تسجيل الدخول

حديث: (من يستعفف يعفه الله...) المحاضرة 8 - الحديث - المستوى الثالث - د . موفق كدسة الغامدي

موفق كدسة الغامديد. موفق كدسة الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم.

يلتقي اللقاء يتجدد في أكاديمية زاد، ومع مادة الحديث الشريف. اليوم معنا الحديث الثامن، الحديث الثامن وهو حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغني يغنيه الله، ومن يتصبر يصبره الله» متفق عليه. وفي مسلم: «وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر». الله المستعان.

هذه توجيهات عجيبة، جميلة، عظيمة، مباركة. لكن قبل أن نبحر معكم في ثنايا هذا الحديث، دعونا نمر على المفردات: قوله يستعفف: أي يمتنع عن السؤال ويكف عن الحرام. يعفه الله: أي أنه يجازيه على استعفافه بصيانه وجهه ودفع فاقته، وقيل: إما يرزقه من المال ما يستغني به عن السؤال، أو يرزقه القناعة. وقوله ومن يستغني: أي يظهر الاستغناء عن أموال الناس والتعفف عن السؤال حتى يحسبه الجاهل غنياً من التعفف. يغنيه الله: يجعله غنياً؛ أي بالقلب. ومن يتصبر: أي يتكلف الصبر ويتحمل مرارته، والصبر حبس النفس عن كل ما يكره الله ولا يحبه من اعتقاد أو قول أو عمل. يصبره الله: أي فانه يقويه ويمكنه من نفسي حتى تنقاد له.

طيب، هذه شرح المفردات. عندنا قاعدة أحبتي في الله في الأصول يقولون: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ولذلك هنا قوله: من يستعفف يعفه الله، ومن يستغني يغنيه الله، ومن يتصبر يصبره الله، إلى آخر ذلك. القضية ليست فقط في المال، بل في كل شيء في الحياة. يعني هذا الحديث يا أحبابي يمكن أن نطبقه على كل حاجاتنا في حياتنا، بمعنى أن نفسك إذا دعتك إلى أمر من الأمور: مال، منصب، شهادة، زوجة، عمل من أعمال الدنيا، شهوة من شهوات الدنيا، بيت، عمارة، سيارة، قطعه أرض، قصر، ها يدخل هذا الحديث فيه.

أضرب مثالاً آخر، خاصة خلونا نتكلم عن الشباب الشريحة الكبيرة الآن وسائل الإعلام، سواء كانت المرئية أو المسموعة أو المشاهدة أو مواقع التواصل الاجتماعي، يعني فيها انفتاح كبير وفيها شهوات كثيرة، وفيها صور نساء ولقطات نساء عرايا وشبه عرايا وجميلات وكذا. الشباب لما يرون مثل هذه القضايا قد تؤثر فيهم، مش قد بل ستؤثر فيمو بالشباب حتى كبار السن: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ﴾ [آل عمران: 14] إلى آخر ذلك.

طيب، هل أجعل نفسي يعني تنساق مع كل شهوة، ومع كل صورة، ومع كل مقطع، ومع كل موقع؟ لا. المسلم، لا. المسلم يعلم أنه محاسب على سمعه، على بصره، على وقته، على مشاعره، على نيته. ولذلك هل كل انسان يستطيع الآن أن يتزوج؟ مع الأسف وضعت في المجتمع عراقيل وتكاليف، يعني أصحاب الدخل المحدود متى يتزوج مسكين؟ وربما كان الحرام عنده أسهل من الحلال. ولذلك هذا الحديث فيه علاج: سواء كنت فقيراً، كنت معدماً، ما كان عندك وظيفة، ما عندك بيت، ما عندك زوجة، ما عندك متاع، تذكر أن من يستعفف يعفه الله، ومن يستغني يغنيه الله، ومن يتصبر يصبره الله. اجعل هذه الأمور الثلاثة في مدار حياتك كلها.

امرأة عندها بيت ينقصها متاع، ما عندها مطبخ، ما عندها ثلاجة، ما عندها مثلاً، ما عندها ذهب، ما عندها ملابس جديدة،ها، فتبدأ نفسها تنساق لوعة وحسرة: فلانة عندها وأنا ما عندي، فلان عنده وأنا ما عندي! لا لا لا لا. من يستعفف يعفه الله، من يستغني يغنيه الله، من يتصبر يصبره الله، بمعنى الرضى بما قسم الله لك تكن أغنى الناس. انزل حاجتك وفاقتك وطلبك ورغبتك في الله سبحانه وتعالى؛ فإما أن يعجل بها إليك، وإما أن يرزقك القناعة في قلبك، فتتعالى عن الدنيا وسفاسفها وترهاتها وتتعلق بالجنة وما فيها. اعلم أن المخلوق ضعيف، وأن الناس مثلك، وأن الناس فيهم الشح، وفيهم البخل، وفيهم المنة، وفيهم يعني يعني يعني التكبر على الناس. انزل حاجتك بالله، انزل رغبتك بالله.

شوف، من يستعفف: يتعفف عن سؤال الناس، يتعفف عن المحرمات، يتعفف يعلم أن الله قادر على كل شيء. يعفه الله، يعفه الله. أنا أجلس مع بعض أبنائنا وإخواننا الذين مثلاً يسافرون إلى الخارج، يمكثون سنوات، يذهب ذهب ويرجع ذهب! الشهوات من حوله من كل مكان، الملهيات، المغريات، ومع ذلك يذهب ذهب ويرجع ذهب، ما يتلطخ بشيء! لماذا؟ لأنه يعامل الله قبل أن يعامل البشر. طبعا في ضحايا لا شك، لكن أتكلم على على صفوة ما يهتز بهذه الشهوات وهذه، يعلم أنها محرمة ويترفع عنها، يستقذر، هو أهون منها بكثير، لماذا؟ لأنه يستعفف لله سبحانه وتعالى.

ولذلك أقول ايها الاحبه هنا المصنف يعني ركز القضية على قضية إيش؟ المال. قضية المال جزء من هذه الأجزاء، لكن كما قلنا العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فالإنسان يستعفف عن المال الحرام، يستعفف عن النساء الحرام، يستعفف عن الصور الحرام، يستعفف عن المعاملات الحرام، يستعفف عن المكتسبات الحرام. من يستعفف يعفه الله، مو بالمخلوق يعفك، الله القادر على كل شيء. هل عظمنا الله حق تعظيمه؟ هل قدرنا الله حق قدره؟ هل عرفنا ما معنى كلمة الله؟ هذا الذي أتمناه يا أحبابي، أن الإنسان يعرف عظمه ربه عز وجل، وانه الكريم، وانه القادر، وانه الحكيم، وانه الحي القيوم، وانه اللطيف بعباده، الحليم بخلقه، لا يعجزه شيء. فلا نروح نطلب فلان وفلان، وننسى الكريم الديان.

الراجح جواز الاستفادة من هذه الهدايا بشرطين: الأول، أن يكون ثمن البضاعة حقيقياً بحيث لا يرفع التاجر السعر من أجل الجائزة، فإن رفع السعر من أجل الجائزة فهذا من الميسر وهو لا يجوز. الشرط الثاني، ألا يشتري الإنسان سلعة من أجل الجائزة فقط؛ كان يشتري حليباً أو عصيراً وهو لا يحتاج إليها، لكن ليحصل على الجائزة ثم يريقه ولا يستفيد منه، فهذا من إضاعة المال الذي يسأل المرء عنه. فعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسال عن خمس: فذكر منها وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه». فإن كان سيستفيد منها فيما بعد باستعمال لها أو تصدق بها فلا باس.

أعود إلى قضية التعامل مع الله يا أحبابي. يا أحبابي نحن الضعفاء، الله القوي. نحن الحقراء، الله العزيز. نحن العبيد، الله الملك. نحن العجزة، الله القادر. الله الذي قال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]. يا أحبابي دعونا نعظم الله حق حق تعظيمه، دعونا نظهر العبودية الحقة، والعبودية الحقة تكمن في إظهار الافتقار والانكسار لله. يعني يعني التفتنا إلى مقدراتنا وإلى شهاداتنا وإلى كراسينا وإلى وظائفنا ونسينا الله! ليش؟ هل الله يعجز شيء؟ هل الله يغيب عن حاجتنا وعن أمورنا؟ هل الله عز وجل لا يعلم بما نريده ونحتاجه؟ اسمع ماذا يقول الله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الزمر: 67-18].

يا أحبابي لماذا هذا الجفاء مع الله سبحانه وتعالى؟ نحن نتعامل مع الله كأن نتعامل مع مسئول كبير. لازم نفرق أن الله ملك الملوك، أقرب إلى أحدنا من حبل الوريد. يا رسول الله أبعيد ربنا فنناديه أم قريب فنناجيه؟ فأنزل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186]. التفتنا إلى إلى الأسباب المادية بحتة ونسينا ملك الملوك، نسينا القادر المقتدر القدير، نسينا الملك المالك الملك سبحانه جل في علاه، المليك الملك سبحانه. أنت العبد، أنا العبد، نحن العبيد مع الأسف.

لذلك الحديث يقول: من يستعفف في أي شيء يعفه الله؛ في مال، في وظيفة، في شهادة، في دراسة، في زوجة، في متاع، في منزل، في أرض، في عرض؛ من يستعفف يعفه الله. ومن يستغني يغنيه الله، بعض الناس يا إخواني قد يملك ملايين لكنه في ذاته فقير محتاج. قال صلى الله عليه وسلم: «ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس». بعض الناس كما قلت لك ملياردير لكنه فقير في ذاته، شحيح في نفسه، ترى عنده الأموال ومع ذلك حينما ترى تريد أن تتصدق عليه مسكين هذا. ولذلك من يستغني يغنيه الله، ترى المال ما ما بالقضية قضية كثرة، القضية الغنى غنى النفس غنى النفس. بعض الناس ما يملك شيئاً لما تراه تراه عزيزاً شامخاً، ما عنده ذلة وما عنده استصغار لنفسه.

وبالتالي أحبابي في الله، كن مع الله ولا تبالي. أنت عبد لملك الملوك. هل تعلم يا عبد الله أن أقل واحد في الجنة -نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنة- من يملك من ينظر من ينظر في ملكه ألف سنة؟ حديث صحيح. أقل واحد في الجنة من ينظر في ملكه ألف سنة، موضع صوت أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها. يعني الله عز وجل الذي وعدك بهذا المتاع ما يستطيع أن يعطيك في الدنيا ما تريد؟ لكن ما تريد أنت تخضع لحكمة الله عز وجل. الحكمة اللي أنت ما تعرفها وانا ما أعرفها: أن من عباد من لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسد ذلك. وأن من عباد من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسد ذلك. وأن من عبادي من لا يصلحه إلا الصحة، ولو سقمته لأفسد ذلك. وأن من عبادي من لا يصلحه إلا السقم، ولو اصلحته لأفسد ذلك. إني أدبر عبادي كيف أشاء، إني بهم خبير بصير. فالله سبحانه وتعالى هو العليم، وهو الحكيم، وهو القادر. تقول: يا رب ارزقني قلم! يا رب ارزقني قلم! لعل هذا القلم في حتفك، أنت ما تدري، لكن الله يعلم فلا يرزقه قلم. أيعجز الله؟ لا ما يعجز الله، لكن الله حكيم، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].

إذاً كن مع الله ولا تبالي. من يستعفف يعفه الله، من يستغني يغنه الله؛ إما يغنيك وإما يغنيك بقضاء حاجتك، وإما يغنيك في قلبك وفي نفسك، فتتعالى عن الدنيا وحاجاتها وشهواتها ولذاتها، ويصبح قلبك معلق بما عند الله سبحانه جل في علاه. كم ستعيش أنت وكم ساعيش أنا وكم سنعيش نحن؟ والله ما ندري هذه الليله نكون في الدنيا ولا في الآخرة. وبالتالي اعمل، ادعو الله سبحانه وتعالى، خذ الأسباب، إن جاءت حيا هلا والحمد لله، وإن منعت فاعلم أن لله فيها حكمة علمها من علمها وجهلها من جهلها.

قال: ومن يتصبر يصبره الله. سمعت يرعاك الله، من يتصبر يصبره الله. وثم قال: «وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر». يا أحبابي الصبر يذكر في القرآن في أكثر من 70 موضعاً. وكما قال عمر رضي الله عنه وأرضاه: أدركنا خير عيشنا بالصبر. أنا لا نريد أن نتكلم عن الصبر كتنظير، عز عنا من التنظير نحن نريد تطبيق. بمعنى: لما تكلم العلماء عن الصبر: حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكي، والجوارح عما يسخط الله. بمعنى أن الصبر يدخل في كل قضية في حياتك.

نحن نعرف أن الصبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام -وهذا من التنظير، لكن لابد أن نبينه-: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على أقدار الله. يعني حياتك وحياة كل مخلوق لا تنفك عن هذه الأمور الثلاثة كل مكلف. بمعنى: إذا ما عندك صبر لا يمكن أن تعبد الله. أنا أسألك سؤال: ما الذي يجعلك الآن تنظر إلي الآن إلا لأن عندك صبر؟ تريد أن تتعلم، تريد أن تشارك، تريد أن تستفيد، إذا ما عندك هذا الصبر عمرك ما تستفيد، عمرك ما تصلي، عمرك ما تقرا القرآن، عمرك ما تؤدي طاعة.

وبالتالي الصبر عنوان للطاعات؛ إذا جاء الصبر جاءت الطاعة، جاء الذهاب للمسجد، جاءت قراءة القرآن، جاء ذكر الله، جاءت صلة الأرحام، جاء قيام الليل، جاء البكاء من خشية الله، جاءت المحاسبة، جاءت الطاعات كلها بايش؟ بوجود الصبر.

طيب إذا جاء الصبر ابتعدنا عن الذنوب والمعاصي. يا إخوان الشهوات كثيرة، والنفس تميل مع هذه الشهوات، إذا ما عندك صبر ستنساق خلف شهواتك، ستمضي خلف رغباتك، خاصة الدنيا الآن، الدنيا الآن الشهوات منفتحة، إذا ما عندك صبر يردعك ويمنعك ويجعلك تسلك الصراط المستقيم أقل هفوة ستضيع.

وأقدار الله علينا يا أحبابي، ما فينا واحد يمكن أن يسلم في هذه الدنيا من الهم والغم والنكد والكدر والمشقة والبلاء والحزن وأشياء كثيرة جداً، إذا ما عندك صبر يمنعك من التسخط والتشكي لا يمكن أن تعيش. إذاً حياتنا تقوم على العبادة وفعلها والمعصية.

واجتنابها والبلاءات والصبر عليها، إذا ما عندك صبر في النهاية ما يمكن أن تعيش. عرفنا الآن عظمه الصبر، عرفنا قول علي بن أبي طالب حينما يقول: واعلم أن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد؛ الجسد هو الإيمان والرأس هو الصبر، إذا ما فيه رأس الجسد ما له قيمة، إيمان ما له قيمة، فإذا جاء الراس وهو الصبر كمل الإيمان. واعلم أن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد. فاصل ثم نعود إليكم بإذن الله.

القرآن الكريم هو أصل الأصول، فمن علم أحكامه ووفق للعمل بها فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، ونورت في قلبه الحكمة وصار إماماً في الدين. وقد كان العلماء سلفاً وخلفاً يبدؤون طلبة العلم بحفظ القرآن، قال ابن عبد البر: ولا أقول إن حفظه كله فرض، ولكن ذلك شرط لازم على من أحب أن يكون عالماً فقيهاً. وطالب العلم يحرص على فهم القرآن وتعلم معانيه، قال سعيد بن جبير: من قرأ القرآن ثم لم يفسره كان كالأعمى أو كالأعرابي. وبالتدقيق والأحكام يستطيع تطبيق القرآن على الواقع بشكل صحيح، وبه يحصل الخشية والخشوع، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]. لذا ينبغي أن نهتم بمدارسة القرآن في المساجد والمدارس والدور المتخصصة في تحفيظ القرآن وتعليمه، وينبغي أن نستخدم التكنولوجيا الحديثة في تعلم القرآن وتعليمه من خلال الإنترنت والفضائيات. فاعلم يا طالب العلم أن القرآن الكريم هو رأس مالك وهو اربح التجارات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ [فاطر: 29].

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد. ما زلنا معكم في هذا الحديث الجميل، حديث عن الصبر، حديث عن الصبر وتذكر قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بَغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]. يا أحبابي هذه الآية عجيبة عجيبة؛ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب. أذكر مرة رسالة جاءتني يقول صاحبها نقلاً عن بعض السلف: ثلاثة أعمال لا تدخل في الميزان؛ قالوا العلماء الميزان المعروف الحسنة بعشر أمثالها إلى كذا، ليش؟ لأن لها ميزان آخر مختلف. قالوا: ما هي؟ قالوا: الصبر، والعفو، والصيام. فاما الصبر لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بَغَيْرِ حِسَابٍ﴾، وأما العفو فقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40]، لا تسأل. وأاما الصوم فكما قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضِعْف إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به. فهذه الأمور الثلاثة لا تدخل في الميزان، لكن دعونا نتكلم مع شاهدنا: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب.

جلسة تأمل، لو قلت لك: الحسنة في الصبر بـ١٠٠ ألف ضعف، محسوبة محسوبة؟ الله ايش يقول لك؟ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب بغير حساب. لكن لو قلت لك: الحسنة في الصبر بـ١٠٠ ألف محسوبة، طب لو قلت لك بمليون محسوبة؟ محسوبة. طيب، اسمحوا لي أنا ذكرت لكم هنا بعض الأرقام الغريبة شوية، يمكن بعضنا ما قد سمع فيها في حياته، ولكن من باب العلم بالشيء، لو قال لك: الحسنة بمليار، المليار واحد وتسعة أصفار، محسوبة محسوبة. لو قيل لك: أن الحسنة ببليون، البليون واحد صحيح وقدامه ١٢ صفر، برضه محسوبة. طيب لو قال لك: الحسنة في الصبر بتريليون، الترليون واحد صحيح وقدامه ١٨ صفر، محسوبة محسوبة. طب لو قيل لك: أن الحسنة في الصبر مثلاً بسنكليون، إيش واحد سنكليون؟ السنكليون واحد صحيح وقدامه ٣٠ صفر، محسوبة محسوبة. طب لو قيل لك في الصبر أن الحسنة في الصبر بديشليون، إيش الديشليون هذا؟ الديشليون يا إخواني واحد وقدامه ٦٠ صفر، برضه محسوبة. طب لو قيل لك إن الحسنة في الصبر بواحد ديشليار؟ ديشليار يعني واحد صحيح وقدامه ٦٣ صفر، برضه محسوبة. طب لو قيل لك الحسنة في الصبر بواحد صحيح وقدامها ٢ كيلو أصفر، برضه محسوبة؟ الله يقول: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بَغَيْرِ حِسَابٍ﴾، وإذا قال لك الله بغير حساب يعني بغير حساب. لذلك الله ماذا يقول: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 146]، ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153].

إذاً أحبتي في الله، لا أريد أن ينطلق فكرك وفكري وفكرنا إلى أن الصبر بس عند مصيبة؛ مات ولدك، ذهب مالك، ذهبت عينك، انكسرت يدك، صدمت سيارتك، ذهبت وظيفتك، مات قريبك، هذا ثلث من الصبر. لا، الصبر ينبغي أن نفعله في حياتنا كلها؛ إذا جيت تقول الله أكبر وجاءتك الدنيا تسعى خلفك، والوظيفة تسعى خلفك، والشهوات تسعى خلفك، لا؛ أنا أصبر، أصلي أركع بطمأنينة وأرفع بطمأنينة وأسجد بطمأنينة وأسبح الله بطمأنينة، أقرأ بطمأنينة، هذا من الصبر. فإذا صليت الفريضة أتيت بالنوافل، الله أكبر أبادر إلى المسجد إن كان رجلاً وإن كانت امرأة تبادر إلى سجادتها وإلى شرشفها وإلى صلاتها. كل وقت عبادة يأتي، وقت فراغ أمسك المصحف، أتصدق، أذكر الله، استشعر هذه العبادات وأنا متصبر لأدائها، أُشعر فيها بحلاوة. جاءتني النفس، جاءتني الانشغالات حتى أستعجل، لا قفي يا دنيا قف، قف يا نفس أنا أريد أن أؤدي عبادتي وأنا صابر لا أتململ. استشعر الصبر في أدائها، استشعر الصبر في المكوث مع القرآن، في حلق الذكر، في حفظ القرآن، في تلاوة القرآن، في قراءة الكتب، في سماع الأشرطة النافعة، في صلة الأرحام، في بر الوالدين، وهكذا وهكذا.

إذاً أنا أصبر في كل طاعة عندي، أي طاعة كانت عندي؛ صوم، أصبر في الصوم وأعلم أن هذا الصبر، أن هذه طاعة لله أتتلذذ بها، حتى لو أنا أصبت بالجوع بالعطش لا أنا أصبر. إذاً نفعل الصبر في أداء الطاعات والحسنات والقربات، لا أسلق العبادة سلقاً وأديها كيف ما اتفق. فإذا جاءت المباريات وجاءت والعياذ بالله المسرحيات والأفلام وجاءك الكلام الفاضي هذا جلست والأوقات تمر وانا في قمة السعادة، غلط، هذه فطرة منكوسة.

هذا الجانب الأول؛ إذاً تفعيل الصبر في العبادات. تفعيل الصبر في ترك المعاصي؛ شيء محرم أمام عيني أغض بصري، سماع محرم أسد أذني، جلسة غيبة ونميمة أقوم منها، شهوات وشيء من الملاهي أبتعد، أمر محرم لا أجلس فيه، هذا من الصبر. النفس تريد تريد أن تجذب صاحبها، لا لا لا أنا لا أطيع، أمنعها من كل ما يغضب الله سبحانه وتعالى، سواء عن طريق العين، عن طريق اللسان شهوة اللسان، عن طريق السمع، عن طريق اليد، عن طريق البطن، عن طريق الفرج، عن طريق القدم، عن طريق القلب، لا كلها أبتعد عنها، أصبر، أصبر، الدنيا صبر ساعة.

الأمر الثالث وهو الثلث الثالث من الصبر؛ أقدار الله. من يسلم من مكدرات الحياة؟ ما في صبر -أستغفر الله- أقصد ما في نجاة، لازم صبر. الإام أحمد بن حنبل رحمه الله قالوا يا أبا عبد الله متى الراحة؟ متى الراحة؟ قال: عند أول قدم في الجنة. لازم تصبر من الزوجة، من الولد، من البنت، من الجار، من الزميل في الطريق، من الناس أنت في سيارتك، لازم تصبر، لو ما تصبر ما يمكن أن تعيش. إذاً هذه الدنيا كلها ابتلاءات: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: 35]. فبالتالي إذا ما عندك صبر تقنط؛ مر النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة تبكي عند قبر ولدها الصغير، تبكي امرأة طبيعي تبكي. فالنبي صلى الله عليه وسلم مر عليه قال: يا أمة الله اتقي الله واصبري. هي ما شافت الرسول وما تعرف الرسول، تقول: إلي عني فإنك ما أصبت بمصيبتي. مر النبي وتركها، قدر ظروف المرأة، قال الناس: يا مجنونة هذا رسول الله الحقي! فراحت كالمجنونة: يا رسول الله والله والله ما عرفتك. فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى، إنما الصبر عند الصدمة الأولى». تريد الأجر كامل ها؟ إنما يوفى الصبر الأجر بغير حساب.

إذا جاءتك المصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون. لذلك يقول صلى الله عليه وسلم هنا: «وما أعطي أحد من عطاء خير وأوسع من الصبر»؛ لأن الصبر يشتمل على الحياة كلها، يشتمل على فعل الطاعات، ترك المعاصي والذنوب، الصبر على أقدار الله المؤلمة، فإذا ما فينا واحد يسلم من الابتلاءات. إذاً اجعل الصبر معك كما قال عمر: أدركنا خير عيشنا بالصبر. تذكر الصبر، صح مر، كما قال الأول: والصبر كالصبر مر مذاقته إلا أن عقباه أحلى من العسل. فلازم تصبر، لازم نصبر ولا ما نقدر نعيش. يعني حتى ثوبك إذا بعض الأوقات تلبس ثوبك يعاكسك تشقه، صب، لا اصبر.

إذاً نحتاج أن نصبر، أن نفعل الصبر في حياتنا وفي عباداتنا وفي مجالسنا، ما يكون تنظير بس، أنظر زي ممتاز في التنظير، لا لا التنظير يحتاج تطبيق ولا ما تقدر تعيش انت مع زوجك وأنت مع زوجتك ونحن مع بعضنا البعض، أنت مع مديرك، أنت مع جيرانك، نحتاج أن نصبر. وسع صدرك شوي، وسع الصدر واجعلها لله، ستجد حلاوة الصبر في كل حياتك. عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير؛ إن أصابته سرّاء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضَرّاء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن. نسأل الله أن يجعلنا من المؤمنين.

اتينا إلى نهاية لقائنا اليوم، نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لكل خير وأن يجعلنا وإياكم مفاتيح للخير مغاليق للشر. وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.