يا راغبا في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً كتاب الله رحب قلوبنا، خير الدروس تعلم القرآن.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حياكم الله معشر الطلاب والطالبات. هذا هو الدرس التاسع من سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد، وقد سبق في الدرس الماضي الكلام عن تفسير قول الله تعالى في سورة النازعات: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ [النازعات: 6-7]. وقلنا إن الراجفة هي النفخة الأولى، وهي صيحة عظيمة يتزلزل ويتحرك لها كل شيء ويموت منها جميع الخلائق. والرادفة هي النفخة الثانية ردفت الأولى وجاءت بعدها، إذ لتبعثن يوم تهتز وتضطرب الأرض بسبب النفخة الأولى التي تتبعها نفخة ثانية. وقوله تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ أي مضطربة وخائفة ومنزعجة من شدة ما ترى وتسمع، والمقصود أصحاب القلوب، ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ أبصار أصحابها.
منكرو البعث ثم حكى الله قولهم، يقولون: ﴿أَإِنَّ لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ أي هل نرجع إلى الحياة بعد أن نموت وبعد أن ندفن تحت التراب؟ يقال لمن كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه: رجع على حافرته. ثم يقولون: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً﴾ يعني كيف نرجع إلى حالنا الأولى وقد تحللت أجسامنا وصرنا عظاماً بالية فارغة؟ وقوله تعالى: ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ من كلام منكري البعث، يعني إذا رددنا بعد الموت لنخسرن، فهي كرة خسران إذا لو حصل ذلك فعلاً، ولكنه لن يحصل عندهم. ثم بين تعالى أن هذه الكرة سهلة هينة في قدرته، فقال: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: 10-14]. والزجرة الواحدة هي النفخة الثانية من إسرافيل عليه السلام.
وقد بينا في الدرس الماضي الارتباط بين معاني الكلمات في اللغة وبين المراد بها في سياقها في التفسير. الآيات هذه فيها تقرير لعقيدة البعث والحشر وإحياء الله تعالى الموتى عندما ينفخ إسرافيل في الصور النفخة الثانية، كما قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّمَاوَاتِ وَمَن في الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: 68]. يقوم الناس من قبورهم لرب العالمين في أرض المحشر حفاة بلا نعال، عراة بلا ثياب، غرلاً غير مختونين. قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: 104].
إذاً، حقيقة البعث أن الله تعالى يجمع أجساد المقبورين التي تحللت وفنيت ويعيدها بقدرته كما كانت، ثم يعيد الأرواح إليها ويسوقهم إلى محشرهم لفصل القضاء. وقد رد الله تعالى في عدد من الآيات على منكري البعث بين فساد أقوالهم، وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه، قال: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: 78-79]. الإنشاء من العدم أصعب، الإعادة أسهل، وكلها على الله سهلة ويسيرة. وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: 7].
طيب، الآن الآيات هذه السابقة في سورة النازعات كانت في موضوع معين، ينتقل الخطاب بعد ذلك من جو يوم القيامة وإاثبات البعث وذكر بعض تفاصيل ما يحدث في ذلك اليوم عند قيامه وابتدائه إلى عرض مصرع من مصارع المكذبين العتاة، وذكر طرف من قصة موسى عليه السلام وخبره مع فرعون لعنه الله، وفرعون أحد الطغاة العتاة المكذبين بالبعث وسيعيده الله سبحانه وتعالى ويعذبه. قصة موسى عليه السلام أكثر قصص الأنبياء وروداً في القرآن وأكثرها تفصيلا من بين قصص الأنبياء جميعاً، أكثر الله من ذكرها، قص علينا من خبر موسى مع قومه وصبره عليهم. موسى عليه السلام عاش تاريخين، عاش كأنه مع أمتين؛ فرعون وقومه، وبني إسرائيل بعد ذلك مستقلين. إذاً، موسى عليه السلام عاش مرحلتين؛ مرحلة مع فرعون وقومه، وبني إسرائيل، ثم بعد إهلاك فرعون ونجاة بني إسرائيل قصة كاملة أيضاً طويلة مفصلة مع بني إسرائيل بعد ذلك.
قصة ثرية بالخبرات، غنية بالدروس والعبر تستفيد منها الأمة جداً، ولذلك الله سبحانه وتعالى فصلها لنا وقص علينا مطولة ومختصرة، وثنى وأعاد سبحانه، وذكر مراحل كثيرة من حياة موسى عليه السلام في طفولته وشبابه ودعوته. تكرر ذكر اسم موسى عليه السلام في القرآن مئة وستة وثلاثين مرة. ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الله سبحانه وتعالى ذكر قصة موسى مع فرعون عدة يعني مراراً، لأنهما في طرفي نقيض في الحق والباطل، فإن فرعون في غاية الكفر والباطل حيث كفر بربوبيته وبالرسالة، وموسى في غاية الحق والإيمان من جهة أن الله كلمه وأتاه كتابه التوراة ولم يجعل بينه وبينه واسطة من خلقه في الكلام المباشر.
قصة موسى وفرعون من أعظم القصص التي فيها اعتبار لأهل الإيمان ولأهل الكفر، ولهذا كان عليه الصلاة والسلام يقصها أيضاً من جهة علاقة موسى مع بني إسرائيل في أمور كثيرة. نلاحظ أن قصة موسى مع فرعون في سورة النازعات سريعة المشاهد مختصرة منذ أن نودي موسى بالوادي المقدس إلى أخذ فرعون. فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى * وَأِهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى * فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى * فَكَذَّبَ وَعَصَى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى﴾ [النازعات: 15-26]. سنستعرض بعد قليل إن شاء الله الآيات بشأن هذه القصة وبعض ما فيها من العبر والفوائد.
نعود إليكم لإتمام الموضوع بمشيئة الله وظائف وأعمال، شاشات وألعاب، أشغال كثيرة مهمة وغير مهمة. فكيف نطلب العلم في زحمة الانشغالات؟ أما الأشغال الباطلة والمحرمة كالأفلام والمسلسلات فيجب الاقلاع عنها فوراً، وبذلك يتوفر وقت طويل لطلب العلم والقناعة. وفروا الوقت المبذول في تحصيل النفقات الترفيهية، فيمكن إغلاق المحل يوماً في الأسبوع مثلاً وتخصيصه لطلب العلم، ويمكن التناوب مع زميل على طلب العلم فيحضر أحدكما حين يغيب الآخر، ثم تتبادلان المعلومات كما كان يفعل عمر بن الخطاب وجاره الأنصاري.
ويمكن استغلال وقت المواصلات ذهاباً وإياباً في القراءة والسماع، وكذلك وقت الفراغ أثناء العمل وأيام الإجازات، واستفد بالتكنولوجيا الحديثة كإنترنت والهواتف الذكية والالتحاق بالتعليم المفتوح مثل منصة زادي. وعلى الأغنياء كفالة بعض النابهين وتفريغهم لطلب العلم، وفي الحديث: «من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا». فاعمل للآخرة يكفيك الله هم الدنيا. قال صلى الله عليه وسلم: «من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة».
الحمد لله، قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ هل جاءك وبلغك حديثه وقصته؟ إن فيها تسلية لك يا محمد صلى الله عليه وسلم، وفيها تنفيس لأحزانك وعبر وتقوية لك في مواجهة قومك المكذبين؛ لأننا سنقص عليك قصة لنبي كريم من إخوانك مع المكذبين. المؤمنون على مدار التاريخ سلسلة واحدة، والكفار أيضاً سلسلة واحدة، تواصوا به كأنهم يسلمون الكفر لمن بعدهم جيلاً بعد جيل ويتواصون بالثبات عليه. يقول الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتاك حديث موسى؟ فرعون كان أقوى من كفار قريش الذين عصوك، فإذا أخذناه فسهل أن نأخذهم أيضاً، فلا تبتئس، وكما ثبت موسى عليه السلام اثبت يا محمد صلى الله عليه وسلم، وكما أيدناه سنؤيدك وزيادة. ابتعث الله موسى عليه السلام إلى فرعون بالمعجزات، وفرعون كفر وطغى حتى أخذه الله. والتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم في تكذيب قومه له وما هددوه به، والله عز وجل قال في آخر القصة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى﴾.
هو عز وجل يسوق القصص للاعتبار. ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ استفهام تقريري وفيه تشويق السامع إلى الخبر، ولا يقصد به حقيقة السؤال وانتظار جواب من المسؤول، لا، بل أسلوب بديع في عرض الحدث. أليس قد أتاك حديث موسى عليه السلام؟ ثم جاء التفصيل: ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾. قالوا هذا اسم الوادي مأخوذ من طويت الشيء طياً، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ [الأنبياء: 104]. اسم الوادي المقدس المطهر المبارك الذي حصل فيه تكليم الله تعالى لموسى عليه السلام، وهو واد في أسفل جبل طور سيناء من برية فلسطين. ومعنى الآية أن الله تعالى نادى موسى نداء سمعه بصوت الله، كما قال عز وجل: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّوْرِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: 52]. وفي الوادي مجرى الماء، هذا المكان المنخفض وهو المحل الذي كلم الله عز وجل موسى فيه وامتن عليه بالرسالة وابتعثه واختصه بالوحي، ولذلك سماه مقدساً، ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ وقال في آية أخرى عز وجل: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: 12].
طبعا هذه الآية فيها دليل لأهل السنة أن كلام الله غير مخلوق، تكلم به سبحانه، وأن الله ينادي ويناجي ويتكلم كما يشاء كلاماً يليق بجلاله، ليس ككلام البشر، وأنه كلام حقيقي بحرف وصوت، والنداء كلام مسموع لا محالة، نادى يعني نادى لا نحرف ولا نبطل ولا نشبه، نادى، والكلام للمتكلم، والمتكلم هو الله، والنداء من الله للخالق نداء يليق به، وللمخلوق نداء يناسبه. حتى فرعون في نفس القصة قال: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى﴾ والله نادى موسى، وفرعون نادى جنوده، فرعون ونداؤه مخلوقان؛ لأن المنادي مخلوق والنداء مخلوق، والصفة تتبع الموصوف، وإذا كان الموصوف مخلوقاً فكلامه مخلوق، لكن الله عز وجل خالق وكلامه صفة من صفاته غير مخلوقة.
هذا إذاً في موضوع النداء الذي حصل، لكن ما هو مضمون هذا النداء؟ ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾. فرعون لقب ملك القبط بمصر في القديم قبل أن يملكها اليونان على ما قيل، وهو اسم معرب عن اللغة العبرانية، ولا يعلم هل هو اسم للملك في لغة القبط؟ ولم يطلقه القرآن إلا على ملك مصر الذي أرسل إليه موسى، وأطلق على الذي في زمن يوسف اسم الملك، وهذا الاسم نظير كسرى لملك ملوك الفرس القدماء؛ يعني عندنا لقب واسم، كلمة ملك لقب، فلان فلان إذا ذكر اسمه ويقال الملك فلان، كلمة ملك بلغة القبط معناها فرعون وممكن يكون له اسم، وهذا هو الطبيعي في العادة، قالوا الوليد بن الريان، قالوا الآن يذكرون أسماء ملوك الفراعنة وأسماء زوجاتهم، على أي حال كلمة فرعون تعني ملك بلغة القبط، كسرى تعني ملك بلغة الفرس ولكن له اسم مثلاً أنوشروان فلان فلان، قيصر ملك الروم بلغتهم، لكن هناك قياصرة كل واحد له اسم، نمرود اسم ملك كنعان، النجاشي لمن ملك الحبشة والذي كان في عهد النبي عليه الصلاة والسلام اسمه أصحمة، وتبع لمن ملك اليمن، وخاقان لمن ملك الترك، والمقوقس لمن ملك الإسكندرية، وهكذا.
لكن هذا الفرعون هو المشهور هو الذي أهلكه الله. أمر الله تعالى موسى عليه السلام أن يذهب إلى فرعون هذا المعين، ولكن بقول لين وخطاب لطيف لعله يتذكر أو يخشى. إذاً جملة اذهب إلى فرعون بيان لجملة ناداه ربه؛ إذاً ناداه ربه بماذا، ماذا قال له؟ تفصيل في قوله: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾، وقوله: ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾ يعني جاوز الحد في الطغيان على بني إسرائيل وعلا في الكبر وظن نفسه إلهاً، والطغيان مجاوزة الحد، ومنه قول الله تعالى: ﴿إِنَّ لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة: 11]. والطاغوت سمي بذلك لأن فيه مجاوزة للحد. فرعون طغى على الخالق بأن كفر به، وطغى على الخلق فتكبر عليهم، جمع بين سوء معاملة الخالق وسوء معاملة الخلق. والله سبحانه وتعالى ذكر عن كلام فرعون الخطير: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلٍّ غَيْرِي﴾ [القصص: 38]، ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: 23-24].
فأرسل الله موسى إلى فرعون، ونادى موسى لأجل هذا الأمر: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى﴾ [النازعات: 17-18]. يعني حتى تلقين الداعية الكلام الذي يقوله وتلقينه الحجج وتلقين أسلوب الدعوة، هذا تأييد عظيم من الله لموسى. ﴿فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى﴾ يعني حتى أسلوب العرض، أسلوب عرض الدعوة على فرعون قد أخبر به موسى عليه السلام بغاية اللطف بغاية اللين، هل لك رغبة في التطهر من دنس الكفر والعصيان ورذائل الأخلاق والعادات؟ وهذا الاستفهام يقصد به العرض والطلب، وهو لطف وأدب في الدعوة. هل لك إلى أن تزكى؟ قدم طلب التطهر على طلب الهداية ليه؟ لأن التخلية قبل التحلية. هل لك إلى أن تزكى وتتطهر من الشرك والكفر؟ ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ فآتيك بالإيمان بدل ذلك الشرك والكفر، فيحصل لك من ثمرة ذلك الخشية. وأهديك إلى ربك فتخشى؛ أدلك وأرشدك إلى معرفة الله وتوحيده وعظمته وأسمائه وصفاته ووعده ووعيده وقوته وعظمته، فتخشاه ويصير قلبك خاضعاً له مطيعاً بعد أن كان قاسياً خبيثاً بعيداً عن الخير.
وهذه الهداية فيها علم، والعلم يؤدي إلى الخشية، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، فالخشية ملاك الأمر وغاية الهداية والاقتصار على ذكرها هنا إيجاز بليغ؛ لأن الخشية ملاك كل خير، الخشية خوف مقرون بالعلم. لو قال واحد ما هو الفرق بين الخشية والخوف؟ نقول: الخشية خوف مقرون بالعلم وليس خوفاً مجرداً، ولذلك قال الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِ الْعُلَمَاءُ﴾. وقد يخاف الإنسان من شيء يتوهمه لا حقيقة له، لكن الخشية تكون عن علم، ممكن واحد يخاف يعني يقول خفت الليلة السابقة من شبح أو قد يكون الشبح لا حقيقة له، ذعر مبني على وهم، بخلاف الخشية. هذا ما تضمنه النداء الإلهي لموسى عليه السلام، وسنعرف بعد قليل إن شاء الله بقية التعليمات التي ألقاها الله تعالى إلى موسى عليه السلام، وقفة قصيرة ثم نعود إليكم.
إذا كنتم ثلاثاً فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه، أدب يعلمنا إياه نبينا صلى الله عليه وسلم من خلال النهي عن التناجي وهو أن يستأثر اثنان بالحديث سرا.
دون الثالث أو ثلاثة، دون الرابع أو أربعة، دون الخامس. وهكذا؛ فإن هذا لون من إلحاق الأذى بالمسلم؛ لأنه تعود عليه بالحزن والخوف، وربما ظن أن ذلك لاحتقاره والحط من كرامته فيزيده ذلك غماً وحزناً. لذا حرم الإسلام التناجي، كما قال تعالى: ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المجادلة: 8].
ومن صور التناجي المحرمة: أن يتكلم اثنان بلغة مختلفة لا يفهمها الثالث، أو أن يكتب أحدهما للآخر في ورقة والثالث جالس ولا يمكنه الاطلاع على ما كتب. قال النووي رحمه الله: وفي معناه، أي معنى التناجي: ما إذا تحدث بلسان لا يفهمه؛ لأن العلة موجودة.
فإذا كان الحديث دائراً بين اثنين بدايةً ثم أتى ثالث واراد أن يدخل بينهما فإن ذلك لا يجوز إلا باذنهما؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان اثنان يتناجيان فلا تدخل بينهما». واعلم أنه إن دعت الضرورة إلى التناجي فانه يكون مباحاً بشرطين: الأول: أن تكون هناك مصلحة راجحة على مفسدة التناجي. الثاني: أن يكون ذلك بإذن الشخص الثالث ورضاه، وإلا حرم.
فالتناجي من تسويل الشيطان وتزيينه. فاذا أحسست بحزن من جراء تناجي بعض الناس أمامك فاستعذ بالله وتوكل عليه؛ فانه سبحانه كافيك من كل سوء وكيد، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175].
الحمد لله، عودة إليكم مرة أخرى، حياكم الله مع آيات هذه السورة العظيمة، سورة النازعات، والتعليمات الإلهية لموسى عليه السلام الذي ناداه ربه بالوادي المقدس طوى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزََّكَى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: 17-19].
ترتيب الجمل في الذكر مراعىً بعناية بالغة، والتقدير: هل لك في التزكية وهدايتي إياك فخشيتك لله التي تحصل من جراء ذلك. تزكية بداية، خشية. تذكروا هذه الثلاثة بهذا الترتيب: تزكية، هداية، خشية. الهداية الدلالة على الطريق الموصل إلى المطلوب. فبدأ موسى مخاطبته بالاستفهام وفيه عرض الدعوة على المدعو بكلام رقيق ليستدعي قبوله بالتلطف في القول، ويستنزله من عتوه بالمداراة.
فرعون يعيش في عالم آخر، يعيش في جو الطغيان والبغي. فائدة المداراة والتلطف واللين والرفق: أن استنزال هذا الطاغية من علياء جبروته إلى ميدان العلم والهداية والتأثر. وقد قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44].
إذاً، هذا هو تفسير القول اللين: فقل هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى. إذاً، قوله تعالى: فقولا له قولاً ليناً. ما هو القول اللين؟ لعله يتذكر أو يخشى. ما هو القول اللين في سورة النازعات؟ فقل هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى.
تليت هذه الآية: فقولا له قولا لينا، عند يحيى بن معاذ رحمه الله فبكى وقال: هذا رفقك بمن يقول: أنا الإاله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإاله؟ وهذا رفقك بمن قال: أنا ربكم الأعلى، فكيف بمن قال: سبحان ربي الأعلى؟ وهذا رفقك بالكفار فكيف رفقك بالابرار؟ وهذا رفقك بمن جحدك فكيف رفقك بمن وحدك؟
وبعض الخلفاء لما دخل عليه واعظ وأغلظ له قال: يا هذا ارفق، فقد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني وأمره بالرفق، فقال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44]. إذاً، لا بد في الدعوة إلى الله من اللين والرفق وترك الغلظة، وبالذات في الكلام مع الكبراء والوجهاء. والله تعالى قال النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].
إذاً، الذين يخاشنون الناس ويبالغون في التعصب، الذين يقسون في الخطاب ويستعملون الألفاظ الخشنة هم مجانبون للتعليم الإلهي للأنبياء في الدعوة. الداعية والمحتسب ينبغي عليه أن يترفق، يلين؛ لأن الرفق يأسر القلوب والعنف ينفرها: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125].
ابن القيم رحمه الله علق على هذه الآيات أن الله أمر موسى أن يخاطب فرعون بألين خطاب فيقول: فهل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى. وأن هذا من لطف الخطاب ولينه من وجوه؛ منها: إخراج الكلام مخرج العرض، ولم يخرجه مخرج الأمر والالزام، وهذا ألطف. قال: وهذا نظير قول إبراهيم لضيفه: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: 27] ولم يقل: كلوا.
ثانياً: قوله: إلى أن تزكى، والتزكي: النماء والطهارة والبركة والزيادة، فعرض عليه أمراً يقبله كل عاقل ولا يرد إلا الأحمق الجاهل. ثالثاً: قوله: إلى أن تزكى أنت، ولم يقل: إلى أن حتى أزكيك أنا، فأضاف التزكية إلى المخاطب ليكون أقبل. وهكذا يخاطب الملوك الداعية، ما يقول كلاماً في منة على الآخرين، أو علو عليهم، أو أن له الفضل عليهم.
رابعاً: قول: وأهديك، أي أكون دليلاً لك وهادياً بين يديك، فنسب الهداية إليه والتزكي إلى المخاطب، فأنَا مجرد دليل، أما أنت الذي تتزكى وأنت الذي تستفيد، كما لو قلت: ألا أدلك على كنز تأخذه أنت، وتستفيد منه أنا مجرد دليل.
خامساً: قول: إلى ربك، وأهديك إلى ربك أوصلك إليه، أعرفك به، أدلك عليه. لاحظ قوله: ربك، يعني يا فرعون إنه ربك الذي أنت تجحده وتريد أن تنزل نفسك مكانه ومقامه، وربك الذي أوجدك. يا رب أنت مربوب، لك رب يا فرعون، لك رب رباك بنعمه جنيناً وصغيراً وكبيراً وآتاك الملك ثم أنت خرجت عن طاعته. هذا كل كلام ضمني: ألا تطيع سيدك ومولاك ومالكك الذي رباك وأنعم عليك.
سادساً: قوله: فتخشى، يعني إذا اهتديت إليه وعرفته صار عنده خشية له؛ لأن من عرف الله خشيه ومن لم يعرفه لم يخشه. وسابعاً: في قوله: هل لك، فائدة لطيفة، والمعنى: هل لك حاجة أو أَرَبٌ في هذا الشيء الطيب، وهذا أدعى للقبول.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يرزقنا تدبر كتابه، إنه سميع مجيب قريب، يأتيك ميسوراً بأي مكان. قلة الظعان، هذا كتاب الله ربيع قلوبنا، خير الدروس تعلم القرآن.
الشيخ محمد صالح المنجد