بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيُّها الإخوة والأخوات، الطلاب والطالبات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحيَّاكم الله في الدرس الحادي عشر من سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد. وقد سبق في الدرس الماضي الكلام عن تفسير قول الله تعالى في سورة النازعات: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات: 27-28]. وقلنا إن هذه الآيات في سياق الرد على منكري البعث؛ فيقول لهم إن الذي خلق السماوات قادر على إعادة الخلق، وعلى بعث الإنسان بعد موته. وفسر بناء السماء بقوله: رفع سمكها؛ أي سقفها، فسواها بلا شقوق، ولا تفاوت، ولا فطور، ولا خلل، ولا تباين؛ فجعلها عالية البناء، مستوية الأرجاء، مكللة بالكواكب في الليلة الظلماء.
أأنتم؛ هل أنتم أشد خلقاً أم السماء؟ هذا سؤال يهز النفس، يا من ينكر البعث ويقول: كيف يعيدني وقد صرت رميماً؟! يعيدك الذي بدأك! وخلقك أهون من خلق السماء، وإعادتك أهون من بدء خلقك؛ خلقك أيسر من خلق السماء، وإعادتك بعد موتك اسهل من بدء خلقك. أأنتم أشد خلقاً أم السماء؟ وأيضاً تهز نفس الملحدة وكذلك المتكبرين؛ تتكبر على من؟ ولماذا تتكبر؟ أأنتم أشد خلقاً أم السماء؟
ثم يثبت الله أفعاله في السماء: بناها، رفع سمكها، فسواها، وأغطش ليلها، وأخرج ضحاها؛ خمسة أفعال لله في السماء. بناها؛ رفع سمكها وجعلها كالسقف على هذا العالم. إذاً: بناها، رفع سمكها، فسواها؛ فسواها تسوية ما فيها خلل ولا فطور ولا شقوق. وأغطش ليلها؛ جعله حالكاً فعمت الظلمة أرجاء السماء، فأظلم وجه الأرض تبعاً لذلك. وأغطش من الغطء؛ ما هو الغطء في اللغة؟ الظلمة. أغطش ليلها، وأخرج ضحاها؛ أبرزه وأظهره، فصار مضيئاً منيراً مشرقاً واضحاً، فامتد للناس في مصالح دينهم ودنياهم في معاشهم.
ثم قال زيادة في بيان القدرة: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: 30]؛ يعني بسطها. وقد بين الله عز وجل أنه بدأ بخلق الأرض أولاً دون أن يستخرج ما فيها، ثم خلق السماوات سبعاً، ثم دحا الأرض بعد ذلك. فمن جهة الترتيب، جاء في آيات أخرى أنه بدأ بخلق الأرض، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فسواهن سبع سماوات، ثم عمد إلى الأرض بعد ذلك، قدر فيها أقواتها في أربعة أيام؛ عنايةً منه تعالى بكوكب الأرض. فلو قال واحد: هل خلق الأرض أولاً أم السماء؟ فنقول: الأرض أولاً بدون تقدير الأقوات خلقها جملة، ثم السماء، ثم قدر في الأرض أقواتها في أربعة أيام.
فإذاً، ما هو مذكور في سورة النازعات مرحلة من مراحل خلق السماوات والأرض، وهي المرحلة الأخيرة؛ لأنه قال: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: 27-30]. هذا ترتيب زمني، بعد ذلك، وما هو خلقها؟ هو خلقها قبل السماء، لكن ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾؛ إذاً عمليات في الأرض تفصيلية تمت بعد خلق السماء، وخلق السماء تم بعد إيجاد الأرض، كما جاء في الآيات الأخرى. إذاً في سورة النازعات مرحلة زمنية معينة في خلق السماوات والأرض، تذكر فيها ماذا فعل في الأرض تفصيلاً: أخرج منها ماءها ومرعاها، والجبال أرساها، متاعاً لكم ولأنعامكم.
طيب، والارض بعد ذلك دحاها، ما معنى الدحو وما هو تفسيره؟ الدحو مفسر بما هو مذكور بعده: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات: 30-32]. إذاً أخرج منها ماءها ومرعاها، وشق الأنهار، وخلق الجبال أو أرسي الجبال والأكام. لماذا فعل كل ذلك؟ من أجلنا وعناية بنا ومنة علينا وراحتنا وطعامنا وغذائنا، نحن ودوابنا التي ناكل منها ونشرب ونركب عليها؛ قال: ﴿مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات: 33]. متاعاً للخلق ولما يحتاجونه من الأنعام حتى ينتهي الأمد وينقضي الأجل ونرجع إليه.
بعد ما ذكر خلق السماء وتفصيل ما جعل في الأرض، وأنه هذا الجعل لأجلنا متاعاً إلى حين؛ ذكر الآن ما هو الحين هذا؟ خلق السماوات والأرض إلى أجل مسمى، فماذا سيكون بعده؟ جاء الكلام وجاء التفصيل: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ [النازعات: 34]. يا أيها البشر، خلقنا من أجلكم السماء سقفا محفوظا والنجوم والكواكب، ومن أجلكم الشمس والنور والضياء، وما في الارض لطعامكم وشرابكم غذائكم وراحتكم وركوب وتنقلكم واستقرار عليها؛ هذا كله إلى أجل سياتي وخلاص ينتهي كل ذلك: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى﴾ [النازعات: 34-36]. الطامة في لغة العرب: الداهية التي لا تستطاع وتغلب ما سواها. يقال: طم الشيء إذا علا وغلب. الطامة من أسماء القيامة، سميت بذلك لأنها تطم على كل هائلة وعظيمة من الأمور فتعلو فوقها وتغمرها وتنسيها. قال تعالى: ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: 46]. قال ابن عباس والحسن: الطامة هي النفخة الثانية التي يكون معها البعث، وقيل حين يساق أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار، وقيل هي الساعة التي يسلم فيها أهل النار إلى الزبانية: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: 30-31].
ووصف الطامة بأنها الكبرى لأنها أعظم الدواهي، أعظم الطامات، أو أم الطامات الكبرى التي لا يوجد أكبر منها. فاذا جاءت هذه القيامة الكبرى والشدة العظيمة التي تهون عندها كل شدة، فحينئذ يذهل الوالد عن ولده والصاحب عن صاحبه والحبيب عن حبيبه. وقال بعضهم إن جواب قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ محذوف، جواب مقدر: دخل اهل النار النار واهل الجنة الجنة. في هذا اليوم يتذكر الإنسان ما سعى؛ يعني ما سعى في الدنيا من خير أو شر، وسوف نتكلم بعد قليل إن شاء الله عن هذا السعي وعن هذا التذكر. نعود اليكم بعد قليل إن شاء الله.
حياكم الله مرة أخرى أيها الإخوة والأخوات، ومع قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى﴾ [النازعات: 34-35]. إذا جاءت تذكر الإنسان ما سعى؛ يعني عمله في الدنيا من خير أو شر. ليس فقط تذكر، وإنما سيشاهده مدوناً في صحيفة أعماله، كان قد نسيه من فرط الغفلة وطول الأمد وشدة ما لقي الآن. فعلاً، لو نعود بذاكرتنا إلى الوراء ونحاول أن نتذكر تفصيل أو تفصيلات أحداث معينة، أو أيام معينة، أو أعمال معينة قمنا بها، وماذا كانت كلماتنا وأفعالنا وتصرفاتنا فيها؛ كثيراً ما نعجز، قد نتذكر بعض الأشياء، ويتفاوت بعضنا في التذكر.
لكن أمر مخيف، لأن كل هذه الأشياء التي عملناها من أقوال وأفعال ونسيناها كلها طراً علينا ستخرج في ذلك اليوم، وقد دُونت من قبل رقيب عتيد، حاضر، شاهد، كاتب، ضابط: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: 10-12]. طبعا هذا يعني هذا من الملائكة، لكن أيضاً ربنا حفيظ ورقيب وشهيد علينا: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: 6]. ولذلك المشهد هذا، أن يرى العبد كل أعماله مسطرة أمامه ما يستطيع أن ينكر شيئاً؛ يعني كلها مكتوبة بدقة والتفصيل.
طبعا هذا المشهد مشهد عظيم، ما يقاربه مشهد ولا يدانيه شيء آخر، وإنما فقط للتقريب؛ يعني بعض المتهمين يؤتى بهم في المحكمة، فالمدعي يأتي له بأعماله والشهود يسردون يقولون ورايناه فعل كذا وكذا، ثم فعل كذا وكذا وكذا والشاهد الأول والشاهد الثاني، ثم يؤتى أحياناً بتسجيلات صوتية له، ثم يؤتى أيضاً بفيديو وتصوير له، فإذا راى كل هذه أسقط في يده واعترف ووقع. ويوم القيامة التسجيل أدق وأشمل وكل الحياة وكل العمر الذي عمره وماذا فعل فيه: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 13-14].
نسأل الله السلامة، نسأل الله السلامة، نسأل الله السلامة. اقرأ كتابك؛ هذا كتابك، هذا كتابك، هذا كتابكم ينطق عليكم بالحق. اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا. طبعا ما في مفر؛ سيقرا، واذا قرا سيتذكر، واذا تذكر سيحاصر، واذا حوصر هنا الداهية. هذا المشهد يعني سيؤتاه بيمينه أو شماله ثم ينشر ويفتح: اقرأ. كل كل الكلام وكل الأفعال، فيتمنى الإنسان أن يشاهد بين هذه الأشياء، يتمنى يعني تسبيحاً، تهليلاً، تكبيراً، استغفاراً؛ يعني مع كل لفظة وفعله، يتمنى يوجد هنا يدخل هنا يدخل استغفار.
ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان يستغفر في المجلس الواحد، نعد له في المجلس الواحد من سبعين إلى مئة مرة: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم. هذه الفائدة كفارة المجلس: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. هذه أهميتها، الآن نعرف الآن، يتمنى يوم القيامة اهل الكتب المنشورة ان يجدوا في ثنايا الألفاظ والأعمال: أستغفر الله العظيم وأتوب إليه. طبعا أشياء تغم، أفعال وأقوال وتحزن: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلْت مَنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلْت مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: 30].
وهنالك؛ يعني عند القراءة والاستعراض، سيعلم الإنسان مدى الربح والخسارة؛ لما يرى أعمال صالحة كثيرة سيفرح، ولكن لما يرى أعمال سيئة أكثر هنا الكلام. هذه الأشياء، هذا المشهد، الناس الآن عنه غافلون، مع الأجهزة، مع الأفلام، مع السفريات، مع الاستمتاعات، مع الترفيه واللعب، وطبعاً المعاصي والمنكرات ومغمورون فيها، فما هو هذا ما هو وارد تذكر هذه الأشياء. لكن مهم جداً أن نعرفها الآن تمهيداً قبل، لماذا؟ لأن هناك بعدها العقبة الكؤود بعدها، ما هي العقبة الكؤود؟ يعني بعد نشر الصحف وبعد ما يقرا.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى﴾ [النازعات: 35-36]. هذه العقبة الكؤود، فان اقتحم العقبة، فمجاوزة العقبة هذه تحتاج إلى أعمال صالحه حتى يجوز الإنسان الصراط، يحتاج فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة، ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة.
وبرزت الجحيم لمن يرى؛ الجحيم النار، هل تظهر وتبرز؟ نعم، نعم، يؤتى بها لها سبعون ألف زمام، على كل زمام سبعون ألف ملك. ويصير في يسمعوا لها تغيظاً وزفيراً، وإذا اقتر راوها من مكان بعيد؛ يعني كشف الغطاء ونظر إليها الخلق عياناً. قال ابن عباس هنا في هذه الآية وبرزت الجحيم قال: يكشف عنها فيراها تتلظى، كل ذي بصر يراها تتلظى. وسيكون وقع هذه الرؤيا على الكافرين بالذات، وعلى المجرمين، وعلى أصحاب المنكرات عظيماً. لماذا؟ يقول الله في آية أخرى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ [الكهف: 100]. وقال في آية أخرى: ﴿وَبُرِزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ [الشعراء: 91]. وحتى المؤمن الذي يراها يعرف قدر النعمة عليه عندما يجنبها ويزحف عنها، ويحمد ربه كثيراً عندما يرى الكفار يصلونها. ما هي الحكمة في إظهار الجحيم وبرزت؟ مشاهدة الكفار لمكان عقوبتهم هذا من أنواع العذاب؛ يعني أن يشاهد ماذا سياتي، ماذا سيه، وعلى أي شيء سيقدم، وأين سيقى. هذا وحده عذاب عظيم، ويعلم المؤمنون من أي عذاب نجوا.
لاحظوا في في سورة النازعات: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى﴾ [النازعات: 34-35]. في سورة عبسة يوجد موضع مشابه: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبسة: 33]. الطامة والصاخه، الطامة في النازعات والصاخة في عبسة. الطامة أرهب وأنبأ بأهوال القيامة؛ فهي تطم وتعلو فوق كل شيء. الصاخة لها علاقة بالصوت، كأن يعني الطامة ﴿وَبُرِزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى﴾؛ إلى الرؤية، ألصق بالرؤية. الصاخة بالصوت بالأذن، ألصق. طبعا الصاخة الصيحه الشديدة؛ لأن الناس يصيخون أسماعهم إليها ويستمعون لها. لكن الطامة في النظر والرؤية أبلغ. وبالأحوال السورتين في التخويف والإنذار، فانت ترى موضوع سوره النازعات؛ يعني موضوعاتها في قضية التخويف والإنذار وتفاصيل القيامة أكثر من عبسة. ولاحظ يعني في النازعات فيها الراجفة والرادفة والخوف والهلع؛ التخويف فيها أشد. أما سورة عبسة فيها قصة عبد الله بن أم مكتوم في أولها، وبعد ذلك ما للانسان من النعم ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ [عبسة: 24] إلى آخره، فهي أخف في الترهيب من النازعات. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يقينا شر يوم القيامة، وأن يجعلنا ممن لقاهم نضرة وسرورا. نعود إليكم بعد قليل إن شاء الله لإكمال تفسير الآية.
صلى الله عليه وسلم، وأم جميع أولاده سوى إبراهيم. ولدت بمكة سنة 68 قبل الهجرة، وكانت من أعرق بيوتات قريش نسباً وحسباً وشرفاً؛ ولذا نشأت على الأخلاق الكريمة والصفات الحميدة، فكانت عفيفة رصينة ذات عقل وحزم.
وحين سمعت بخبر الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم، رغبت في أن تجعله يعمل في تجارتها، فعمل فيها فربحت أضعاف ما كانت تربح مع غيره، فوسط من عرض عليه الزواج منها فوافق عليه الصلاة والسلام وتزوجها.
كانت رضي الله عنها تعد للنبي صلى الله عليه وسلم الزاد الذي يكفي حينما كان يتعبد في غار حراء، وقد هرع إليها بعدما فاجأه الوحي وهو في الغار، فطمأنته بقولها: كلا والله ما يخزيك الله أبداً. فكانت أول من أسلم من الناس قاطبة، وخير من واسته بنفسها ومالها.
ظلت مع النبي صلى الله عليه وسلم وفية صابرة على أذى قريش حتى وقع حصار قريش على بني هاشم وبني المطلب في شعب أبي طالب، فالتحقت بزوجها في الشعب، وعانت معه في سبيل الله ما عاناه بنو هاشم من جوع ومرض مدة ثلاث سنوات.
توفيت رضي الله عنها قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث سنوات، فذهبت وبقي أثرها. ومن فضائلها ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة قال: أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتتك معها إناء فيه طعام أو إناء فيه شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها عز وجل ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.
حياكم الله ومرحباً بكم. وبعد حمد الله تعالى نستمر في تفسير الآيات، وننتقل من قوله تعالى: ﴿وَبُرِزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى﴾ [النازعات: 36]. وبعدما عشنا في جو الآية في إبارز جهنم وما هو أثره النفسي على الواقفين في أرض المحشر المجموع، يبدأ التفصيل في المصير: ﴿فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 37-39].
ما حال الفريقين من أهل السعي؟ كل واحد سعى، والسعي مكتوب سوف يرى وقد رؤي في المحشر. الآن رؤية في يوم الحساب؛ بدأ بالطغاة الذين تجاوزوا الحد: فاما من طغى؛ تجاوز الحد، تجاوزوا الحلال إلى الحرام، تجاوزوا حدود الله. وانتهك من الداخل ومن الخارج؛ من الداخل تجاوز المباح إلى الحرام، ومن الخارج جاء إلى الحمى واقترب من حدود الله وانتهك ووقع في الحرام. هذا طغى، طبعا طغى وظلم وطغى وبغى وجاوز حده، هو مخلوق مفروض يكون عبداً لله، لكن جاوز حده، طغى كذب بالبعث فعل ما فعل.
طغى، ما معناها في اللغة؟ عتى وتمرد على طاعة الله وجاوز الحد في العصيان وانتهاك الحرام وانتهاك حدود الله. الطغيان مجاوزة الحد، وكل من جاوز حده عصى الله؛ سواء كانت المعصية شركاً أو كفراً أو كبيرة أو صغيرة.
حد الإنسان الذي وضعه الله له أن يعبده ولا يشرك به شيئاً، والإنسان لم يخلق فقط للأكل والتمتع كما تتمتع الأنعام، بل هو مخلوق لعباده الله، والمفروض أنه استعان بالنعم على العبادة وشكر.
طيب، ما هي أسباب الطغيان؟ المال، الرئاسة، النسب، الحسب، المنصب، النعم. أسباب الطغيان كثيرة: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: 6-7]. إذا رأى نفسه غنياً وعنده نعم، طغى وبغى وتجبر ونسي أن إلى ربه الرجعة ولم يخف الجزاء.
فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا؛ فهو في الدنيا لما صار عنده نعم وطغى وبغى، آثر الحياة الدنيا وفنت وفتنته. ولذلك سليمان عليه السلام لما جيء بعرش بلقيس عنده وحوله هؤلاء وحشر لسليمان جنوده من الجن والانس والطير، كل له ما طغى، قال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَني أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: 40]. ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: 19].
لكن فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا وفضل لذائذها وشهواتها على الآخرة، وذهب يرتع في المحرمات ومن حرام إلى حرام، ويتنقل من امرأة إلى امرأة وتلك المرأة تتنقل من رجل إلى رجل، وعلاقات بالحرام، وسماع للحرام، ورؤيا للحرام، وأكل مال بالحرام، واتبع نفسه هواها؛ لا ما في أو لا انتظام زكاة، بخل، حج لا يعرف بيته. طبعا المعروف يتركه والمنكر يأتيه، صلة الرحم يقطعها، أوامر الله يعصيه، المناهي يقع فيها.
آثر الحياة الدنيا؛ آثر النوم على صلاة الفجر، آثر الكسل على العمل في طاعة الله، آثر الغفلة على ذكر الله، آثر شلة السوء على الإخوان في طاعة الله وعلى الجليس الصالح، أثر عليه جليس السوء. آثر الحياة الدنيا، يعني بعض الناس ما هو أصلاً في وارد أن يتذكر الآخرة، كلها مباريات وأفلام وأشياء وكلها شاشات وملهي، وكل أعمال ومعاصي ومنكرات وغفلة وسهرات، ليس في وارد الاستعداد للآخرة أصلاً؛ لأنه آثر الحياة الدنيا.
طيب، قدم ذكر الطغيان على إيثار الحياة الدنيا؛ لأن الطغيان من أكبر أسباب إيثار الحياة الدنيا، فما كان مسبباً عنه ذكر عقبه مراعاة للترتيب.
طيب، ما هو جزاؤه؟ قال: ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 39]. المصير، المقر، المسكن، المستقر والعياذ بالله، مطعمه منها ومشربه منها وفراشه منها وغطاؤه منها، والجحيم من أسماء النار؛ جحيم يعني نار تتأجج بعضها فوق بعض، ظلمات حر ألق الجحيم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعتقنا منها، نسأله عز وجل أن يجعلنا من ورثة جنة النعيم.
وفي درسنا القادم إن شاء الله نتابع في تفسير السورة، استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ محمد صالح المنجد