دخولتسجيل الدخول

يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه طور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد تصفو بالعلم كالأزهار في البستان. الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، الهادي إلى الصراط المستقيم، وصلى الله وسلم على خير البرية ومنجي البشرية، خليل الرحمن وصفيه.

أعزائي المشاهدين والمشاهدات، طلاب أكاديمية زاد المستوى الرابع، حياكم الله بتحية الإسلام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. موعدنا اليوم مع سورة من أعظم سور القرآن، ألا وهي سورة الصمد، أو سورة الإخلاص، أو سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. هذه السورة سورة مكية، قال الله عز وجل فيها: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.

سبب نزول هذه السورة عن أبي بن كعب رضي الله عنه، أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انسب لنا ربك، فأنزل الله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد والترمذي وحسنه الألباني.

أما الإخلاص، وهو اسم هذه السورة، فمعناه التمخض وعدم الخلط بمغاير، وسميت هذه السورة بالإخلاص لأن فيها توحيد الله، أي إفراده سبحانه وتعالى بألوهيته. أما فضل هذه السورة، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟»، فشق ذلك عليهم وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله؟ فقال: «قل هو الله أحد ثلث القرآن». أخرجه البخاري، أي أن هذه السورة تعدل ثلث القرآن. ومن قرأها ثلاث مرات فكأنما قرأ القرآن كله.

وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الوتر: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وهذا الحديث أخرجه النسائي وصححه الألباني رحمهما الله. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب بضعًا وعشرين مرة أو بضع عشرة مرة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. قرأ في الركعتين قبل الفجر، أي نافلة الفجر، والركعتين بعد المغرب، أي نافلة المغرب.

فهذه السورة لها هذه الفضائل التي سمعتم، تعدل ثلث القرآن، وكان ﷺ يكثر من قراءتها. وروي أن رجلًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر قراءة السورة حتى شكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: علام تكثر قراءتها؟ فقال: إني أحبها يا رسول الله، فيها نسب الرحمن. فقال له صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحبك بحبك إياها». فهكذا كان هذا الصحابي رضي الله عنه يكثر من هذه السورة لحبه إياها، فأحبه الله عز وجل.

أما معاني آيات هذه السورة، فإن الله عز وجل قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وبالمناسبة، يقول العلماء إن تكرار "قل" في هذه السورة، أو في سورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، أو في سورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، أو في سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، أو في ألفاظ "قل" المتناثرة في القرآن، دل هذا على شدة أمانة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن الله حتى لما قال له "قل" ذكرها حتى لا يخفي شيئًا من الوحي، وإلا فإن المعروف عند الناس أنه إذا قيل لأحدهم "قل" أن يبدأ بالقول مباشرة، ولكن في الوحي عاد النبي صلى الله عليه وسلم ما قال الله له، فهذا من إعجاز القرآن؛ لذلك لا يصح القراءة بدون أن نقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، وهكذا.

فأما قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، هو الواحد الأحد جل جلاله، الذي لا نظير له، ولا وزير، ولا ند، ولا شبيه، ولا عديل، وهو الله المتفرد بالكمال والجمال. أحد، واحد، فرد، صمد سبحانه وتعالى. أما قوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، الذي يصمد ويتوجه إليه الخلائق في حوائجهم ومسائلهم؛ السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، وهو الصمد الذي لا جوف له فلا يأكل ولا يشرب. فمعنى الصمد الذي تصمد إليه الخلائق، تحتاج إليه الخلائق ولا يحتاج هو جل جلاله لأحد من خلقه.

لذلك قال بعض علماء التفسير إن صفة الصمد هذه تصلح مع كل صفة من صفات الله تعالى؛ فيقال مثلاً: العزيز الصمد، أي العزيز الذي لا يحتاج لأحد أن يعزه. الغني الصمد، الغني الذي لا يحتاج لأحد أن يغنيه. القوي الصمد، القوي الذي لا يحتاج لأحد أن يقويه، وهكذا في صفات الله. الرحمن الصمد، الذي يرحم ولا يحتاج لأحد أن يرحمه معه. إذاً تصلح صفة الصمد أن تأتي مع كل صفة من صفات الله سبحانه وتعالى، فالخلق محتاجون إليه ويصمدون إليه، وهو غير محتاج إلى أحد جل جلاله.

أما قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾؛ لأن مشركي العرب قالوا الملائكة بنات الله -نعوذ بالله-، وقالت اليهود عُزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله، فأكذبهم الله عز وجل بهذه الآية ونفى عن ذاته الولادة والمثل. فقال: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾، لم يكن له ولد سبحانه وتعالى، ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ أي لم يكن هو مولودًا لأحد، أي أن له أبا جل جلاله وحاشاه أن يكون ذلك. ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ أي ولم يلد غيره، والآية بمنزلة الاحتراس منعًا لاحتمال أن يكون له والد جل جلاله، فهو ليس بوالد وليس له والد. هذا معنى ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾.

﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، ومعناها أنه مالك كل شيء وخالقه، فكيف يكون له من خلقه نظير يساويه أو قريب يدانيه تعالى وتقدس وتنزه؟ إذن هذا هو المعنى الإجمالي لآيات هذه السورة العظيمة.

بهذه السورة فوائد عظيمة، منها وجوب تنزيه الله تعالى عن الصاحبة، أي الزوجة والولد؛ قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: 88-95]. هذه الآية من تفسير القرآن بالقرآن على موضوع أن الله جل جلاله ليس بمولود وليس بوالد سبحانه وتعالى، بل هو الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.

بإذن الله بعد الفاصل. «اقرأ»، إنها أول كلمة نزلت من القرآن الكريم على قلب النبي الأمين صلى الله عليه وسلم. إن الأمم القارئة هي الأمم القائدة؛ لأن القراءة والمعرفة تطرد الجهل والتخلف والخرافة. وقد بلغ حب العلماء...

هائل القراءة مبلغا عظيما. قيل لأحدهم عند موته: ما تشتهي؟ قال: النظرة في حواشي الكتب. وقد أظهرت بعض الدراسات أن حوالي سبعين بالمئة من معلومات الإنسان يحصل عليها عن طريق القراءة، ويتعلم الباقي بالاستماع والتجربة وغير ذلك.

ولكي تكون قراءتك واعية فابدأ بالمرحلة التأسيسية، حيث تنتقي كتب أهل السنة التي تضمن بها سلامة العقيدة، وإذا قابلتك مصطلحات غامضة فاسأل عنها العلماء. ولدفع النفور من القراءة، ابدأ بالكتب السهلة قبل الصعبة، وبالمختصرات قبل المطولات. ولدفع الملل، استرح وارح عينيك وتحرك بين الحين والآخر، ويمكن إذا مللت من كتاب أن تقرأ في غيره. ولدفع شرود الذهن، عليك بالصبر والمجاهدة والبعد عن المؤثرات الخارجية، واستخدم الترقيم والتلوين لتمييز العبارات المهمة، واكتب الحواشي والتعليقات، ولخص الكتاب واستفد بما تقرأ، لتكون ممن قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 18].

حياكم الله من جديد، نستأنف بإذن الله وإياكم بعض فوائد هذه السورة. عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: «كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك»، وأما شتمه -أي- فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. أخرجه البخاري رحمه الله. ما أعظم هذا الحديث! حين يتكلم الله عز وجل بهذا الحديث القدسي عن جلاله وعن ذاته وعن حقيقته سبحانه وتعالى.

وأيضا من الفوائد في هذه السورة؛ قد يسأل سائل: لماذا قدم الله جل جلاله الولد عن الوالد؟ أي نفي أن يكون لله ولد قبل نفي أن يكون له والد جل جلاله. قال العلماء: تقديم ذلك لأنه أهم، فقد نسب أهل الضلالة الولد إلى الله تعالى ولم ينسبوا إلى الله والدا، فكان الرد عليهم ابتداء. وفيه فائدة أخرى، وهي الإيماء إلى أن من يكون مولودا، مثل عيسى عليه السلام، لا يمكن أن يكون إلها ما دام أنه مولود، فهو ليس بإله.

لذلك لما أراد أحد تلامذة الإمام أحمد دليلا منطقيا من الإمام أحمد رحمه الله على أن القرآن غير مخلوق -دليل منطقي، ولا الأدلة الشرعية والنقلية كثيرة- لكنه أراد دليلا كلاميا على طريقة أهل الكلام؛ فقال له الإمام أحمد: يا بني، هل أنت مخلوق؟ قال: نعم. قال: إذا فكلامك مخلوق. ثم سأله: هل الله مخلوق يا بني؟ قال: لا. قال: إذا فهو غير مخلوق وكلامه غير مخلوق جل جلاله. فهذا دليل منطقي أو كلامي أراده تلميذ الإمام أحمد؛ فالمخلوق لا يكون إلها، والمخلوق كلامه مخلوق، والخالق كلامه غير مخلوق جل جلاله، إنما هو منزل كما هو في عقيدة أهل السنة والجماعة خلافا لبعض الفرق الضالة.

قال ابن رشد في البيان والتحصيل: «أجمع العلماء على أن من قرأ قل هو الله أحد ثلاث مرات لا يساوي في الأجر من أحيا بالقرآن كله». وقال الشيخ ابن عثيمين: «أي تعدل ثلث القرآن، لكن لا تقوم مقام ثلث القرآن»، بدليل أن الإنسان لو كررها في الصلاة المفروضة ثلاث مرات لم تكفه عن الفاتحة. والمراد بكلام الشيخين هنا أنها لها في الأجر أجر القرآن كاملا، من قرأها ثلاث مرات لها أجر مثل من قرأ القرآن كاملا، لكنها لا تجزئ ولا تعدل القرآن كاملا.

مثل فضيلة الجلوس بعد صلاة الفجر إلى الإشراق، ورد في الحديث أنها من فعلها فكأنما حج مع النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية: «أو كأنما له عمرة وحجة». فمن فعل هذا بعد الفجر، هل يجزئه ذلك عن الحج أو العمرة؟ لا يجزئه، ولكن المراد في الأجر والمقام ليس في ذات الأجزاء، هذا ما أراده الشيخ، ليس تزهيدا في فضل قل هو الله أحد، ولكن المقصود أنها لها مثل الأجر ولكنها لا تجزئ عن حقيقة الفعل.

وأيضا من الفوائد أن رهبان النصارى، حتى في هذا الزمان، يستعيبون أن يتزوج الراهب أو تتزوج الراهبة، يقولون إن هذا عيب ولا يصلح، ويزعمون أن عيسى عليه السلام لم يتزوج، فمن باب التبرئة والرفعة يقولون هكذا لا يصلح للراهب أن يتزوج بل هو أمر معيب. فنقول لهم: سبحان الله! هذا العيب الذي تنزهون عنه الراهب والراهبة والمسيح عيسى عليه السلام، كيف لا تنزهون عنه الله وهو الإله الذي تقرون به سواء إقراركم الداخلي أو إقراركم بأنه الإله؟ تعالى الله عن ذلك. فإذا كان عيبا أن يتزوج الراهب والراهبة والمسيح، لماذا لا يكون عيبا عندكم أن يتزوج الله مريم ويأتي منها بعيسى عليه السلام؟

إذن المقرر في عقيدة أهل السنة والجماعة، في التوراة والإنجيل قبل التحريف، أن الله لم يلد ولم يولد، فليس له ولد. بل هذا القول من القول العظيم سبحانه؛ ما كان له ولد كما قال الله عز وجل في آيات أخرى، فهو ليس له ولد وليس بوالد سبحانه وتعالى، وليس له والد جل جلاله. إذن هذا هو المقرر في الدين الصحيح؛ دين الإسلام والنصرانية واليهودية قبل تحريفها: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4].

فهو سبحانه وتعالى صاحب القدرة المطلقة، لذلك ذكر الله عز وجل كما أنه قادر، ذكر بعض العلماء، كما أنه قادر على أن يخلق مخلوقا من غير أب وهو عيسى عليه السلام، ويخلق مخلوقا من غير أب وأم وهو آدم عليه السلام، ويخلق مخلوقا من أب وغير أم وهي حواء عليها السلام، ويخلق سائر الخلق من أب وأم، فهو صاحب القدرة المطلقة جل جلاله.

لذلك ذكر العلماء المهتمون بالتفسير الموضوعي في موضوع القدرة، أن الله عز وجل ذكر قدرته في القرآن على ثلاثة أصناف: فذكر قدرته مع الأسباب، وقدرته بدون أسباب، وقدرته ضد الأسباب جل شأنه. فمثلا من قدرته مع الأسباب قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: 63-64]. المزارع يضع البذرة الجافة اليابسة في الأرض ثم يأتي بالماء، لكن من الذي أخرج الحي من الميت حقيقة؟ من هو؟ إنه الله جل جلاله.

ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة: 65-66]. جعل الله الزواج هو أن يأتي الرجل زوجته سببا في الولادة، ولكن الحقيقة من الذي يخلق هذا المخلوق من هذه النطفة المهينة؟ كيف جعل الله من خلال هذه النطفة العظام واللحم والعصب والعيون والسمع؟ لذلك قال الله: ﴿ثُمَّ إِن شِئْنَا لَخَلَقْنَا مِثْلَكُمْ وَلَٰكُمْ﴾ ثم قال: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [الواقعة: 67-68]. فهذه قدرته مع الأسباب، وأيضا الأمثلة الباقية: أفرأيتم الماء الذي تشربه...

أأنتم أنزلتموه من المزن؟ أم نحن المنزلون؟ أنت تشرب، لكن من الذي أنزل هذا الماء الحقيقي؟ وقد تبحث عنه في جوف الأرض، لكن من الحقيقي؟ الإله جل جلاله الذي أنزل هذا الماء وجعلك تشرب منه. أفرأيتم النار التي تورون؟ قديما كانوا يضربون حجر بحجر فتخرج هذه النار؛ السبب أن تضرب الحجر بالحجر، ولكن من الذي أخرج ذات النار؟ اليوم الناس يفعلون هذا بالأقداد، فمن الذي يخرج حقيقة النار التي تورون؟ أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون؟

إذن هذه قدرته مع الأسباب. العبد يفعل السبب ومسبب الأسباب هو الذي يأتي بالنتيجة، والله أمرنا أن نفعل بالأسباب ليس لأنها مؤثرة بذاتها، ولكن لأن الله عز وجل جعل فيها تأثيرا، إن أراد أبقاه وإن أراد سلبه جل جلاله. لذلك جعل الله الدواء سببا للشفاء، ولكن هناك من يأخذ ذات الدواء لذات المرض؛ فرجل يشفى ورجل لا يشفى. إذا، الله عز وجل أمرنا بالسبب فنعمل السبب لأن الله أمرنا به.

كما قال ابن تيمية رحمه الله في التدميرية: «الأخذ بالأسباب دون توكل خرق في الإيمان، والأخذ بالتوكل دون أخذ بالأسباب خرق في العقل».

ونستأنف بإذن الله بعد هذا الفاصل. قد وصل بي الحال إلى الغفلة عن الطاعة والتكاسل في أدائها، وكأني لا أشتاق إلى جنة ولا أرهب نارا، ولا أخشى أن يتخطفني الموت في أي لحظة ولا أدري ماذا أفعل. كانت هذه رسالة من شاب أصيب بضعف الإيمان نتيجة تكاسله في طاعة ربه وغفلته عنها، ورأى من نفسه كثرة الوقوع في المعاصي، والتدرج إلى معاص جديدة، والتهاون في أداء الصلوات والتكاسل عن الطاعات، وقلة ذكر الله ودعائه، وعدم التأثر بآيات القرآن، وعدم ذكر الموت أو التأثر به.

كل هذه أعراض لها أسباب، منها: التواجد في وسط تكثر فيه الغفلة وارتكاب المعاصي، التسويف وطول الأمل، شدة التعلق بالدنيا والغفلة عن الآخرة وحسابها، الإفراط في المباحات والإكثار من الكماليات والمرفهات. فمن أراد النجاة والفلاح فلينفض عن نفسه غبار التكاسل والتهاون والتسويف، وليبتعد عن أهل الغفلة والسوء والهوى، وليلتزم طاعة ربه ومرضاته وذكره ودعاءه، وليحرص على صحبة صالحة تذكره إذا نسي وتعينه عند الفتور والكسل؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَالْعَاصِبِينَ بِأَيْدِيهِمْ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، ﴿وَلَا تُعْرِضْ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾.

حياكم الله من جديد. إذا أخذنا النوع الأول من أنواع قدرته جل جلاله في القرآن، وهي قدرته مع الأسباب؛ سنفعل الأسباب لأن الله أمرنا أن نفعلها، ولكن اليقين على مسبب الأسباب: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾. إذا هو الشافي، ليس الدواء، ولكن الله جعل في الدواء تأثيرا وشفاء لمن أراد جل جلاله أن يشفى.

أيضا الأخذ بالأسباب اختبار للقلب، هل القلب في طلبه حصول النتيجة منقسم؟ هو من قسم بين الأخذ بالأسباب وبين التوكل على الله. لذلك حين سأل النبي ﷺ الأعرابي عن ناقته قال: «قالت توكلت»، قال: «اعقلها وتوكل». فهذا الدليل يستشهد به كثير من الناس على الأخذ بالأسباب وينسوا أيضا أنه دليل على التوكل كذلك. السؤال الذي يتوجه إلى هذا الأعرابي: هل حين ربطت ناقتك اطمأننت في بقائها على ربطك وحبلك أم على حفظ الله؟ لو لم يكن هناك سبب لنجح كل الناس في الاختبار، ولكن الله جعل السبب ليبتلي العبد: هل يقينه على الله مسبب الأسباب أم يقينه على هذا السبب؟ لذلك نفعلها ويقيننا على الله جل جلاله؛ نستشفي ونتداوى لكن يقيننا بأن الله الشافي، نعمل ونتوظف ويقيننا بأن الله الرازق، وهكذا في سائر أعمالنا وفي شؤون حياتنا.

أما النوع الثاني من أنواع القدرة فهو قدرة الله جل جلاله من غير أسباب، والأمثلة الكثيرة منها أن الله عز وجل لما نذرت امرأة عمران أن يكون المولود الذي في بطنها متعبدا في محراب بيت المقدس، فقالت: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. يعني يا رب إني نذرت لك هذا المولود الذي في بطني ليس له هم ولا شيء في الدنيا إلا عبادتك في محراب بيت المقدس. فوضعتها أنثى، قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.

وبالمناسبة هذا هو تحصين المولود في الإسلام؛ هذا الدعاء البسيط. كثير من الناس يا إخواني يركزون على أحاديث التحصين فقط، وهذا شيء جميل، ولكن القرآن مليء بالأدعية ومليء بالتحصينات، لذلك هذه منها: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، فلما وضعتها قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾، هنا التحصين: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. يعني هذا ليس تحصين جيل واحد، بل تحصين جميع الأجيال إلى قيام الساعة: ﴿وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.

النتيجة: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾. لم يكفلها رجل عادي، كفلها نبي من الأنبياء، كفلها زكريا. كلما دخل عليها زكريا المحراب، محراب بيت المقدس، وجد عندها رزقا. قال ابن كثير: كان يجد عندها فاكهة الصيف في فصل الشتاء وفاكهة الشتاء في فصل الصيف، وهذا من إعجاز الله. ويتعجب زكريا عليه السلام فيقول لها: «يا مريم أنى لك هذا؟» يعني من أين لك هذا؟ ومتى جاءك هذا؟ فتقول: ﴿هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.

قال أهل بلاغة التفسير: لو قالت «هو من الله» لاحتمل أن يكون الرزق بسبب أو من غير سبب، ولكنها قالت «هو من عند»، كلمة «عند» هذه أفادت أن هذا الرزق من خزائن الله الخاصة؛ لذلك قالت: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي بغير سبب. لذلك قال ابن كثير: كان يجد عندها فاكهة الصيف في فصل الشتاء وفاكهة الشتاء في فصل الصيف، وهذا من إعجاز الله سبحانه وتعالى.

إذن هذه قدرته جل جلاله من غير أسباب. كيف رزق مريم بالطعام من غير سبب مع أنه جعل زكريا سبب طعامها؟ ولكن الله أراد أن يري زكريا عظمته وقدرته في أنه يرزق ولا يحتاج لأحد من خلقه. هنالك لما رأى زكريا هذا الفعل، أراد أن يأتي له ولد لأنه رجل طاعن في السن وامرأته عقيم، فأراد ما دام أن الله لم يعترف هنا بهذه الأسباب فإنه يستطيع أن يرزق من غير أسباب، فرأى أنه بحاجة للولد. لذلك قال الله عز وجل هناك في تلك اللحظة، دعا زكريا ربه: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾. وأيضا هذا دعاء قصير جدا، ليس فيه طول ولا يحتاج إلى طول، لكنه من قلب صادق: «رب هب لي من لدنك ذرية طيبة، إنك سميع الدعاء». فنادته...

ملائكة وهو قائم يصلي في المحراب، لم يذهب لزوجته، بعد أن الله يبشرك بيحيى، وليس يحيى فقط بل بمواصفات عليه الصلاة والسلام؛ مصدقًا بكلمة من الله، وسيدًا لأهله وعشيرته، وحصورًا أيضًا، معصومًا من الفواحش والقاذورات، ونبيًا من الصالحين. بهذه الصفات الأربع، وفي سورة مريم صفات سبع عشرة صفة بسبب الدعاء البسيط الذي هو: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران: 38].

أما صفاته في سورة مريم فقال الله عنه: ﴿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: 12]، كان جادًا في دينه. ﴿وآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: 12]، فهو نبي صبي، قيل إنه أوتي النبوة على سبع عشرة سنة؛ النبي الصبي يحيى: ﴿خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً ۖ وَكَانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا * وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: 12-15]. إذا هذه قدرته جل جلاله من غير أسباب، فهو القادر المطلق سبحانه وتعالى.

أما النوع الثالث من أنواع قدرته سبحانه، فهو قدرته ضد الأسباب أصلًا. النار سبب للحرق، لكن لما أُلقي فيها إبراهيم أصبحت سببًا للنعيم؛ لذلك قال الله فيها: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69]. قال العلماء إن الله لو أنه لم يقل سلامًا لتجمد إبراهيم من شدة برودة النار، ولكن الله قال: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾. وروي في بعض الآثار أن إبراهيم سُئل: أي أيامك أجمل؟ قال: حين كنت في النار كانت بردًا وسلامًا.

النار سبب للإحراق لكن الله جعلها سببًا للنجاة، وكذلك موسى حين أقبل على البحر، يقول له أتباعه: ﴿كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62]، يقولون: "كلا إنا لمدركون". فالبحر أصلًا سبب للإغراق، لكن الله جعله سببًا للنجاة حين انفلق، فأصبح كل فرق كالطود العظيم، وأصبح أرض وادي جاف ليس فيه حياة ولا شيء، مع أنه قبل قليل كان يزخر بالماء والحوت والسمك.

ولكن الله جل جلاله جعله واديًا في لحظة ما بين طرفة عين وانتباهتها، يبدل الله من حال إلى حال. فالنار سبب للإحراق جعل الله ضده النعيم، والبحر سبب للإغراق جعل الله ضده النجاة، فهكذا قدرة الله مع الأسباب هو غني عنها، وبدون أسباب وضد الأسباب. رزقك الله وإياكم اليقين بالله وبصفاته وقدرته.

وأسأل الله عز وجل في نهاية هذا الدرس أن يجعل اجتماعنا وإياكم مرحومًا، وتفرقنا من بعده معصومًا، وأن لا يجعل فينا ولا منا شقيًا ولا محرومًا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يا راغبًا في كل علم نافع، متطلعًا لزيادة الإيمان، وتريد سهلًا يأتيك ميسورًا بأي مكان.