دخولتسجيل الدخول

يا راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، الهادي إلى الصراط المستقيم، وصلى الله وسلم على خير البرية ومنجي البشرية، خليل الرحمن وصفيه.

أعزائي المشاهدين ومشاهدات طلاب وطالبات أكاديمية زاد المستوى الرابع، حياكم الله في هذه الحلقة الخامسة وفي هذا الدرس الخامس بإذن الله على مائدة القرآن. سنتكلم بإذن الله في هذا الدرس عن سورة عظيمة القدر، ألا وهي سورة القدر. قال الله عز وجل في هذه السورة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: 1-5].

هذه السورة سورة مكية، أخرج الإمام البخاري في فضله رحمه الله ومسلم كذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». وليلة القدر هي موضوع هذه السورة.

قال الله عز وجل في مطلعها: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، والقدر العظمة والشرف، يقال صاحب قدر أي صاحب عظمة وصاحب شرف، وقيل القدر هنا المراد به التقدير، والصحيح أنه شامل للمعنيين، فالمعنى لا يمنع أن يأخذ بالاثنين، وهو كذلك، أي أنه القدر على العظمة والتشريف أو القدر على التقدير؛ فليلة القدر ذات قدر عظيم، وأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة.

والمعنى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ أي أنزل الله القرآن جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، وهناك أقوال قد نتطرق إليها لكن هذا هو الراجح والذي عليه الجمهور، أن الله عز وجل أنزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم كان ينزله على رسول الله ﷺ بحسب الحاجة وما يقتضيه التشريع.

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: 32]. أي أن القرآن لم ينزل على رسول الله ﷺ جملة واحدة، إنما أنزله الله عز وجل منجما، مفرقا في ثلاث وعشرين سنة، فبين أول نزول للقرآن وآخره ثلاث وعشرون سنة، كما أخبر تعالى أنه أنزله في ليلة مباركة التي هي أيضا ليلة القدر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: 3]، وكان ذلك في شهر رمضان، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185].

وهذه الآيات الثلاث من تفسير القرآن بالقرآن، كما اتفقنا معكم في الدروس السابقة، أن أول مصادر تفسير القرآن هو القرآن نفسه؛ سواء كان التفسير كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق: 1-3]، أو التفسير متفرقا في سائر القرآن. فهذه الآيات تفسير ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ يفسر بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾، ويفسر بقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾، وبالمناسبة أيها الإخوة وأيها الأخوات، هذا الاستفهام يفيد التعظيم سواء في هذه السورة أو غيره؛ كقوله: ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: 1-3]، وقوله: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة: 1-3]، إذا فإنه يفيد التعظيم. ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ أي: وما أعلمك يا محمد أي شيء ليلة القدر؟ وهذا استفهام كما ذكرنا يراد به التعظيم والتفخيم، أي تعظيم وتفخيم شأن ليلة القدر.

ثم قال الله عز وجل بفضل هذه الليلة: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، أي أن العمل في ليلة القدر خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة قدر، أي خير من ألف ليلة ليس فيها ليلة قدر.

ثم قال: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾، أي يكثر تنزل الملائكة في هذه الليلة لكثرة بركتها، والروح فيه كلام كثير وأرجح الأقوال وأشهرها أنه جبريل عليه السلام، فالمعنى أن جبريل والملائكة يتنزلون إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، فتزدحم السماء بالملائكة، ويصبح لذلك الليل لتلك الليلة عظمة وتسبيح وتمجيد للخالق من سكان السماوات وهم الملائكة، وسكان الأرض وهم عباد الله.

ثم قال: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾، أي تنزل الملائكة بإذن ربهم، بإذن الله. وقد ورد أن النبي ﷺ قال لجبريل: «يا جبريل لما لا تزورنا أكثر مما تزورنا؟» فأنزل الله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: 21]، وهذا من تفسير القرآن بالقرآن؛ فالملائكة لا تتنزل أبدا إلا بإذن الله.

وهذا معنى ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾، ثم قال الله عز وجل: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾، أي تنزل الملائكة بأمر الله من أجل كل أمر قضى الله به في تلك السنة، فهي كما يسميها علماء العقيدة الأقضية الحولية أو الأقضية السنوية، تكون في ليلة القدر، أي من ليلة القدر إلى ليلة القدر، يقدر الله عز وجل ما يكون لعبادي وما يكون عليهم، عسى الله ألا يقدر لنا ولا علينا الشر، وإن يصرف عنا كل قضاء شر وقدر.

ثم قال الله عز وجل: ﴿سَلَامٌ﴾، أي هذه الليلة سلام هي حتى مطلع الفجر، أي كلها خير، ليس فيها شر، هذه الليلة ليس فيها شر إلى مطلع الفجر. وقال بعض العلماء: ﴿سَلَامٌ﴾ المقصود فيها أي لكثرة ما يسلم الله رقابا وجبت لها النار يعتقها في تلك الليلة، أي أن هذه الليلة كلها سلام وتسليم وعتق من النيران، اللهم اعتق رقابنا وإياكم من النار. وقيل المعنى المعروف: سلام أي سلم وأمن وأمان.

وهذه السورة أيضا فيها يا أيها الإخوة ويا أيتها الأخوات فوائد عظيمة، منها ومن أولها تعظيم الرب جل جلاله؛ الله تكلم عن نفسه هنا بضمير الجمع: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، ونستكمل الفوائد بإذن الله بعد الفاصل.

يجب أن يجعل بين كل استئذان وآخر وقتاً يسيراً، ألا يستقبل الباب بل عن يمينه أو يساره، وأن يخبر المستأذن باسمه عند الاستئذان حتى يُعرف. وإذا تبين للمستأذن أنه قد أحرج صاحب البيت فلينصرف ولا يدخل، وأن يلقي السلام على أهل البيت إذا دخل.

والاستئذان يكون أيضاً على المحارم؛ لئلا يكون في الدخول دون إذن انكشاف لعورة أو اطلاع عليها، فقد جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود وقال: أأستأذن على أمي؟ فقال: «ما على كل أحيانها تحب أن تراها؟».

وكما شرع الاستئذان لما فيه من فوائد تعود على الفرد والمجتمع؛ منها: ترضية النفوس وحفظ الحرمات، ورفع الحرج عن المستأجر والمستأذن عليه، وإتاحة الفرصة لصاحب البيت أن يستر عوراته وما يكره أن يطلع عليه، وإشاعة الاطمئنان في المجتمع حيث يأمن الإنسان عدم اقتحام حامي بيته إلا بإذنه، وسد الذرائع كي لا يقع البصر على ما لا يحل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل من أجل البصر».

حياكم الله مجدداً، وصلنا قبل الفاصل إلى بعض الفوائد من سورة القدر. من هذه الفوائد تعظيم الله جل جلاله؛ الله تكلم عن نفسه هنا بضمير العظمة فقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾؛ لأنه سبحانه وتعالى العظيم الذي لا شيء أعظم منه جل جلاله، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، وهذا أيضاً من تفسير القرآن بالقرآن في بيان عظمة الله جل جلاله.

وأحياناً يتكلم الله عن نفسه بصيغة الواحد، كقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]؛ اعتبار الصفة يأتي ضمير العظمة، وباعتبار الوحدانية يأتي ضمير الواحد، فهكذا ينوع الله عز وجل التعظيم والخطابات عن نفسه جل جلاله.

ومن الفوائد أيها الإخوة وأيتها الأخوات، أن نزول الملائكة في الأرض عنوان على الرحمة والبركة؛ فإذا امتنعت الملائكة من دخول شيء كان ذلك دليلاً على أن هذا المكان قد يخلو من الخير والبركة، كالمكان الذي فيه صور ذات الأرواح، فإن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة إلا إذا أُهينت.

ومن الفوائد كذلك أن الإذن ينقسم إلى قسمين: إذن شرعي وإذن كوني قدري. الإذن الشرعي كقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21]، هذا هو الإذن الشرعي. والإذن القدري كقوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾؛ فكما مر بنا، أهل البدع فعلوا ما لم يأذن به الله أي من المحرمات، لكن فعلهم في النهاية شُرع وقُدر، أي أن فعلهم هذا إذن شرعي وقدرّي قدره الله، ولا بد أن تكون إذن قدرية وكونية. أما الشرعية فهل الله قد نهاهم عن ذلك؟ لكنهم اقترفوها.

الله سبحانه وتعالى في مطلع هذه السورة قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ في ليلة القدر، وعبر هنا عن المظهر بالمضمر، فلم يقل الله: "أنا أنزلنا القرآن في ليلة القدر"، وفي ذلك كما يقول أهل البلاغة عظمة، وهو مفهوم من السياق لعظمته ولظهوره ولبروزه، كقوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: 26]، يُفهم الناس كل ما عليها أي كل من على الأرض، ما هو مفهوم من السياق.

والسياق أيها الإخوة وأيتها الأخوات يُعرف من السباق واللحاق، أي الآيات التي تسبق والآيات التي تلحق. قال الله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ أي هذا القرآن في ليلة القدر، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ كما قلنا لكم على سبيل التعظيم: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 3]، أي العبادة فيها والعمل الصالح خير من ألف شهر. ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: 4-5]؛ هي ليلة سلام وأمن وأمان، أو سلام لكثرة العتق من النيران، وهي حتى مطلع الفجر، أي من غروب شمسها إلى طلوع فجرها. لا حرمنا الله وإياكم هذه الليلة.

أريد فيما تبقى من وقت أن أذكر لكم أيها الإخوة شيئاً من التفصيل في تفسير هذه السورة. مرت بنا اختصاراً أن هذه السورة مدنية في قول أكثر المفسرين، كما قال القرطبي هنا: فهي مدنية في أكثر قول المفسرين، وأنها نزلت بالمدينة، وهي خمس آيات. قال الإمام القرطبي جملة جميلة هنا، قال في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ يعني القرآن، وإن لم يجرِ له ذكر في هذه السورة، لأن المعنى معلوم وهو ما ذكرته لكم، والقرآن كله كسورة واحدة، وقد قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، وقال جل جلاله: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: 1-3] يريد بها ليلة القدر.

وقال الشعبي: المعنى أن ابتداء إنزاله في ليلة القدر، وقيل بل نزل به جبريل عليه السلام جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا إلى بيت العزة، وأملاه جبريل على السفرة، ثم كان جبريل ينزله على النبي صلى الله عليه وسلم نجوماً نجوماً، أي منجماً أي مفرقاً، وكان بين أوله وآخره كما ذكرنا لكم ثلاث وعشرون سنة كما ذكر ذلك ابن عباس رضي الله عنه.

وفي قوله تعالى في ليلة القدر: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، قال مجاهد: ليلة القدر يعني هنا ليلة الحكم. ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ أي ما أدراك ليلة الحكم؟ والمعنى ليلة التقدير، وسميت بذلك لأن الله تعالى يقدر فيها ما يشاء من أمره إلى مثلها من السنة القابلة، كما ذكرنا لكم، سواء كان هذا التقدير من أمور الموت والأجل والرزق وغيره من هذه الأمور.

وقيل إنما سميت بذلك -كما مر بنا- لعظم قدرها وشرفها، من قولهم لفلان شرف أي قدر ومنزلة، وهذا قول الزهري وغيره. وقيل سميت بذلك لأن للطاعات فيها قدراً عظيماً وثواباً جزيلاً. وقال أبو بكر الوراق: سميت بذلك لأنه من لم يكن له قدر ولا خطر يصير في هذه الليلة ذا قدر إذا أحياها.

وقيل سميت بذلك لأنه أنزل فيها كتاباً ذا قدر على رسول ذي قدر صلى الله عليه وسلم على أمة ذات قدر، وهذا من أجمل الكلام؛ سميت بذلك لأنه أنزل فيها كتاب ذو قدر على رسول ذي قدر على أمة ذات قدر. وقيل لأنه ينزل فيها ملائكة ذوو قدر وخطر. وقيل لأن الله تعالى ينزل فيها الخير والبركة. وقال السهل: سميت بذلك لأن الله تعالى قدر فيها الرحمة على المؤمنين. وقال الخليل: لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَدَّرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ أي ضيق عليه رزقه. وعلى كل حال كل هذه المعاني صحيحة، سواء سميت لعظم قدرها وشرفها، أو للتقدير فيها، أو لقدر القرآن فيها، أو لقدر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها.

أو لقدر الأمة فيها، أو ما ذكر من أقوال فكله حاصل ولا يعارض بعضه بعضا، وهذا إنما سمي من باب اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد. وبالمناسبة أيها الإخوة أيها الأخوات، معظم خلاف المفسرين هو من باب اختلاف التنوع لا التضاد.

وحتى نفرق لكم بين التنوع والتضاد؛ لو قال رجل عندي خبز، وقال الآخر عندي رغيف، وقال الآخر عندي فطير، فهذا الاختلاف اختلاف تنوع كله يراد به معنى واحد، لذلك لا يمكن أن يكون هذا من باب التضاد. أما اختلاف التضاد، وهو تحقيق أمر واحد ولا مجال للآخر لحصوله، كقولهم هذا حرام وهذا حلال، أو قولهم هذا مباح هذا يجوز وهذا لا يجوز، فهذا هو اختلاف التضاد، وهو أكثر عند الفقهاء، أما المفسرون فالأكثر عندهم اختلاف التنوع، ويكون هناك أيضا اختلاف تضاد.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾. هنا فائدة جميلة تستحق التقييد الحقيقة، وهي من قول الفراء رحمه الله: قال كل ما كان في القرآن من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ فقد أدرى الله، أي أدرى الله رسوله ﷺ، وما كان من قوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ فلم يدره، ما كان في قوله ﴿وَلَمْ يُدْرِكَ﴾ فلم يدره، وما ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ ما مر بنا، و﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ لعل الساعة تكون قريبة؛ أي أن النبي ﷺ يعلم السائل.

ونستكمل بإذن الله بعد الفاصل أفضل أيام الأسبوع، وهو يوم عيد للمسلمين؛ قال النبي ﷺ: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة». لذلك خصه الله بخصائص منها صلاة الجمعة، وهي فرض عين بلا خلاف، وتركها من أعظم المحرمات؛ قال النبي ﷺ: «لينتهين أقوام عن ودعهم»، أي تركهم الجمعات، «أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين».

وتجب الجمعة على المسلم بشروط منها العقل والبلوغ، فلا تجب على صبي ولكنه يؤمر بها إذا بلغ سبعًا، ومنها الإقامة فلا تجب على مسافر إلا إذا أقام في بلد وقت صلاة الجمعة فتجب عليه، ومنها الصحة فلا تجب على مريض ولا على مرافقه الذي لا يستطيع تركه، ومنها الذكورة فلا تجب على المرأة، ولكنها إذا حضرت الجمعة صحت منها وأجزأتها عن الظهر، ووقت الجمعة هو وقت الظهر.

وهي ركعتان يجهر فيهما الإمام، ومن أدرك الإمام قبل أن يرفع من ركوع الركعة الثانية فقد أدرك الجمعة، لكنه يضيف ركعة أخرى ويتمها ركعتين، ومن أدركه بعد الرفع من ركوع الركعة الثانية فقد فاتته الجمعة، فيدخل مع المصلين ثم يقضيها ظهرًا أربع ركعات بعد سلام الإمام. ومن حضر إلى الجمعة متأخرًا فلا يتخطى الرقاب، ولا يجلس حتى يصلي ركعتين وإن كان الإمام يخطب. ومن قال لصاحبه يوم الجمعة انصت والإمام يخطب فقد لغى وفاتته أجر الجمعة، فبادر إلى الجمعة ولا يشغلنك عنها شاغل فيفوتك خير عظيم؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: 9].

حياكم الله مرة أخرى، توقفنا عند فائدة مهمة جدًا وهي من قول الفراء رحمه الله: قال كل ما في القرآن من قوله ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ فقد أدرى، وما كان من قوله ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ فلم يدره، والأمثلة كثيرة في القرآن منها: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾، والأمثلة التي ذكرناها قبل هذه كلها أدرى الله رسوله ﷺ وعلمه فضلها أو شأنها، أما ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ فهو لم يدرها، كقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ السَّاعَةُ﴾؛ فإن علم الساعة لا يعلمه إلا الله، لا يجليها لوقتها إلا هو؛ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي﴾ [الأعراف: 187].

ثم قال الله عز وجل: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ في بيان فضلها وعظمها، وفضيلة الزمان إنما تكون بكثرة ما يقع فيه من الفضائل، وفي تلك الليلة يقسم الخير الكثير الذي لا يوجد مثله في ألف شهر، والله أعلم. وقال كثير من المفسرين: أي العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة قدر، وقد مر بنا هذا قبل قليل. وقال أبو العالية: ليلة القدر خير من ألف شهر لا تكون فيها ليلة قدر، أي خير من ألف شهر ليست فيها ليلة قدر. وأبو العالية هذا رفيع بن مهران، وكان الإمام جرير الطبري رحمه الله في تفسيره إذا أعجب بقول أبي العالية قال: «وقول أبي العالية في المرتبة العالية؛ فجعل الله تعالى لأمة محمد ﷺ عبادة ليلة خير من ألف شهر كانوا يعبدون الله فيها».

وقال أبو بكر الوراق وهذه لطيفة من اللطائف التي يستأنس بها: كان ملك سليمان خمسمائة شهر وملك ذي القرنين خمسمائة شهر فصار ملكهما ألف شهر، فجعل الله تعالى العمل في هذه الليلة لمن أدرك خيرًا من ملكهما، أي خيرًا من ملك سليمان وذي القرنين، وهذه من اللطائف التي يستأنس بها عند المفسرين.

وكذلك قال الله عز وجل: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾. قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ أي تهبط من كل سماء، وبعضهم قال حتى الملائكة عند سدرة المنتهى تهبط، وجبريل يهبط وكل الملائكة فينزلون إلى الأرض ويؤمنون على دعاء الناس إلى وقت طلوع الفجر، أي من غروب هذه الليلة إلى طلوع الفجر.

كذلك قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم﴾، جبريل عليه السلام من كل أمر، أي بكل أمر قدره الله عز وجل وقضاه في تلك السنة إلى قابله، وهذا كما مر بنا هو قول ابن عباس رضي الله عنه، وهو كقوله: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾، أي بامر الله؛ ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: 11]، وهذا أيضًا من تفسير القرآن بالقرآن.

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «إذا كانت ليلة القدر نزل جبريل في كبابة من الملائكة يصلون ويسلمون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله عز وجل»، وهذا من فضل الله عز وجل علينا. وقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، قيل إن تمام الكلام: في كل أمر ثم قال: ﴿سَلَامٌ﴾، روي ذلك عن نافع، وأي ليلة القدر سلامة وخير، كلها لا شر فيها حتى مطلع الفجر، أي إلى طلوع الفجر. قال الضحاك: لا يقدر الله في تلك الليلة إلا السلامة، وفي سائر الليالي يقضي بالبلايا التي قدرها. وقيل أي هي سلام، أي ذات سلامة من أن يؤثر فيها شيطان في مؤمن ومؤمنة، وكذا قال مجاهد: هي ليلة سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءًا ولا أذى.

وروي مرفوعاً، وقال الشعبي: هو تسليم الملائكة على أهل المساجد من حين تغيب الشمس إلى أن يطلع الفجر، يمرون على كل مؤمن ومؤمنة ويقولون: «السلام عليك أيها المؤمن». وقيل سلام الملائكة بعضهم على بعض، وهذه الأقوال كلها متقاربة. وقال قتادة: سلام هي أي خير هي حتى مطلع الفجر. وكل ما سمعتم من أقوال حاصل بفضل الله جل جلاله في هذه الليلة المباركة.

وهنا يا أيها الإخوة، يا أيها الأخوات، ثلاث مسائل بودي أن نمر عليها سريعاً. المسألة الأولى في تعيين ليلة القدر، اختلف العلماء في ذلك، والذي عليه المعظم أنها ليلة سبع وعشرين. في حديث زيد بن حبيش قال: قلت لأبي بن كعب: إن أخاك عبد الله بن مسعود يقول: من يقيم الحول يصيب ليلة القدر، فقال: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، لقد علم أنها في العشر الأواخر من رمضان، وأنها ليلة سبع وعشرين، ولكنه أراد ألا يتكل الناس. ثم حلف أبي بن كعب أنها ليلة سبع وعشرين. قال: قلت بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ قال: بالآية التي بها، أو بالعلامة أن الشمس تطلع يومئذ لا شعاع لها. وهذا الحديث عند الترمذي حسن صحيح، وقد خرجه مسلم رحمه الله.

والصحيح المشهور أنها في العشر الأواخر من رمضان، وهو قول مالك والشافعي والأوزاعي وأبي ثور وأحمد. ثم قال قوم: هي ليلة الحادي والعشرين، ومال إليه الشافعي رحمه الله لحديث الماء والطين. وقيل ليلة الثالث والعشرين؛ لما رواه ابن عمر قال: يا رسول الله إني رأيت ليلة القدر في سابعة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أرى رؤاكم قد تواطأت على ثلاث وعشرين». وقال: «من أراد أن يقوم من الشهر شيئاً فليقم ليلة ثلاث وعشرين». وقال معمر: فكان أيوب يغتسل ليلة ثلاث وعشرين. وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني رأيت أني أسجد في صبيحتها على ماء وطين»، فرأيته في صبيحة ليلة ثلاث وعشرين يسجد في الماء والطين. وقيل ليلة خمس وعشرين، وقيل ليلة تسع وعشرين.

والحقيقة أن الذي عليه بعض علمائنا المعاصرين وغيرهم أنها تنتقل في ليالي الوتر؛ أي من ليلة إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسع وعشرين، ينقلها الله في كل سنة من السنوات بين ليالي الوتر في العشر الأواخر من رمضان، فهذا من الأقوال المطمئنة.

المسألة الثانية: علاماتها، منها أن الشمس تطلع في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها كما روي ذلك. قال صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر: «سمحة بلجة، لا حارة ولا باردة، تطلع الشمس صبيحتها ليس لها شعاع».

أما المسألة الثالثة في فضائلها، وحسبك في فضائلها قوله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: 3-4]. وفي الصحيحين الحديث الذي مر بنا: «من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه». وقال: لا يقدر الله في ليلة القدر إلا السعادة والنعم، ويقدر في غيرها البلايا والنقم، وقد تقدم أيضاً هذا القول عن الضحاك.

واختم بقول عائشة رضي الله عنها: قلت يا رسول الله، إن وافقت ليلة القدر كما أقول، قال: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني». ونحن نقول في نهاية هذا الدرس: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا. اللهم بلغنا ليلة القدر أعواماً عديدة وأزمنة مديدة. وأسأل الله عز وجل أن يجعل هذه الحلقة مباركة علينا وعليكم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد. يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً.