دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 22 - تفسير سورة الفلق

سلطان العتيبيد. سلطان العتيبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي؛ أكاديمية زاد بالعلم كالأزهار في البستان. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

حياكم الله أعزائي المشاهدين والمشاهدات طلاب أكاديمية زاد في المستوى الرابع، إلى حلقة جديدة ودرس جديد على مائدة القرآن الكريم. نحييكم بتحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. موعدنا اليوم مع سورة الفلق، وهي سورة مكية، سورة التحصين.

ابتداها الله عز وجل بقوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 1-5].

فضل هذه السورة قبل أن ندلف لمعانيها؛ أخرج الإمام مسلم رحمه الله عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط؟ قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس». وفي هذا الحديث تشويق وتهييج على قراءة هاتين السورتين العظيمتين، وهي سورة الفلق وسورة الناس. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لم ير مثلهن قط»، كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بأدعية وأذكار حتى أنزلت هاتان السورتان، سورة الفلق وسورة الناس، فأخذهما وترك ما سواهما صلى الله عليه وسلم.

وعن عقبة بن عامر أيضا رضي الله عنه قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ بالمعوذات في دبر كل صلاة، أي بعد كل صلاة، أن أقرأ بالمعوذات، وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وصححه الألباني. وعنه أيضا رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث عظيم جدا إخواني وأخواتي: «ما سأل سائل بمثلهما»، أي المعوذات، «ولا استعاذ مستعيذ بمثلهما»، وهذا أيضا أخرجه النسائي وصححه الألباني.

وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وعن أبيها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات، أخرجه البخاري. وفي هذا خطأ يقع فيه كثير من الناس، أنهم يقرأون السور، يجمع يديه ثم يقرأ هذه الثلاث السور ثم ينفث فيها، والصواب أن النفث قبل القراءة كما فعل هنا النبي صلى الله عليه وسلم؛ يجمع يديه ثم نفث فيهما ثم يمسح ما استطاع من جسده.

فهذه الأحاديث التي سمعتم هي في فضل هذه السورة العظيمة، أما بيان معانيها فإن الله عز وجل ابتداها بقوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، والعوذ هو اللجوء والاعتصام بالله، والفلق هو الصبح، كقوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: 18]، وهذا من تفسير القرآن بالقرآن. إذا ما معنى الآية بهذا العموم؟ معناه أمر من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ به سبحانه. والمعنى: أعوذ بفالق الصبح منجاة من شرور مرور الليل، لأن الليل في الغالب هو أصل الشرور وأكثرها؛ فالإنسان لا يبصر فيه كثيرا كما يبصر في النهار. فأمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ به سبحانه، الإصباح جل جلاله، على أن يكفيه الله الشرور التي سنعدها بعد قليل بإذن الله. وهذا التعوذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ابتداء، ولأمته إلى قيام الساعة، فالأمر بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

ثم قال جل جلاله: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، أي من شر ما خلق في الدنيا والآخرة، وهذه من الألفاظ العامة الجميلة؛ أي من شر كل ذي شر كان في الدنيا أو في الآخرة. في الدنيا من الهوام وأهل الحسد والسباع والأمراض والسحر وغيره، وفي الآخرة من النار والعذاب والموار والخسران وغير ذلك من عذاب القبر وهكذا من سائر الشرور.

ثم قال بعد ذلك: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ﴾، والغاسق هو الليل إذا أقبل بظلمته، أو القمر إذا خسف واسود، والغسق الظلمة؛ أي من شر غاسق، من شر ظلمة الليل، سواء ظلمته هكذا أو ظلمته إذا غاب القمر، ولا تعارض لأن القمر علامة على الليل، قال تعالى: ﴿إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: 12] أي شدة ظلامه. وقد أخرج الإمام أحمد رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فأراني القمر حين طلع فقال: «تعوذي بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب»، أي إذا غاب. وقيل الوقوب الدخول، يعني الليل إذا دخل سواده في ضوء النهار. وخص الله أوقات الليل بالتعوذ كما ذكرنا لكم قبل قليل توقعا لحصول المكروه أكثر من النهار؛ الاستعاذة من شر ما خلق ومن شر ما يكون في الليل إذا اسود ظلامه واشتد.

ثم قال جل جلاله: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾، وهن الساحرات اللاتي ينفثن في عقد الخيط عند إرادة السحر. الساحرات وهنا ذكر الساحرات وليس خارج منها سحرة، لكن السحر في الكبيرات والعاجزات كان معروفا أكثر من الرجال، فكن أهل تخصص أكثر من الرجال، وإلا الاستعاذة ممن ينفث في العقد من الرجال ومن النساء، أجارنا الله وإياكم منهم، ومن شر كل ذي شر. لكن الله قال: ﴿النَّفَّاثَاتِ﴾، والفرق بين النفث والتفل: ما هو النفث؟ النفخ في العقد بلا ريق، والتفل: النفخ فيها بريق. فنستعيذ بالله من نفسهن ومن تفلهن.

﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾، هذا آخر شيء في آيات هذه السورة، أي نفس ابن آدم وعينه. فالحسد قد يكون نفسا وقد تكون عينا، فإنهم كانوا يحسدون النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ [القلم: 51]، أي يحسدونك بأبصارهم. كان المشركون يحسدون رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يحسد إبراهيم وآل إبراهيم.

ونستأنف بإذن الله بعد الفصل أنيق المنظر، طيب المخبر، مجالسته أنفع مجالسة، ومؤانسته أمتع مؤانسة؛ إنه كتاب من خلاله نجالس العلماء والصالحين. قيل لابن المبارك: ألا تجلس معنا؟ قال: «ما أجلس إلا مع الصحابة والتابعين»، يعني قراءة سيرهم. وقد كان العلماء مشغوفين بالكتب شراء وقراءة. قال ابن الجوزي...

ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتاباً لم أره فكأني وقعت على كنز، ولو قلت إني طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر. وطالب العلم لا تخلو مكتبته من الكتب الأساسية في شتى العلوم؛ ففي التفسير مثلاً تفسير السعدي وتفسير ابن كثير، وفي العقيدة كتاب التوحيد والطحاوية والواسطية مع بعض الشروح، وفي الحديث الكتب الستة مع أهم شروحها، وهكذا بقية العلوم.

وقبل الشراء استشر أهل الخبرة ليدلوك على أهم الكتب وأفضل الطبعات، لا سيما ما حققه العلماء الثقات كالالباني وبكر أبي زيد. واحرص على التنويع في شراء الكتب، ولا تقتصر على فن واحد أو فنين، واعتن بكتب النوازل الفقهية والعقدية، ولا تبخل بإعارة الكتاب، وحافظ عليه إن استعرته، ولا تستكثر ما تنفقه في شراء الكتب، وصدق من قال: تلك النفائس لو تباع بوزنها ... ذهباً لكان البائع المغبونا حيا

حياكم الله من جديد، نتكلم الآن بعض الفوائد حول هذه السورة؛ طبعاً هذه السورة توجيه من الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ابتداءً، وللمؤمنين من بعده جميعاً، للعيال بكنفه والليالي بحماه جل جلاله من كل مخوف خاف، وظاهر مجهول ومعلوم، فهو سبحانه وتعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

فالحل أيها الإخوة من كل شيء نخاف منه، أن نستعيذ بهاتين السورتين العظيمتين: سورة الفلق وسورة الناس، فإنهما مناجاة مع الله جل جلاله، واستجداء لرحمته وحفظه وأمنه وحراسته سبحانه وتعالى. الله عز وجل حين ذكر ﴿الْغَاسِقِ إِذَا وَقَبَ﴾ و﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ و﴿حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾؛ لأن البلاء كله في هذه الأحوال الثلاثة في الغالب يكون خفياً.

فالغاسق إذا وقب في الليل يكون خفياً عن الإنسان لأنه ضعيف البصر في الليل، والنفاثات في الغالب أن السحرة والساحرات يعملون أسحارهم في خفاء وبعد عن الناس، والحاسد في قلبه يخفي حسده عن الناس؛ فكل هذه الأعمال مخفية على البشر لكنها لا تخفى على الله سبحانه وتعالى، فهو الواقي الشافي الكافي المعافي من الظاهر والباطن جل جلاله.

إذاً ما هو الطريق للتخلص من هذه الشرور الثلاثة؟ أولاً: أن يعلق الإنسان قلبه بربه، يفوض أمره إليه، ويحقق التوكل عليه. نسلم كل شيء في قلوبنا لله جل جلاله، ونفوض أحوالنا وأرواحنا وأولادنا وأزواجنا وأنفسنا وأهلنا وبلادنا وولاة أمرنا وعلمائنا وكل شيء، تحصنهم ونعيدهم بالله العظيم الذي لا تخفى عليه شيء، ونحقق التوكل على الله؛ فإن التفويض لا يكون إلا بتوكيل الأمر لله جل جلاله، لأن العبد مسكين لا يملك شيئاً من الأسباب للوقاية مما ظهر له، فكيف بالوقاية مما خفي عنه؟ الله عز وجل يكفينا شرور الظاهر ويكفينا شرور الباطن، لذلك نتوكل عليه ونفوض الأمر له جل جلاله سبحانه وتعالى.

ثم نستعمل الأوراد الشرعية التي بها يحصن نفسه ويحفظها من شر هؤلاء. وبالمناسبة أيها الإخوة، الحقيقة كثير منا قصر في موضوع الأوراد الشرعية، سواء كانت أذكار الصباح والمساء أو أذكار بعد الصلوات أو غيرها. والله إن أذكار الصباح والمساء لا تكلف الإنسان إلا دقائق بسيطة جداً، لا تأخذ شيئاً من وقته، قد لا تتجاوز الثلاث دقائق وأحياناً الخمس دقائق، وأوقاتنا تضيع أحياناً بالساعات في أمور لا طائل من ورائها ولا فائدة عندها.

فلا نفرط يا إخواني في أذكار الصباح والمساء مهما تشاغلنا، والأفضل أن يربط الإنسان وقت ذكره بفريضة من الفرائض حتى لا ينسى ولا ينسيها الشيطان؛ فمثلاً يقول أذكار الصباح بعد صلاة الفجر مثلاً، وأذكار المساء بعد صلاة العصر، ولا يتركها أبداً مهما كان عنده من شغل، فيجعلها أهم من الطعام وأهم من الشراب وأهم من كل شيء مهم. لأن الله يحفظك بهذه الأذكار، فإن حافظت عليها حفظ لك ولذريتك ولأولادك، وإن حافظت عليها إلى قيام الساعة لا يمكن أن يتولى عليك شيطان ولا أن ينفث إليك سحر ولا حسد ولا شيء من ذلك.

لذلك ما أوتي اليوم كثير من الناس الحسد والسحر وجميع هذه الأمراض الروحانية إلا بالبعد عن هذه الأذكار الشرعية، وخصوصاً هاتين المعوذتين: الفلق والناس. وأيضاً من الطرق للتخلص من هذه الشرور -وما كثر الأمر في الناس في الآونة الأخيرة من السحرة والحساد وما أشبه ذلك- إلا من أجل غفلتهم عن الله وضعف توكلهم على الله عز وجل وقلة استعمالهم للأوراد الشرعية التي يتحصنون بها.

وكما ذكرت لكم، أفضل شيء لعدم نسيان الذكر ربطه بوقت معين أو بفريضة معينة، فإن لا يمكن أن تنساه بعد ذلك. والأوراد يا إخواني ويا أخواتي اليوم متيسرة في كل مكان؛ موجودة في الجوالات، موجودة في الكتب، موجودة في الكروت الصغيرة البسيطة، هذه الإنسان يتعود عليها أسبوع ثم يحفظها عن ظهر قلب، لكن البلاء لا يتخطاها. الأوراد كما هي الصدقة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «علَيْكُمْ بِالصَّدَقَةِ، فَإِنَّ الْبَلَاءَ لَا يَتَخَطَّى الصَّدَقَةَ».

هكذا الأوراد الشرعية، سواء أذكار الصباح أو أذكار المساء، تكون جنة بينك وبين الشر، لا يمكن أن يصل إليك الشر ولا يمكن أن يخترقك ولا يمكن أن يصيبك أبداً ما دمت تضع هذه الجنة بينك وبين شياطين الإنس والجن، كما قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112]. أجارنا الله وإياكم من شياطين الجن وشياطين الإنس.

ثم من الفوائد في هذه السورة يا إخواني الكرام قول بعض العلماء إن القرآن عبارة عن تفسير عملي للكون. كيف هذا؟ حين نسمع مثلاً ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، يتكلم الله عز وجل عن الفلق والليل ثم يقول ﴿مِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ عن الليل وعن القمر. ومثله كما قال الله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾، والصبح إذا تنفس، إذا استيقظت ورأيت بعد صلاة الفجر كيف الطيور تتحرك وتخرج من عشاشيها وأوكارها وتتحرك السيارات والناس والدواب، ففعلاً تتذكر ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾. فكل ما يكون في الكون من النجوم والنهار والشمس والقمر والشجر والدواب، وآيات الله العظيمة هذه، كلها تفسير عملي للكون؛ فالقرآن يفسر الكون أيضاً.

الاستعاذة في هذه السورة هي استعاذة عامة، ما تركت شراً من الشرور التي نخاف منها أو لا نخاف منها، والتي نعلمها أو لا نعلمها، والشرور المطلقة أو المقيدة، والشرور العامة أو الخاصة؛ هذه كلها بإذن الله لا يصيبك منها شيء إذا حافظت على هذه السورة صبحاً ومساءً وبعد الصلوات في أَدْبَارِها المكتوبة. هي استعاذة عامة من شر ما خلق الله جل جلاله، سواء كانت شرور الدنيا أو شرور الآخرة. الحسد موضوع طويل، وهو تمني زوال نعمة الخير عن الغير، تمني زوال النعمة عن الغير.

وقريب منه الغبطة، لكن الغبطة ليس فيها تمني الزوال. الغبطة -وإن كان عبر عنها أحيانا بالحسد- كقوله صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فأفق في حق الله، ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار».

الغبطة أن تتمنى ما عند أخيك أن يكون عندك ولا تتمنى زواله، أما الحسد فهو تمني الزوال بالكلية؛ نعوذ بالله من ذلك، هو تمني زوال نعمة الغير. وكما قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب». وكما قال الشاعر: هم يحسدوني على موتي فوا أسفا ... حتى على الموت لم أخْلُ من الحسد

وبإذن الله نستكمل وإياكم بعد هذا الفاصل، فيكون المقطع الأخير بإذن الله في هذه السورة.

الزواج هو الصلة التي ارتضاها الإسلام لإعفاف النساء والرجال، واستمرار النسل لمواصلة إعمار الأرض وإصلاحها، وهو عقد مودة فيه سكن للنفس وارتياح للقلب. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].

والمرأة المسلمة حين تقبل على الزواج فهي تقدم على مرحلة جديدة في حياتها، تعد مرحلة مهمة وجليلة الشأن، فلا بد أن تعرف متطلبات نجاحها؛ فإن جزءًا كبيرًا من سعادة بيتها واستقراره بيديها إن هي أحسنت التهيؤ والاستعداد لهذا الأمر. ومن حسن الاستعداد: الاهتمام بحسن الاختيار على أسس صحيحة وأهمها الدين والخلق، الاستخارة والاستشارة للوصول إلى القرار الأقرب إلى الصواب، الاستفادة من فترة الخطبة في التأكد من مصداقية الخاطب وسلوكه، الاستعداد نفسيًا وبدنيًا لمسؤوليات وشؤون بيت الزوجية، إثراء فهمها ووعيها بمرحلة الزواج ومتطلبات نجاحها سواء بالقراءة أو بتجارب الناجحات ووصاياهن أو بالالتحاق بدورات تثقيفية في هذا الأمر، ومعرفة حقوقها وما يجب عليها تجاه زوجها.

وإن حسن تبعلها لزوجها ليس لنجاح زواجها فقط، بل هو قربة وعبادة لله تعالى. ولتعلم المرأة أن بيت الزوجية هو مملكتها الجميلة ومستقر سعادتها ومحضن أطفالها، وبحسن تصرفها في تدبيره ورعايته تتضاعف سعادتها وتنال رضا الله وجميل ثوابه.

حياكم الله من جديد. كما قلت لكم إخواني وأخواتي، إن أكثر ما نشعر به اليوم من الأمراض النفسية، أو من القلق أو الاكتئاب أو من الحسد أو من السحر أو من العيون، هي شرور وأعراض تمر على كل إنسان، ولكن السعيد هو الذي يأخذ بالوقاية والعلاج، فيحافظ على هذه الأذكار وقاية له من أن يصيبه شيء من هذه الشرور.

ثم لا قدر الله لو أصيب بشيء منها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم رَقَاه جبريل بهذه السورتين، بسورة الفلق وسورة الناس، لما سُحر صلى الله عليه وسلم، وهو قد حُسد من اليهود كما حُسد إبراهيم، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ [القلم: 51]. فالإنسان منا معرض للعين، معرض للحسد، ومعرض للسحر.

ولكن أحيانًا يا إخواني ويا أخواتي، الإنسان يجعل في نفسه ما يجعل العيون تلتفت إليه؛ فكثير من الرجال يبرز ما عنده ويظن كل الناس يفرحون بما عنده، والحقيقة أن المغبونين الموجودين كثير ممن أعطاه الله من المال أو من الجمال أو من العيال أو من غير ذلك. وكثير من أخواتنا النساء يبالغن في التجمل حتى يصيبهن الحسد والعين، خصوصًا في الأفراح والأعراس وغيرها. الواجب أن نأخذ بالأسباب وإلا أظهرنا ما عندنا، كما قال يعقوب لأبنائه: ﴿يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ﴾ [يوسف: 67].

قال بعض علماء التفسير: هذه هي الحاجة التي كانت في نفس يعقوب. قال الله: ﴿مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ [يوسف: 68]. لأن إخوة يوسف أيضًا كانوا على قدر من الجمال الفائق، طبعًا لا يقارنون بيوسف عليه السلام، ولكن قال لهم: ادخلوا مصر من أبواب متفرقة حتى لا يرى الناس هذا الجمال جملة واحدة، فهو أراد أن يقيهم من العين.

لذلك الأخذ بالأسباب أيضًا في تجنب عيون البشر هو مقصد شرعي؛ لا تظهر أي شيء جميل أو موهبة لأولادك أمام الناس، ابتعد عن هذه الأسباب التي تلفت العيون وتلفت الانتباه، هذه من الأسباب مع الأذكار والأوراد التي ذكرتها لكم.

ولكن هنا أيضًا شيء مهم؛ بعض الناس يبالغ في الوسوسة حتى إذا أصابه أقل شيء هو أو زوجته أو أولاده، نسبوا ذلك مباشرة إلى العين والسحر، فدخلوا في متاهات ودخلوا في أمراض كثيرة جدًا. وأنا أريد فعلاً أن نفرق لكم أن هناك من الناس من يصاب بمرض نفسي حقيقي، فالنفس تمرض كما يمرض الجسد، قد يصاب بمرض قلق أو اكتئاب أو غير ذلك، فهذا ليس له علاقة أبدًا بالسحر ولا بالعين؛ هذا يذهب إلى طبيب نفسي ويستشفي بهذا الدواء والشافي هو الله عز وجل.

لا يتصرف كل هذه الأمور إلى السحر والعين. وأيضًا بعض الناس يخافون من العين ومن السحر ويوقنون بوقوعها أكثر من تيقنهم بمنع الأذكار لها وبقوة الله سبحانه وتعالى؛ الله قال: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾ [طه: 69]. بعض الناس يخاف من السحرة ويخاف من العين، ترى هم لا شيء، إن كيد الشيطان كان ضعيفًا.

ولكن كيف نزرع في قلوبنا أنهم لشيء؟! تيقنا بالله، فتوقن أن الله الحافظ الحامي الحارس سبحانه وتعالى يحرسك ويحميك ويكفيك، فإذا جاءت عظمة الله في قلبك وقاك كل ما دونه، وكل ما دون الله هين وسهل. لذلك بعض الناس يبالغ كثيرًا في أن كل ما يصيبه هو من سحر أو عين أو حسد.

لذلك يا إخواني الكرام، لا بد أن تكون عظمة الله وقوة الله في قلوبنا أكثر من خوفنا من السحرة والمشعوذين. وكثير من الناس بفضل الله، حتى وإن أصابهم سحر أو أصابهم عين، شُفوا بأمر الله كثيرًا بكلام الله الذي وصفه بالشفاء، وبالأشفية النبوية التي مأخذها كتاب «الطب النبوي» لابن القيم، وهو من أفضل الكتب، سواء في الأشفية المحسوسة كالعسل والحبة السوداء وغيرها، أو في الرقية الشرعية والمحافظة على هذه الآيات، أو في الأحاديث النبوية التي أوصانا بها صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق»، لا يمكن أن يصيبك شيء إذا تعوذت بكلمات الله التامات.

وكذلك: «باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم»، سبع مرات، أو بعضهم قال ثلاث مرات. و«حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم»، سبع مرات. اللهم.

«نعوذ بك من الهم والغم والحزن والجبن والبخل وغلبة الدين وقهر الرجال». أيضًا هذه من الأذكار العظيمة، فكل هذه الأذكار يا إخواني وغيرها كثير موجود في القرآن وموجود في السنة، من حافظ عليها عاش طيب النفس مطمئنًا، لا يمكن أن يصيبه الشيب بإذن الله. لذلك أنا أنصح إخواني وأخواتي عدم المبالغة وصرف ما يصيبنا إلى السحر والعين.

بل قد يكون شيئًا نفسيًا؛ لأن النفس تمرض كما يمرض الجسد، ويصيبها العلل والإرهاق، وقد يكون شيئًا جسديًا كـنقص هرمونات أو فيتامينات، وقد يكون فعلاً شيئًا من الأذى العارض، لكن هذا له علاج. بعض الناس لا يطمئن إذا أصابته عين أو سحر -وأعوذ بالله- يسيء الظن في الله ويظن أنه لا شفاء.

أعرف والله كثيرًا من العلماء والدعاة والفضلاء أصيبوا بأدواء وبلاءات عظيمة لا يعلمها إلا الله، والله كان شفاؤهم في الأشفية النبوية؛ في الأذكار، في القرآن، في الأوراد، في العسل، في زمزم، في الحبة السوداء، في الحجامة، وأحيانًا أمراض حسية؛ يعني بشيء بأمر الله بما أراد الله وبما سن رسول الله ﷺ.

فهذه وصيتي يا إخواني: تقرير هذه الصورة في قلوبنا وملء قلوبنا باليقين بالله، فحين تقرأ هذه السورة لا تقرأها قراءة طردية، بل يقرأها بتيقن واستحضار لكل معانيها في قلبك. فقل من كل قلبك: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 1-5].

من كل قلبك. وبالمناسبة بين هذه السورة وسورة الناس ارتباط ومناسبات لعلنا نتكلم عنها في الدرس القادم، لكن هنا الاستعاذة من ثلاثة أشياء أو ثلاثة أحوال، وهي: من شر ما خلق، ومن شر غاسق إذا وقب، ومن شر النفاثات في العقد.

الاستعاذة من ثلاثة أشياء، وهناك الاستعاذة بصفات الله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس: 1-3]، الاستعاذة بثلاث صفات من شيء واحد وهو من شر الوسواس الخناس. إذن الفرق ما هو؟ في سورة الفلق الاستعاذة بشيء من ثلاثة أشياء، والاستعاذة في سورة الناس الاستعاذة بثلاثة أشياء من شيء واحد، عكسها تمامًا؛ لذلك هي يكمل بعضها بعضًا، ويجمل بعضها بعضًا.

فالحمد لله أن رزقنا وإياكم هاتين السورتين العظيمتين اللتين تقيان من حافظ عليهما إلى قيام الساعة. فالنصيحة أيها الإخوة والأخوات: لا تتركوا هذه السور، تعلموها واحفظوها وعلموها أولادكم من الصغر، فإنك تأخذ أجر تحصين المولود إلى قيام الساعة. وكل من علم هذا المولود، هذا الابن، هذه البنت، كل من علمه فهو في صحيفة حسناتك إلى أن تقوم الساعة، والدال على الخير كفاعله.

أسأل الله عز وجل أن يحمينا ويحميكم، وأن يحصننا ويحصنكم، وأن يعلق قلوبنا وإياكم بالله جل جلاله. وأسأل الله أن يجعل هذا الدرس واجتماعنا فيه اجتماعًا وتفرقنا من بعده معصومًا، وأن لا يجعل فينا ولا منا شقيًا ولا محرومًا. وإلى درس قادم ولقاء متجدد قادم بإذن الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.