دخولتسجيل الدخول

يا راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه طور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، هذا كتاب كتاب الله، رتل قلوبنا خير الدروس، تعلم القرآن بشرى لنا، زدنا كاذبين بالعلم كالأزهار في البستان.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا الدرس حجة لنا وإياكم لا علينا. موعدنا اليوم أيها الإخوة المشاهدون والمشاهدات، طلاب أكاديمية زاد المستوى الرابع، موعدنا اليوم مع سورة الكافرون.

هذه السورة إحدى صور البراءة من الشرك وأهله، وهي سورة مكية، ابتدأها الله عز وجل بقوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 1-6].

ذكر فيها سبب نزول، وهو أن قوما من قريش، منهم الوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، وأبو جهل ونظراؤهم، قالوا: يا محمد اتبع ديننا ونتبع دينك، اعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، فقال: معاذ الله أن نشرك بالله شيئاً. ونزلت السورة في معنى البراءة من آلهتهم، هذا ما ورد في سبب نزولها. وهناك عدة كتب لأسباب النزول لمن أراد أن يتسع فيها، وأشهرها: أسباب النزول للواحد، واللباب في نقول أسباب النزول للسيوطي، والعجاب في بيان الأسباب لابن حجر، وموسوعة حديث اسمها الاستيعاب في بيان الأسباب. هذه هي أشهر الكتب الموجودة اليوم.

أما فضل السورة والعمل بها، فعن معاوية رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «اقرأ قل يا أيها الكافرون ثم نم على خاتمتها، فإنها براءة من الشرك». وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وصححه الألباني. وجاء عند الترمذي أنها تعدل ربع القرآن، وقد صححه أيضا الإمام الألباني رحمه الله.

وأيضا في فضائل هذه السورة ما ذكره مسلم رحمه الله في صحيحه عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بسورة الكافرون وقل هو الله أحد في ركعتي الطواف. وأيضا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قرأ بهما في ركعتي الفجر. وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب بضعاً وعشرين مرة أو بضع عشرة مرة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وهذا أيضا أخرجه الإمام أحمد والترمذي وصححه الألباني.

هذا ما ورد في سبب النزول في هذه السورة وبعض الأحاديث في فضلها. أما تفسير معناها إجمالا، فإن الله عز وجل ابتدى هذه السورة بقوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، هذا خطاب يشمل كل كافر على وجه الأرض، وإن كان المخاطبون به ابتداء كفار قريش، فالعبرة -كما تعلمون في قواعد التفسير- العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وكل كافر يجب أن تناديه بقلبك وبلسانك إن كان حاضرا، لتتبرأ منه ومن عبادته.

وقد تقدم أنهم من جهلهم، أي هؤلاء الكفار، دعوا رسول الله ﷺ إلى عبادة أوثانهم سنة ويعبدون معبوده سنة، فأنزل الله هذه السورة وأمر رسوله ﷺ أن يتبرأ من دينهم بالكلية؛ قال: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾، أي في الوقت الحاضر ومن الأصنام والأنداد. وعلى المسلم في كل زمان أن يتبرأ هذه البراءة من كل ما يعبد من دون الله، من ولي أو قبر أو صنم أو نحوه، وما أحوج الداعين إلى الإسلام اليوم إلى هذه البراءة وهذا الفصل وهذا الحسم، فإن الله أمرنا به.

وقوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ وهو الله وحده لا شريك له، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾، أي ولائنا فيما سلف، عابد ما عبدتم أبدا. والمعنى أنه لم يعهد مني هذا المعنى، أنه لم يعهد مني أبدا أن أفعل هذا. ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾؛ هذا التكرار لكي لا تبقى مظنة ولا شبهة، ولا مجال لمظنة أو شبهة بعد هذا التوكيد بهذه الوسائل. ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ وهو الشرك وجزاؤه المترتب عليه، ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ وهو الإسلام وجزاؤه المترتب عليه، فهذا هو ديني؛ التوحيد الخالص الذي يتلقى تصوراته وقيمه وعقيدته وشريعته كلها من الله دون شريك في كل نواحي الحياة والسلوك.

أما الفوائد المتعلقة بهذه الآية فمنها: البراءة من عبادة غير الله عز وجل، كما يجب أن نتبرأ من دين اليهود والنصارى والمشركين في كل وقت وحين، ولا التقاء بينهم في منتصف الطريق، كما قال الله: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85]، إن الدين عند الله الإسلام.

وأيضا من الفوائد أن التوحيد منهج والشرك منهج لا يلتقيان أبدا؛ التوحيد منهج يتجه بالإنسان إلى الله وحده لا شريك له، ويحدد الجهة التي يتلقى منها الإنسان عقيدته وشريعته غير متلبسة بالشرك في أي صورة من صور الظاهر والخفية، وكذلك وجوب الإخلاص لله عز وجل وألا نعبد إلا الله وحده لا شريك له.

أحيانا يقع إشكال في حفظ هذه السورة، أو بعض الناس ممكن يحفظ هذه السورة ولكن يقع عنده إشكال في قراءتها في الصلاة، فيخشى من التكرار أن يخلط بينه أو يزيد عليه أو ينقص منه. والمقصود بالتكرار: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾. ولكن من فهم أن الأوليين التي هي: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ هي رد على المشركين حين طلبوا من رسول الله ﷺ أن يعبد آلهتهم سنة ويعبد هو آلهتهم سنة، فتذكر أن الأوليين هي رد على المشركين: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾.

أما الأخريين فهي الحديث عن المستقبل، يعني: ولا أنا في المستقبل عابد ما عبدتم، ولا أنتم في المستقبل عابدون ما أعبد. إذا الأولى رد على كلامهم مباشرة، والأولى والثانية والثالثة والرابعة في الحديث عن المستقبل؛ لأن هذه من الآيات التي تشكل على بعض الناس، وبعض الناس في الصلاة يزيد عليها على هذه الأربع، وبعضهم ينقص، وهي في الحقيقة اثنتان اثنتان؛ الأولى رد، والأخريان حديث عن المستقبل. يعني الأولى رد: لا يمكن أعيد آلهتكم ولا تعبدون إلهي، والمستقبل: لا يمكن في المستقبل أعيد آلهتكم ولا يمكن في المستقبل أن تعبدوا إلهي. هذا فقط لتسهيل الحفظ على من يخلط في هذه.

ونستكمل بإذن الله بعد هذا الفاصل وصية الله لعباده، قرن حقهما بحقه وشكرهما بشكره، أمر ببرهما ونهى عن عقوقهما، إنهما الوالدان. قال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]. والبر بالوالدين يعود نفعه على...

كالولد البار ثمرات وفوائد، منها: تحصيل مرضات الله تعالى، إطالة العمر وزيادة الرزق، اكتساب بر الأبناء في المستقبل؛ فالجزاء من جنس العمل، وتكفير الذنوب والخطايا.

فعن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله، إني أصبت ذنباً عظيماً، فهل لي من توبة؟»، قال: «هل لك من أم؟»، قال: لا، قال: «هل لك من خالة؟»، قال: نعم، قال: «فبرها».

وللبر بالوالدين صور وأشكال؛ منه ما يكون في حياتهما كإحسان القول إليهما، وخفض الصوت عندهما، وطاعتهما فيما يأمران به، وتعليمهما ما يحتاجان إليه، واستئذانهما عند السفر، وإظهار التقدير والاحترام لهما، وتقبيل أيديهما ورأسيهما، والسعي في إرضائهما وتحمل المشاق في سبيل ذلك. ومنه ما يكون بعد وفاتهما؛ كالدعاء لهما والاستغفار لهما، وقضاء دينهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام أصدقائهما. قال رسول الله ﷺ: «إن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي».

حياكم الله من جديد. الآن إلى شيء من الفوائد المتناثرة حول هذه السورة. طبعاً ذكرنا لكم أن السورة مكية، وعدد آياتها ست آيات. وذكرنا لكم هذا الحديث عن رسول الله ﷺ حين قال: «قل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن»، يعني من قرأها أربع مرات فكأنما قرأ القرآن كاملاً.

حين ابتدأ الله عز وجل هذه السورة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، ذكر المفسرون كذلك أهل السيرة، منهم ابن إسحاق وغيره، أن سبب نزولها في الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود، وأمية بن خلف، حين لقوا رسول الله ﷺ فقالوا: هلم فلنعلم؛ أعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيراً مما بأيدينا كنا قد شاركناك فيه وأخذنا بحظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيراً مما بيديك كنت قد شاركتنا في أمرنا وأخذت بحظك منه. فأنزل الله عز وجل: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾.

وقال أبو صالح عن ابن عباس، أنهم قالوا لرسول الله ﷺ: لو استسلمت بعض هذه الآلهة لصدقناك، فنزل جبريل على النبي ﷺ بهذه السورة، فيئسوا منه وأذوه وأذوا أصحابه.

والألف واللام ترجع إلى المعنى المعهود، وإن كانت للجنس من حيث إنها كانت صفة لأي؛ لأنها مخاطبة لمن سبق في علم الله تعالى أنه سيموت على كفره، فهي من الخصوص الذي جاء بلفظ العموم ونحوه عن المورد نزلت جواباً. وعني بالكافرين قوماً معينين لا جميع الكافرين؛ لأن منهم من آمن فعبد الله، ومنهم من مات أو قتل على كفره، وهم المخاطبون بهذا القول وهم المذكورون.

وأما وجه التكرار، فقيل إنه للتأكيد في قطع أطماعهم، كما تقول: والله لا أفعل كذا، ثم والله لا أفعلُه. قال أكثر أهل المعاني: نزل القرآن بلسان العرب، ومن مذاهبهم التكرار إرادة التأكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاختصار إرادة التخفيف والإيجاز؛ لأن خروج الخطيب والمتكلم من شيء إلى شيء أولى من اقتصاره في المقام على شيء واحد. قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تكررت كثيراً، وقال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾، وقال: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾، وقال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾؛ كل هذا الكلام جاء على محمل التوكيد.

ثم قال تعالى: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾. قال ابن عباس كما ذكرت لكم: قالت قريش للنبي ﷺ: نحن نعطيك من المال ما تكون به أغنى رجل بمكة، ونزوجك من شئت، ونطأ لك عقبة كي نمشي خلفك وتكف عن شتم آلهتنا، فإن لم تفعل فنحن نعرض عليك خصلة واحدة: هي أن تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة؛ فنزلت هذه السورة، فكان التكرار في ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ لأن القوم كرروا عليه ما قال لهم مرة بعد مرة، والله أعلم.

وقيل إنما كرر بمعنى التغليظ. وقيل: أي لا أعبد الساعة ما تعبدون، أي لا أعبد الآن ما تعبدون، ولا أنتم عابدون الآن ما أعبد، ثم قال: ولا أنا عابد في المستقبل ما عبدتم، ولا أنتم في المستقبل عابدون ما أعبد؛ قاله الأخفش والمبرد.

وقيل إنهم كانوا يعبدون الأوثان، فإذا ملوا وثناً وسئموا العبادة له رفضوه، ثم أخذوا وثناً غيره بشهوة نفوسهم، فإذا مروا بحجارة تعجبهم ألقوا هذه ورفعوا تلك، فعظموها ونصبوها آلهة يعبدونها. فأمر عليه السلام أن يقول لهم: لا أعبد ما تعبدون اليوم من هذه الآلهة التي بين أيديكم، أما قوله: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، ثم قال: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، وإنما تعبدون الوثن الذي اتخذتموه وهو عندكم الآن، ولا أنا عابد ما عبدتم، أي بالأمس من الآلهة التي رفضتموها وأقبلتم على هذه، ولا أنتم عابدون ما أعبد فإني أعبد إلهي.

وقيل إن قولي ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ و﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ في الاستقبال كما قلت لكم، و﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ على نفي العبادة منه لما عبدوا في الماضي. وأيضاً قيل: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ على تكرير في اللفظ دون المعنى؛ من قبل أن التقابل يوجب أن يكون ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا عَبَدْتُمْ﴾، فعدل عن لفظ "عبدت" إلى "أعبد" إشعاراً بأن ما عُبد في الماضي هو الذي يُعبد في المستقبل، مع أن الماضي والمستقبل قد يقع أحدهما موقع الآخر، وأكثر ما يأتي ذلك في أخبار الله عز وجل.

وقيل إن معنى الآيات وتقديرها: قل يا أيها الكافرون لا أعبد الأصنام التي تعبدونها، ولا أنتم عابدون الله عز وجل الذي أعبده بإشراككم به واتخاذكم الأصنام، فإن زعمتم أنكم تعبدونه فأنتم كاذبون لأنكم تعبدونه مشركين. فـ «ما» هنا مصدرية، فمعنى: ﴿فَأَنَا لَا أَعْبُدُ مَا عَبَدْتُمْ﴾ أي مثل عبادتكم. وكذلك ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ مصدرية أيضاً، معناها: ولا أنتم عابدون مثل عبادتي التي هي التوحيد.

أما قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ ففيها معنى التهديد، وهو كقوله: لنا أعمالنا ولكم أعمالكم؛ هل رضيتم بدينكم؟ فقد رضينا بديننا. ومعنى: ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ أي جزاء ديني، ﴿وَلَكُمْ دِينِ﴾ أي جزاء دينكم. وسمي دينهم ديناً لأنهم اعتقدوه وتولوه، وقيل المعنى: لكم جزاؤكم ولي جزائي؛ لأن الدين هو الجزاء.

هذا يعني شيء من التفصيل حول تفسير هذه السورة وبيان معانيها؛ ففيها الحديث عن نفي الواقع وهو عبادة غير الله، وهم أن يعبدوا الله، وفيها في الآيتين الأخيرتين نفي المستقبل، أي لا يمكن في أن أعبد آلهتكم، ولا يمكن في المستقبل أن تعبدوا إلهي جل جلاله. طبعاً فائدة موجودة في تسمية السورة، يعني ورد فقط اختلاف في بعض الألفاظ؛ هي وردت "سورة الكافرون" بإضافة "سورة" يعني إلى "الكافرون".

وقع في الكشاف وتفسير ابن عطية وحرز الأماني أن صورة الكافرين هكذا بالياء، ليست سورة الكافرون. ورد هذا وقيل إن من تسمية سورة الكافرون سورة الإخلاص، سيكون هذان الاسمان مشتركين بينها وبين سورة قل هو الله أحد. وقد ذكر في سورة براءة أن سورة براءة تسمى المقشقشة لأنها تقشقش أي تبرئ من النفاق، فيكون هذا مشتركًا، لذلك سميت سورة الصمد وسورة الكافرون بالمقشقشتين؛ لأنها تقشقش الكفر وأهله، وهي مكية بالاتفاق كما حكاها ابن عطية وابن كثير، وعدت الثامنة عشرة في عداد نزول السور، هذا بالنسبة لفوائد متناثرة حول تسميتها.

أما فائدة في افتتاح هذه السورة بقوله تعالى: ﴿قُلْ﴾، فقد قال الطاهر بن عاشور: وذلك للاهتمام بما بعد القول؛ بأنه كلام يراد إبلاغه إلى الناس بوجه خاص، منصوص فيه على أنه مرسل بقول بليغ يبلغه، وإلا فإن القرآن كله مأمور بإبلاغه صلى الله عليه وسلم. والنداء موجه للأربعة الذين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: «فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد» كما في خبر سبب النزول، وذلك الذي يقتضيه قوله: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ كما سيأتي.

وابتدأ خطابهم بالنداء لإبلاغهم؛ لأن النداء يستدعي إقبال أذهانهم على ما سيلقى عليهم، ونودوا بوصف الكافرين تحقيرًا لهم وتأييدًا لوجه التبرأ منهم، وإيذانًا بأنه لا يخشاهم إذا ناداهم بما يكرهون مما يثير غضبهم؛ لأن الله كفاه إياهم وعصمه من أذاهم عليه الصلاة والسلام. ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ إخبار عن نفسه بما حصل منها، والمعنى: لا تحصلوا مني عبادتي ما تعبدون في أزمنة في المستقبل تحقيقًا. ولذلك جاء في جانب نفي عبادتهم لله بنفي اسم الفاعل، وهذا ما سنفصله بإذن الله بعد هذا الفاصل.

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِ لَهُنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾. الحجاب شعار المؤمنات وزي العفيفات الطاهرات، وتحميم الفتاة في ارتدائه سهل يسير، لكنه يحتاج إلى بضع خطوات؛ منها أن يبدأ الوالدان مع ابنتهما في التزام الحجاب بالتدرج منذ الصغر، فقد تتشكل لديها مع الوقت قناعات خاطئة تصعب معالجتها.

أن يغرسا في ابنتهما نبتة المراقبة والخشية، ويرسخا في ذهنها أن الله يرضى عن المرأة العفيفة المحتاجة المطيعة لأوامره. أن يظهرا إعجابهما بالحجاب، وذلك بالحديث عنه كثيرًا أمامها مع ذكر صفاته ومحاسنه. الحرص على أن تصاحب الابنة الفتيات الصالحات المحجبات، فالصحبة الصالحة لها أكبر الأثر في السلوك والأخلاق. أن يمنح الوالد الأم فرصة اصطحاب ابنتها لدروس العلم وحلقات القرآن، إذ يجب أن تكون محجبة أثناء ذلك، مما يعودها ارتداء الحجاب. استخدام الهدية والمكافأة التشجيعية، وإعلام الفتاة أن المكافأة الكبرى إنما هي في تحصيل مرضات الله تعالى.

حياكم الله من جديد، وصلنا إلى قول الطاهر بن عاشور: ولذلك جاء في جانب نفي عبادتهم لله بنفي اسم الفاعل الذي هو حقيقة في الحال بقوله: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ﴾، أي ما أنتم بمغيب إشراككم الآن؛ لأنهم عرضوا عليه أن يبتدئوا هم فيعبدوا الرب الذي يعبده النبي صلى الله عليه وسلم. وبهذا تعلم وجه المخالفة بين نظم الجملتين في أسلوب الاستعمال البليغ، وهذا إخباره إياهم بأنه يعلم أنهم غير فاعلين ذلك من الآن بأنباء الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك، فكان قوله هذا من دلائل نبوته، نظير قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا﴾، فإن أولئك النفر الأربعة لم يسلم منهم أحد، ماتوا على شركهم، نسأل الله السلامة.

أما قوله: ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ﴾ عطف على ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، عطف الجملة على الجملة لمناسبة نفي أن يعبدوا الله، فأردف بنفي أن يعبدهم هو، أي أن يعبد هو صلى الله عليه وسلم آلهتهم. وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ تذليل وفذلكة؛ أي لذلك للكلام السابق بما فيه من التأكيدات. وقد أرسل هذا الكلام إرسال المثل، ووقعت فائدة مذكورة في تفسير الفخر الرازي وهو التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب؛ قال: جرت عادة الناس بأن يتمثلوا بهذه الآية عند المشاركة، يتركون بعضهم، وذلك غير جائز، يعني يقول إذا أراد أن يترك صاحبه: «صديقًا، لكم دينكم ولي دين»، هذه في المشاركة وذلك غير جائز.

يقول الإمام الرازي: لأنه تعالى ما أنزل القرآن ليتمثل به بل ليتدبر فيه ثم يعمل بموجبه، انتهى كلامه. لكن هذا الكلام مردود عليه كما قال الطاهر بن عاشور، وهذا كلام غير محرر؛ لأن التمثيل به لا ينافي العمل بموجبه، وما التمثل به إلا من تمام بلاغته واستعداد للعمل به. وهذا المقدار من التفسير تركه الفخر، المسودة والدين كما تعلمون، العقيدة والملة، وهو معلومات وعقائد يعتقدها المرء فتجري أعماله على مقتضاها؛ فلذلك سمي دينًا، لأن أصل معنى الدين المعاملة والجزاء، لكن هذا الموضوع نختمه في درسنا هذا بهذه الفائدة.

هناك أمثلة في القرآن، أمثال القرآن تكلم عنها علماء القرآن كثيرًا؛ هل يجوز التمثل بألفاظ القرآن كأمثال أم لا يجوز؟ وتعلمون الأمثال في القرآن كامنة وصريحة. والأمثال في القرآن خلاصة القول فيها أنه لا بأس بالتمثل بألفاظ القرآن إن كانت على سبيل الجد ومطابقة الحال، أما إن كانت على سبيل الاستخفاف والاستهزاء والضحك والسخرية فإنه لا يجوز.

مثلاً هذه الآية: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾، هل يجوز التمثل بها أم لا يجوز؟ إذا كانت في حوار مع مبتدع أو مع كافر أو ضال فقلت له على سبيل المثل: «لكم دينكم ولي دين»، فهذا من الشيء الجائز، ولكن لو كنت تمازح رفيقًا أو صديقًا أردت أن تسخر أو أن تستهزئ به فاستعملت هذه الآية على سبيل السخرية والاستهزاء فهذا لا يجوز ولا يليق بالقرآن وأمثاله. لذلك من أراد التفصيل في هذا فهو موجود في كتب علوم القرآن، سواء في كتب علوم القرآن المعاصرة مثل مباحث في علوم القرآن، أو البرهان في علوم القرآن للزركشي، ومن الكتب القديمة كالإتقان للسيوطي أو في غيرها من كتب علوم القرآن؛ تحدثوا عن أمثال القرآن وأقسام القرآن وهكذا.

لكن خلاصة القول أن القرآن فيه أمثال كثيرة ذكرها الله عز وجل، وممكن أن تذكر على سبيل الجد والاحترام والوقار. وهذا يذكرنا أيضًا بشيء مهم، أن بعض الناس يذكر قصصًا ظريفة يستظرف بها من بعض آيات القرآن الكريم، وأنا لا أريد أن أذكرها حتى لا أقع فيها كالذي فر من القيد وفي القيد وقع، ولكن أقول لكم إن هذه القصص المستظرفة والمصبوغة بآيات القرآن الكريم قد تؤدي إلى بعد التدبر، وإلى الضحك من القرآن، خصوصًا إذا كان الإنسان إمامًا بالناس في الصلاة فمرت عليه بعض هذه الآيات ثم تذكر القصة.

فإنه حينئذ قد يضحك في صلاته أو ينصرف، المعنى العظيم الجليل الذي ذكره الله في القرآن الكريم إلى المعنى السخيف الذي لا يليق بالقرآن. لذلك يا أيها الإخوة، يا أيها الأخوات، نصوص القرآن معظمة تؤخذ على سبيل الجد.

وهو كتاب هداية، ليس كتابًا متخصصًا في الأمثال لكن فيه أمثال، وليس متخصصًا في الإعجاز العلمي لكن فيه إعجاز علمي، وليس متخصصًا في علوم الفلك وعلوم العدد لكنه أيضًا يدل على هذا، لكن هو في الأصل كتاب هداية. بعض الناس للأسف، خصوصًا بعض المعاصرين، انحرفوا من كون القرآن كتاب هداية إلى كتاب إعجاز عددي أو رقمي أو ما إلى ذلك.

قد توافق الأعداد والأرقام مثلا بعض القرآن وما يسمى بالتفسير العددي، قد توافق لكن هذا يكون على سبيل الاستئناس وليس على سبيل الاعتماد، وإلا هذا يجعل الناس تتكلف وتبحث عن أعداد وأرقام وتحسب وتجمع وتضرب حتى توافق الآية، ولو جاء ما يخالفها أصبح الخلل -نعوذ بالله- في القرآن.

لذلك القرآن كتاب محكم، ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: 42]. نعتبره كتاب هداية وكتاب دعوة كما وصفه الله عز وجل: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]، ووصفه بكلمة واحدة: بلاغ. وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، والله يعصمك من الناس». فهو كتاب دعوة وكتاب هداية.

لا يليق بنا إرجاع آياته إلى قصص ظريفة أو سخيفة أو أرقام معينة كأنه كتاب رياضيات، بل علينا أن نرتفع بهذا القرآن والناس به إلى القدر الذي جعله الله فيه، وهو العظمة والكرامة والعزة. أسأل الله عز وجل أن يفقهنا وإياكم في الدين، وأن يجعل القرآن في حياتنا وهدايتنا وسلوكنا، وأن يوفقنا وإياكم لكل خير.

اللهم اجعل اجتماعنا هذا محفوفًا بالرحمة، وتفرقنا من بعده معصومًا، ولا تجعل فينا ولا منا شقيًا ولا محرومًا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. يا راغبات في كل علم نافع، متطلعات لزيادة الإيمان، وتريدن سهلاً.