دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 17 - تفسير سورة الكوثر

سلطان العتيبيد. سلطان العتيبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، وتقنياته ومجالاته، ومعه طور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد بالعلم كالازهار في البستان. الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، الهادي إلى الصراط المستقيم، وصلى الله وسلم على خير البرية ومنجي البشرية، خليل الرحمن وصفوة محمد ﷺ، وعلى آله وصحبه أجمعين. أحييكم أعزائي المشاهدين والمشاهدات بتحية الإسلام، تحية أهل الجنة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

طلاب وطالبات أكاديمية زاد المستوى الرابع، حياكم الله جميعا على مائدة من موائد القرآن، وإلى سورة هي أقصر سور القرآن ومن أعظمها، ألا وهي سورة الكوثر. سورة الكوثر اختلف في مكيتها ومدنيتها، والقول الراجح والذي عليه أكثر المفسرين أنها مكية، ابتدأها الله عز وجل بقوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾.

وهناك عدة مناسبات بين سورة الكوثر وسورة الماعون؛ فمثلا في مطلع هذه السورة قال الله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ﴾، وفي سورة الماعون قال الله عنهم: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾، فهناك منع وهنا عطاء. ثم هنا أمر بالصلاة: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، وهناك منع للصلاة أو تأخير للصلاة عن وقتها: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾، وهنا صلاة على وجهها وعلى كمالها وعلى مواقيتها. هذه بعض المناسبات بين السورتين والمتدبر فيها. ومن أراد استفصالا فليرجع إلى كتب المناسبات التي ذكرنا لكم بعضها، ومن أشهرها "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور" للإمام البقاعي، وهو كتاب تناسب السور للإمام السيوطي رحمه الله.

قال الإمام مسلم رحمه الله عن أنس رضي الله عنه قال: «بين أظهرنا ذات يوم إذ أغفى أغفائه، ثم رفع رأسه متبسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: انزلت علي سورة» فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ حتى ختمها. وهذا الحديث كما هو معلوم في صحيح مسلم، وهي نعمة الله بإعطاء رسوله ﷺ الكوثر.

وسنتكلم بإذن الله بإجمال عن معاني هذه السورة، ثم نتكلم بشيء من التفصيل وبشيء من الفوائد حول هذه السورة. أما الإجمال، فإن الله عز وجل ابتدى هذه السورة بقوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾. الكوثر اسم في اللغة يدل على الخير الكثير، هذا معنى الكوثر من الكثرة، وهو اشتقاق أيضا من الكثرة. وهكذا كان النبي ﷺ، فإن الله تعالى أعطاه خيرا كثيرا في الدنيا والآخرة، ومن ذلك النهر العظيم الذي في الجنة والذي يقال له الكوثر.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما لما نزلت ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ قال النبي ﷺ: «الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، والماء يجري على اللؤلؤ، وماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل». وهذا الحديث مخرج في مسند الإمام أحمد وصححه الشيخ الألباني رحمه الله. وعن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا فرطكم على الحوض»، والفرط هو السابق والمتقدم، كمن مات له أولاد صغار فهم فرطه على الحوض أي سابقوه ومتقدموه.

والكلام مسوق مساق البشارة وإنشاء العطاء؛ معنى ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ﴾ أي سنعطيك الكوثر، وليس للإخبار عن عطاء سابق، إنما إخبار عن عطاء مستقبلي لرسول الله ﷺ. وضمير العظمة هنا مشعر هذا بالامتنان بعطاء عظيم؛ لأن الله عز وجل تكلم هنا بضمير العظمة، فدل ذلك على عظمة العطاء أيضا، وهو الكوثر الذي أعطي رسول الله ﷺ.

أما قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ فهذا تفريع، ويسمى أهل اللغة هذه الفاء -وكثيرا ما توجد في القرآن وفي التفاسير- بـ"فاء التفريع". ومن أراد تفصيلا في الأحرف خصوصا التي وردت في القرآن الكريم، فهناك كتابان جميلان؛ أحدهما "رصف المباني في حروف المعاني"، وكذلك "الجنى الداني في حروف المعاني" وهو أكثر طباعة من الأول للمرادي رحمه الله، يتكلم عن كل الحروف ومعانيها خصوصا في القرآن الكريم. ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ هذا تفريع على هذه البشارة، بأن يشكر ربه عليها بالصلاة والنحر لله تعالى؛ فإن الصلاة أفعال وأقوال دالة على تعظيم الله والثناء عليه، وذلك شكر لنعمته، وكذا النحر فهو لله تعالى تعظيما وشكرا.

﴿إِنَّ شَانِئَكَ﴾ الشانئ هو المبغض، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ أي بغض قوم على ألا تعدلوا. شانئك هنا أي مبغضك وذامك وبكائك ومنتقصك يا محمد. ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ أي هو المقطوع من كل خير، مقطوع العمل، مقطوع الذكر.

وكانت الآية ردا على مقالة كان كثير من سفهاء قريش يقولها لما لم يكن لرسول الله ﷺ ولد، فكانوا يقولون: هو أبتر، يموت فنستريح منه، ويموت أمره بموته. فقال الله تعالى ردا عليهم: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ أي المقطوع المبتور من رحمة الله تعالى، ولو كان له بنون فهم غير نافعيه. العبرة ليست في عدم وجود البنين، ولكنه في انقطاع الذكر والرحمة والعمل الصالح، وإلا فالابن لا ينفع أباه بعد موته إلا إذا كان ولدا صالحا كما أخبر النبي ﷺ.

فليس محمد ﷺ هو الأبتر، بل هو المذكور الآن في العالمين ﷺ، ودينه انتشر في الآفاق، وهؤلاء شرد من الذين تكلموا عليه ﷺ ليس لهم ذكر إلا بالذم والمسبة والخزي والعار في الدنيا والآخرة، ولم يتجاوزوا تبوك شمالا والطائف جنوبا. ولكن دينه انتشر في الآفاق وفي العالمين، ونسمع الآن: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله في العوالم والمشرق والمغرب وفي كل مكان. فمن هو الأبتر إذا؟ هل الذي انتشر ذكره؟ حاشاه ﷺ.

وهنا أيضا بعض الفوائد لهذه الآيات؛ أنه إذا كان هذا في مبغض النبي ﷺ، فكذلك في مبغض شرعه، أي أن مبغض شريعة رسول الله ﷺ هو أبتر كذلك. فمن أبغض شريعة الرسول ﷺ أو أبغض شعيرة من شعائر الإسلام أو أبغض أي طاعة مما يتعبد به الناس في دين الإسلام فإنه كافر، خارج عن الدين؛ لقوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾، ولا حبوط للعمل إلا بالكفر. فمن كره فرض الصلوات فهو كافر ولو صلى، ومن كره فرض الزكاة فهو كافر ولو زكى، وهكذا.

ونستكمل بإذن الله بعد هذا الفاصل: عن أي شيء تبحث؟ وفي أي شيء ترغب؟ وماذا تطلب؟ وما هي همتك في هذه الحياة؟ فالمسلم يحب المعالي ويسعى إليها. قال ﷺ:

إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها. واعلم أن طلب العلم لا ينتهي، بل هو مستمر إلى آخر العمر؛ قيل للإمام أحمد وهو يحمل محبرة: إلى متى؟ فقال: «مع المحبرة إلى المقبرة».

ولا يعوق كبر السن عن طلب العلم إذا توافرت الهمة، فلا أن تموت طالبًا للعلم خير من أن تموت قانعًا بالجهل. وذو الهمة في الطلب يهتم بجمع الفوائد وقراءة المطولات؛ قال أبو عبيد: «ربما كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال، فأضعها في الكتاب فأبيت ساهرًا فرحًا بتلك الفائدة». وقال الخطيب البغدادي: «قرأت على إسماعيل بن أحمد صحيح البخاري جميعه في ثلاثة مجالس».

ومن المهم المداومة على طالب العلم؛ فالقليل مع المداومة خير من الكثير مع الانقطاع. قال عكرمة: «طلبت العلم أربعين سنة». وقال أبو العباس النحوي: «ما فقدت إبراهيم الحربي من مجلس لغة من خمسين سنة». فاطرح عنك الكسل واحرص على دراسة العلم وإحسان العمل. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].

حياكم الله من جديد. بإذن الله نستكمل بعض التفصيلات في تفسير هذه السورة وبعض الفوائد المتناثرة. ذكرنا لكم أن الأرجح في مكية هذه السورة ومدنيتها أنها مكية. وذكرنا لكم أن الله عز وجل حين قال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ دل على عطاء عظيم أعطاه رسول الله ﷺ. لذلك يا أيها الإخوة، اختلف المفسرون قديمًا في هذا العطاء الذي أعطاه رسول الله ﷺ؛ الكوثر ما معناه؟ على أقوال كثيرة تجاوزت العشرة أقوال.

ولكن الذي سأقول لكم إن الراجح من هذه الأقوال جميعها أن الكوثر نهر أعطاه الرسول ﷺ، ولهذا النهر حوض؛ هذا هو الراجح. لكن لا يمنع هذا أن نستمع ونعدد معارفنا؛ ماذا قال الأولون في تعريف الكوثر أو ما المقصود بالكوثر الذي أعطاه رسول الله ﷺ؟

القول الأول الذي ذكرته لكم وهو الأرجح أنه نهر في الجنة، ويؤيده ما رواه البخاري عن أنس والترمذي أيضًا، قال ﷺ: «الكوثر نهر في الجنة، مجراه على الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل، وأبيض من الثلج».

القول الثاني أنه حوض النبي ﷺ، قاله عطاء. وفي صحيح مسلم عن أنس قال: «بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: نزلت عليَّ آنفًا سورة، فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾، ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: نهر وعدنيه ربي، عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، أوانيه عدد النجوم، فيختلج العبد منهم فأقول: إنه من أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدث بعدي». هذا هو القول الثاني، وهذان القولان هما الأرجح والأسلم والأصوب والأقرب، والذي عليه أكثر المفسرين.

ولكن كما قلت لكم، لا مانع من أن نستمع إلى بعض الأقوال؛ فمن هذه الأقوال أن الكوثر النبوة والكتاب، وهذا قول عكرمة، ومنها أنه القرآن، وهذا قول الحسن، ومنها أنه الإسلام حكاه المغيرة، ومنها أنه تيسير القرآن وتخفيف الشرائع. قال الحسين بن الفضل: ومنها أنه كثرة الأصحاب والأمة والأتباع، قاله أبو بكر بن عياش ويمان بن رئاب. ومنها أنه الإيثار، قال ابن كيسان. ومنها أنه رفعة الذكر حكاه الماوردي. ومنها أنه نور في قلبك دل عليَّ وقطعك عما سواي. ومنها أنه الشفاعة. وقيل معجزات الرب حكاه الثعلبي. وقيل هو لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقيل هو الفقه في الدين. وقيل الصلوات الخمس. وقيل الأمر العظيم.

قال الإمام القرطبي رحمه الله: «قلت: أيُّ هذه الأقوال أصحب؟ الأول والثاني؛ لأنه ثابت عن النبي ﷺ نص في الكوثر». وسمع أنس رضي الله عنه قومًا يتذاكرون الحوض فقال: «ما كنت أرى أن أعيش حتى أرى أمثالكم يتذاكرون الحوض! لقد تركت عجائز خلفي، ما تصلي امرأة منهن إلا سألت الله أن يسقيها من حوض النبي ﷺ». وفي حوضه يقول الشاعر: يا صاحب الحوض من يدانيك ... وأنت حقًا حبيب باريك

وجميع ما قد قيل بعد ذلك في تفسيره، لقد أعطيه رسول الله ﷺ زيادة على حوضه. يعني باقي الأقوال التي ذكرتها لكم أعطاه رسول الله ﷺ زيادة على حوضه ونهر الكوثر الذي أعطاه ﷺ.

أما قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾؛ أي أقم الصلاة المفروضة عليك، فصلِّ لربك صلاة العيد ويوم النحر، وانحر نسكك. قال أنس: «كان النبي ﷺ ينحر ثم يصلي، فأمر أن يصلي ثم ينحر». وقال سعيد بن جبير: «صلِّ لربك صلاة الصبح المفروضة بمزدلفة، وانحر البدن بمنى». وقال سعيد بن جبير أيضًا: «نزلت في الحديبية حين حُصر النبي ﷺ عن البيت، فأمره تعالى أن يصلي وأن ينحر البدن وينصرف، ففعل ذلك».

قال ابن العربي: «أما من قال إن المراد بقوله تعالى فصلي أي الصلوات الخمس، فلأنها ركن العبادات وقاعدة الإسلام وأعظم دعائم الدين. وأما من قال إنها صلاة الصبح بالمزدلفة، فلأنها مقرونة بالنحر وهو في ذلك اليوم، فخصها بالذكر من جملة الصلوات».

قال القرطبي: «قلت: وأما من قال إنها صلاة العيد، فذلك بغير مكة، إذ ليس بمكة صلاة عيد بإجماع، فأما ما لك فقال ما سمعت فيها شيئًا، والذي يقع في نفسي أن المراد بذلك صلاة يوم النحر والنحر بعدها»، هذا قول الإمام مالك رحمه الله.

وقال القرطبي: «والذي عندي أنه أراد اعبد ربك وانحر له، فلا يكن عملك إلا لمن خصك بالكوثر، وبالحري أن يكون جميع العمل يوازي هذه الخصوصية من الكوثر، وهو الخير الكثير الذي أعطاك الله، أو النهر الذي طينته المسك وعدد أوانيه نجوم السماء؛ إما أن يوازي هذا أو يوازي هذا، صلاة يوم النحر وذبح كبش أو بقرة أو بدنة، فذلك يبعد في التقدير والتدبير؛ لأنه يرى الصلاة عمومًا والنحر والذبح لله عمومًا».

أما قوله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾، كما مر بنا أن الشانئ هو المبغض، وقد ذكر هذا الخطاب للعموم؛ أي كل من يبغض رسول الله ﷺ حتى في هذا الزمان. ولكن ذكر بعض المفسرين أناسًا بعينهم كان قد ظهر منهم بغض لرسول الله ﷺ، ومنهم العاص بن وائل. وكانت العرب تسمي من كان له بنون وبنات ثم مات البنون وبقي البنات أبتر. فيقال إن العاص وقف مع النبي ﷺ يكلمه، فقال له جمع من صناديد قريش: «مع من كنت واقفًا؟» قال: «مع ذلك الأبتر». وكان قد توفي قبل ذلك عبد الله ابن رسول الله ﷺ وكان من خديجة.

فأنزل الله جل شأنه: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾، أي المقطوع ذكره من خير الدنيا والآخرة. وذكر عكرمة عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية إذا مات ابن الرجل فقالوا بتر فلان، فلما مات إبراهيم ابن النبي ﷺ خرج أبو جهل إلى أصحابه فقال: بتر محمد، فأنزل الله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾، يعني بذلك أبا جهل.

وقال الشمر بن عطية: هو عقبة بن أبي معيط، وهذا ممن قيل فيهم. وقيل إن قريشًا كانوا يقولون لمن مات ذكوره: مات ذكور ولده، قد بتر فلان، فلما مات لرسول الله ﷺ ابنه القاسم بمكة وإبراهيم بالمدينة، قالوا: بتر محمد فليس له من يقوم بأمره من بعده، فنزلت هذه الآية، هذا قاله السدي وابن زيد، وابن زيد بالمناسبة مفسر، وابنه مفسر وهو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

وقيل إنها جواب لقريش حين قالوا لكعب بن الأشرف لما قدم مكة: نحن أصحاب السقاية والسدانة والحجابة واللواء، وأنت سيد أهل المدينة، فنحن خير أم هذا الصنبير الأبتر من قومه؟ قال كعب: بل أنتم خير، فنزلت في كعب: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: 54]. ونزلت في قريش: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾، قاله ابن عباس أيضًا وعكرمة.

وقيل إن الله عز وجل لما أوحى إلى رسوله ﷺ ودعا قريشًا إلى الإيمان به قالوا: إن محمدًا بتر، أي خالفنا وانقطع عنا، فأخبر الله تعالى رسوله ﷺ أنهم هم. قال أهل اللغة: الأبتر من الرجال الذي لا ولد له.

ونستكمل بإذن الله بعد هذا الفصل جهل وظلم، فرقة وقطيعة، شرك وضلال؛ هكذا كان الحال، فيأذن الله بإشراقة فجر جديد ونور يمحو به تلك الظلمات: محمد رسول الله. وصفه ربه، فجمع له من خصال الكمال ومحاسن الصفات ما لم ينله أحد من البشر؛ فقد ثبت أنه كان أوفر الناس عقلًا، أجودهم نفسًا، أرحمهم صدرًا، أشدهم حياءً، كان مع الناس، وأزاهدهم في الدنيا وأكثرهم تواضعًا، يعين أهله ويخيط ثوبه ويخدم نفسه، يزور المسلمين وغير المسلمين ويعود مرضاهم ويدعوهم إلى الخير.

كان صادق اللهجة، راسخ المبدأ، أعدل الناس، أرفقهم بالضعفاء، أنصف المرأة والطفل، وشملت رحمته حتى الحيوان، أثنى عليه حتى المنصفون من غير المسلمين؛ فيقول الألماني يوهان غوته: «إننا أهل أوروبا بجميع مفاهيمنا لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد». ويقول الإنجليزي جورج برناش: «إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل في تفكير محمد». بل قال تولستوي الأديب العالمي: «إن شريعة محمد ستسود العالم لانسجامها مع العقل والحكمة».

ولنصرته نعرف قدره ومكانته، ولننشر في الناس فضائله ومكارمه، ولنقتدي به ونمتثل أمره، ولندافع عن شريعته وندفع عنها الشبهات. فلو لم يكن للنبي ﷺ من الفضل إلا أنه الواسطة في حمل رسالة رب العباد إلى عباده وتعريفهم به، لكان فضلًا لا يستقل العالم بشكره ولا البشرية بمكافأته، فقد عاش حياته يبلغ خير لأمته، ولم يكتفِ بهذا، بل سأل ربه أن يشفع فيهم يوم القيامة، وصدق الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].

بشرى لنا، زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان، حياكم الله من جديد. وأيضًا من الفوائد المتعلقة بهذه السورة وبتسميتها، أنها تسمى سورة الكوثر، وهذا الذي عليه الأكثر، وقيل قولًا عن البقاع إنها تسمى سورة النحر. وذكرنا لكم الخلاف في مدنيتها ومكيتها؛ نقل الخفاجي عن كتاب النشر: «أجمع من نعرفه على أنها مكية»، وبالمناسبة فإن الإمام الطاهر بن عاشور صاحب التحرير والتنوير يرى أنها مدنية على خلاف ما سمعنا من أقوال جمهور العلماء، ولكن هذا من باب الفائدة.

فهي في عدها بأنها مكية، الخامسة عشرة في عداد نزول السور، نزلت بعد سورة العاديات وقبل سورة التكاثر، وعدد آياتها بلا شك ثلاث آيات على الاتفاق، وهي أقصر سور القرآن في عدد كلماتها وعدد حروفها، وأما في عدد الآيات فسورة العصر وسورة النصر مثلها، ولكن كلماتها أكثر.

واشتملت هذه السورة على بشارة النبي ﷺ بأنه أعطي الخير الكثير في الدنيا والآخرة، وأمره بأن يشكر الله على ذلك بالإقبال على العبادة، وأن ذلك هو الكمال الحق، لا ما يتطاول به المشركون على المسلمين بالثروة والنعمة وهم مغضوب عليهم من الله تعالى لأنهم أبغضوا رسوله ﷺ، وغضب الله عليهم إذا كانوا بمحل السخط من الله عز وجل. وإن انقطاع الذكر انقطاع الولد الذكر، فليس بأبتر؛ لأن ذلك لا أثر له في كمال الإنسان.

الله عز وجل حين قال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 1-2]؛ افتتح الكلام بحرف التأكيد للاهتمام بالخبر فقال: «إنا»، والإشعار بأنه شيء عظيم، الإشعار بتنويه شأن النبي ﷺ كما تقدم في ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. والكلام كما ذكرت لكم سابقًا مسوق مساق البشارة وإنشاء العطاء، لا مساق الإخبار بعطاء سابق؛ يعني هذا العطاء عطاء مستقبلي ليس عطاء ماضٍ. وضمير العظمة «إنا» كما قلت لكم مشعر بالامتنان بعطاء عظيم، فالعظيم لا يعطي إلا عظيم جل جلاله.

والكوثر كما قلنا لكم هو على وزن «فوعل»، وهو من الكثرة، وهي من الأسماء الجامدة مثل الكوكب والجورب والحوشب وغير ذلك، فهو الخير الكثير الذي أعطي رسول الله ﷺ. ويوصف الرجل صاحب الخير الكثير بكوثر من باب الوصف بالمصدر، كما في قول مدح عبد الملك المروان: «وأنت كثير يا ابن مروان، وكان أبوك ابن العقائل كوثرا». وسمي نهر الجنة كوثرًا كما في حديث مسلم عن أنس الذي ذكرناه لكم سابقًا. وأريد من هذا الخبر بشارة النبي ﷺ وإزالة ما عسى أن يكون في خاطره من قول من قال فيه هو أبتر، فقوبل معنى الأبتر بمعنى الكوثر إبطالًا لقولهم، وهذه من الفوائد الجميلة.

فصلّ لربك؛ اعتراض، والفاء كما قلنا لكم للتفريع على هذه البشارة بأن يشكر. فإن الصلاة أقوال وأفعال دالة على تعظيم الله جل جلاله، وناسب أن يكون الشكر بالازدياد مما عاداه عليه المشركون وغيرهم ممن قالوا مقالتهم الشنعاء إنه أبتر، فإن الصلاة لله شكر له وإغاظة للذين ينهونه، ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: 9-10]، لأنهم إنما نهوه عن الصلاة كما قال الله عز وجل في هذه الآية السابق ذكرها.

والصلاة التي هي لوجه الله جل جلالة خالصة دون العبادة لأصنامهم، وكذلك النحر لله دون النحر لأصنامهم؛ «فصلّ لربك» دون «فصلّ لنا». والعدول عن الضمير إلى الاسم الظاهر في لفظ «الرب» من الإيماء إلى استحقاقه العبادة لأجل ربوبيته فضلًا عن فرط إنعامه، وإضافة «رب» إلى ضمير المخاطب لقصد تشريف النبي ﷺ وتقريبه.

وفيه تعريض بأنه يربه ويرأف به، ويتعين أن في تفريع الأمر بالنحر مع الأمر بالصلاة على أن أعطاه الكوثر خصوصية تناسب الغرض الذي نزلت السورة له. ألا ترى أنه لم يذكر الأمر بالنحر؟ ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: 97-98].

ويظهر أن هذه تسلية لرسول الله ﷺ عن صد المشركين إياه عن البيت في الحديبية، على من قال هذا، فأعلمه الله تعالى بأنه أعطاه خيراً كثيراً، قدر له في المستقبل، وعبر عنه بالماضي لتحقيق وقوعه، وهذه من فوائد البلاغة واللغة في القرآن؛ أحياناً يعبر عن المستقبل بضمير الماضي لتحقيق وقوعه، كقوله: ﴿أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: 1]، وغيرها كثير في القرآن الكريم، فيكون معنى الآية كمعنى قوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: 1].

قال عمر: افتح هذا؟ قال: نعم، فصل لربك. وهذا يرجع إلى ما رواه الطبري عن قول سعيد بن جبير: "وأنحر" أمر بأن يصلي وينحر هديه وينصرف من الحديبية. واللام هنا لها فائدة في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، أنه يخص الله في صلاته فلا يصلي لغيره، ففيه تعريض للمشركين بأنهم يصلون للأصنام بالسجود لها والطواف حولها والذبح لها.

أما التقدير هنا في "وأنحر" أي: وأنحر له، وهو إيماء أيضاً إلى إبطال نحر المشركين قرباناً للأصنام. على أن السورة مكية، فلعل رسول الله ﷺ حين اقترب وقت الحج -وكان يحج كل عام قبل البعثة وبعدها- وقد تردد في نحر هداياه في الحج بعد بعثته وهو يود أن يطعم المحاويج من أهل مكة ومن يحضر في الموسم، ويتحرج من أن يشارك أهل الشرك في أعمالهم؛ فأمره الله أن ينحر الهدي لله ويطعم المسلمين، أي: لا يمنعك نحرهم للأصنام أن تنحر أنت ناوياً بما تنحر أنه لله.

مثل السعي بين الصفا والمروة؛ كان المشركون أيضاً يسعون بين الصفا والمروة وتحرج الصحابة رضي الله عنهم، فأنزل الله عز وجل في هذا قرآناً، فجعل الصحابة رضي الله عنهم يطوفوا بين الصفا والمروة. فهذا له قصد، وهذا له قصد؛ هذا يمدح الله، وهذا يمدح الآباء والأجداد، لذلك قال الله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: 200].

أما قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: 3]؛ فهو استئناف يجوز أن يكون استئنافاً ابتدائياً، ويجوز أن تكون الجملة تعليلاً لحرف "إن"، هذا على ما ذكر في هذا التفصيل. والأبتر كما قلنا لكم حقيقته المقطوع بعضه، وغلب على المقطوع ذنبه من الدواب، ويستعار لمن نقص منه ما هو من الخير في نظر الناس تشبيهاً بالدابة المقطوع ذنبها، تشبيه بمحسوس.

كما قال في الحديث: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بسم الله فهو أبتر»، أي منقطع. يقال بترت شيئاً إذا قطعت بعضه، ويقال للذي لا عقب له ذكوراً هو أبتر على الاستعارة، تشبيه متخيل بمحسوس، شبهه بالدابة. ومعنى الأبتر في الآية: الذي لا خير فيه، وهو رد لقول العاص بن وائل أو غيره في حق النبي ﷺ.

فبهذا المعنى استقام وصف العاصي وغيره بالابتر دون المعنى الذي عناه حيث لمز النبي ﷺ بأنه أبتر، أي لا عقب له؛ لأن العاص بن وائل له عقب، فابنه عمر الصحابي الجليل، وابن ابنه عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابي الجليل، ولعبد الله عقب كثير، ولكن حقيقة الأبتر هم المشركون الذين انقطع ذكرهم وانقطعت أعمالهم، أما الذي اتصل ذكره وعمله ودعوته ودينه فهو ليس الأبتر ﷺ.

وكما قلنا لكم في معنى الشانئ، هو المبغض، وهو فاعل الشناءة وهي البغض والشنآن، وهو يشمل كل مبغض. فهذه الآية كانت في الدفاع، هذه السورة عموماً كانت في توجيه النبي ﷺ وامتنان الله عليه جل جلاله وتسليته ﷺ والذب عن عرضه ﷺ وعن شخصه. اللهم ارزقنا شفاعته وأوردنا حوضه ونهره ولا تطردنا عنه يا حي يا قيوم.

وأسأل الله عز وجل في نهاية هذا الدرس أن يجعل اجتماعنا مرحوماً وتفرقنا معصوماً، وإلى أن نلتقي بإذن الله في درس قادم. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.