دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 1 - تفسير سورة الشرح

سلطان العتيبيد. سلطان العتيبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه طور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي، أكاديمية زاد. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

بإذن الله سنبتدأ معكم إن شاء الله في المستوى الرابع عن طريق هذه الحلقات المباركة من سورة الشرح حتى سورة الناس. بإذن الله ابتدأ الله عز وجل سورة الشرح بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: 1]. وهي استكمال لمنن الله جل وعلا على حبيبه وخليله محمد ﷺ. وقد قال في السورة التي قبلها سورة الضحى: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: 1-5].

هنا بدأت المنن الإلهية على حبيبه ﷺ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾. تأمل؛ اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر. استكمال المنن: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 1-6].

هنا تكلم الله في مطلع السورة عن انشراح الصدر، قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِيمَانِ﴾ [الأنعام: 125]. وقال في سؤال موسى في سورة طه: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه: 25-26]. وقال لمحمد ﷺ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾.

فقال العلماء: جاء شرح الصدر لموسى بعد السؤال، وجاء شرح الصدر لمحمد ﷺ منة من الله جل جلاله، كما ذكر مننه عليه حين كان يتيما ﷺ وكان عائلا فأغناه الله جل جلاله. إذا قال الله في مطلع هذه السورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، فإنه بلا انشراح الصدر أيها الإخوة وأيتها الأخوات لا يمكن للداعي أن يتم رسالته، ولا يمكن أن يتم مشروعه الذي يريد؛ لا بد أولا من انشراح الصدر.

ومبتدأ انشراح الصدر هو سؤاله من الله عز وجل، فإن الله إذا لم يشرح صدرا ولم ييسر أمرا فلا أمر انقضى ولا دعوة تمت. لذلك قال الله عز وجل لحبيبه وخليله ﷺ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾؛ هيا محمد، ألم ننور ونوسع لك صدرك للهدي، أي والإيمان بالله ولمعرفة الله ولمعرفة هذا الحق؟ وهو كما يسميه العلماء من تفسير القرآن بالقرآن، كما هي طريقة ابن كثير في تفسيره، كقوله تعالى كما ذكرت لكم: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾. إذا لا هداية أبدا قبل انشراح الصدر للإسلام، لذلك جاء الله مباشرة لحبيبه محمد ﷺ بشرح صدره للهدى والإيمان بالله وهذا الوحي وحقيقته.

ثم قال تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾، أي غفرنا لك ما سلف من ذنوبك، وحططنا عنك ثقل أيام الجاهلية التي كنت فيها، ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾. فهي أيضا استكمال لمنة الله على حبيبه وخليله ﷺ، ﴿الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أي أثقله وأتعبه؛ لأن الهموم والذنوب تثقل الظهر وتتعبه.

وكيف وهموم النبي ﷺ؟ هي فقط كما يقول بعض العلماء الغفلة أحيانا عن الصالحات، كما يقال، وإلا هو ﷺ مبتعد عن الذنوب والمعاصي الكبيرة كالفواحش والقاذورات والزنا؛ لأنه معصوم كما عصم الله أنبياءه من قبل، كما قال عز وجل عن يحيى: ﴿وَحَصُورًا﴾ [مريم: 13]، أي معصوم من الفواحش والزنا والقاذورات. الأنبياء معصومون عن هذه الكبائر وأشباهها، لكنه مهما كان، فأنا لا نستطيع أن نخرج عن نص القرآن في أن الذنوب تثقل الكاهل وتثقل الظهر، لذلك رفعها الله وحطها عن خليله وحبيبه ﷺ.

﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، وهذه أيضا استكمال للمنن على خليله ﷺ، فقد رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس مؤذن ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي بها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. النبي ﷺ لم يتجاوز تبوك شمالا والطائف جنوبا، ولكن ذكره وسمعته وسيرته ودينه ودعوته ﷺ تجاوزت الآفاق، أصبحت في كل قارات العالم.

أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله؛ وضم الإله اسم النبي مع اسمه، إذا قال في الأذان: أشهد، ستجد الآن قارات في أصقاع العالم وفي آخر الأرض تنطق باسم محمد ﷺ، لم يصلها ولم يصلها أصحابه رضي الله عنهم، ولكنه تكفل الله جل جلاله كما قال: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾. هكذا امتن الله على حبيبه وخليله ﷺ.

﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، وهذه من آيات التسلية للنبي ﷺ. وتوجد رسالة جامعية في جامعة أم القرى للدكتور عويد المطرفي رحمه الله اسمها «آيات عتاب النبي ﷺ»، ويوجد الآن مشروع في إحدى الجامعات في الدول العربية بعنوان «آيات تسلية النبي ﷺ»، فهذه من آيات التسلية للنبي ﷺ.

﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، أي أن مع الشدة التي أنت منها، من جهاد المشركين ودعوتهم إلى الله، يسرا ورخاء بأن يظهرك الله عليهم حتى ينقادوا للحق الذي جئتهم به. وهذه الآية من آيات التأكيد أيضا، فإن الله أكدها مرتين. وقال ابن عباس فيها رضي الله عنه: «لا يغلب عسر يسرين».

وهنا فائدة ونكتة بلاغية جدير بنا أن نتوقف عندها، وهي تعريف العسر وتنكير اليسر. لو تلاحظون أيها الإخوة والأخوات أن الله قال: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، العسر معرف واليسر منكر، هي نكرة. ثم أكدها مرة أخرى فقال: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، والعسر هنا أيضا معرف واليسر أيضا منكر. فإذا كان العسران معرفان فهما عسر واحد، وإذا كان اليسران منكرين فهما يسران مختلفان؛ إذا اليسران اثنان والعسر واحد، لذلك قال ابن عباس: «لا يغلب عسر يسرين».

وهذه أيضا من البشارة لنا نحن جميعا، فإذا تكالبت عليك الأمور وجدّت وشد عليك العسر، فاعلم أن بعد هذا العسر يسرا، ولربما ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعا وعند الله منها المخرج.

ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ [الشرح: 7]، أي إذا فرغت من أشغالك فانصب واجتهد إلى ربك في الدعاء وسله حاجتك. وقال بعض المفسرين: إذا فرغت من دعوة المشركين، فانوي الناس إلى الله، اجتهد وانصب في دعائك.

والآن بإذن الله نترككم مع فاصل ونواصل بعده بإذن الله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. رسائل نصية أنزلها الله إلينا تتوقف عليها سعادتنا، نحتاج إلى فهمها، إنها...

كتاب الله وتعلم التفسير واجب؛ لقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، والتدبر هو تأمل الألفاظ لمعرفة المعاني، وبتركه تفوت الحكمة من إنزال القرآن. وقد كان السلف يجمعون بين حفظ القرآن وتعلمه والعمل به؛ قال ابن مسعود: «كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن».

ويُفسر القرآن بالقرآن، وبالسنة، وبأقوال الصحابة والتابعين، ثم بما تقتضيه الكلمات من المعاني الشرعية أو اللغوية. واختلاف المفسرين إما لفظ، كقوله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، فقيل في معنى "قضى": أمر، وقيل: وصى، وقيل: عهد، والمعنى واحد. وأما اختلاف التنوع، فتُفسر الآية بعدة معانٍ لا تعارض بينها فتصح كلها، كقوله تعالى: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾، قيل: مملوءًا، وقيل: متتابعًا، وقيل: صافيًا. وأما اختلاف التضاد، فيجب الترجيح بين المعاني بدلالة السياق أو غيره، كتفسير "الذي بيده عقدة النكاح" بالولي وبالزوج، وهو الراجح لدلالة المعنى عليه. ومن أشكل عليه معنى آية فليرد المتشابه إلى المحكم ليكون الجميع محكمًا لا اختلاف فيه. وخير القصص وأحسنه وأنفعُه هو قصص القرآن؛ فتعلمه وعلمه.

قال تعالى: ﴿إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنُ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾. أهلاً وسهلاً بكم مجددًا بإذن الله، نستكمل نهاية السورة ثم نكمل بإذن الله بعدها الفوائد والتطبيقات. وصلنا إلى قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾، أي إذا فرغت من أشغالك وأعمالك فانصب واجتهد إلى ربك في الدعاء وسله حاجتك. يقول بعض العلماء أيضًا في هذه: إذا فرغت من عمل الدعوة إلى الله فانصب في الدعاء إلى الله عز وجل، كما قال الله عز وجل في سورة المدثر: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُم فَأَنذِرْ﴾، وقال في سورة المزمل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

النداء الأول للمدثر عليه الصلاة والسلام أن يقوم فينذر بالدعوة إلى الله، فهذا قيام الدعوة إلى الله. والنداء الثاني له بقيام المزمل هو أن يقوم الليل أي العبادة والدعاء والتضرع، فطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون بين هذين القيامين: قيام الدعوة، والقيام بالدعاء. لذلك كان معظم نهاره صلى الله عليه وسلم دعوة، وكان معظم ليله دعاء. وقال بعض العلماء: الدعوة إلى الله هي صورة الدين والإسلام وتأثيره في الناس، والدعاء هو الخفاء والصفاء مع الله جل جلاله؛ لذلك لا تكمل دعوة أبدًا حتى يكون فيها القيامان: قيام الدعوة وقيام الدعاء.

﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُم فَأَنذِرْ﴾، ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب﴾، أي أعظم الرغبة في أن يُجاب دعاؤك، ولا تكن ممن إذا فرغوا وتفرغوا لعبوا وأعرضوا عن ربهم وعن ذكره جل جلاله. هذا يا أيها الإخوة التفسير مرورا على هذه الآيات، لكن أيضًا نريد أن نتحدث معكم عن مسائل في هذه السورة، وعن فوائد من الآيات أو من المسائل المشكلات عند كثير من الناس.

هل يذنب الرسول؟ وقد أشرت إليها أولًا، نستمع إلى قول شيخنا وحبيبنا الشيخ ابن عثيمين رحمه الله قال: «نعم، ولا يمكن أن ترد النصوص لمجرد أن نستبعد وقوع الذنب منه صلى الله عليه وسلم، ولكن الشأن ألا يذنب الإنسان، بل الشأن أن يغفر له». وقد قال صلى الله عليه وسلم: «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون»، هذا الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه وحسنه الألباني، وهذا عام. لكن هناك أشياء لا يمكن أن تقع من الأنبياء أبدًا، لا يمكن تقع منهم عليهم الصلاة والسلام، كالكذب والخيانة والزنا وسيء الأخلاق؛ فهذا ممتنع لأنه ينافي أصل الرسالة. فهذه من الفوائد ومن الأشياء التي أود أن نتكلم معكم فيها.

أيضًا كيف تكون حياتنا وطريقتنا مع هذه السورة؟ أولًا يا أيها الإخوة ويا أيتها الأخوات، لا بد أن نكون كثيري التضرع والدعاء لله عز وجل بأن يشرح الله صدورنا في كل أمر، ونجتهد أن نلح على الله جل جلاله: يا رب اشرح لي صدري في هذا الأمر، خصوصًا أعمال البر. طبعًا يا رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري، كما دعا موسى عليه السلام: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا﴾. ماذا قال له الله عز وجل بعد هذا الطلب وهذا التضرع وهذا الإلحاح؟ قال: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ﴾.

إنه لا بد أن نكون في إلحاح دائم مع الله عز وجل؛ إن الله يحب الملحين، وإن الله لا يمل حتى تملوا. فإن الله إذا لم يشرح صدورنا لعمل ولم ييسر أمورنا فإنه لا إنشراح ولا تيسير. أيضًا يا أيها الإخوة ويا أيتها الأخوات، نحن أهل ذنوب وأهل معاصي، مَن ذا الذي ما ساء قط؟ ومن له الحسنى فقط؟ غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، علينا ذنوب وعلينا معاصي، ولكن خير الخطائين التوابون، جعلنا الله وإياكم منهم. يا من عدا ثم اعتدى، ثم اقترف ثم انتهى، ثم ارعوى ثم اعترف؛ أبشر بقول الله في آياته: ﴿لِيَنتَهُوا يَغْفِرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾. أسأل الله أن يغفر لنا ولكم ما قد سلف.

ولا شك يا أيها الإخوة ويا أيتها الأخوات أن ذنوبنا ومعاصينا كثيرة، وما دام أننا نتميز بصفة البشرية فإن الذنوب واقعة لا محالة، ولكن لا سيئة مع الاستغفار، والكبيرة مع الإصرار. كفُّ الذنوبِ صغيرها وكبيرها .. ذاك التقيُّ واصنع كماشٍ فوق أرض الشوكِ يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرةً .. إن الجبال من الحصى.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، هل هذه الآية خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ ليست خاصة؛ اعمر لنفسك قبل موتك ذكرها، فالذكر للإنسان عمر ثاني. ونبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾. مطلوب من الإنسان أن يكون ذكره حسنًا، وإذا سرتك حسنتك فأنت مؤمن. والمقصود من الذكر ليس ذكر الجاه والجمال والمال والعيال، لكن ذكر أمر الدين، والعلم الشرعي، والدعوة إلى الله، والإحسان إلى الخلق. هذا الذكر الحسن الذي يراد أن ينتشر في الآفاق، وآثار الدعوة وآثار الحسنات، كما نسمع عن كثير من علمائنا في هذا الزمان وفي الزمان الأول كيف انتشر ذكرهم وصيتهم بالأعمال الصالحة وبتقوى الله وبالعمل الصالح وبصفات الإيمان. ليس انتشار الذكر المقصود به المال والقبيلة والجاه والعيال، فهذه كلها زائلة، ولكن هي الأمور التي لا تنقطع: العمل الصالح، الدعوة إلى الله، والولد الصالح كذلك؛ هذا من الذكر الحسن.

ثم قال الله مسليًا لنا، مسليًا للناس جميعًا وللأمة: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾. من هو السالم من الذنوب؟ من هو السالم من المعاصي؟ من هو السالم من هموم الدنيا؟

وغمومها ونكدها. من هو السالم من الأتراح؟ من هو السالم من الأحزان والآلام والمصائب؟ ولكن الله جعل لنا في خضم هذه الآلام فرجًا، وجعل لنا عقب هذا الظلام فجرًا ونورًا ساطعًا. لذلك بشرنا الله وأكد لنا فقال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5]. وهذا تأكيد وبشارة عظيمة، كما وقعت للنبي ﷺ فهي أيضًا تعنينا، وهي مؤكدة لنا أن جميع ما نتعرض إليه من عسر وهم وغم ونكد، اطمئن وثق بالله، فإن بعد هذا الضيق انفراجًا، وبعد العسر يسرا؛ ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾. هكذا يؤكدها الله عز وجل لنا جميعًا.

لذلك يا أيها الإخوة، لا تظنوا أن هذه الخطابات التي وجهت للنبي ﷺ وجهت لأحد من الأنبياء والصالحين خاصة بهم بل هي عامة لكل من تسلى بهذا القرآن، ولكل من أمعن فيه التدبر والنظر. فالعبرة كما يقول أهل قواعد التفسير بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ كل آيات القرآن إن لم يكن لها مخصص ومقيد واضح فكل هذا تعنينا وتأمرنا وتبشرنا وتنذرنا وتوجهنا وتعلمنا.

لذلك كان الصحابة رضي الله عنهم، الواحدة منهم قرآن يسير على الأرض، كما قالت عائشة في جوابها لعروة حين سألها عن أصحاب النبي ﷺ، قالت: «كان أحدهم قرآنًا يسيرًا على الأرض». والنبي ﷺ كان خلقه القرآن، كانوا يتأسون به ويتسلون به ويأنسون به وينظرون فيه ويتدبرون فيه. فكذلك هذه الصورة يا أيها الإخوة، من تدبر فيها بانشراح الصدر، ووضع الوزر الذي أنقض الظهر، ورفع الذكر، والبشارة بأن ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.

ثم قال الله عز وجل: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾، والكلام لنا إذا فرغنا من أمر الدعوة إلى الله، إذا فرغنا من أمور العلم ومن أمور الإصلاح والبيان للناس، فلنصب في الدعاء والتضرع بين يدي الله، ونرغب الله ونرهب من الله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾؛ الفرار من الله إلى الله. لذلك يا أيها الإخوة علينا النصب، وهذه الصورة في حياتنا، وأن نستحضر منة الله على نبيه ﷺ. ونأخذ بإذن الله هذا فاصل، ثم نواصل المقطع الأخير بإذن الله من تفسير هذه السورة.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، أنيق المنظر، طيب المخبر، مجالسته أنفع مجالسة، ومؤانسته أمتع مؤانسة. إنه الكتاب، من خلاله نجالس العلماء والصالحين. قيل لابن المبارك: ألا تجلس معنا؟ قال: «ما أجلس إلا مع الصحابة والتابعين»، ويعني قراءة سيرهم. وقد كان العلماء مشغوفين بالكتب شراء وقراءة، قال ابن الجوزي: «ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتابًا لم أره فكأني وقعت على كنز»، ولو قلت إني طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر.

طالب العلم لا تخلو مكتبته من الكتب الأساسية في شتى العلوم؛ ففي التفسير مثلا تفسير السعدي وتفسير ابن كثير، وفي العقيدة كتاب التوحيد والطحاوية والواسطية مع بعض الشروح، وفي الحديث الكتب الستة مع أهم شروحها، وهكذا بقية العلوم. وقبل الشراء استشر أهل الخبرة ليدلوك على أهم الكتب وأفضل الطبعات، لا سيما ما حققه العلماء الثقات كالالباني وبكر أبي زيد. احرص على التنويع في شراء الكتب، ولا تقتصر على فن واحد أو فنين، واعتن بكتب النوازل الفقهية والعقدية، ولا تبخل بإعارة الكتاب، وحافظ عليه إن استعرته، ولا تستكثر ما تنفقه في شراء الكتب؛ وصدق من قال: تلك النفائس لو تباع بوزنها ذهبًا لكان البائع المغبون حيا.

حياكم الله أيها الإخوة وأيها الأخوات في المقطع الأخير من تفسير هذه السورة. هذه السورة أيها الإخوة تذكر بمقاطع من الآيات أشرت إلى بعضها معكم وسأتكلم عن بعضها، ومناسبة هذه السورة مع بعض سور القرآن أو بمقاطعها مع بعض آيات القرآن. قال الله عز وجل كما ذكرت لكم في البداية: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ [الزمر: 37]، و﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾، كما في قوله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾. ما علاقة الهداية بالانشراح؟ علاقة وجوه الإخوة والأخوات واضحة جليًا؛ لو أن الله عز وجل لم يشرح صدورنا للإسلام ما أسلمنا، ولو أنه لم يشرح صدورنا للإيمان ما آمنا، ولو أنه لم يشرح صدورنا للصدقة ما تصدقنا، وهو محض فضل الله ومنته جل جلاله.

لذلك قال العلماء ما هي الهداية؟ قالوا هي نور يقذفه الله في قلب العبد يفرق به بين الحق والباطل؛ لذلك قال الله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾، وبالمقابل: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾. لذلك لم يذكر الله عز وجل طلبًا وسؤالًا في سورة الفاتحة غير الهداية: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. فالله عز وجل في هذه السورة شرح صدر نبيه ﷺ بالهداية والإيمان والقرآن والتقوى، وشرح صدره للدعوة إلى الله وهو أعظم شيء.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا نقرأ كثيرًا ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ وتنشرح صدور القلة منا إلى الصراط المستقيم؟ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، ﴿فَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ الصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69].

قال العلماء: لأن انشراح الصدر للهداية لابد أن يسبقه الطلب الصادق للهداية، حتى لو أن طالب الهداية لم يتمكن من ذات الهداية، لكن بما أنه في الطريق الصحيح إليها فإن الله رحمن رحيم. ويذكرون لذلك قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا؛ هذا الرجل يبحث عن الهداية لكنه يقتل، حتى جاء إلى العابد الذي ليس عنده علم فقال: قتلت تسعة وتسعين نفسًا، فهل لي من توبة؟ فقال: «ومن يحول بينك؟» فقال: ليس لي توبة، فأكمل به المئة.

فجاء إلى العالم فقال: ومن يحول بيني وبين الله؟ فقال: «ولكن اذهب إلى أرض كذا وكذا، فإن فيها أناسًا يعبدون الله، اعبد الله معهم». هذا الرجل لم يصل إلى أرض الهداية، انطلق من أرض الغواية يريد أرض الهداية، فقدر الله عز وجل أن يموت بين الأرضين، فكان بين الأرضين، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب؛ أما ملائكة الرحمة فتقول: اقبل تائبًا، وملائكة العذاب تقول: لكنه لم يعمل شيئًا من الصالحات.

فأرسل الله ملكًا في صورة رجل ليحكم بينهم، فقال: «قيسوا ما بين الأرضين»، وفي بعض الروايات أن الله قال لأرض الخير: اقتربي، ولأرض السوء: تباعدي تباعدي، فكان أقرب إلى أرض الخير بشبر واحد، فأخذته ملائكة الرحمة. هذا الرجل انشرح صدره للهداية لكنه لم يعمل شيئًا من الصالحات، مات في الطريق إلى الهداية فتجاوزه الله أرحم الراحمين. ما للعباد عليه حق واسع، كلا ولا سعي لديه ضائع؛ إن عذب فبعدله، أو نعم فبفضله، وهو الكريم الواسع. لم يعمل من الصالحات شيء لكن كان عنده الطلب الصادق.

وكان عنده انشراح الصدر للهداية، فأعطاه الله منازل المهتدين. ويذكرون كذلك مثلا آخر عن السحرة الذين جمعهم فرعون للقاء موسى؛ ذكر الله هذه القصة في أكثر من موطن، ذكرها في سورة الأعراف وذكرها في سورة طه وفي غيرها من السور.

ذكر بعض العلماء من أهل التفسير والسير ما ملخصه أن السحرة لقوا فرعون، ثم قالوا له: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾؟ قال: «نعم، وإنكم لمن المقربين»، وعدهم فرعون بالمناصب والأموال. اجتمعوا فيما بينهم يتشاورون، قالوا: إن كان موسى هذا ساحرًا فإنه لن يغلبنا من قلة، ولكن إن كان نبيًا فما رأيكم؟ قالوا: إن ثبتت لنا نبوته فلا عذر لنا من أن نؤمن به.

وكان فرعون ينظر إلى هذا الاجتماع من بعيد وهم يتشاورون. بدأت المناظرة وحشر الناس ضحى، فقالوا: يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين. قال: «ألقوا»، فسحروا أعين الناس واسترهبوهم، والسحر من أنواع الإرهاب، أجارنا الله وإياكم، واسترهبوهم وجاؤوا بسحر عظيم، فخاف موسى مباشرة.

فحين فُعل، علموا أنه ليس بساحر إنما نبي، لأنه ألقى عصاه، قال الله تعالى: ﴿يَا مُوسَىٰ لَا تَخَفْ ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ * أَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلقَفْ مَا صَنَعُوا ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾ [طه: 69-70]. فألقى موسى عليه الصلاة والسلام عصاه، فإذا هي تلقف ما مباشرة. تبين لهم الحق من الباطل، فألقى السحرة ساجدين، قالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 121]. قال الله تعالى: ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ [الأعراف: 121]، فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون.

جاء فرعون يزعج ويذبد ويرعد وهو يقول: ﴿أَمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ أَذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 127]. بدأ يتوعدهم ويتهددهم وهم سجود لله عز وجل. قال ابن عباس كما روي عنه حين سجدوا رأوا منازلهم في الجنة، فحين رفعوا من سجودهم قالوا لفرعون وهو يهددهم ويتوعدهم: «أقضِ ما تقضي، إنما تقضي هذه الحياة الدنيا»، وقالوا: ﴿لَا ضَيْرَ ۖ إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 50].

قال ابن عباس: فآلزمهم فرعون بالصلب وقتلهم، رضي الله عنهم. فقال ابن عباس: «يا لله! أصبحوا سحرة كفارًا وأمسوا شهداء في جنات النعيم»، وذلك بسجدة واحدة. هؤلاء كانوا في الصباح سحرة، وفي المساء شهداء في جنات النعيم، وذلك بسجدة واحدة، لكنها سجدة صادقة. شرح الله صدورهم لهذه السجدة الصادقة، فتنال منازل الصديقين والشهداء، وهم لم يسمعوا التوراة ولم يذهبوا مع موسى، ولم يصلوا ولم يتصدقوا ولم يحجوا ولم يصوموا، إنما هو عمل واحد، لا أكثر منه ولا أقل؛ سجدة صادقة بعد انشراح الصدر.

لذلك أيها الإخوة، أيتها الأخوات، لا بد أن نلح على الله كثيرًا أن يشرح صدورنا للإيمان والإسلام والعمل الصالح وصفات الإيمان والدعوة إلى الله. نسأله عز وجل في ختام هذا المجلس المبارك أن يجعل اجتماعنا مرحومًا، وتفرقنا من بعده معصومًا، وألا يجعل فينا ولا منا شقيًا ولا محروما.

ونسأله عز وجل أن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، ويرنا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه. اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا واحفظ أئمتنا ولاة أمورنا. اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.