تسجيل الدخول

المحاضرة 7 - تفسير مطلع سورة النازعات

محمد صالح المنجدالشيخ محمد صالح المنجد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الطلاب والطالبات، والإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حياكم الله، هذا هو الدرس السابع من سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد. وقد سبق في الدروس الماضية الكلام عن تفسير سورة النبأ، وفي هذا الدرس نبدأ بإذن الله تعالى في تفسير سورة النازعات. سورة النازعات مكية إجماعاً، وعدد آياتها ست وأربعون آية، تسمى بسورة الساهرة والطامة لذكرهما فيها.

مقاصد السورة الأساسية: أقسام من الله تعالى في تأكيد أمر البعث وما يصير إليه الإنسان، وتصوير نزع الأرواح بأيدي الملائكة الكرام وحال البشر عند البعث من القبور، والرد على المشركين الذين استبعدوا البعث والنشور بعد بلاء الأجسام وتفتت العظام، وأسقاط حجتهم وإبطال ما ادعوه من إنكار ذلك وإثبات قدرة الله العظيمة عليه، والكلام عن يوم القيامة والعناية بأصول العقيدة من الوحدانية والرسالة والبعث والجزاء.

كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر أصحابه ببعض ما فيها؛ فعن أبي بن كعب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: «يا أيها الناس، اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة يتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه» رواه الترمذي وهو حديث حسن. إذاً هذه سورة عظيمة كان النبي عليه الصلاة والسلام يعظ ببعض ما فيها. الراجفة: النفخة الأولى التي يموت منها جميع الخلق، وهي صيحة عظيمة فيها تردد كالرعد إذا تمخض. والرادفة: النفخة الثانية ردفت النفخة الأولى اتبعتها. فأنذرهم صلى الله عليه وسلم باقتراب الساعة لئلا يغفلوا عن الاستعداد لها.

تبدأ السورة بقسم، والنازعات غرقا، بل عدة أقسام: والناشطات نشطا. طوائف خمس من الملائكة الموكلين بأعمال عظام بأمره تعالى. إذاً، لما نستحضر في مطلع هذه السورة الأقسام، الله يقسم ولا يقسم إلا بعظيم، بطوائف خمس من الملائكة، استحضر يا مسلم الهيبة العظيمة من الله. هؤلاء العظام ملائكته وهو أعظم منهم، فهو العظيم الذي خلقهم.

فمن هي الطائفة الأولى؟ النازعات، من هم؟ ملائكة العذاب، تنزع أرواح الكفار بقسوة وشدة من أقاصي أجسامهم نزعاً بليغاً غاية في الصعوبة والعسر، تعذيباً لهم، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: غرقا، يعني إغراقاً ومبالغة فيما يؤلم هؤلاء الكفار ويؤذيهم. والنازعات: الملائكة تنزع أرواحهم غرقى نزعاً شديداً مؤلماً والعياذ بالله. والنازعات جمع نازعة، والنزع جذب الشيء بقوة من مقره. وغرقى أي إغراقاً إبعاداً في النزع وإمعاناً، من أغرق في الشيء إذا بالغ فيه؛ لأن الملائكة تبالغ في نزعها وتخرج أرواحهم من أقاصي أجسادهم، نسأل الله السلامة.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: ينزعها ملك الموت وأعوانه من تحت كل شعرة ومن الأظافر وأصول القدمين، ويرددها في جسده، يعني جسد الكافر، بعدما ينزعها يعني التعذيب الصعوبة، قال: حتى إذا كادت تخرج ردها في جسده بعدما ينزعها. فهذا عمل بالكفار، يعني لا تسل وتسحب سحباً رقيماً رفيقاً مرة واحدة، لا، في تردد ونزع وشدة ومبالغة ومن أقاصي أطرافهم.

ثم قال: والناشطات نشطا. في مقابل النازعات، شف تدبر القرآن يا إخواني، تدبر القرآن، مقابل النازعات الناشطات نشطاً، وهي ملائكة الرحمة التي تنشط في قبض أرواح المؤمنين برفق ولين، مما يعني سرعة الإخراج وعدم الحاجة إلى معالجة وجهد ومشقة. يقال: بئر أنشاط، أي قريبة القاع يخرج منها الماء بجذبة واحدة. إذاً مادة (ن ش ط) تدل هنا على الرفق والسهولة، فالملائكة تنشط وتقبض أرواح المؤمنين برفق ولين من النشاط والخفة، وهو الإخراج بيسر وسهولة. قال ابن عباس رضي الله عنها: هي نفس المؤمن تنشط للخروج عند الموت، تخرج مشتاقة بسهولة.

تبادر أرواح الكفار تستعصي لأن تخرج العذاب الأليم ومع ذلك تخرج رغماً عنهم وبالقوة، أرواح المؤمنين تخرج بسلاسة وسهولة ويسر ونشاط وخفة، وهي متشجعة للخروج لما ترى من الكرامة، لأن الجنة تعرض عليه عند الموت. إذاً نوعان من الملائكة، النازعات للكافرين والناشطات للمؤمنين. فالملائكة تجذب روح المؤمن برفق، أرواح الكفار بشدة. قال الله تعالى في حق أرواح الكفار: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ المَوْتِ وَالمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: 93]، يعني بالضرب: أخرجوا أنفسكم، رغماً عنكم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون. وقال الله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ﴾ [الأنفال: 50].

بينما في حق المؤمنين قال تعالى عن تلك اللحظة احتضار نزول الموت: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: 27-28]. وقال الله أيضاً عن المؤمنين عند الموت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلَائِكَةُ﴾ [فصلت: 30]، يعني عند نزع أرواحهم قبض أرواحهم، ألا تخافوا عند قبض أرواحهم ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون، لا خوف ولا حزن ولكن بشارة بالجنة.

فإن قيل: لماذا جاء التعبير بلفظ التأنيث والنازعات والناشطات وأيضاً ما بعده والكل أوصاف للملائكة، والملائكة ليسوا إناثاً؟ الله نفى عنهم الأنوثة: ﴿وَجَعَلُوا المَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: 19].

الجواب: إن الله أقسم بطوائف من الملائكة، والجمع في اللغة العربية فيه هذا التأنيث، كل جمع مؤنث. إذاً والنازعات والناشطات قسم بطوائف من الملائكة وفرقها، والطوائف والفرق جمع، إطلاق لفظ التأنيث عليها في اللغة صحيح، وجرى لفظها على صيغ الجمع بالألف والتاء لأن في تأويل جماعات. يعني الملائكة هؤلاء جماعات تتحقق فيها الصفات المجموعة، فهي جماعات نازعات ناشطات سابحات سابقات مدبرات.

من اللطائف أن أول هذه السورة يتناسب كل المناسبة مع آخر السورة التي قبلها؛ لأن الله قال في آخر السورة التي قبلها: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ: 40]. ونظر المرء ما قدمت يداه يبدأ من حالة النزع، لما يثقل اللسان عن النطق في حالة الحشرجة ولا تقبل التوبة، فينظر حينئذ ما قدمت يداه. وهذا يكون عند نزع الروح أو نشطها، نسأل الله أن يحسن خاتمتنا. وقفة قصيرة ثم نعود إليكم إن شاء الله.

لا يكاد يوم يمر إلا ويعرض لنا أمر نحتار في حكمه الشرعي، فكيف نتصرف؟ الحل أن نستفتي العلماء، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. وثم آداب ينبغي أن يتحلى بها المستفتي: آداب في نفسه، وآداب مع العالم، وآداب في طريقة السؤال. فيستفتي أهل الذكر المتبعين للأدلة، ويتجنب من يفتون بالجهل أو الهوى، قال صلى الله عليه وسلم: «إن من أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلين».

ويعرض السؤال على حقيقته دون كذب أو كتمان، وليعلم أن تدليسه لا يحل له الحرام، فإنما يفتيه المفتي على حسب ما يسمع. ويوقر مفتيه، قال صلى الله عليه وسلم: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه». ويتحين الوقت والحال المناسب للسؤال، ولا يقاطع الشيخ ولا يلح عليه إذا اعتذر عن الإجابة، ولا يضيع وقته بما لا علاقة له بالسؤال، ويترك السؤال عما لا يعنيه، قال صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». ويتقبل الحكم الشرعي ولو لم يكن على هوى، قال تعالى فيما شجر بينهم: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].

حياكم الله. أيها الإخوة والأخوات، يقول ربنا سبحانه وتعالى: والسابحات سبحا * فالسابقات سبقا * فالمدبرات أمرا. والسابحات: قسم صنف من الملائكة ثالث منهم، الملائكة التي تنزل من السماء بأمر الله ووحيه كالذي يسبح في الماء مسرعين لتنفيذ أمره، ومنه قيل للجواد المسرع: سابح. وأصل السبح العوم، وهو تنقل الجسم على وجه الماء مباشرة، واستعير سرعة الانتقال. إذاً اللفظة هذه استعملت بعد ذلك استعملت بسرعة الانتقال.

فأقسم الله تعالى بالملائكة التي تجوب آفاق السماء وتنزل وتصعد بأمر الله وتسبح بأمر الله وتسرع إلى تنفيذ أوامرك كما يسرع السابح في الماء. وقد قال تعالى عن الشمس والقمر والليل والنهار: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: 33]. إذاً والسابحات سبحاً يعني الملائكة تسبح في تنفيذ أوامر الله مسرعة.

والملائكة طبعاً أقوى من الجن، والجن أقوى من البشر. قيل أيضاً في تفسيرها: هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين، فيقبضون أرواح المؤمنين كالذي يسبح في الماء، فأحياناً ينغمسوا أحياناً يرتفعوا، يسلونها سلاً رفيقاً، ثم يدعونها حتى تستريح. هذه والسابحات سبحاً الملائكة في تنفيذ أوامر الله.

السابقات سبقا: الملائكة تسبق إلى أمر الله عز وجل للعمل به. وقد قال تعالى في وصف بعضهم: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحديد: 6]. وقال تعالى في وصف ملائكته: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: 19-20]. سباقون إلى أمره عز وجل، لا يعصونه ويففعنون ما يؤمرون لقوتهم وقدرتهم. وقيل هم الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الانبياء، وقيل الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة، وقيل الملائكة سبقت بني آدم إلى الإيمان، وقيل هي أنفس المؤمنين تسبق الملائكة شوقاً إلى لقاء الرحمن فيقبضونها، يعني الملائكة تقبض أرواح المؤمنين وقد عاينت السرور.

جاءت هذه تفسيرات عن ابن مسعود رضي الله عنه، لعل الأقرب هو الأول؛ لأن الله عطف السابقات على السابحات بالفاء، ومعنى ذلك أن السابقات من جنس السابحات، والسابحات سبحاً فالسابقات سبقاً، فهي الملائكة التي يسبق بعضها بعضاً في تنفيذ أوامر الله.

ثم قال تعالى: فالمدبرات أمرا. وهي الملائكة أيضاً تدبر الأمر من السماء إلى الارض وفق ما أمر الله به بامر ربها. فالمدبرات الموصوفة بالتدبير، تدبر شؤون الكون من السماء إلى الأرض من الرياح والامطار والأرزاق والأعمار وغير ذلك من شؤون الدنيا أعمال كثيرة أعمال ضخمة، حمال متسارعة كثيفة، لكن الملائكة نشيطة في ذلك. سبحان الله سبحان الله! ما في ثوان ولا تكاسل لا يستحسرون، لا يستكبرون وينفذون الاوامر بنشاط. وهذا درس لنا، ما هو الدرس؟

نتعلم من الملائكة عدم الاعتراض المطلق، المسارعة في التنفيذ، التنفيذ بنشاط مهمة ونفسية مقبلة. يعني أنت لما تسمع الآية الآن والناشطات نشطاً، والسابحات سبحاً، فالسابقات سبقاً، يعني تقول والله يعني إذا كانت هكذا الملائكة ينبغي أن نقتدي بهم أن نقوم بأمر الله ومهما كانت الأوامر والتكاليف الشرعية كثيرة وننشط من أجل ذلك ونأتي بنفسية المطيع المقبل المريد لذلك المحب له الذي الأجر من ورائه وما نتوانى ولا نتكاسل، وهذا درس عظيم بأهل الإيمان.

وأيضاً يعني تستشعر عظمة الله ملك الملك الذي له الأوامر وجنوده تسعى في تنفيذها من هنا ومن هنا، يقبلون ويصعدون وينزلون وبأوامره يعملون. ملك الملوك الملك عز وجل أوامر متتالية وجنود تسعى في التنفيذ في أرجاء العالم وأقطار الأرض والسموات، سبحان الله! وأين أين هؤلاء العصاة الفجرة المجرمون؟ أين هم عن هذه المعاني وهم يعاندون الله ويحاربونه والله عنده ملائكة الملك الواحد ممكن يقلب عليهم عاليها سافلها؟

الملائكة تدبر الأمر: فالمدبرات أمرا. جبريل موكل بالوحي من الله إلى رسله، ينزل من عند الله على من يشاء من أنبيائه كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: 193-195]. وميكائيل الموكل بالمطر والنبات من أفضل الملائكة المقربين وأشرافهم، ولذلك قال الله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 98]. جبريل ينزل بالهدى على الرسل لتبليغ الأمم، وميكائيل ينزل بالقطر والمطر لهذا النبات الذي يخلق منه أرزاق العباد، وله أعوان ويصرفون الرياح والسحاب كما يشاء ربنا.

وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور حين الصعق والنشور، من أفضل الملائكة المقربين وأشرافهم حملة العرش الكرام. والصور قرن عظيم ينفخ فيه، وإسرافيل ينفخ في الصور بأمر ربه نفختين: نفخة الفزع والصعق، ونفخة في البعث. وقيل ثلاث: نفخة الفزع ونفخة الصعق ونفخة البعث.

وملك الموت الجليل الموكل بقبض الأرواح، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: 11]. وملك الموت هذا له أعوان من الملائكة، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: 61].

كذلك الملائكة الموكلون بالأجنة في الأرحام، كما جاء في الحديث: «أن الله عز وجل وكل بالرحم ملكاً يقول: يا رب نطفة، يا رب علقة، يا رب مضغة. فاذا أراد أن يقضي خلقه قال: ذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ فما الرزق والأجل؟ فيكتب في بطن أمه». الملك يسأل والله يجيب. وجاء في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً: «ثم يبعث الله ملكاً فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح» رواه البخاري ومسلم.

وعندنا الملائكة الموكلون بحفظ بني آدم، قال تعالى: ﴿وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: 61]. وقال له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله، قال ابن عباس: ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه.

أحياناً تتأمل تجد أنه فلان نجا، يقولون: نجا من موت محتوم. هو لو الموت مكتوب عليه سيموت سيموت، لكن المقصود يعني نجا بأعجوبة، مقصودهم هذا فيه أعجوبة، في ملائكة من أسباب نجاته أن الله قيد ملائكة كي تنجيه من حادث مرض موت، فإذا جاء القدر المكتوب تخلت الملائكة فوقع المقدور مات إنسان.

ومن الملائكة الكرام الكاتبون الموكلون بكتابة أعمال الخلق غير الحفظة، هؤلاء يحصون علينا، ولكل شخص ملكان عن اليمين وعن الشمال قعيد، ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]، رقيب حافظ عتيد حاضر أينما كان موجوداً لا يغيب عن الإنسان، وطبعاً الملائكة.

في وظائف أخرى وأنواع أخرى من الملائكة لا يعلمهم إلا الله، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يزيدنا إيماناً وهدى وتوفيقاً. ونتابع معكم التفسير بعد قليل إن شاء الله، رسائل نصية أنزلها الله إلينا تتوقف عليها سعادتنا. نحتاج إلى فهمها أنها كتاب الله، وتعلم التفسير واجب لقوله تعالى التدبر تأمل الألفاظ لمعرفة المعاني، وبتركه تفوت الحكمة من إنزال القرآن. وقد كان السلف يجمعون بين حفظ القرآن وتعلمه والعمل به. قال ابن مسعود: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن، ويفسر القرآن بالقرآن وبالسنة وبأقوال صحابتي والتابعين، ثم بما تقتضيه الكلمات من المعاني الشرعية أو اللغوية.

واختلاف المفسرين إما لفظاً كقوله تعالى: الوالدين إحساناً، قيل في معنى قضي أمر، وقيل وصى، وقيل عهد، والمعنى واحد. وأما اختلاف تنوع فتفسر الآية بعدة معان لا تعارض بينها فتصح كلها، كقوله تعالى: وكأساً دهاقاً، قيل مملوءاً وقيل متتابعا وقيل صافياً. وأما اختلاف تضاد فيجب الترجيح بين المعاني بدلالة السياق أو غيره كتفسير الذي بيده عقدة النكاح بالولي وبالزوج وهو الراجح لدلالة المعنى عليه. ومن أشكال عليه معنى آية فليرد المتشابه إلى المحكم ليكون الجميع محكماً لا اختلاف فيه. وخير القصص وأحسنه وأنفعه هو قصص القرآن، فتعلمه وعلمه أهلك.

الحمد لله وحياكم الله. قلنا أيها الإخوة والأخوات إن هذه السورة قد ابتدأت بالقسم بمخلوقات عظيمة لله، قسماً مراداً منه التأكيد على حقيقة الخبر المذكور بعد هذه الأقسام والأيمان. ما هو هذا الشيء الذي أقسم الله عليه بهذه الأقسام والأيمان الخمسة؛ النازعات والناشطات والسابحات والسابقات والمدبرات، جماعات الملائكة الموصوفة بهذه الصفات؟ ما هو جواب القسم؟ أقسم الله بالملائكة الكرام وأفعالهم الدالة على كمال انقيادهم لله وإسراعهم في تنفيذ أوامره. على ماذا أقسم؟ على الحقيقة الكبيرة؛ الجزاء والبعث، بدليل ما جاء بعد هذه الأقسام والأيمان من ذكر أحوال القيامة، إذا أقسم بركن من أركان الإيمان الستة وهو الملائكة التي لها علاقة وثيقة قيام الساعة والموت والبعث والنشور.

أليس الذي ينفخ في الصور لقيام الساعة ملك إسرافيل عليه السلام؟ أليس الذي يقبض أرواح الناس في هذا الموت ملك له أعوان؟ أليس هناك فتنة في القبر يتولاها ملكان عظيمان لله؟ حتى نعيم القبر وعذاب القبر في ملائكة، وعند البعث والنشور تكون حاضرة. انظروا إلى جملة: يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة، قلوب يومئذ واجفة أبصارها خاشعة. قيل هذا جواب القسم وأكد بالأقسام والأيمان بالملائكة على حقيقة البعث والنشور، وقيل جواب القسم مضمر تقديره لتبعثن ولتحاسبن، وهذا يعود أيضاً إلى الأول. لكن أسلوب القسم عادة يستعمل أمام مكذب شاك لتأكيد الحقيقة له، ومعلوم ما كانت عليه العرب المشركون من التكذيب بذلك والشك فيه، ولذلك جاء التأكيد عليه بمؤكدات منها الأيمان أسلوب القسم هنا، وكذلك قوله عز وجل: زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن. وشف نون التوكيد في عدة مؤكدات، كلما كثر التكذيب بشيء كثرت المؤكدات في المقابل. ونحن الآن لما نتعاطى مع موجة الإلحاد العصرية هذه وطبعاً من لوازمها التكذيب يوم القيامة والبعث والنشور والحساب والجزاء، فإننا نستلهم من هذه الآيات طرقاً في الرد وأساليب في الرد.

نعود مرة أخرى إلى القسم أو الأقسام هذه الخمسة في أول السورة؛ النازعات، الناشطات، السابحات، السابقات، المدبرات. لو قال قائل: هل كل المفسرين اتفقوا على أن المراد بهم الملائكة؟ الجواب لا، هذا قول أكثر المفسرين، وذهب بعضهم إلى أن المراد بها خلق آخر عظيم لله وهي النجوم، وأن النجوم تنزع في مداراتها وتتحرك والنازعات وتنشط منتقلة من منزل إلى منزل، وتسبح سبحاً في فضاء الله وهي معلقة به، وتسبق سبقا في جريانها ودورانها. قيل غير ذلك أيضاً، قيل المراد بهؤلاء المجاهدون في سبيل الله والخيول التي يجاهدون عليها، وأن النازعات غرقت جماعات الرماة بالسهام في الغزو، يقال نزع في القوس إذا مدها عند وضع السهم فيها وأغرق النازع في القوس إذا استوفى مدها، والناشطات نشط الخيل لأنها تخرج من دار إلى دار، من بلد إلى بلد، وقيل السهام التي تخرج من أيدي الرماة وكل شيء حللته فقد نشطته ومنه نشاط الرجل انبساطه وخفته، وقالوا السابحات سبحاً؛ الخيل تسبح في عدوها فتسبق إلى العدو في الجهاد، فالسابقات سبحاً في حومة الوغى، فالمدبرات أمراً يعني تدبير مكائد الحروب من كر وفر وغارة وقتل وأسر ولحاق الفارين أو ثبات أو تحول من موقع إلى موقع.

طبعا التدبير للفرسان وليس للفرس ذاتها، لكن الخيل وسيلة لتنفيذ التدبير كما قال تعالى: وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين، فهي في الحقيقة يعني تأتي بسائس وراكب عليها وقائد يقودها، لكن أسند الاتيان إلى ضمير كل ضامر من الإبل لأن أتيان الحجيج من الفجاج العميقة كان بسير الإبل. إذاً يوجد للمفسرين أقوال في معنى النازعات والناشطات والسابحات والسابقات والمدبرات، فأوضحها الملائكة. بعض المفسرين قال: لماذا لا تعم هذه الألفاظ كل ما يصلح لها؟ يعني كل ما يصلح أن يدخل فيها، يعني مثلاً الطبري رحمه الله قال: والصواب بالقول في ذلك عندي أن يقال إن الله تعالى ذكره أقسم بالنازعات غرقاً ولم يخصص نازعة دون نازعة، فكل نازعة غرقى داخلة في قسمه ملكاً كان أو نجماً أو قوساً أو غير ذلك. وقال: والمعنى والنازعات إغراقاً كما يغرق النازع في القوس، وأن الله جل ثناؤه أقسم بالناشطات نشطاً وهي التي تنشط من موضع إلى موضع فتذهب إليه، ولم يخصص الله بذلك شيئاً دون شيء، بل عم القسم لجميع الناشطات والملائكة تنشط من موضع إلى موضع وكذلك النجوم وبقر الوحش أيضاً تنشط، فكل ناشط داخل فيما أقسم الله به، وأن الله جل ثناؤه أقسم بالسابحات سبحاً من خلقه ولم يخصص من ذلك بعضاً دون بعض، فذلك كل سابح يدخل. إذاً على كلام الطبري رحمه الله كل ما يصلح أن يدخل يدخل، وأقسم الله بالجميع وقد يصلح أن يدخل بعضها في بعض دون بعض كما ذكرنا مثلاً موضوع النجوم.

القاسمي رحمه الله علق على كلام الطبري قال: كلامه رحمه الله متجه للغاية، إذ فيه إيقاع اللفظ على شموله وهو أعم فائدة وعدم التكلف للتخصيص بلا قاطع، يعني ما دام ما في دليل قاطع يخصص شيئاً معيناً لا نخصص. قال: واللفظ الكريم متسع مما ذكر من المعاني بلا تدافع ولا إمكان للجزم بواحد إذ لا قاطع، يعني ما في شيء يلزمنا أو قاطع أنه المراد به واحداً فقط من هذه الأشياء.

ابن عاشور رحمه الله نحى هذا النحو، قال: وهذا الإجمال مقصود لتذهب أفهام السامعين كل مذهب ممكن، فتكثر خطور المعاني في الأذهان وتتكرر الموعظة والعبرة باعتبار وقع كل معنى في نفس لها فيها أشد وقعاً، وأن هذا يعني من وفرة المعاني مع إيجاز الألفاظ وهذا من إعجاز القرآن. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الفهم في كتابه وتدبره وأن يرزقنا خشيته تعالى، وأن يرزقنا العمل بالتنزيل إنه سميع مجيب قريب. نتابع إن شاء الله معكم أيها الإخوة والأخوات تفسير هذه السورة في الدرس القادم، استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وتريد هذا كتاب الله للعلم كالأزهار في البستان.