تسجيل الدخول

المحاضرة 19 - تفسير سورة التكوير (21:10)

محمد صالح المنجدالشيخ محمد صالح المنجد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الإخوة والأخوات، أيها الطلاب والطالبات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وحياكم الله في الدرس التاسع عشر من سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد.

سبق في تفسير سورة التكوير، هذه السورة العظيمة، ذكر مقاصدها، ومنها إثبات البعث والجزاء، ووصف بعض أهوال يوم القيامة، والتنويه بشأن القرآن، وأنها من السور التي شاب لها النبي صلى الله عليه وسلم. وأن معنى قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ لفت وجمعت ثم ألقيت في النار يوم القيامة. وقوله: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾ تناثرت وزالت عن أماكنها وتساقطت على الأرض. ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ وزالت عن أماكنها ثم سارت وصارت كالهباء المنبث.

العشار عطلت؛ هي النوق الحوامل التي أتى على حملها عشرة أشهر، وكانت أنفس أموال العرب. عطلت؛ أي تركت مهملة بلا راع اشتغالاً عنها بأهوال يوم القيامة، أصحابها جاءهم أمر عظيم مفضٍ. ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ كل دواب الأرض حشرت، هذه الوحوش غير المستأنسة وجمعت ليقتص لبعضها من بعض من كمال عدل الله. ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ أوضدت وصارت ناراً تضطرم، وفجر بعضها في بعض، واختلط العذب بالمالح، وصارت البحور بحراً واحداً. ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ جمع كل شكل إلى نظيره، فالأمثال من الناس والأشباه يجمع بعضهم إلى بعض.

ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ الموؤودة، وعجبا! ما هذه الموؤودة؟ من هي؟ إنها التي كان أهل الجاهلية يدفنونها كرهاً للبنات في التراب ظلماً وعدواناً، وإزهاقاً للأرواح البريئة على مبدأ فاسد. يوم القيامة ستبعث الموؤودة، كل البنات الصغيرات الرضيعات المدسوسات في التراب ظلماً وعدواناً على المبادئ الباطلة الضالة الظالمة، ستبعث لتسأل كل واحدة منهن بأي ذنب قتلت؟

ليس سؤال محاسبة، فإنها ليست المجرمة ولا المذنبة، لكن سؤال الخزي للمجرم الذي دفنها حية حتى ماتت اختناقا في التراب. سؤال فيه وله ما بعده، عندما يرى الأب الظالم ما جنت يداه، وهذه بنته التي كان من المفترض أن يحن عليها ويشفق عليها ويربيها ويكرمها، إذا به يدسها ويقتلها، قد بعثت الآن أمامه يوم القيامة شاهدا على جريمته. إذا سئل المظلوم فإنما هو لخزي الظالم.

ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ صحائف الأعمال التي كتبتها الملائكة تفتح، بعد أن كانت مضوية، عندما كتبوها في الدنيا ومات صاحبها طويت الصحائف ورفعت إلى الله، تقارير طويلة عن أعمال العباد، عن عمل كل عبد منذ أن كلف إلى أن انقطع التكليف بالموت أو بغيره، وهذه الصحائف ستفتح يوم القيامة وتنشر. وقوله: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ نزعت من مكانها كما ينزع الغطاء عن الشيء، وقيل كشطت قلعت فطويت.

وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ أوقدت بالناس والحجارة، ما قال الله وقودها الناس والحجارة؟ سعرت؛ زيادة في الإحراق والحرارة. التسعير عندما تحش النار وتحشى بما يزيدها اضطراما، بما يزيدها استعارة وإيقادا. وإذا الجحيم سعرت، بماذا تسعر؟ بالناس والحجارة، وقودها الذي يزيدها اشتعالا الناس والحجارة، يؤتى بها يوم القيامة تلظى، تلتهب، تضطرم، لها زفير وشهيق لها تخيظ، لكن مع ذلك سيزاد في تسعيرها وإحراقها.

وفي المقابل قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ قربت وأدنيت لأولياء الله المتقين، هذا التكريم أن تقرب إليهم كرامتهم وضيافتهم ومنزلهم يدنى إليهم. وإذا الجنة أزلفه، إذا حدثت كل هذه الأشياء من أول السورة إذا الشمس كورت إلى آخر ما ذكر، وإذا الجنة أزلفه، مرورا بالنجوم والبحار والعشار، مرورا بما حدث للسماء وما حدث للصحف وما حدث للمقموعات، للنفوس من الجمع والضم لبعضهم إلى بعض، بعدما صار للبحار ما صار وجمع الوحوش وتعطيل العشار. كل هذه الأشياء التي صارت سيحدث ويقوم ويكون أمر واحد.

قال تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾ إذا حصلت هذه الأشياء كلها، علمت نفس ما أحضرت، هذا هو الجواب لقوله إذا؛ إذا وقعت هذه الامور، حينئذ تعلم كل نفس ما عملت من خير أو شر وأحضر ذلك لها.

قال تعالى: ﴿فَلَا أُسْقِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ لا أقسم بالخنس؛ هذا أوب تأكيد عند العرب، أو لا نفي لشيء من الظنون الباطلة والاعتقادات الفاسدة. ثم بداية أقسم بالخنس، على أية حال، أوب تأكيد قوي لقسم الله تعالى بالخنس مأخوذة من خنس هذا الفعل، والخنس المصدر الرجوع إلى الوراء، وكذلك الكنس من كنسه، والكنوز أن تأوي الوحوش إلى مكانسها وجحورها وكهوفها.

فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس. هل المقصود النجوم أم الوحوش؟ أكثر المفسرين على أن المقصود النجوم. فلا أقسم بالخنس، الجواري التي تجري في أفلاكها وتخنس في مجراها فترجع، إذا تذهب في حركتها وترجع، هي تسير في أفلاكها ومداراتها ذاهبه وراجعة، خنس كنس، تخنس في مجراها فترجع، وتكنس فتستخفي في جحورها وكهوفها. قالوا في الجواري: زحل والمشتري وعطارد والمريخ والزهرة، لكن هناك كواكب كثيرة تسير في أفلاكها لا يعلمها إلا الله.

وجاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال في تفسير الآية: هي النجوم تخنس بالنهار وتكنس بالليل. وقال قتادة: هي النجوم تبدو بالليل وتخنس بالنهار فتختفي فلا ترى. وفي تخصيصها بالذكر من بين سائر النجوم وجهان؛ يعني لما ذكرت هذه بالذات، قيل لأنها تستقبل الشمس، وقيل لأنها تقطع المجرة.

طيب، هذا القول بأنها النجوم الخنس الكنس، فماذا عن تفسيرها بالوحش مثلا أو الظباء؟ لأنه قد روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير أنها الظباء، وقال ابن مسعود هي بقر الوحش. واختار الطبري أنه لا مانع من حمل الآية على جميع هذه الاقوال، وأن الله أقسم بأشياء تخنس أحياناً يعني تغيب، وتجري أحياناً، وتكنس أخرى وكنوساً. فابن جرير رحمه الله رأيه يقول؛ يعني إذا لم يكن في الآية دلالة على أن المراد بذلك النجوم دون البقر، ولا البقر دون الظباء، فالصواب أنه يعم، أو أن يعم ذلك كل ما كانت صفته الخنوس أحياناً، والجري أحياناً، والكنوس أحياناً، على ما وصف جل ثناء من صفته. بعد قليل إن شاء الله سنتابع معكم في تفسير آيات هذه السورة العظيمة.

الحمد لله، حياكم الله مرة أخرى أيها الإخوة والأخوات، ومع قوله تعالى: ﴿فَلَا أُسْقِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ فلا أقسم معناها أقسم، وقلنا إن أحد التوجيهات في التفسير في قوله فلا أقسم، يعني أقسم وأن لا لا تكون نافيه، بل هي مثبته للقسم؛ يعني من استعمالات لا عند العرب التأكيد والإثبات للشيء. فأقسم الله تعالى بالنجوم التي تكون مختفية قبل ظهورها بالليل، الجارية في فلكها والداخلة وقت غروبها في النهار إذا طلعت، كما تدخل بقر الوحش والظباء في كنسها وبيوتها.

ثم أقسم بالليل فقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ ما معنى عسعس؟ أدبر ولى وذهب. تقول العرب: عسعس الليل، وتقول أيضاً: سعسع عسعس وسعسع، إذا أدبر ولم يبق منه إلا اليسير. وقال الحسن رحمه الله: أقبل، يعني عكس المعنى الأول. وجمع بعض العلماء بين القولين، فقالوا إن لفظة عسعس من الأضداد. ما معنى من الأضداد؟ الكلمة التي تستعمل في لغة العرب للشيء وضده هي نفسها، فعسعس مثلا تستعمل في الاقبال وفي الادبار على وجه الاشتراك، فعلى هذا يصح أن يراد كل منهما، أن يكون كل منه مقصوداً في الآية، فيكون المراد أن الله أقسم باقبال الليل وإدباره، طبعا هذا من مظاهر قدرة الله، يعني أنه الظلام يعقبه الضياء والضياء يعقوبه الظلام، شيء ياتي بعد عكسه تماما.

ما هو القسم التالي؟ ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ ظهر طلع امتد ضوءه حتى يصير نهارا واضحا. لكن لفظة تنفس كأنها أنفاس تبتدئ بطلوع الفجر ثم تزداد وتستعرض في السماء حتى تصبح نهارا مضيئا. وبعض المفسرين قالوا والصبح إذا تنفس طلوع الشمس. لاحظوا إذا قلنا إن الصبح أوله الفجر، فإن الفجر يعني أوائل الصبح فيها نسيم فيها لطافة فيها نوع من النعيم حقيقة يعني أنسام الفجر. أنسام الفجر النسيم هذا أشياء ترد القوة والنشاط إلى الجسم. الصبح يتنفس، أنه يخرج تدريجيا انفاس من النور لتدب الحياة والحركة بعد ذلك، لأن الله جعل النهار معاشه، ورؤية الفجر تكاد تشعر القلب بأنه يتنفس أنفاسا أخرى غير الهواء العادي الذي فيه.

هذه الأقسام، ما هو جواب قسمها؟ ﴿فَلَا أُسْقِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ أقسم الله بكل هذه الأشياء على ماذا؟ ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾.

إذاً أقسم تعالى بهذه النجوم والليل والصبح على علو القرآن وحفظه من الشياطين، وقوة الملك وصدق النبي عليه الصلاة والسلام. أقسم الله بهذه المخلوقات لعظمها وكونها من آياته الكبرى. فمن يستطيع أن يدير الأفلاك ويسير الكواكب والنجوم؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يأتي بالنهار بعد الليل وبالليل بعد النهار؟ ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٍ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٍ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ * وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.

بالمناسبة، الآية التي فيها ذكر الليل ماذا قال في آخرها؟ تبصرون. الآية التي فيها ذكر النهار ماذا قال في آخرها؟ تسمعون. ما العلاقة؟ يعني الليل آية السمع تكون مسلطة أو آلة السمع، آلة السمع طبعا، وفي النهار يكون العكس، في النهار يكون العكس آية البصر هي المسلطة، ولذلك هناك بدائع في ختم الآيات، هناك بدائع في ختم الآيات. فالختام للآيات ليس عبثيا، كلا ليس عبثيا أيها الإخوة والأخوات. بعد قليل إن شاء الله سنواصل معكم الحديث عن تفسير هذه الآيات.

بسم الله، حياكم الله. نحن في هذه السورة العظيمة سورة التكوير، قلنا فيها أقسام عظيمة، أقسم الله بمخلوقات له عظيمة، الاقسام بها يدل على عظم المقسم عليه وهو جواب القسم. فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس، والليل إذا عسعس، والصبح إذا تنفس. ما هو جواب القسم؟ المهم جدا: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾. إذاً، أنه القرآن لقول رسول كريم، إذا القرآن من رسول صادق، والقرآن عظيم من رسول كريم.

قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يعني جبريل عليه السلام ملك شريف، حسن الخلق، بهي المنظر، نقل القرآن وقاله وأخبر به محمدا صلى الله عليه وسلم. إذاً، إنه لقول رسول كريم، تبليغ رسول كريم وهو جبريل عليه السلام نزل به. نزل به على المبلغ إليه محمد صلى الله عليه وسلم.

هل قال بعض المفسرين إن قوله تعالى إنه لقول رسول كريم محمد صلى الله عليه وسلم؟ نعم، هذا القول مذكور أيضاً، كما أورده الماوردي رحمه الله وغيره. بالمناسبة، تفسير الماوردي وتفسير ابن الجوزي من التفاسير التي تعنى بايراد الاقوال أو ذكر الاقوال، تعدد الاقوال في تفسير الآية.

بعض الناس ربما يتوهم أنه لقول رسول كريم، يعني جبريل هو الذي اتى به من عنده، يعني هذا قوله ابتداء؟ ولا يمكن. يمكن أن يكون هذا كما هو معلوم قوله الذي نقله عن ربه، لكنه قاله للنبي عليه الصلاة والسلام وأخبره به. فإذا القرآن أو الكلام قد ينسب إلى قائله ابتداء، وقد ينسب إلى مبلغه أيضاً، مع أنه نقله عن قائله أصلاً. الآيات القرآنية مصرحة بأن القرآن كلام الله، لو أن واحدا قال: طيب وما هو الدليل على أن القرآن كلام الله وليس

بكلام جبريل كما تقولون في هذه الآية؟ نقول: إنه قول جبريل مبلغاً عن الله، والا فقد نصت الآيات على أن القرآن أصلاً كلام الله. قال تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6]، كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير، من هو الله عز وجل؟ أحكمت آياته ثم فصلت من عند من؟ الحكيم الخبير.

ثم إن قوله تعالى: إنه يعني القرآن لقول رسول كريم، كلمة رسول يعني مرسل، هناك من أارسله بهذا الكلام. على أي حال، مهما حاول بعض أصحاب الشبهات أو غيرهم أن يدخلوا هنا من هذا المدخل، فانه مردود عليهم، المسألة سهلة، فالرسول يبلغ كلام غيره وقد أرسل بتبليغ هذا القرآن، فمعنى قول الله تعالى: إنه لقول رسول، يعني يبلغه عمن أرسله من غير زيادة ولا نقص.

أيضاً هذا الرسول تلاه الرسول الملكي، تلاه على الرسول البشري، والرسول البشري تلاه علينا، كلها تبليغ في تبليغ.

هذا الرسول الكريم، ما صفته أيضاً؟ إنه لقول رسول كريم ذي قوة، ذي قوة، صاحب قوة، فجبريل عليه السلام يتصف بالقوة العظيمة، القوة العظيمة ذي قوة تنكير للتعظيم، قوة وقد أضيفت إلى ذي صاحب قوة.

ثم بين الله مكانة هذا الرسول الملكي عنده تعالى، فقال: ﴿عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: 20] مكين، فهذا من تمام وصف جبريل عليه السلام، فهو ذو قوة في نفسه، وذو قوة فيما كلف به وأمر به، وذو قوة في إنفاذ ذلك وتبليغه. قال تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم: 5-6]، شديد الخلق، شديد البطش. قيل: كان من قوة جبريل عليه السلام أنه اقتلع مدائن قوم لوط من الماء الأسود وحملها على جناحه رفعها في السماء ثم ضربها في الأرض وقلبها عليهم، وأنه صاح صيحة بثمود فاصبحوا جاثمين، وأنه يهبط من السماء إلى الأرض ويصعد في أسرع من الطير، وقد رآه عليه الصلاة والسلام له سُمُّ مئة جناح سادا الأفق حجب السماء.

ذي قوة عند ذي العرش، عند الله، من هو صاحب العرش؟ من هو ذو العرش؟ الله عز وجل. جبريل ذو قوة عند الله مكين، صاحب مكانة ومنزلة رفيعة، كما قال الملك ليوسف: إنك اليوم لدينا مكين. جبريل عليه السلام ذو مكانة وشرف عند الله، ولذلك خصه الله بأكبر النعم التي أنعم بها على العبادة وهي أن يبلغ وحياً إلى رسله. من الذي بلغ التوراة؟ من الذي بلغ الإنجيل؟ ما الذي بلغ صحف إبراهيم؟ ما الذي بلغ داوود؟ جبريل عليه السلام أمين السماء، أمين الله على وحيه وتبليغ شرعه، والسفير بينه وبين أنبيائه.

وتأمل في قوله ذي قوة، كأنك تشعر أن هذا القرآن يحتاج إلى قوة في حمله، فكما نقله صاحب قوة جبريل، علينا نحن أن نعمل به، نأخذ به ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: 63]. هل انتهت صفات جبريل في الآيات؟ لا، جبريل ملك عظيم مطاع، الملائكة تطيعه، يصدر الأوامر، يبلغ عن الله الأوامر ولا يخون ولا يغير ولا يبدل، وكما أمر يبلغ، حتى أسماء الأشخاص الذين يحبهم الله ويكرههم الله يبلغ أن الله يحب فلاناً فأحبوه، أن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، وهكذا.

ثم هناك عند الملائكة أن الله إذا أحب، نادى في السماوات، نادى جبريل، وهناك جبريل يبلغ الملائكة، فجبريل رئيس الملائكة، يرجعون إليه، وصاحب قوة، وصاحب أمانة، ومكين عند الله، مسموع القول، مطاع في الملأ الأعلى، له وجاهة، أمين فيما كلف به، لا يتعدى الحد الذي عينه الله له، أمين على وحي الله في تبليغه لأنبيائه. فجبريل عليه السلام له أمره وطاعة الملائكة، ينزل بالوحي منفذا أمر الله عز وجل مبلغا عنه.

كل هذا يدل على ماذا؟ يدل على شرف القرآن، أن الله عز وجل اختار جبريل هذا الملك العظيم أعظم الملائكة ليبلغ القرآن إلى أعظم رسول بشري محمد صلى الله عليه وسلم، بعث الله الملك الكريم إلى الرسول الكريم ليبلغ الكتاب الكريم، والملوك لا ترسل في المهمات الشريفة إلا الكرام عندها.

هنا أيها الإخوة والأخوات نقف في نهاية حلقتنا هذه، وننتقل في الحلقة القادمة إن شاء الله إلى شيء آخر من جواب القسم في الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: 22]، والعلاقة بين الرسول الملكي والرسول البشري ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: 23]. إلى ذلك الحين استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.