تسجيل الدخول

المحاضرة 6 - تفسير سورة النبأ (40:38)

محمد صالح المنجدالشيخ محمد صالح المنجد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغب في كل علم نافع، متطلعا لزيادة الإيمان، وتريد سهلا يأتيك ميسورا بأي مكان، كتاب الله روح قلوبنا، خير الدروس تعلم القرآن.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. أيها النابهون من الطلاب والطالبات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ها أنتم تزدادون معرفة بتفسير كلام الله، وربط الآيات ببعضها البعض: كيف نتلقى الآية؟ كيف نبحث عن معنى الكلمة فيها؟ كيف نربط الآية بما قبلها وما بعدها؟ وكيف يفسر القرآن بعضه بعضا من سور أخرى؟ نحن الآن في الدرس السادس من سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد.

سبق في الدرس الماضي الكلام عن تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا * وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا * وَكَأْسًا دِهَاقًا * لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا * جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا * رَّبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَٰنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ [النبأ: 31-37]، قلنا إن الله تعالى رغب المتقين فيما أعد لهم في الآخرة من الكرامة والنعيم المقيم. فقوله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ منجا وبعد عن النار، المفاز: الفوز والنجاة من كل مكروه والظفر بكل محبوب. ﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾ البساتين الجامعة لأصناف الأشجار الزاهية من الثمار التي تتفجر بين خلالها الأنهار، وخص الأعناب لشرفها وكثرتها في تلك الحدائق. وقوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ زوجات النواهد لم تتكسر أثداؤهن من شبابهن وقوتهن ونضراتهن، إنهن في سن واحدة متقاربة. ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ مملوءة مترعة متتابعة من رحيق لذة للشاربين. وقوله: ﴿لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ كلاما لا فائدة فيه ﴿وَلَا كِذَّابًا﴾ إثما، فالجنة دار السلام سالمة من هذا. وقوله تعالى: ﴿جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ جازاهم به وأعطاهم إياه كافيا وافيا من رحمته، ولذلك قال: ﴿رَّبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَٰنِ﴾ ولولا رحمته ما دخلوا الجنة.

ثم عاد إلى شيء من التذكير بعظمته وهيبته تعالى فقال: ﴿لَّا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾. اتجاه الآيات في ختام السورة إلى العودة، لاحظوا معي العودة للتذكير: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ: 1-5]، عودة مرة أخرى إلى جو الآيات الأولى في السورة. ﴿لَّا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ هذا استئناف مقرر لما أفادته الربوبية العامة من غاية العظمة والكبرياء، إذا: ﴿رَّبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَٰنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ لا يملك أهل السماوات والأرض على أن يخاطبوه بشيء بغير إذنه، فلا يقدر أحد على ابتداء الكلام معه إلا باذنه، من هيبته تعالى وعظمته وجبروته وقوته وسلطانه، من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه؟ يوم يأتي لا تكلم نفس إلا بإذنه.

لما ذكر تعالى أن أحدا من الخلق لا يمكنه أن يخاطبه في شيء أو يطالبه بشيء إلا إذا أذن له، أكد تعالى هذا المعنى فقال، ولنستحضر سير الآيات في خواتم السورة إلى أجواء الهيبة والعظمة في اليوم الآخر: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: 38]. فإذا كانت الملائكة من اعظم المخلوقات قدرا ورتبة ومكانة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لا يتكلمون في موقف القيامة إجلالا لله وخوفا منه وخضوعا له فكيف بغيرهم؟ استحضار مشهد الهيبة لله في ذلك اليوم، الوقوف بين يدي الله، يوم يقوم الناس لرب العالمين، لا أحد يتكلم من هيبة الله، هذا معنى عظيم استحضاره يجعلنا نكثر من الصالحات ونترك المحرمات. لا يملك الخلق من الله مخاطبة في ذلك اليوم ولا الملائكة التي تأتي صفوفا وفي مقدمتهم الروح، وهو جبريل، هذا أحد الأقوال.

وتعالى معشر الطلاب والطالبات حتى نقف في هذه الكلمة على مثال من أمثلة تنوع الأقوال في تفسير الكلمة القرآنية: ما المقصود بالروح؟ قيل: هم بني آدم، وقيل: خلق من خلق الله، وقيل: جبريل، وقيل: القرآن (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا)، وقيل: ملك عظيم من الملائكة. وتوقف ابن جرير رحمه الله أمام المفسرين فلم يقطع بواحد من هذه الأقوال كلها، لكن لا شك أن الروح خلق من خلق الله، يعني سواء كان جبريل أو ملك آخر أو البشر أو أو، لكن هذه الروح التي ستأتي يوم القيامة مع الملائكة خلق من خلق الله، ولا يضرنا أن لا نعرف ما هي. روحنا ابن كثير رحمه الله رجح أنهم بنو آدم، وغير من المفسرين كالقاسم رحمه الله رجح أنه جبريل، وهذا له شواهد من آيات القرآن نفسها: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ [الشعراء: 193-194].

إذا تفسير القرآن بالقرآن: الروح والملائكة، الروح جاء مذكورا في القرآن على أنه جبريل، نزل به الروح الامين، وكذلك وروح القدس هو جبريل عليه السلام، والتنزيل يفسر بعضه بعضا، والقول بأنه جبريل عليه السلام قول قوي للغاية؛ لأن آيات أخرى تشهد له، إفراد جبريل عن بقية الملائكة لعظمته ومنزلته عند ربه، فهو قائدهم وأميرهم، أول ما يتكلم ربنا في الأوامر مع جبريل، أول ما يخبر الملائكة عن محبة فلان لجبريل ويخبر جبريل الملائكة، وهكذا في ذلك اليوم العظيم يأتي جبريل عليه السلام الروح والملائكة مصطفين. قال بعض المفسرين: يقف جبريل وحده صفا والملائكة صفا آخر، وقيل الملائكة صفوفا لقوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: 22].

الحقيقة أن اصطفاف الملائكة وقيام الملائكة يبعث الرهبة في النفس من ذلك اليوم، المشهد نفسه كلهم خاضعون لا يتكلمون إلا لمن أذن الله له، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: 38]، أن يأذن الله له في الكلام، وأن يكون ما يتكلم به صوابا وحقا. وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الآخر: «ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل» رواه البخاري ومسلم. وقال صوابا: قيل حقا، ومن الحق لا إله إلا الله. وعن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ إلا من أذن له الرب بشهادة أن لا إله إلا الله.

هذه الآيات في الحقيقة عظيمة، والآية الأخيرة منها فيها إثبات الشفاعة، وأن لا تصح عند الله إلا بشرطين: أذن الله للشافع أن يشفع، وقد دل على هذا الشرط قوله تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]، ولا تشفع ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له. فالنبي عليه الصلاة والسلام هو أكرم الخلق على الله، لا يشفع يوم القيامة حتى يستأذن ويسجد تحت العرش ويسأل ربه حتى يقول له: اشفع تشفع كما في الصحيحين. والثاني: رضا الله عن المشفوع له أن يشفع فيه الشافع، وقد دل على هذا الشرط قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَن ارْتَضَىٰ﴾ [الأنبياء: 28]. ودلت النصوص على أن الله لا يرضى أن يشفع إلا في أهل التوحيد، ولا يشفع شافع عنده إلا لموحد. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها، وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة»، جاء في رواية: «فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا». والله قال في الكفار: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: 48].

وهنا مسألة لطيفة: إطلاق صفة الرحمن على مقام الجلالة في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ فيها إيماء إلى أن أذن الله لمن يتكلم ولمن يشفع أثر من آثار رحمته. نسأل الله أن يجعلنا من أهل شفاعة محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم. واستراحة قصيرة ثم نعاود التفسير معكم.

من اعظم الأخطار التي تهدد المجتمع وتجعل بناءه هشا ضعيفا، جهل المرأة بما تحتاج إليه من أمور دينها ودنياها وشؤون حياتها، فهي الساعد الآخر لبناء المجتمع. فالمرأة الجاهلة لا يمكنها القيام بتربية صحيحة، أو إعانة لأبنائها على التعلم والرقي، بل ربما فانشأتهم على أفكار خاطئة أو معتقدات فاسدة. فبالجهل تبرج المرأة فتفتن نفسها وغيرها، وبالجهل تضيع المرأة حق زوجها وتنفره من البيت فيتفرق شمل الأسرة، وبالجهل وقعت كثير من النساء في الخرافات والسحر والشعوذة. فالواجب على المرأة أن تحرص على طلب العلم، وألا يمنعها الحياء من ذلك، فانه لا حياء في طلب العلم، كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.

الحمد لله، ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ [النبأ: 39]، هذا ما ابتدأت به الآية التي تلت الآيات السابقة بعدما ذكر أشياء كثيرة في ذلك اليوم، انها آية ترد على الشاكين، ترد على المكذبين الذين ابتدأت السورة بذكرهم: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ [النبأ: 1-3]. يوم البعث: ذلك اليوم الحق. بعد هذه الجولة في شواهد قدرته، ودار عذاب أعدائه، ودار كرامة أوليائه، ذكر ما يكون في ذلك اليوم من هيبته ومجيء ملائكته، قال: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ كائن لا محالة، حق لا يرج فيه الباطل، ولا ينفع فيه الكذب ولا التكذيب. وصف اليوم بأنه حق لعدة وجوه: أولها أنه يحصل فيه كل الحق ويندمغ كل باطل، فاذا الحق يتبين في ذلك اليوم، فصل القضاء فيما كانوا فيه يختصمون في ظهر الحق، ذلك اليوم الحق أي الحقيقي الذي لابد أن يأتي ولابد أن يقع، فهو حق ليس بكذب ولا وهم.

ذلك اليوم الحق لأن ما عداه باطل، إيش الدنيا؟ لا تساوي عند الله جناح بعوضة، لكن هذا اليوم الحق الذي فيه جنته وناره. الدنيا فيها زخرف وفيها متاع الغرور، وفيها الباطل وفيها الشيطان المريد وتسلط أوليائه وفيها غم وفيها كذب، وفيها متاع الغرور، لكن ذلك اليوم الحق الذي ما عداه باطل. كذلك اليوم الحق الثابت الكائن الباقي، عندما نقول أن الله حق فلا يجوز عليه الفناء، ولما نقول يوم القيامة حق هذا ممتد لا نهاية له والجنة لا فناء لها ولا النار، وكذلك ذلك اليوم الحق الذي يستحق أن يقال له يوم، يوم حقيقي يوم تبلى السرائر وتنكشف الضمائر، النعيم المقيم والعذاب الأليم. أما أيام الدنيا أحوال وفيها لغط وكذب وكتمان وأحوال مضطربة متداخلة، لكن هذا يوم حق واضح بين.

طيب، من علم حقيقة هذا اليوم ما عليه أن يفعل؟ أجاب الله: ﴿فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآبًا﴾ [النبأ: 39]. لاحظوا معشر الطلاب والطالبات بديع النظم القرآني وكيف يسوق الحقائق ليرتبط بعضها ببعض ويؤدي بعضها إلى بعض. ﴿فَمَن شَاءَ﴾ بعد كل اللي سبق هذا، فمن شاء ومن أراد أيها البشر يا أيها الناس، من شاء أن اتخذ إلى ربه مهابا، فلما رغب ورهب وبشر وأنذر قال: ﴿فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآبًا﴾ وعمل عملا صالحا له فيه قدم صدق عند ربه يرجع إليه ومنهجا يقضوا به عليه.

سبحانه، يعني من أراد منكم أيها العباد النجاة في ذلك اليوم فليتخذ من الأعمال الحسنة ما يكون له سبيلا ومرجعا يرجع به إلى ربه ومعتمدا يعتمد عليه لما يلقاه. يقول: عملت كذا اتخذت كذا. ﴿فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآبًا﴾ منهجا وسبيلا. ولذلك المسألة ما هي مجرد اعمال متفرقة، لا، وإنما صراط مستقيم تقدم به عليه ومنهج توحيد وطريق إسلام تلقاه به. فاذا جئت بهذا المنهج والسبيل يوم الدين وما اقتضاه وما فيه من الأعمال الصالحة فأنت الفائز.

فان قيل: إن قوله تعالى: ﴿فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآبًا﴾ إذا كان هو جزاء الشرط فأين الشرط؟ الجواب: فمن شاء النجاة من اليوم الموصوف اتخذ إلى ربه مرجعا بطاعته. وقيل: فمن شاء أن يتخذ إلى ربه مأبا فليفعل، كقوله تعالى: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]. قوله: ﴿فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآبًا﴾ قيدتها الآية الأخرى: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 28-29]. لكن لو عزمنا فالله يعيننا ولو أردنا الله معنا، أنت لك الخيار فيما تذهب إليه، وإذا أكرهت على شيء لا تؤاخذ، ما دمت مختارا مريدا أنت محاسب. مشيئتنا في النهاية راجعة إلى الله: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: 30]، ولا يقع إلا ما يريد الله، لكن الإنسان يحاسب على إرادته. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يسلك سبيل الهدى وممن يجنبهم الرداء. سنعود إليكم بعد قليل لإكمال السورة.

حرص الإسلام على زرع المحبة والود بين المسلمين وعلى اقتلاع أسباب التباغض والشحناء من بينهم، ومن المعاملات التي تورث التباغض بين المسلمين بيع المسلم على بيع أخيه أو على شراء أخيه، لذلك نهى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: «لا يبع بعضكم على بيع أخيه». والشراء مثل البيع، فيحرم شراء المسلم على شراء أخيه. ومثال البيع على البيع: اشترى زيد من عمرو سيارة بعشرة آلاف فذهب رجل إلى زيد وقال له: أنا أعطيك مثلها بتسعة أو أعطيك أحسن منها بعشرة أو أبيعك مثلها بعشرة، فهذا بيع على بيع المسلم لا يحل. ومثال الشراء على الشراء: باع زيد لعمرو سلعة بتسعة فجاء آخر وقال للبائع: بعتها على فلان بتسعة؟ قال: نعم. قال: أنا أعطيك فيها عشرة أو بعها لي أنا بتسعة ودعك منه. والراجح أن البيع على البيع حرام، سواء كان ذلك في زمن الخيار أو بعد تمام البيع؛ لأنه مما يورث الشحناء والبغضاء بين المسلمين.

الحمد لله وحياكم الله، وفي نهاية السورة يقول سبحانه: ﴿إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ [النبأ: 40]. المسألة جد ليست هزلا، يوم القيامة يوم قريب، فان قال قائل: هذه يمكن عشرة آلاف سنة ما صار شيء، نقول: كل ما هو آت قريب، وبما أنه أكيد الوقوع فهو قريب. ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: 47] عند الله قريب. ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: 6-7]. الله عز وجل من رحمته أنه أنذرنا، نحن لا نفاجئ يوم القيامة بعذاب على أعمال وعلى شيء ما كنا ندري عنه وما كنا ندري ما اليوم الآخر ولا ندري ما فيه.

ستكون مفاجأة، لا بين لنا وأنذرنا، أنا أنذرناكم ومن أنذر فقد أعذر، خلاص لا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أنزل الكتب وأرسل الرسل وبين الدين، وأخبرنا بما هو كائن في يوم الدين.

أنا أنذرناكم بسائر القوارع الواردة في القرآن، وخوفناكم وبينا لكم أسباب النجاة واضحة وأسباب الهلاك واضحة، ما في شبهة ولا خفاء: ﴿إِنَّا أَنذَرۡنَاكُمۡ عَذَابًا قَرِيبًا﴾. الحقيقة أننا نحتاج إلى تذكر هذا اليوم الآخر، ونحتاج أن نربي أولادنا على هذه المعاني.

من دروس التفسير العلمية توجد فوائد تربوية وإيمانية وعملية ينبغي علينا أن نستفيد منها وأن نأخذ لنعمل ونطبق، نسأل الله أن يجعلنا يوم القيامة من الفائزين: ﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتني كُنتُ تُرَاباً﴾ [النبأ: 40].

آخر آية في هذه السورة: ﴿يوم ينظر المرء ما قدمت يداه﴾ فكل امرئ يرى في ذلك اليوم ما قدم من العمل مثبتا في صحيفته، يعرض عليه عمله خيره وشره: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾، ﴿يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: 13]. قال الحسن رحمه الله: المرء المؤمن يحذر الصغيرة ويخاف الكبيرة، والمسلم في هذه الدار يقدم لدار القرار: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: 18].

يوم ينظر المرء ما قدمت يداه، فإن وجد خيرا فليحمد الله، وإن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.

طيب، هؤلاء الكفار الذين قدموا سيئا وعملوا باطلا ما حالهم في ذلك اليوم يوم الحسرة والندامة بالنسبة لهم؟ قال ربنا: ﴿ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا﴾، يود أنه كان في دار الدنيا ترابا، يود أنه ما جاء إلى الوجود أصلا ولا خلق، عندما يعاين عذاب الله يتمنى أنه كان عدما.

المعنى الآخر: أنه يود يوم القيامة عندما يرى الحيوانات البهائم بعدما يفصل الله بينها يقول لها: كوني ترابا، فتكون ترابا، فيتمنى أنه يكون مثلها لكي لا يدخل النار. سبحان الله، ربنا من عدله يفصل حتى بين البهائم، ويقتص للشاة الجماء التي لا قرن لها من القرناء، النطحة بالنطحة، كل ما فعله حيوان باخر يقتص لبعضها من بعض، هذا عدا على هذا، هذا افترس هذا، هذا أكل بيضة هذا وولده، هذا شرد هذا، هذا قطع عضو من هذا، هذه نطحت هذه، هذه عضت هذه.

سبحان الله، البهائم يقتص لبعضها من بعض، من كمال عدل الله، ليس لأن البهائم مكلفة، لا، لكن من كمال عدل الله. فإذا علمنا أن البهائم فيها قصاص، فما بالنا نحن البشر ما سيكون بيننا وبين بعضنا البعض؟

عندما يفرغ من الحكم بينها يقول الله لها: كوني ترابا، فتصير ترابا، فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا، يا ليتني كنت بهيمة مصيري إلى التراب وأرجع إلى التراب. يا ليتني كنت ترابا فلم أخلق، لأن الانسان خلق من تراب، يا ليتني كنت قبل الخلق ترابا. المعنى الثاني: يا ليتني كنت ترابا فلم أبعث وبقيت ترابا بعد موتي في جوف القبر. المعنى الثالث: يا ليتني أكون ترابا كالبهيمة التي صارت ترابا بعد القصاص.

قال أبو هريرة رضي الله عنه: يحشر الخلائق كلهم يوم القيامة، البهائم والدواب والطير وكل شيء، فيبلغ من عدل الله أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني ترابا. فذلك حين يقول الكافر: ﴿يا ليتني كنت ترابا﴾.

وجاء عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه قال: إذا كان يوم القيامة مد الأديم أرض المحشر، وحشر الدواب والبهائم والوحش، ثم يحصل القصاص بين الدواب، يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء نطحتها، فاذا فرغ من القصاص بين الدواب قال لها: كوني ترابا، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يا ليتني كنت ترابا﴾. طبعا تفسير الآية بهذا الأثر قد يكون أولى من الاقوال الأخرى، علما أن معانيها صحيحة وأنه لا يمنع أن يتمنى الكافر كل ذلك.

يتمنى الكفار يوم القيامة لو تخرقت الأرض فساخوا فيها وعادوا إليها وغاصوا فيها واختفوا فيها ورجعوا إليها وماتوا ثم تسوى عليهم وتطبق عليهم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ [النساء: 42]. والله إنها حسرة عظيمة نسأل الله السلامة والعافية: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: 39]. يتحسرون على عدم إيمانهم، يتحسرون لعدم إيمانهم: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام: 31]، ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر: 56].

وتبلغ الحسرة ذروتها لما يتبرأ السادة والأتباع من متبوعيهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: 167]. يري، هذه قيل تأخذ ثلاثة مفاعيل: يري، هم المفعول الأول، الله لفظ فاعل، أعمالا مفعول ثاني، حسرات مفعول ثالث. وقيل: حسرات حال: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: 167].

قال في تمني الكافر: ﴿ويقول الكافر يا ليتني﴾، ليت للتمني، ﴿كنت ترابا﴾، على قول من الأقوال كنت ترابا فلم أخلق أصلا، وكنت ممكن يكون معناها أصبحت مثل البهائم التي صارت ترابا. يا ليتني كنت، يعني صرت.

ذكر الكافر هنا في آخر السورة ولم يذكر المؤمن، لأن نهاية المؤمن نهاية فرح، وحيث إن السورة بدأت بالكفار: ﴿عم يتساءلون﴾، مناسب أن تختم بذكرهم، والإنذار يناسبه التخويف وذكر مقام الكافر، أما المؤمن فانه فرح: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: 19].

إذا تأملنا هذا اليوم العظيم وما فيه، فإن هذا المشهد إنذار عظيم وهزة للغافلين: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ ۖ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآبًا﴾ [الدهر: 29]. ﴿إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتني كُنتُ تُرَاباً﴾ [النبأ: 40]. والان الفرصة قائمة وسانحة، فمن شاء اتخذه إلى ربي مأبا، إنذار يوقظ من الغفلة، جهنم تنتظر والدنيا راحلة والعمر قصير وعذاب يجعل الكافر يتمنى أن يصبح ترابا، شيء يلقي في النفس ظلال الرهبة. يعني واحد كونه يتمنى العدم معناها ما الذي يراه حتى أوجب له هذا التمني؟

بهذا أيها الإخوة والأخوات نكون قد انهينا الكلام عن تفسير هذه السورة، وعشنا وإياكم مجالس في مادة التفسير ذكرنا فيها عمليا استعمال قواعد التفسير في تفسير الآية وجمع الأقوال، وأن نعيش مع المعنى وكيف نربط بين الأشياء، بين الآيات والسباق والسياق والمثاني، وكيف نخرج من موعظة ما نقرأ.

نسأل الله عز وجل أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما، وأن يفقهنا في كتابه، وأن يجعله ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء همومنا وذهاب أحزاننا، إنه سميع مجيب. وإلى مجلسنا القادم مع تفسير سورة أخرى من سور كتاب الله تعالى، استودعكم الله، والحمد لله رب العالمين.