تسجيل الدخول

المحاضرة 20 - تفسير سورة التكوير (29:22)

محمد صالح المنجدالشيخ محمد صالح المنجد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حياكم الله في هذا الدرس، الدرس العشرين من سلسلة محاضرة مادة التفسير في أكاديمية زاد.

وقد سبق في الدرس الماضي الكلام عن تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير: 15-16]، الآيات من آخر سورة التكوير. وقلنا إن قوله تعالى: فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس، هذا قسم من ربنا سبحانه وتعالى بالنجوم التي تكون مختفية قبل ظهورها بالليل، فهي في النهار مختفية وفي الليل تظهر. فالخنس التي تختفي، الجواري الكنس فهي تظهر وتختفي؛ فهو قسم بالنجوم التي كانت مختفية قبل ظهورها بالليل وهي جاريه في فلكها في ذات الوقت، تجري وتظهر وتختفي، والداخل وقت غروبها في النهار إذا طلع كما تدخل بقر الوحش والظباء في كناس يعني بيوتها. فهو قسم بليغ عظيم بمخلوقات عظيمة لله وهي النجوم في دورانها في أفلاكها وفي ظهورها واختفائها، وفيه تشبيه بليغ باختفاء هذه النجوم كما تختفي بقر الوحش والظباء في كناس وبيوتها.

وكذلك أقسم تعالى بالليل فقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: 17]، أي أدبر وولى وذهب، ويصح أن يكون المراد أيضاً أقبل؛ لأن عسعس من أفعال الأضداد، تطلق على الأدبار والذهاب وتطلق على الإقبال أيضاً. فأقسم الله تعالى بالليل في أدباره وإقباله. ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: 18]، ظهر وطلع وامتد ضوءه. أقسم على حقيقة عظيمة، وهي أنه أي القرآن الكريم لقول رسول كريم وهو جبريل عليه السلام. ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: 20]، فجبريل كريم على الله، ملك شريف حسن الخلق بهي المنظر، وهو ذو قوة فيما كلف وامر به. ﴿عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: 20]، يعني عند الله سبحانه وتعالى ذو مكانة ومنزلة رفيعة. ﴿مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: 21]، ثم يعني هناك في الملأ الأعلى عند الملائكة يطيعون أمره لان يبلغهم عن الله أوامره أولاً بأول. أمين أي ذو أمانة فيما كلف به لا يزيد ولا ينقص ولا يتعدى ما حد له، أمين على وحي الله عز وجل.

القسم هذا فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس، انه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين، ولا زلنا في جواب القسم، لا زلنا في المقسم عليه، لا زلنا فيما يريد الله تأكيده بالقسم. ما هو؟ ﴿وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: 22]. إذاً القسم هذا انتصار للقرآن وانتصار لنبي الرحمن عليه الصلاة والسلام الذي اتهمته قريش، اتهمه قومه بالجنون، فقال الله وما صاحبكم بمجنون. كما اتهمتموه فهذه فرية، وما صاحبكم بمجنون، وقد ذكر الله تعالى هذه الفرية في قوله: ﴿وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: 6]، فانتصر الله للذكر وانتصر لنبيه. وكذلك قال الله عنهم في كلامهم: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ ۗ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: 8]، وقالوا معلم مجنون. وانتصار الله للنبي صلى الله عليه وسلم ودفاعه عنه في غير هذا الموضع في موضع آخر يشبهه اي في نفي هذا عن نبيه قال: ﴿ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: 1-2]. وفي هذه الآية وما صاحبكم بمجنون هجوم الأعداء على الدعوة وحاملها، هجوم المكذبين على القرآن ومبلغه أنه طعن في رأس هذا الدين من البشر؛ لأنهم إذا أسقطوا الراس سقط الباقي، فاتجهت العداوة والسهام إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتقولوا عليه الأقاویل. ولكن ربنا سبحانه وتعالى دافع عن النبي صلى الله عليه وسلم وانه أكمل الناس عقلاً وأجزل رأياً وأصدقهم لساناً وأحسنهم أدباً.

موضوع الجنون هنا لماذا جاؤوا به؟ كأنهم يقولون إن هذا القرآن وسوسة مجانين، ولكن القرآن في غاية الفصاحة والبلاغة تحداهم أن يأتوا بمثله، كيف لهذا القرآن بما حواه من القصص والامثال والفقه الحلال والحرام والفصاحة والبيان كيف يخرج من مجنون؟ لا يمكن، وسلامة المبلغ تقتضي سلامة القول، وسلامة القول تقتضي سلامة المبلغ. وهنا سؤال: لماذا قال صاحبكم ولم يصرح باسمه عليه الصلاة والسلام؟ لماذا اضافه إليهم؟ صاحبكم، كأنه فيه تحدي لهم وإقامة الحجة عليهم؛ صاحبكم هذا الأول الذي تعرفونه من زمان، تعرفونه منذ زمن بعيد من أول أمره، تعرفونه هذا ليس رجلاً دخل عليكم حديثاً، هذا ليس رجلاً جاء للتو واللحظة، هذا صاحبكم المعروف عندكم الذي كنتم تللقبونه بالصادق الأمين، فجأة الآن صار مجنوناً، فجأة اتهمتموه وكنتم تمدحونه! هذه أيضاً فيها صاحبكم الذي يريد لكم المصلحة أيضاً، صاحبكم كلف بكم والمبعوث منكم وفيكم، صاحبكم تعرفون نسبه وتعرفون عقله وتعرفون صدقه وتعرفون أمانته من قديم تصاحبونه تعلمون حاله، فإذا كنتم تعرفون صدق لهجته وكمال عقله ووفور حلمه من قبل فكيف يصبح الآن فجأة مجنوناً؟ إذاً ما تتهمونه به كذب وزور وبهتان عظيم، فأبطل الله قولهم بالقسم فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس انه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون. مدح الرسول الملكي ونفى الفرية عن الرسول البشري بما يتضمن مدحه، وقوله بمجنون الباء هذه بعد النفي للتاكيد، أسلوب عربي وما هو بكذا أسلوب للتاكيد.

ثم ذكر الارتباط بين الرسولين الملكي والبشري؛ لأن هذا القرآن سلسلة في الأخذ مترابط بالسند من الرسول البشري إلى الرسول الملكي إلى رب العزه، قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: 23]. سنعرف معنى هذه الآية وما بعدها إن شاء الله بعد وقفتنا هذه، نعود إليكم.

ولقَد راه بالأفق المبين، يعني رأى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام الذي أتاه بالرسالة من الله عز وجل، رآه على خلقته التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح. النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل في عدد من المواضع، وجبريل عليه السلام جاء بصفته الملكية كما خلقه الله، وأيضاً جاء على هيئة رجل كما في حديث أركان الإيمان، هناك إذا عدة مرات التقى به فيها. ولقد رآه في مرة من المرات رآه الأفق المبين، المبين البين الأفق حيث تطلع الشمس قبل المشرق، وعند الطلوع يكون الأفق من أوضح ما يكون، ولذلك اختار الله هذه اللحظة وهذا الوقت ليرى نبيه في الارض ورسوله في السماء، والأفق الفضاء الذي يبدو للعين من الكرة الهوائية بين طرفي مطلع الشمس ومغربها من حيث يلوح ضوء الفجر وفي المقابل يبدو شفق الغروب وهو يلوح كأنه قبة زرقاء. ولقد رآه بالأفق المبين، رآه بين السماء والأرض، وهذه الرؤية هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ * فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ﴾ [النجم: 5-10]. وصف الله كيف تجلى جبريل في السماء، شديد القوه عليه السلام، ذُو مرة وجمال وشكل حسن، فاستوى في السماء سد الأفق بستمائة جناح بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى بلغ القرآن ونزل به على محمد صلى الله عليه وسلم.

في وصف الأفق الذي تراءى منه جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه مبين معناه وهو أن ما رآه عليه الصلاة والسلام ليس خيالات، ليس وسوسة، ليس وهماً، شيء حقيقي في جو واضح بالأفق المبين، فهذا ملك وليس بخيال أو وهم؛ الأخيلة التي يتخيلها المجنون وغيرهم يتخيلون بأسباب يتوهمون لعلل، لكن النبي عليه الصلاة والسلام عاقل تام العقل، رآه في الموضع تام الوضوح على الصفة التفصيلية الحقيقية. ولذلك قال الله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ﴾ [النجم: 12] وتجادلون بالباطل؟ ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى.

نعود إلى الآيات التي نحن بصددها في سورة التكوير، قال الله: وما صاحبكم بمجنون. ولقد رآه رأى جبريل بالأفق المبين. ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: 24]، من هو؟ محمد صلى الله عليه وسلم. وما هو على الغيب، ما المقصود بالغيب؟ الوحي والقرآن الكريم. ما معنى ظنين؟ على قراءة الضاد ليس بخيلاً بالقران بل هو جواد كريم ياتيكم به ويبلغكم ويعيد عليكم، لا يحجب منه شيئاً ولا يدخر، بل يعطيكم إياه ويبلغكم أولاً بأول أول ما ينزل وحي يبلغ. وما محمد صلى الله عليه وسلم على الغيب على هذا القرآن بضنين ولا بخيل به، هذه قراءة الضاد. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بظنين بالظاء، والمعنى ما هو بمتهَم؛ لأن الظن هي التهمه. وما هو على الغيب بظنين يعني يخترعه يفتريه، لا، بل هو ثقة أمين فيما أداه عن الله تعالى. قراءة الضاد قراءة عاصم ونافع وحمزه وبن عامر بضنين، تقول العرب: ضننت بالشيء فانا به ضنين يعني بخيل، فليس بضنين بخيل به عليكم وإنما يؤديه ولا يكتمه، وليس بظنين ولا متهم بشأنه، بل هو صادق فيما أتى به من عند ربه. وهذا كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: 41-42]. والكهان في العادة ما يعطون إلا بالقطارة، يكتمون ولا يبلغون حتى يأخذ المقابل، الكاهن لو اخذ شيئاً من مسترق السمع من الشياطين من السماء ما يعطيه، ما يعطي كل ما عنده بالقطارة حتى يأخذ على هذه وعلى الكلمة التي بعدها والكلمة التي بعدها، طبعا مع كل كلمة تسعة وتسعون كذبة.

إذاً محمد صلى الله عليه وسلم ليس بضنين بالقران ولا يسأل أجراً على تبليغه، درجة العادة عند بعض المعلمين أنهم لا يعلمون سر المهنة ولا يخرجون كل ما عندهم لاجل أن يأخذوا المقابل، فيعطي شيئاً ويأخذ ثم يعطي شيئاً آخر ويأخذ، وإذا قلت أعطنا لا تبخل علينا يقول هذه سر المهنة. لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: ما أسألكم عليه من أجر، لا أسألكم عليه أجراً. قال قتادة رحمه الله: كان القرآن غيباً فأنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم فما ضن به على الناس، بل بلغه ونشره وبذله لكل من أراده. إذاً المعنى الإجمالي للآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بمتهَم في الوحي ولا باخل به ولا كاتم منه شيئاً، فما أخبركم به هو الحق وهو أمين فيما يؤديه عن الله تعالى، يعلمكم ولا يبخل عليكم.

ما هو الاحتمال الآخر عند المكذبين بشأن القرآن الكريم؟ حاولوا أن يتهموا مبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، إذا فشلت هذه المحاولة ماذا يمكن أن يقولوا أيضاً؟ أن الذي أسمعه إياه شيطان، شيطان تنزل شيطان جاء بهذا الكلام وألقاه على محمد صلى الله عليه وسلم وبلغنا، ولكن المصدر شيطاني من الشياطين. حاولوا أن يدخلوا من هذه الجهة أيضاً، فماذا قال الله؟ الردود الإلهية على الافتراءات افتراءات المكذبين ردود قوية، والله يعلم ماذا يقولون وكل ما اخترعوا قولا أو تهمة أو فرية جاء الرد القوي، لا المبلغ مجنون ولا المصدر الذي يبلغ عنه شيطان. ولذلك قال الله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ﴾ [التكوير: 25]، وسنعرف بعد قليل إن شاء الله تفسير هذه الآية.

بسم الله، حياكم الله مرة أخرى إيهاب الإخوة والأخوات، ونحن مع دفاع الله عن كتابه وعن نبيه صلى الله عليه وسلم المبلغ لهذا القرآن، وعمن كان سفيراً بينه وبين الله به وهو جبريل عليه السلام، والردود على الافتراء واضح جداً في.

الرد على كل المفتريات: هذا القرآن من عند الله، بلغه جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم، النبي عليه الصلاة والسلام بلغه إليكم، كان صادقاً وكان كريماً به، معطياً بغير أجر ولا مقابل، وهذا كلام الله حقيقةً، ليس بقول شياطين ولا تنزلت به، قال الله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ﴾ [التكوير: 25]. فلما ذكر الله تعالى جلاله كتابه وفضله بذكر الرسولين الكريمين، الملكي والبشري، اللذين وصل إلى القرآن عن طريقهما، وأثنى الله عليهما بما أثنى، وهما جبريل ومحمد عليهما الصلاة والسلام، دفع الله عن القرآن كل آفة ونقص فقال: وما هذا القرآن بقول شيطان ملعون مطرود، ولكنه كلام الله ووحيه.

هذا القرآن ليس شعراً ولا كهانة، وهذه فرية أخرى حاولوا أن يقولوا إن هذا من جنس قول الكهان ومن جنس شعر الشعراء، ولكنهم أهل شعر ولغة فصيحة، يعلمون جيداً الفرق بين الشعر وبين القرآن. أبطل الله قولهم لما قالوا إن محمداً يقول ما يقول عن الشيطان، يعني مصدره فيه الشيطان، فأبطل قولهم: الشيطان لا يقدر على حمل هذا القرآن، هذا القرآن فيه لعن للشيطان، وتحذير من الشيطان، وكشف لسبل الشيطان، وتحريم لاتباع خطوات الشيطان، وذكر العداوة بيننا وبين الشيطان، فكيف تأتي به الشياطين؟ لا يمكن للشياطين أصلاً أن ينظموا مثله، قل إن اجتمعت الإنس والجن بمن فيهم الشياطين على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله، وهل الشيطان سيأتي بما فيه رد عليه وتحذير منه وكشف لباطله؟ الشيطان بغية إضرار العباد، فهل يأتيهم بما يهديهم؟

وقد قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنَبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الششعراء: 210-212]. وأيضاً الله حمى طريق الوحي من السماء إلى الأرض بالشهب الثاقبة، لو حاولت الشياطين الدخول على الخط فاتبعه شهاب ثاقب يحرقهم. وقال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: 221-222]، من الكهان، يتلقونه عن شياطينهم، كل كاهن عن شيطانه، ويسمونه رأياً، رأي من الجن يتراءى الكاهن تعامل معه.

لما أغلق الله المنافذ على كفار العرب والمشركين من جميع الجهات التي حاولوا الدخول عبرها للاتهامات والافتراء والطعن للتكذيب وإسقاط هذا القرآن والوحي، قال الله لهم بعد الردود: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: 26]. هذا قولكم مردود عليه بهذا، وهذا قولكم مردود عليه بهذا، وافتراؤكم هذا مردود عليه، فأين تذهبون؟ اتبعوا الحق، ما لكم إلا هذا. كل الطرق التي أتيتم بها فاشلة مسدودة، أين تذهبون عن هذا الحق الذي ظهر؟ بأي طريق تسلكون؟ ما لكم إلا تصديق به والإيمان والاتباع، فأين تذهبون عن كتابي وطاعتي؟ إن الله يقول لهم: أين تذهبون عنه؟ وكذلك أين تذهبون في الافتراءات؟ ها هي مردودة ساقطة، إلى أي سبيل تسلكون؟ انتهت أصلاً كل السبل وسقطت كل الافتراءات وكل ما احتجتم به سقط. والفاء في قوله: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ للتفريع على التوبيخ والتعجيز على الحجج المتقدمة المثبتة أن القرآن لا يجوز أن يكون كلام كاهن ولا كلام شاعر ولا كلام مجنون، وأنه وحي من الله. أين تذهبون وقد سدت عليكم طرق البهتان واتضح لكم بالحجة الدامغة والبرهان القاطع بطلان ادعاءاتهم؟ قالوا إن قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ من مبتكرات القرآن، يعني في عبارات أصلاً العرب ما استعملت مثلها، ويقال لمن كان في خطأ وعماية: أين يذهب بك؟

وقال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 27]، هذا القرآن ذكر وموعظة للخلق جميعاً، يتذكرون به ربهم، وما أنزل إليهم وعليهم، وما أنزل من أجلهم. يتذكرون صفات الله، أسماء الله، كمال الله، تنزيه الله عن النقائص والعيوب. يتذكرون الأوامر والنواهي والأحكام. يتذكرون أحكام الله القدرية والشرعية والجزائية؛ القدرية: هذه الأشياء المكتوبة التي تقع من المصائب وغيرها، والشرعية: من الأحكام والحلال والحرام، والجزائية: الأحكام الأخروية يوم يجازى العباد. فإذاً إن هو إلا ذكر يشتمل على ما فيه مصالح العباد في الدارين. والذكر اسم يجمع معاني الدعاء والوعظ والزجر عن الباطل. إن هو إلا ذكر للعالمين، لجميع الناس ينتفعون به، لا العرب وحدهم ولا المسلمين وحدهم، للعالمين لكل الأمم، فيه صلاح اعتقاد وطاعة الله وتهذيب الأخلاق والآداب وحفظ الحقوق. للعالمين، هذه دعوة عالمية من أول مرحلة منذ انطلاقها من مكة، وهي عالمية مع أن السورة مكية والرسول عليه الصلاة والسلام محاصر في قريش في مكة، والله يقول للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم، لمن أراد الهدايه، القرآن له من جاه.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرنا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرنا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وأن يجعلنا من المؤمنين بهذا القرآن. في الدرس القادم إن شاء الله نختم هذه السورة وندخل في السورة التي تليها. نسأل الله التوفيق، استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.