكمه وخلق (صَنَعَ اللَّه الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) ويحار في فراش رسوله وفي أصحاب رسوله صلى الله عليه وسلم؟

أين عقولكم؟ أين عقولكم يا جهلة يا أغبياء يا بعيد؟ تقدح في عرض رسول الله وفي أصحاب رسول الله، ما أنتم مجانين؟ الله سبحانه وتعالى الحكيم، القادر، العليم، الحي، القيوم، يعجز أن يختار لرسوله صلى الله عليه وسلم الشريفات الطاهرات؟ ويعجز أن يختار لصحب نبيه وخليله الأبرار الصالحون المصلحون؟ أين عقولكم بس فكروا! لكن هذا دين الزنادقة ولا حول ولا قوة إلا بالله. ﴿ٱلْخَبِيثَٰتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَٰتِ﴾ شيط، هذه قاعدة. ﴿وَٱلتَّيِّبَاتُ لِلتَّيِّبِينَ وَٱلتَّيِّبُونَ لِلتَّيِّبَاتِ﴾، ﴿وَٱلْخَبِيثَٰتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَٰتِ﴾.

فإذا زعمتم أنتم يا أصحاب عمائم السوداء، يا أحفاد المجوس، زعمتم أن أن أن أمنا عائشة خبيثة، فما معنى هذه الآية؟ (الخبيثات للخبيثين) هل رسول الله خبيث؟ حاشاه وكلا، حاش عليكم من الله ما تستحقون. لذلك لن يفتأ ولن يفأ المسلم أن يدافع عن عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن عائشة الطاهرة المطهرة، فداه أبي وأمي وعرضي ونفسي وكل شيء. ولا بد للمسلم أن يعتقد هذا الاعتقاد، وأن من يقدح في عائشة فهو زنديق ليس مسلماً. من يتهمها في عرضها وما يزال مع الأسف من يزعم يتهمون في شرفها، أقول: كفار خارجون من الملة ليسوا بمسلمين. الله يبرئها وياتي هؤلاء يكفرونه أو يثبتون، والعياذ بالله، يثبتون عليها الدناءة والخسة حاشا لها رضي الله عنها وأرضاها، ورضي الله عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

نقف أيها الأحبة ثم نعود إليكم بعد الفاصل.

بشرى لنا، زاد أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.

يحرص كثير من الآباء والأمهات على تعليم أبنائهم شتى العلوم، ويبذلون في ذلك الغالي والنفيس من اوقاتهم وأموالهم، وهذا مما يؤجرون عليه من الله تعالى. ولكن هل اعتنوا مع ذلك بتعليمهم أدب العلم وسمته؟ فهو الذي يهذب أخلاقهم ويحسن طباعهم. فحاجة الأطفال إلى الادب وحسن الخلق اشد من حاجتهم إلى كثير من العلم. لهذا كان السلف يحرصون على تعليم ابنائهم الادب قبل العلم.

قال سفيان الثوري: كانوا لا يخرجون ابنائهم لطلب العلم حتى يتأدبوا. وقال عبد الله بن المبارك: طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة. وهذا ما جعل الآباء والأمهات قديماً يدفعون باولادهم إلى المؤدبين والعلماء حتى يقتبسوا من أخلاقهم وآدابهم قبل علومهم. قال الإمام مالك بن انس رحمه الله تعالى: كانت أمي تعمم مني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه. وذلك أن العلم لا ينتفع به إلا بطهاره القلب عن مساوئ الاخلاق.

ولعل هذا الأمر هو ما دفع العلماء إلى اشتراط أن يتتلمذ طالب العلم للعلماء لا للكتب فحسب، وذلك حتى يتاكد من تخلقه باخلاق العلماء وتحليه بادبه ويظهر عليه سمت العلم وادبه ونوره. قال عبد الله بن وهب: ما تعلمناه من أدب مالك أكثر مما تعلمناه من علمه.

ومما يدلك على منزلة الادب والاخلاق أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع بين العلم والاخلاق والادب، ولما اثنى عليه ربه سبحانه وتعالى اثنى عليه بالاخلاق والادب فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].

بشرى لنا، زاد أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

ما زلنا مع هذا الحديث، حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وهي تصف أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم. أولاً هذا السؤال من هذا التابعي: أنبئني عن خلق رسول الله. أولاً الأخلاق في الاسلام يا أحبابي لها مكانة عظيمة، مرت معنا كثيراً في اللقاءات الماضية، وأيضاً تمر معنا الآن، وستمر أيضاً، لأن الأخلاق من اعظم القضايا، من أعظم القضايا عندنا كمسلمين. أما يقول صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»؟ «إنما بعثت معلماً» وفي رواية: «إنما بعثت متمماً لصالح الأخلاق». ما هناك خلق حسن إلا ودعانا الاسلام إليه، ولا خلق سيء إلا ونهانا الاسلام عنه.

ولذلك الإسلام كتله من الأخلاق، الإسلام كتله من الأخلاق تضبط هذه الأخلاق، تضبط علاقتك مع رب العالمين، وتضبط علاقتك مع رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، وتضبط علاقتك مع الآخرين من البشر، وتضبط علاقتك مع نفسك، بل والله حتى تضبط علاقتك مع العجماوات والبهائم، بل حتى مع الجن تضبط علاقتك. الإسلام كتلة من الأخلاق.

ولذلك الأخلاق تشتمل على كل تعاليم الاسلام، حتى العقيدة! حتى العقيدة! حتى الواجبات والنوافل والفرائض نعم. فالاخلاق، يعني الاخلاق أيها الأحبة، اصطلحت عليها جميع الأديان السماوية والوضعية، فجاء الإسلام يحقق هذه القضايا. ما هناك خلق حسن إلا تجد الإسلام يأمرك به: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، هذه الآية اشتملت على كل الأخلاق الحسنة والسيئة، الحسنة فعلاً والسيئة تركاً.

لذلك الله عز وجل شهد لنبيه في كتابه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. أما كان صلى الله عليه وسلم يسمى في الجاهلية قبل الإسلام الصادق الأمين؟ نعم، لم يعهد عليه لا كذباً ولا خيانة. فجاء الرسول صلى الله عليه وسلم وأكد هذه القضايا بهذا الدين العظيم.

ولذلك هذا التابعي سعد بن هشام يعني يريد أن يعرف أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنبئني عن خلق الرسول. لماذا؟ لأن عائشة أكثر أمهات المؤمنين التصاقاً بالنبي صلى الله عليه وسلم، وكانت تذكر من أعمال الرسول صلى الله عليه وسلم حتى وهي وهو يغتسلان، أنظر عائشة رضي الله عنها وأرضاها بينت لنا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مأكله، في مشربه، في مغتسله، في ليله، في نهاراره. جاءت، حملت شيء من الدين كبير رضي الله عنها وأرضاها.

إذاً الأخلاق باب عظيم جداً، جاء الإسلام يؤكد: يا رسول الله، ما أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: تقوى الله وحسن الخلق. تقوى الله وحسن الخلق أكثر ما يدخل الناس الجنة. ما من شيء أثقل في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن الله ليبغض الفاحش البذيء، وإن المؤمن ليدرك بححسن خلقه درجة القائم الصائم، درجة القائم الصائم! تخيلوا أيها الأحبة، انسان صاحب خلق يستطيع أن يصل منزلة الذي يصوم الدهر ويقوم الدهر. «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً».

هنا ذكر المصنف حديثاً جميلاً جداً: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: من أحب عباد الله إلى الله؟ سؤال جميل مختصر. من أحب عباد الله إلى الله؟ ايش قال؟ قال: «أحسنهم خلقاً». يا الله! لماذا احسنهم خلقاً؟ لأن صاحب الخلق قريب من كل بر، بعيد عن كل شر، بالمختصر.

لذلك أيها الأحبة، نحن مع الأسف نواجه أزمة أخلاقية، نواجه أزمة أخلاقية، مع أن ديننا دين الأخلاق، دين السلوك الحسن، دين المعالي من السلوك والعمل والمعاملة. بعض الناس يقول: رحت الغرب وجدت الإسلام ولم أجد المسلمين. من قال هذا الكلام؟ من قال هذا الكلام؟ إن كانت عندهم أخلاق فهي أخلاق صورية نفعية ليست أصلية، وأخلاق في التعامل للمنفعة، ما ننكر، ما ننكر عندهم بعض الأمور، لكن لا تستقيم، لا تستقيم كل تلك الأمور.

الذي ينظر الآن إلى المجتمعات الغربية مثلاً أو الشرقية التي في الأقصى يجد أن أن أن أن الأخلاق هناك والعياذ بالله أخلاق شبه شبه بهيمية، يعني يضبطهم هناك القانون، لكن لو ترك الحبل على غاربه ما الذي يحدث؟ دمار شامل. لكن نحن كمسلمين الذي يضبطنا ديننا، أخلاقنا، مراقبتنا لله سبحانه وتعالى، القيم التي نعيش من أجلها. ولذلك المجتمعات المسلمة مهما ساءت أحوالها نجدها أفضل من المجتمعات الكافرة، لأن هناك شيء مبدأ اسمه ايش؟ الخوف من الله.

حتى المسلم، حتى المسلم إذا وقع في معصية أو في انحراف، فإن هذا الانحراف ترى قاصر لا يمتد، يعني لا يبتعد عن الاسلام. يعني بعض الناس قد يسرق، قد يخون، قد قد قد، لكن في حدود، لا يتجاوزها أبداً، ما يتجاوزها إلى إلى أكبر، إلى أكبر، مثلاً مجرم مسلم وتأمره بشيء مثلاً من الأخلاق السيئة التي قد تخرجه من الدين، يرفض، يقول: دنيتي خربانة في الدنيا، خربانة في الآخرة. فهناك مبدأ الحساب، مبدأ الإيمان باليوم الآخر، فيظل الإنسان حتى لو انحرف كمسلم هناك حدود لا يتجاوزها.

لكن لما ترى الجرائم التي نقرا عنها في بعض الأوقات في الكتب والمجلات العالمية، يمكن الإنسان فيهم يبدأ الجريمة، ولا يمرتبك، بعد أربع خمس جرائم يصبح يتلذذ بتعذيب الضحية وتقطيعها وهي حية ويتلذذ بهذا، ويوصل خمسين ستين سبعين جريمة قتل ويتلذذ بها! نعوذ بالله، تنقلب الفطره، تنتكس.

المسلم لا، كم جلسنا مع بعض المسجونين حكم عليهم بالإعدام، بعضهم يقول: والله الذي قتلته ياتيني في المنام كل ليلة، ما أستطيع أن أعيش، اريد أن يطهرني الله عز وجل. إذاً المسلم عنده حدود ما يتجاوزها. ولذلك باب الأخلاق باب عظيم جداً، وهذه الأخلاق أيها الأحبة تنضبط إذا كانت

مرتكزة على أحكام القرآن، لأن هناك أخلاق. أيها الأحبة، أخلاق قد تكون أخلاق بشرية، ضوابطها منحرفة لا تستقيم، أعظم الأخلاق تطبيقاً المستقاة من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما فرطنا في الكتاب من شيء، لذلك أخلاقنا يجب أن تتمشى مع ماذا؟ مع الكتاب والسنة، كان خلقه القرآن.

نجد أن القرآن ما هناك من أمر فيه خير للعبد في دنيا وفي معاده إلا وحث الناس إليه، إذاً القرآن والأخلاق لا ينفكان أبداً. أخلاقنا من أين نستقيها؟ ما هي من الموسوعة الغربية الفلانية، الموسوعة البشرية الفلانية، لا، أخلاقنا نستقيها من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا هو المبدأ الصحيح، هذا هو المبدأ الحق، أما دون ذلك فلا.

المفكر الفلاني، التربوي الفلاني، إذا لم تستند الأخلاق التي نطبقها في حياتنا على الأصلين الثابتين الكتاب والسنة، ما نأخذ بها، معلش. الله سبحانه وتعالى هو الذي أنزل القرآن وتكفل بحفظه، ونحن أمرنا أن نتعبد الله به، فكل خلق في القرآن حسن نفعله، وكل خلق في القرآن سيء نهينا عنه ننتهي عنه، أما غير ذلك فلا.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. تكلمنا في المقطع السابق قبل الفاصل عن قضية علاقة القرآن بالأخلاق، تقول: كان خلقه القرآن، هذا الذي نريده أيها الأحبة، إذاً لابد أن نقرا القرآن حتى نستمد منه ما فيه من توجيهات، تريد أن تتأسى بأخلاق القرآن وأنت بعيد عن القرآن! ما تجي. ولذلك أحبتي في الله، المسلم له علاقة وثيقة جداً بالقرآن الكريم، لابد أن يكون لك ورد، لابد أن يكون لك قراءة يومية، لابد أن يكون لك ختمة شهرية للقران أقل شيء، حتى تأخذ منه الفوائد والدرر والتوجيهات والأوامر والنواهي والعقائد والعبادات والمعاملات، أن تقرب إلى الله بقراءة القرآن وبدبر القرآن.

تقول عائشة رضي الله عنها وأرضاها: رب قارئ للقرآن والقران يلعنه، قارئ للقرآن والقران يلعنه. كيف الكلام هذا؟ معنى هذا أن الإنسان قد يقرأ القرآن لكن لا يفقه ماذا في القرآن، القرآن يلعن الظالمين وهو ظالم، القرآن يلعن آكل الربا وهو آكل الربا، فالقران يشتمل على لعناته وهو جالس يقرأ: ألا لعنة الله على الظالمين وهو ظالم! لا، أنت تقرا القرآن وتعرف أنك أنت تالي القرآن، أنت مخاطب بكل من يمسك كتاب الله ويقرا، أنت مخاطب بهذا القرآن، كما قال ابن مسعود: إذا سمعتم الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال: فأرع لها سمعك، فإنه خير تؤمر به، أو شر تنهى عنه.

إذاً أخلاقنا نستمدها بداية من القرآن الكريم، ما فيه من توجيهات، ما فيه من أمر بالخير، بالبر، بالعدل، بالعفو، كل هذه أمور نطبقها في حياتنا. طيب، حاول أن تربط بين سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وبين القرآن، هل بينهما تناقض، تنافر، اختلاف؟ لا والله والذي لا إله إلا هو، ما بين سيرة رسولنا صلى الله عليه وسلم والقران أي خلاف، ولا واحد في المليار، لا والله، يكفي أن الله عز وجل يشهد له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. من هو هذا؟ هذا قدوتي أنا، وقدوتك أنت، وأنت، وكل مسلم قدوته الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، أمرنا أن نتأسي به: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].

فإياك وإياك وايانا كلنا أن نخالف هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن نظن أننا أفضل من رسول الله في قول أو فعل أو اعتقاد، لا، مستحيل. أمرنا أن نتأسى به، أن نقتدي به، أن نتمثل أخلاقه في كل شيء في حياتنا. يجيني واحد يقول لك: يا اخي هذا رسول الله، أنا ماني قد رسول الله! لا يا اخي ما أنت قد رسول، ما أحد مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن الله الذي أرسل رسوله قال: ﴿لقد لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾، اقتدي به، جاهد، صابر، اقصر نفسك على الحق والخير والخلق، تأس به، هكذا المسلم. يعني لن نصل إلى قدر رسول الله، لكن الله الذي أرسل رسوله أمرنا أن نتأسي به.

ولذلك أيها الأحبة، نحن لا نحتاج إلى تنظير في الأخلاق، نحن نحتاج إلى تطبيق. بعض الناس عنده قدرة على التنظير والتشديد، لا، لا، لا، لا نريد احنا عمل وتطبيق، نريد أخلاقنا تظهر، سلوكنا يظهر، أولاً مع بيتك، والداك إن كان حيين، الزوجة، الابناء والبنات، ذويك في البيت، جيرانك المسلمين، كان هناك الاقارب الأبعاد عنك يكون لك أخلاق حسنة معهم، صلة وتواصل. ترى يا إخواني، شبعنا من التنظير، نريد التطبيق، سيسالك الله عز وجل: ماذا عملت فيما علمت؟

أولى الناس باخلاقك أقرب الناس إليك، مع الأسف تأتيني بعض الأوقات اتصالات من أسر يشتكين، يشتكين من ماذا؟ يشتكين من الازدواجية في التعامل. أنا زوجي تقول: إذا خرج للناس، آية من الآيات، كل الناس يحبونه يثنون عليه، فإذا دخل إلى البيت انقلب وحشاً كاسراً، يسب، يلعن، يلطم، يضرب، يفعل، يفعل، يفعل، يا إخوان هذا ديننا؟ هكذا يامرنا؟ هذه أخلاق مزيفه، وهذه عبء على صاحبها، حجة على صاحبها، لأن الناس يظن أن الأخلاق مع الاخرين، مع بيتك لا لا يا اخي: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»، هكذا يقول صلى الله عليه وسلم.

اقرأ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، كان يخصف نعله، يعجن لأهله، يحلب لأهله، من من يفعل ذلك؟ يكون في مهنة أهله، رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم. الآن ندخل بيوتنا ملوك سلاطين، ما نعرف إلا ايش؟ أوامر ونواهي وسب وشتم واحتقار واذلال وتنقص وملاحظات من حضرتك. كان صلى الله عليه وسلم في مهنة أهله.

أنا اسالك سؤال أيها الرجل الذي الان تشاهدني، هل يوم من الأيام دخلت البيت ودخلت المطبخ وغسلت الصحون والأواني، وسويت المطبخ ومسحت المطبخ؟ آفا أنا أسويها! ومن أنت حضرتك؟ أما كان صلى الله عليه وسلم يساعد أهله؟ كان صلى الله عليه وسلم يعجن لأهله. ها، من فيكم يسوي هذا الكلام؟ تدخل البيت يوم من الأيام تشوف كذا، تاخذ المكنسة وتكنس البيت وكذا، تفعل ذلك؟ والله ينقص من شخصيتي ومن هيبتي! يا الله، أنت أعظم ولا رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم؟

لذلك أيها الأحبة، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن تسعوهم بأخلاقكم». الأخلاق مطلب، مطلب كبير، الأخلاق تفعل في الناس فعل عظيم جداً، والله أن الأخلاق تفعل في الحيوانات والبهائم تؤثر فيها، فكيف البشر؟ نعم، الأخلاق تؤثر.

أنا لما أنظر بعض الأوقات مقاطع في اليوتيوب مثلاً، هذا يعيش مع مجموعة من الأسود، وهذا مع مجموعة من الضباع، وهذا مع مجموعة من النمور، وهذا مع مجموعة من الذئب والدببة، تخيلوا ويعيشون معهم بكل أمن وأمان، يلاعب الأسد، يقلبه، يرفعه، يضع يده في فمه، يسبح مع التمساح، يلعب مع التمساح، يلعب مع الدب القطبي، كيف وصل إلى هذا المستوى؟ سؤال مهم جداً، كيف استطاع هؤلاء البشر أن يقلبوا جبلة الحيوانات المفترسة أصصبحت أليفة؟ الله خلقها تاكل الدم، تعشق الدم، هكذا الله خلقها، لكن هؤلاء البشر استطاعوا أن يغيروا الجبلة مع هذه الحيوانات.

كيف؟ بالقوة؟ لا. بالمال؟ لا. بايش؟ بالأخلاق. بالأخلاق، فتنظر إلى هذا، هذا الذي يعيش مع الأسود ومع النمور ومع الذئاب ومع الضباع ومع الحيوانات المفترسة، كأنه فرد منها، لا تؤذيه، تلاعبه، تداعبه، تشق إليه، تحضنه. قدرنا نصل إلى هذا المستوى مع عشاق الدماء، وما قدرنا مع زوجة الواحد أو أبنائه وبناته أو مع أقاربه أو مع جيرانه؟ لا، لا، هذا قصور، قصور كبير جداً.

لذلك يا أحبابي، أنا لا اريد، يعني حتى في حفظنا للقران، لا نريد نسخة من القرآن، لا، نريد قرآن يمشي، قرآن يعامل، قرآن يبيع ويشتري، قرآن يحب، قرآن له مشاعر، نريد منك إذا حفظت القرآن، أن القرآن يكون له أثر عليك في ليلك وفي نهارك، في سرك وفي جهارك، في أخذك وفي أعطائك، في كل شيء، ما نريد نسخ، نسخ عندنا، لكن نريد القرآن يكون أثره في السلوك، في المعاملة، في الليل وفي النهار، في المشاعر، في الحب، في الوفاء، في الإخلاص، في الصدق، هذا الذي نريده، وهذا ما كان عليه صلى الله عليه وسلم وسيرته مليئة بهذا.

دعوة أيها الأحبة إلا أن نتخلق بأخلاق القرآن التي أعظم من مثلها هو الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وأن نترك الزيف، نترك الكذب، ندعي الأخلاق ونحن من أبعد الناس عن الأخلاق. لا، ترى الناس أقدر أن يعني أضحك عليهم مرة واثنتين وثلاث، لكن في النهاية سأنفضح، لأنه لا يصح إلا الصحيح. ولذلك دعوة إلى أن يكون الأخلاق أو القرآن هو دستورنا في الأخلاق، في التعامل، في السلوك، في القول والفعل والمعاملة والاعتقاد.

ناتي إلى ختام هذا اللقاء، وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وصلى الله على محمد، والحمد لله رب العالمين.