دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 15 - تفسير سورة قريش

سلطان العتيبيد. سلطان العتيبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغبًا في كل علم نافع ينمو، العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، صافي.

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، الهادي إلى الصراط المستقيم، وصلى الله وسلم على خير البرية ومنجي البشرية، خليل الرحمن وصفيه محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. حياكم الله أعزائي المشاهدين والمشاهدات، الطلاب والطالبات في أكاديمية زاد في المستوى الرابع، إلى مائدة من موائد القرآن، نبدأها بتحية الإسلام فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وصلنا وإياكم إلى سورة قريش، هذه السورة العظيمة التي ابتدأها الله عز وجل بقوله: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾. قال كثير من المفسرين إنها امتداد لمعنى السورة السابقة وهي سورة الفيل؛ فإن الله عز وجل امتن على أهل مكة بإهلاك عدوهم أبرهة الأشرم وجيشه الذين كانوا يريدون أن يهدموا الكعبة.

فحين انتهى الله عز وجل من دمار ذلك الجيش وإهلاكه، أظهر منة أخرى على أهل مكة وهي امتداد لتلك المنة؛ فبعد أن قبح عدوهم وأهلكه وأماطه عنهم، ذكرهم بنعمة الأمن في رحلتهم في الشتاء والصيف. فما دام أنه جل جلاله هو الذي أهلك عدوهم وآمن أرضهم وآمن طريقهم، فهو الحقيق بالعبادة، لذلك قال: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ﴾.

وجمعت هذه المناسبة بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية؛ فالرب جل جلاله الذي أهلك العدو وآمن الطريق هو الحقيق بالعبادة بالإلهية بالألوهية، لذلك قال: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾. فكما قلنا لكم إن هذه السورة لها صلة بالسورة التي قبلها، إذ إن السورة التي قبلها فيها بيان منة الله عز وجل على أهل مكة بما فعل بأصحاب الفيل حين قصدوا مكة لهدم الكعبة، فبين الله في هذه السورة نعمة أخرى كبيرة على أهل مكة وهي نعمة الأمن والأمان.

ابتدأ الله هذه السورة بقوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾؛ أي ائتلافهم واجتماعهم في بلدهم آمنين، أو لسفرهم رحلة الشتاء والصيف. فبدأ الله تعالى هذه السورة بهذا الابتداء البديع تقديم الجار والمجرور على عامله. وتقدير الكلام: فليعبدوا رب هذا البيت لأنه أمنهم في سفرهم وارتحالهم أو في حال إقامتهم واجتماعهم، فهو الجدير بالعبادة جل جلاله.

فهذا الأمن العظيم حاصل لهم في أسفارهم ورحلتهم، وكذا في حال إقامتهم في البلد، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [الققص: 57]، وهذا من تفسير القرآن بالقرآن. وقريش هي القبيلة المعروفة المشهورة، لقب الجد الذي يجتمع فيه بطون كثيرة، وهو فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، قبيلة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم قال تعالى: ﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾؛ عطف بيان من إيلاف قريش، وهو إجمال فتفصيل للعناية بالخبر ليتمكن في ذهن السامع، ومنه قوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ أَصْحَابِ الْإِيلَافِ﴾. والرحلة اسم للارتحال، وهو المسير من مكان إلى مكان آخر بعيد كما هو معروف، ولذا سمي البعير الذي يسافر عليه راحلة.

﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ﴾؛ أي فبسبب هذه النعم العظيمة يجب عليهم أن يعبدوا الله تعالى. والعبادة هي التذلل لله عز وجل محبة وتعظيمًا، وهي كما عرفها شيخ الإسلام اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة؛ فجميع ما يدخل في هذا المعنى من التذلل لله عز وجل محبة وتعظيمًا يدخل في هذا المفهوم.

أما قوله تعالى: ﴿رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ﴾؛ أي الكعبة المشرفة، وقد أضافها الله تعالى إلى نفسه إضافة تشريف، كما في قوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [البقرة: 125]، فأضاف البيت إليه جل جلاله، و﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: 26]. وهنا أضاف البيت إليه سبحانه وتعالى بصفة الربوبية فقال: ﴿رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ﴾ على سبيل التشريف والتعظيم.

وقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ يبين الله نعمته عليهم النعمة الظاهرة والباطنة؛ فأما إطعامهم من الجوع ووقايتهم من الهلاك في أمر باطن، وتأمينهم من الخوف وقاية من الهلاك في أمر ظاهر، فهذا الباطن والظاهر. أنعم الله عز وجل على قريش باطنًا بالإطعام من الجوع والوقاية من الهلاك، وظاهرًا بالوقاية من الهلاك وتأمينهم من الخوف.

فذكرهم الله تعالى هذه النعمة، وأمنهم مكان في الأرض إلى اليوم هو مكة، ولذلك لا يقطع شجرها ولا يحش حشيشها، ولا تلتقط ساقطتها، ولا يصطاد صيدها، ولا يسفك فيها دم. فهذه السورة كلها تذكير لقريش بما أنعم الله عليهم في هذا البيت العظيم وفي هذا الأمن من الخوف وفي الإطعام من الجوع، فهي سورة عظيمة مبناها قليل لكن معناها جليل.

نستذكر وإياكم بعض الفوائد، سواء من هذا المقرر أو من خارجه حتى تكتمل الصورة ويكتمل الفهم عندنا. أما بعض هذه الفوائد: ابتداؤها أن الله أمر قريش بتوحيده جل جلاله توحيد الربوبية تذكيرًا لهم بنعمة الله، ممن مكن لهم السير في الأرض للتجارة برحلتي الشتاء والصيف لا يخشون عادياً يعدو عليهم.

أما الفائدة الثانية، فإن الله تعالى أمنهم من المجاعات وأمنهم من المخاوف لما وقر في نفوس العرب من حرمتهم، لأنهم سكان الحرم وعمار الكعبة العظيمة، لذلك جعل الله لقريش بهذه السورة مكانة عظيمة ومنة جليلة، فهو جل جلاله أهل المن وأهل الفضل سبحانه وتعالى.

ألف بينهم وجمع بينهم، وأنزل عليهم الأمن والأمان، ثم بعد أن عرفهم بهذه النعمة سألهم ودعاهم جل جلاله إلى عبادته؛ لأن الذي يصنع هذه الأمور العظيمة هو الإله ذو الجلال والكمال جل جلاله، ولا يستطيع أحد أن يهلك أبرهة وقومه كما أهلكهم الله عز وجل وكما مزقهم في الأرض، ولا يستطيع أحد أن يؤمن أحدًا إذا لم يؤمنه الله جل جلاله، ولا يقدر لأحد خيرًا إذا لم يقدره، ولا يكسبهم في رحلة الشتاء والصيف، وأصبحت مكة بعد ذلك مصدرًا تجاريًا لأهل اليمن وأهل الشام والعرب قاطبة، فهو الجدير بالعبادة جل جلاله.

نكمل بإذن الله بعد هذا الفصل للمرأة في الإسلام أحكامًا تشريعية تختص بها رعاية لها وصيانة وتكريمًا لا تضييقًا عليها ولا تصغيرًا لشأنها. فالمرأة لا تزوج نفسها وإنما يزوجها وليها؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بولي». وفي هذا مراعاة لحيائها، فإن مباشرتها عقد الزواج بنفسها يخدش هذا الحياء، وربما تحملها طبيعتها العاطفية على اختيار غير مناسب فتقع في ورطة يصعب انفكاكها منها، أما الولي فكونه رجلًا يجعله أعرف بأخلاق الرجال ومكامن قوتهم وضعفهم.

وكونه أبا أو أخا يجعله أجدر في رعاية مصلحتها وكرامتها، وفي السفر ربما تعرضت المرأة للمفاجآت من مشقة أو اعتداء أو حاجة فلا تجد من يهتم لأمرها دون مطمع، فشرع الإسلام ألا تسافر المرأة إلا مع زوج أو محرم يعتني بها ويقوم بشأنها؛ فقال النبي ﷺ: «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم».

ومحرم المرأة كل ذكر تحرم عليه تحريماً مؤبداً، بقرابة أو رضاع أو مصاهرة، كالأخ وأبي الزوج، وأما زوج الأخت فليس بمحرم بأن تحريمه مؤقت، ويشترط أن يكون المحرم بالغاً عاقلاً. إن كل منصف تأمل هذه الأحكام وغيرها يجد فيها الرحمة والعناية بالمرأة وصيانتها من عبث العابثين، وصدق الله إذ يقول: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14].

حياكم الله من جديد، الآن نتكلم عن بعض الفوائد حول تفسير هذه السورة بشيء من التفصيل. هذه السورة بالطبع هي سورة مكية، امتداد -كما قلنا لكم في المعنى- لسورة الفيل أو سورة «الم تر». والله عز وجل لما بدأها بقوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾، قيل في ذلك إن هذه السورة كما ذكرنا لكم متصلة بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾، أي أهلكت أصحاب الفيل لتألف قريش أو لتتفق قريش أو لكي تأمن قريش فتؤلف رحلتيها.

وهناك من عد السورتين، أي سورة الفيل وسورة قريش، سورة واحدة، منهم أبي بن كعب، فلا فصل بينهما في مصحفه. وقال سفيان بن عيينة، وكان لنا إماماً: لا يفصل بينهما ويقرأهما معاً. وقال عمرو بن ميمون: صلينا المغرب خلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقرأ في الأولى «الم تر» وفي الثانية «لإيلاف قريش». وقال الفراء: هذه السورة متصلة بالسورة الأولى؛ لأنه ذكر أهل مكة عظيم نعمته عليهم فيما فعل بالحبشة، ثم قال: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾، أي فعلنا ذلك بأصحاب الفيل منّة على قريش.

وذلك أن قريشاً كانت تخرج في تجارتها فلا يغار عليها ولا تقرب في الجاهلية، يقولون هم أهل بيت الله عز وجل، حتى جاء صاحب الفيل ليهدم الكعبة ويأخذ حجارتها فيبني بها بيتاً في اليمن يحج الناس إليه، فأهلكهم الله عز وجل، فذكرهم بنعمته، أي فجعل الله ذلك لإيلاف قريش؛ أي ليألفوا الخروج ولا يجترئ عليهم أحد، وهو معنى قول مجاهد وابن عباس في رواية سعيد بن جبير عنه رحمه الله.

وقيل ليست بمتصلة، يعني هنا اتصال السورة نصاً وتلاوة، وقيل ليست بمتصلة وهو الذي عليه الجمهور وهو الذي في المصحف برسم الإمام وهو الذي يعتمد عليه المسلمون اليوم، وإن كان اتصاله باقياً في المعنى؛ لأن بين السورتين «بسم الله الرحمن الرحيم»، وذلك دليل على انقضاء السورة وافتتاح الأخرى، وأن اللام متعلقة بقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾، فليعبدوا هؤلاء رب هذا البيت.

لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف، وكذا قال الخليل: ليست متصلة، كأنه قال: ألف الله قريشاً إيلافاً فليعبدوا رب هذا البيت. وأما قريش، كما مر بنا، فهم بنو النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، فكل من كان من ولد النضر فهو قرشي دون بني كنانة ومن فوقه. وربما قالوا قريشي، قالوا قرشي وقالوا قريشي.

قال النبي ﷺ -وهذا الحديث في الصحيحين-: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم». وهو حديث صحيح ثابت أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما. واختلف في تسميتهم قريشاً على أقوال؛ أحد هذه الأقوال لتجمعهم بعد التفرق، فالتقرش التجمع. والقول الثاني لأنهم كانوا تجاراً يأكلون من مكاسبهم، والتقرش التكسب. والقول الثالث لأنهم كانوا يفتشون الحاج من ذي الخلة فيسدون خلته، والقرش التفتيش، يعتنون بأمر الحاج.

وقال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾، رحلة منصوبة بالمصدر، أي ارتحالهم رحلة، أو بوقوع إيلافهم. وكانت إحدى الرحلتين إلى اليمن في الشتاء لأنها بلاد حامية، والرحلة الأخرى في الصيف إلى الشام لأنها بلاد باردة.

ثم قال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾، أمرهم الله تعالى بعبادته وتوحيده لأجل إيلافهم رحلتين، ودخلت الفاء لأجل ما في الكلام من معنى الشرط؛ لأن المعنى: أما لا فليعبدوه لإيلافهم، على معنى أن نعم الله عليهم لا تحصى، فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لشأن هذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة.

والبيت الكعبة هو في تعريف نفسه لهم بأنه رب هذا البيت، وله وجهان؛ أحدهما لأنه لو كانت لهم أوثان فليميز نفسه عنها، والثاني لأنهم بالبيت شرفوا على سائر العرب فذكر لهم ذلك تذكيراً لنعمته. وقيل: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ أي ليألفوا عبادة رب الكعبة كما كانوا يألفون الرحلتين. قال عكرمة: كانت قريش قد ألفت رحلة إلى بصرى ورحلة إلى اليمن، فقيل لهم: فليعبدوا رب هذا البيت، أن يقيموا بمكة رحلة الشتاء إلى اليمن والصيف إلى الشام.

ثم قال جل جلاله: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾، الذي أطعمهم من جوع أي بعد جوع، وآمنهم من خوف. قال ابن عباس: وذلك بدعوة إبراهيم عليه السلام حيث قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: 126]. وقال ابن زيد: كانت العرب يغير بعضها على بعض ويسبي بعضها بعضاً، فأمنت قريش من ذلك لمكان الحرم.

وقرأ قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القَصَص: 57]. فهذه بعض الفوائد المتعلقة بهذه السورة، وأيضاً بقي لدينا أيضاً بعض الفوائد في تسمية السورة وبعض اللطائف البلاغية واللغوية الجميلة والبديعة في هذه السورة.

أما تسميتها، فهي تسمية قديمة من زمان السلف بأنها سورة لإيلاف قريش. قال عمرو بن ميمون الأودي: صلى عمر بن الخطاب فقرأ في الركعة الثانية «الم تر» كيف و«لإيلاف قريش»، وهذا ظاهر في إرادة التسمية. ولم يعدها في الإتقان -أي السيوطي في كتابه الإتقان في علوم القرآن- حين عد السور التي لها أكثر من اسم وسميت في المصاحف وكتب التفسير سورة قريش لوقوع اسم قريش فيها، ولم يقع في غيرها، أي اسم قريش لم يقع في غير هذه السورة، وبذلك عنونها البخاري في صحيحه بلا خلاف.

والسورة مكية طبعاً عند جماهير العلماء، وقال ابن عطية كما مر بنا قبل قليل، وذكر كذلك القرطبي أنها مدنية، ولكن لم يذكرها حتى السيوطي في الإتقان مع السور المختلف فيها. إذاً فالقول الذي عليه العلم أنها سورة مكية، وهي إن لم تكن لنص سورة الفيل فهي امتداد لها، فهي امتداد للمعنى؛ كما كانت سورة الشرح امتداد لمعنى منة الله أو منن الله عز وجل في سورة الضحى كما مر معنا في أول حلقة تقريباً. فهناك مناسبات بين السور ومناسبات بين الآيات ومناسبات بين المقاطع، فلذلك كانت مضامين هذه السورة متناسبة، أي سورة الفيل وسورة قريش.

قريش والمنن فيها ظاهرة، كما كانت المنن ظاهرة في سورة الضحى مع سورة الشرح كما مر بنا في أول حلقة. هذه السورة عد التاسع والعشرين في عداد نزول السور، وهي نزلت بعد سورة التين وقبل سورة القارعة؛ لذلك يقرأ كثير التين ثم المتر ثم يقرأون سورة قريش.

والصحيح، كما ذكرنا لكم في الخلافة، هل هي سورة متصلة أو منفصلة؟ الصواب أنها سورة مستقلة بإجماع المسلمين على أنها سورة خاصة، ومن الأدلة على استقلالها وجود بسم الله الرحمن الرحيم بينهما، بخلاف ما هو بين الأنفال والتوبة فإن التسمية لم تذكر.

اختلف الصحابة رضي الله عنهم: أهما صورتان مستقلتان أم صورة واحدة؟ وجعلها ابن أبي ابن كعب، كما مر بنا في مصحفه، مع الفيل ولم يفصل بينهما في مصحفه بالبسملة، وهو خلاف ما ذكرنا لكم. وعدد آياتها عند جمهور القراءين؛ وعدد الآيات بالمناسبة إخواني وأخواتي هو علم مستقل تمامًا، عَدُّ الآيات وله علماء متخصص ومتفصل عن علوم القرآن.

يقول الطاهر بن عاشور صاحب كتاب التحرير والتنوير: «ورأيت في مصحف عتيق من المصاحف المكتوبة في القيروان، مسجد القيروان في تونس، عددها أربع آيات»، مع أن قراءة أهل القيروان قراءة أهل المدينة. ونستكمل بإذن الله بعد هذا الفاصل: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ * يُرِيدُ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6].

من رحمة الله تعالى بعباده أن رخص لهم في المسح على الخفين والجوارب في الوضوء بدلاً من غسل الرجلين، وذلك بالمسح مرة واحدة أعلى الخف الأيمن باليد اليمنى، وأعلى الخف الأيسر باليسرى، مفرجًا أصابعه، مبتدئًا من أصابع رجليه إلى بداية ساقيه، يمسح على الخفين معًا أو يبتدئ بالخف الأيمن ثم الأيسر.

الأمر في ذلك واسع بشرط أن يكون الخف طاهرًا من النجاسة، وأن يكون ساتراً للقدم مع الكعبين، وأن يلبسهما على وضوء كامل. ومدته يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، يبدأ احتسابها من أول مسح بعد انتقاض الوضوء؛ فلو توضأ لصلاة الفجر مثلا ولبس الخفين، ثم انتقض وضوؤه الساعة التاسعة صباحًا وتوضأ في الساعة الثانية عشر ومسح على الخفين، فيبدأ احتساب المدة من الساعة الثانية عشرة لا من الساعة التاسعة.

ويكون المسح في الحدث الأصغر، وأما الحدث الأكبر فيجب فيه الاغتسال الكامل. ومن خلع خفيه أو انتهت مدة المسح فوضوؤه صحيح ما لم ينتقض بناقض آخر؛ فإن أراد المسح مرة أخرى وجب عليه أن يتوضأ أولًا وضوءًا كاملاً يغسل فيه قدميه، ثم يلبس الخف ويراعي الشروط السابقة.

حياكم الله من جديد. طبعًا هذه السورة كما ذكرنا لكم في معانيها الإجمالية، أن الله عز وجل أمر قريش بتوحيد الله بالربوبية تذكيرًا لهم بنعمته، أن مكن الله لهم السير في الأرض للتجارة برحلتي الشتاء والصيف لا يخشون عادياً يعدو عليهم، وبأنه أمنهم من المجاعات وأمنهم من المخاوف لما وقر في نفوس العرب من حرمتهم؛ لأنهم سكان الحرم وعمار الكعبة، وبما ألهم الناس من جلب الميرة إليهم من الآفاق المجاورة كبلاد الحبشة.

قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [القصص: 57]، ورد الله عز وجل القبائل عنهم فلا يغيروا على بلدهم أحد، وأكسبهم في ذلك مهابة في نفوسهم، وعطفًا منهم الله عز وجل حين قال: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ﴾.

افتتح هذه السورة بافتتاح مبدع، وأصل نظم الكلام لـ «تعبد قريش رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف»؛ لـ «إيلافهم رحلة الشتاء والصيف». فلما اقتضى قصد الاهتمام بالمعمول تقديمه على عامله، تولد من تقديمه معنى جعله شرطًا لعامله.

قال في الكشاف الزمخشري -وهو كتاب البلاغة، إلا أن الكشاف كما تعلمون من علماء المعتزلة، فلا ينصح بقراءة كتابه إلا لمن عرف أصول المعتزلة أو قرأه ببعض الحواشي عليه حتى يستفيد منه البلاغة والبديع ويحذر من الأقوال الاعتزالية فيه-: «دخلت الفاء لما كان في الكلام من معنى الشرط، لأن المعنى: أما لا فليعبدوه لإيلافهم»، أي أن نعم الله عليهم لا تحصى، فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة، وهي أنه عز وجل ألهمهم وأكسبهم الأمن جل جلاله، ونجاهم من أبرهة وقومه، وجعل لهم أمن رحلة الشتاء وأمن رحلة الصيف.

وقوله «إيلافهم» عطف بيان من «إيلاف قريش»، وهو من أسلوب الإجمال التفصيلي للعناية بالخبر ليتمكن في ذهن السامع، كما قلت لكم قبل قليل كقوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أُبَلِّغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [غافر: 60]، «لإيلاف قريش إيلافهم». وهكذا كما قال عن حكاية فرعون: «أمر القيس ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة»، وهو أيضًا من البيان.

والرحلة كما ذكرنا لكم هي اسم للارتحال، وكما ذكرنا سمي البعير راحلة لأنه يستعمل في الرحلة. أما الشتاء والصيف ففصلان معروفان عند الناس؛ الشتاء اسم لفصل من السنة الشمسية المقسمة إلى أربعة فصول، والشتاء تسعة وثمانون يومًا وبضع دقائق، والصيف اسم لفصل من السنة الشمسية وهو زمن الحر ومدته ثلاثة وتسعون يومًا وبضع ساعات.

وكان الذي سن لهم هاتين الرحلتين، يعني رحلة الشتاء والصيف، هاشم جدهم هاشم بن عبد مناف. ومعنى الآية تذكير قريش بنعمة الله جل جلاله عليهم، إذ يسر لهم ما لم يتأتى لغيرهم من العرب من الأمن من عدوان المعتدين وغارات المغيرين في السنة كلها، بما يسر لهم من بناء الكعبة وشرعة الحج، وأن جعلهم عمار المسجد الحرام، وجعل لهم مهابة وحرمة في نفوس العرب كلهم؛ في الأشهر الحرم وفي غيرها، وعند القبائل التي تحرم الأشهر الحرم والقبائل التي لا تحرمها مثل طيء وقضاعة وخثعم، فتيسرت لهم الأسفار في بلاد العرب من جنوبها إلى شمالها.

ولاذ أصحاب التجارات بمكة يسافرون إليها ويحملون سلعهم، وصارت مكة وسطًا تجلب إليها السلع من جميع البلاد فتوزع إلى طالبيها في بقية البلاد، فاستغنى أهل مكة بالتجارة إذ لم يكونوا أهل زرع ولا ضرع، إذ كانوا بواد غير ذي زرع، وكانوا يجلبون أقواتهم؛ فيجلبون من بلاد اليمن الحبوب من بر وشعير وزبيب واديم وثياب والسيوف اليمنية، ومن بلاد الشام الحبوب والتمر والزيت والزبيب والثياب والسيوف المشرفية.

زيادة على ما جعل الله لهم من معظم العرب في الأشهر الحرم وما أقيم لهم من مواسم الحج وأسواقه، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ﴾؛ فلذلك وجه تعليل الأمر بتوحيدهم الله بخصوص نعمة هذا الإيلاف مع أن نعم الله عليهم كثيرة، لأن هذا الإيلاف كان سببًا جامعًا لأهم النعم التي بها قوام بقائهم وهي نعمة الأمن، فالحياة لا تطيب بدون أمن.

لذلك ربط الله عز وجل في سورة الأنعام الأمن بالإيمان، فقال جل جلاله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82]. قال المفسرون: أمن الدنيا وأمن الآخرة.

فهي قاعدة مضطربة متناسقة، أنه كلما زاد الإيمان كلما زاد الأمن. لذلك من فضل الله عز وجل علينا وعلى كثير من بلاد المسلمين نعمة الأمن الذي لا يعدلها شيء، لا يمكن أن يتعبد الناس ربهم بهدوء وطمأنينة وسكن من غير الأمن.

لذلك حرم الإسلام الإرهاب والإفساد في البلدان وجعل ذلك من الأمور الموجبة للعقوبة الشرعية، ولا تصلح حياة الناس أبداً من غير الأمن والإيمان. لذلك حري بنا أيها الإخوة أن نزيد إيماننا وعلاقتنا بالله ربنا حتى يؤمننا.

فإذا كانت قريش قد امتن الله عليهم على شركهم وعلى كفرهم بنعمة الأمن ومع ذلك لم يقدروا الله قدره ولم يعبدوه وجعلوا الأصنام والأنداد عبادة من دونه، فمن فضل الله عز وجل علينا أنه أنعم علينا بالأمن والإيمان ونحن نعبده ونذكره، ونسأله الجنة ونسأله الأمن والإيمان.

اللهم من أراد بلدان المسلمين عموماً وبلادنا هذه خاصة بسوء فأشغله في نفسه واجعل كيده في نحره، اللهم آمن روعاتنا واستر عوراتنا واحفظ أئمتنا وولاة أمورنا. اللهم اجعل هذا المجلس حجة لنا وإياكم، لا تجعله يا رب حجة علينا، اجعله سبب شفاء وعافية وسرور وحبور يا حي يا قيوم.

أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يا راغبات في كل علم نافع متطلعات لزيادة الإيمان وتريد...