بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة والأخوات الطلاب والطالبات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله. أما بعد، فهذا هو الدرس الرابع والعشرون من سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد. وقد سبق في الدرس الماضي الكلام في تفسير سورة المطففين، وقلنا إن من مقاصد هذه السورة التحذير من التطفيف في الكيل والوزن، ووعيد الذين يكذبون بيوم الجزاء، وبيان حال الأبرار أهل الإيمان. وأن قول الله تعالى: ويل للمطففين، وعيد لهم بالهلاك والخسار، وهم الذين يبخسون الناس حقوقهم ولو بأخذ القليل، سواء بنقص كيل الناس ووزنهم، أو بزيادة كيل أنفسهم ووزنهم على حساب الناس.
ولهذا قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾، يعني من الناس. وعلى، هذه تفيد البغي، تتضمن معنى البغي والظلم. الذين إذا اكتالوا على الناس، يعني اكتالوا مالهم، يستوفون وياخذون حقوقهم على التمام والكمال، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون. إذا أعطوا الناس ما يجب أن يعطوه من حقوق الناس، فإنهم لا يرضون للناس ما يرضون لأنفسهم، بل يطففون في المكيال والميزان ويبخسون الناس حقوقهم. ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾، يعني كالوا لهم أو وزنوا لهم يخسرون ينقصون.
ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون؟ ذكر بيوم الجزاء والحساب، هذا هو الرادع إخواني. هذا هو الرادع في كل معصية، وكل بخس أو تطفيف، شح، انتهاك للحدود، كل مخالفة لأمر الله، الذي يجعل النفس تحجم عن ذلك تذكر يوم الدين. ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون؟ ألا يعلم ويستيقظ هؤلاء البعداء؟ ولذلك قال: أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم. يوم القيامة سماه عظيما لعظم ما فيه وشدته.
إذاً، ما الذي جراهم على التطفيف؟ عدم الإيمان باليوم الآخر، أو نقص الإيمان باليوم الآخر، عندما يقام بين يدي الله سيحاسبهم على القليل والكثير، والنقير والقطمير. ولو كانوا يؤمنون بذلك لأقلعوا وتابوا. إنه يوم عظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين من قبورهم للقائه، يقومون لله والجزاء غرلا غير مختونين، في موقف صعب حرج ضيق ضنك على المجرم، يغشاهم من أمر الله ما تعجز القوى والحواس عنه.
قال تعالى: ﴿كَلَّا﴾، ليس الامر على ما عليه هؤلاء المكذبون، ليس هذا حقا. كلا، هذا باطل الذي يفعلونه، ولو كانوا يظنون أنها مهارة وشطارة كما يقولون فليس الامر كذلك، أحيانا تستولي على النفس لذة خداع الآخرين. ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾. وإذا كان المقصود بكل تكذيب هؤلاء بالأخرة فيرد عليهم بكلا على تكذيبهم، فليس الامر على ما هم عليه من التكذيب، بل ان القادم حق، أن كتاب الفجار لفي سجين، وهي الأرض السابعة السفلى التي فيها أرواح الكفار. وقيل المراد سجن مقيم وعذاب أليم، سجين من السجن عظمه الله عظم أمره. وقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾، مكتوب فيه أعمالهم مثبته كالرقم في الثوب لا يمحى ولا يزول حتى يجازى به.
وقال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّكَذِّبِينَ﴾، أي تكذيب هذا؟ انه تكذيب بالبعث والمعنى يوم يقوم الناس لرب العالمين، فالهلاك والثبور لمن كذب بيوم الجزاء والحساب، أو يكون المعنى إذا صار الفجار المكذبون يوم القيامة إلى ما أوعدهم الله من السجن والعذاب المهين فويل لهم. ثم بين الله تعالى أمرهم مفسرا للمكذبين الفجار الكفره فقال: ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾، بيوم الحساب والجزاء، والتكذيب هذا منشا الاقدام على السيئات والجرائم. ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾، متجاوز لما احل الله مرتكب لما حرم الله، إذا تتلى عليه اياتنا قال: أساطير الأولين، أقاصيص مكذوبه ومخترعه وملفقة على السابقين من الأمم.
كان هذا ملخصا لما سبق، ونبدا باذن الله الكلام عن تفسير بقية الآيات. قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. رد على هؤلاء المكذبين المعتدين الذين يقولون إن هذا القرآن أساطير الأولين، وأخبار اليوم الآخر أساطير الأولين، والبعث أساطير الأولين. فقال تعالى رد عليهم: كلا، أي ليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا، بل القرآن كلامه سبحانه ووحيه وتنزيله على رسوله صلى الله عليه وسلم. وإنما حجب قلوبهم عن الإيمان به ما عليها من الرين الذي رانا وغلف قلوبهم من كثرة ذنوبهم وخطاياهم. والرين يعتري قلوب الكافرين، قيل الغيم للأبرار والغين للمقربين والرين للكافرين.
فقوله تعالى: ﴿رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾، غلب عليها. واصل الرين الغلبه، يقال رانت الخمر على عقله إذا غلبت عليه فسكر. ومعنى الآية أنهم استكثروا من المعاصي والذنوب فغلبت على قلوبهم وأحاطت بها، كما ذكر ذلك الامام السمعاني والبغوي والقرطبي وغيرهم من المفسرين. وفي الحديث: «إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء». انظروا إلى تفسير السنة للقرآن، سواء الحديث فيه ذكر مباشر للاية أو ليس في ذكر مباشر لكن التشابه واضح، وهذا متعلق بهذا لان الموضوع واحد: «فإذا هو نزع واستغفر وتاب سقل قلبه»، يعني نظف وصفى، «وإن عاد» إلى المعصية، «زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله: ﴿كَلَّا بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾». والحديث رواه الترمذي وابن ماجه وهو حديث حسن.
وقرأ الحسن قوله: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون، فقال: الذنب على الذنب حتى يموت القلب، الذنب على الذنب حتى يموت القلب. أفادت الآية التحذير من الذنوب لأنها ترين على القلب وتغطيه شيئا فشيئا حتى ينطم النور. وذلك التوبة مهمة جدا جدا، لابد من الرجوع، كيف نغسل؟ كيف نسقل؟ كيف ننظف ونطهر؟ فالذنب بعد الذنب على القلب حتى ينطم نوره وتموت بصيرته وتنقلب الحقائق فيه فيرى الباطل حقا والحق باطلا والمعروف منكرا والمنكر معروفا والخير شرا والشر خيرا، وهكذا.
ثم ذكر الله تعالى بعض جزاء هؤلاء المكذبين في الآخرة، سنعرف ذلك بعد قليل إن شاء الله.
بسم الله، وحياكم الله أيها الإخوة والأخوات، ونتابع في تفسير الآيات من سورة المطففين. ذكر الله المكذبين ثم جزاءهم في الآخرة فقال سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾. هذا وحده عذاب، عذاب الحجب! هم في سجين، نزلهم في ذلك السجن، ومحجوبون عن رؤية الله. تأملوا العلاقة اللطيفة هنا في المعنى، ولكنها شنيعة في النتيجة: ران على قلوبهم - محجوبون، ران - محجوبون. ران وغلف وطغى وتراكم، ما جزاؤه؟ الحجب.
ولاحظوا الجزاء من جنس العمل، كما اقترفوا من الذنوب متتابعين فيها، ما جعل الرين على قلوبهم يغلفها وطبق فوق طبقه، وبعضه فوق بعض في ظلمات الذنوب والمعاصي. هذا التغليف وهذه الطبقات حالت بينهم وبين رؤية ربهم في الآخرة. لقد تراكمت على القلب حتى حجبت معرفة الحق، فكانت النتيجة أن حجبت النظر عن رؤية الله في الآخرة. ما أعظم الفوت والغبن والخساره، لأن رؤية الله لذة ونعيم ما بعدها لذة. وفي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرون ربهم في الجنة، وستاتي الاشارة إلى هذا في آخر السورة: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾.
والامام الشافعي رحمه الله قال هنا: فدل هذا على أن المؤمنين لا يحجوبون عنه تبارك وتعالى. كما نقل ابن كثير في تفسيره وقال: ما حجب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه عز وجل. لاحظوا: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾. فمن هو لم؟ الذي لم يحجب؟ هؤلاء حجبوا، فمن الذي بقي بلا حجب؟ أهل الإيمان، الذين هم في صفاتهم على النقيض من هؤلاء، كانوا يجتنبون الآثام والمعاصي والذنوب، إذا أذنبوا استغفروا تابوا حتى لا يحدث رين على قلوبهم.
ونتذكر قول الله في الآيات الأخرى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. وفي الحديث الآخر: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: الم تبيض وجوهنا؟ الم تدخلنا الجنه وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل». نسال الله الكريم ألا يحرمنا ذلك، وأن يكتبنا جميعا من الناظرين إليه غير المحجوبين عنه يوم القيامة، وأن يجعلنا على الأرائك ننظر إلى وجهه سبحانه. قال: «فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل»، ثم تلا صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾ رواه مسلم. والزيادة النظر إلى وجه الله والحسنى هي الجنة، أفرد الزيادة لعظمها.
ثم قال تعالى في عقوبه هؤلاء المكذبين بعد ذكر عقوبة الحجب، قال: ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾. فبعد حجبهم عن ربهم يدخلون ناره التي تلظى، فهم مع هذا الحرمان عن رؤية الرحمن من أهل النيران. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾، توبيخا وتقريعا وتصغيرا وتحقيرا وتبكيتا، وليكون خزيا عليهم. هذا الذي كنتم به تكذبون؟ آمنتم الآن؟ علمتم الآن؟ صدقتم الآن؟ ذوقوه! ذوقوه يا من كذب به ذوقوه! ﴿ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. لكن ماذا ينفع الإيمان الآن، وقد حصل ما حصل من قبل من التكذيب؟ وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾، هذا ما صاروا إليه من العذاب، هذا اسم إشارة والمقصود ما صاروا إليه من العذاب، هذا الذي كنتم به تكذبون.
ثم قال سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾. فلما ذكر حال الفجار المطففين اتبعه بذكر حال الأبرار الذين لا يظلمون ولا يجورون ولا يطففون. وهنا وبين مكان كتابهم، كتاب أولئك مرقوم في سجين، كتاب هؤلاء في عليين. قال بعض المفسرين: كلا يعني حقا، وقيل ليس الأمر كما يقول الفجار، كلا ليس كما يقول الفجار ولا كما ظنوا من انكار البعث وأن القرآن أكاذيب الأولين وأساطير، بل الحقيقة أن كتابهم في سجين وكتاب المؤمنين في عليين، فتكون كلا هذه المرتبطة بكل الأولى، وكل رد على المكذبين.
وقال بعض المفسرين: كلا يعني لا يؤمنون بالعذاب، الذي لا يؤمنون بهذا العذاب. واستأنف فقال: إن كتاب الأبرار مرفوع في عليين على قدر مرتبتهم. وإذا قلنا كلا بمعنى حقا، فهذا مرتبط بما بعده. فإذا كلا إما أن تكون مرتبطة بما قبله وإما أن تكون متعلقة بما بعده: حقا إن كتاب الأبرار لفي عليين، أو كلا ليس كما يقول المكذبون بل إن كتابهم في سجين وكتاب الأبرار في عليين. قال ابن عباس في الجنة. وقال أعمالهم يعني الأبرار في كتاب الله في السماء. وقال مجاهد وقتادة: السماء السابعة فيها أرواح المؤمنين. وقيل في تفسير عليون، قيل عليون عند سدرة المنتهى، قالوا في تفسير عليين عند سدرة المنتهى.
فما يفعله الأبرار من أعمال الخير والطاعة مسطور ومكتوب في ديوان الخير الذي يكتب فيه كل ما عملته النفس، وكل ما عمله أهل الخير. كتاب الأبرار، هذا الأبرار يعني ملائكة، صالحو الإنس، صالحو الجن، كل الأبرار. ولذلك قالوا إن لكل من الأبرار والفجار كتابا خاصا بهم، ويحوي الأتقياء والصلحاء من الثقلين والملائكة. طبعا كتاب الأعمال صحيفة الأعمال تكتبها الملائكة على الناس وعلى الثقلين، لكن كتاب الأبرار يشمل كل خير، كتاب الفجار كل الأشقياء والمردة والشياطين يوضع في كتاب خسيس حقير في مكان ضيق مهين في سجين، وكتاب الأبرار في عليين.
وقد رجح الحافظ ابن كثير رحمه الله أن عليين مأخوذ من العلو، وكلما علا الشيء وارتفع عظم واتسع. ولهذا قال معظما أمره، قال سبحانه مفخما شأنه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾، يعني إذا ارتفع توسع وإذا نزل ضاق، سجين ضيق تحت، وعليون متسع فوق. والأبرار جمع بر، وهم الذين بروا الله بأداء فرائضه واجتناب محارمه. وكان الحسن يقول: هم الذين لا يؤذون شيئا حتى الذر، يعني حتى النمل، يتعمدون ألا يطا الواحد منهم نملة.
ثم عظم الله تعالى شأنه شأن هؤلاء فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾. ما أعلمك يا محمد صلى الله عليه وسلم ويا أيها المؤمنون الذين تسيرون على نهجه، وما أدراك ما عليون؟ هذا الكلام، وما أدراك الاستفهام هذا.
على جهة التفخيم والتعظيم له في المنزلة الرفيعة، ففيه تعظيم لكتاب الأبرار، وللموضع الذي جعل فيه وعرض على سبيل الإعجاب، ما صفة كتاب الأبرار؟ هذا سنعرفه بعد قليل إن شاء الله.
حياكم الله ومرحبا بكم أيها الأخوة والأخوات. ومع قوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾ [المطففين: 18-20]. إذاً عليون، هذا كتاب مرقوم من المحتمل أن المراد به كتاب أعمالهم، ومن المحتمل أنه كتاب في عليين كتب هناك، وجعل فيما أعد الله له من الكرامة والثواب، لكن من الذي يراه هناك؟ من الذي يشهده؟ قال عز وجل: ﴿يَشْهَدُهُ الْمَقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: 21] يعني الملائكة ويحضرون. وقيل هو كتاب مرقوم بما يقر أعينهم ويوجب سرورهم لهؤلاء المسجلة أسماؤهم فيه، على الضد من كتاب الفجار الذي في سجين. طيب ماذا تفيد مسألة شهادة الملائكة لهذا الكتاب؟ أو ﴿يَشْهَدُهُ الْمَقَرَّبُونَ﴾ الملائكة تشهد أعمال الأبرار، ويشهده من كل سماء مقربوها كما قيل، ويشهده المقربون من الملائكة الكرام وأرواح الأنبياء والصديقين والشهداء وهم الملأ الأعلى في قول آخر. فالملائكة الذين هم في عليين يشهدون ويحضرون أو ذلك الكتاب إذا صعد به إلى عليين يشهدون، وكل ملائكة كل سماء يشهدون وهو يصعد بعد ذلك.
فصل تعالى في نعيم الأبرار كما ذكر في المقابل ما ذكر من عذاب الفجار فقال: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [المطففين: 22] يوم القيامة، إن نعيم النعمة والتنعيم واللذة والفضل العظيم يتنعمون. نلاحظ أنه في الفجار ذكرهم بالضمير ﴿إِنَّهُمْ عَن رَّبَّهُمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15]، وفي الأبرار قال: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمَقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: 18-21]، ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [المطففين: 22] ما قال إنهم لفي نعيم تنويها بوصفهم وإكراما لهم، ثم ذكر شيئا من نعيمهم هذا فقال: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين: 23].
إذاً لما ذكر ما لهم إجمالا فصل شيئا من نعيم الأبرار، مثل ماذا؟ قال: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين: 23]. الأرائك جمع أريكة، والأرائك السرر في الحجال. السرر جمع سرير، والحجلة قبه من ثياب تكون في البيت تجلس فيها المرأة أو تنام فيها هكذا كانت، فإذا وضع فيها سرير للاتكال جاع فهي أريكة. إذاً الأريكة سرير فوقه قبة، هذه الأريكة اسم لمجموع ثلاثة أشياء: سرير، ووسادة، والكرسي المجرد لا، الأريكة سرير بوسادة فوقه الحجلة هذه القبة عليه. الأبرار على هذه الأسرة ينظرون، لكن ينظرون إلى ماذا؟ ينظرون إلى ما أعطاهم الله من الملك والنعيم المقيم، ينظرون إلى الكرامة والخير والفضل الذي لا ينقضي، ينظرون إلى أهل النار كيف يعذبون أو ينظرون إلى وجه ربهم الكريم، طبعا كل هذه محتمله ولا يمنع أنها جميعا مراده لكن هذا الاخير أعظمها. ويمكن أن يكون في مقابلة ما وصف به الفجار، يعني كما قال عنهم: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبَّهُمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15] لما جاء ذكر الأبرار قال: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين: 23] فهم غير محجوبين بل ينظرون إلى وجه الله وهم على سرورهم وفرحهم.
قال عز وجل: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: 24] أثر ما فيه الانسان، يظهر على وجهه بؤس أو شقاء أو تعاسة أو نعيما نضرة سعادة سرورا بشرا. تعرف في وجوههم نضرة النعيم أثر النعمة ظاهر عليهم، فإذا رايتهم ونظرت اليهم عرفت انهم من اهل النعمة مما ترى في وجوههم من النور والحسن والبياض وذلك ان الله زاد في جمالهم والوانهم ما لا يصفه الواصفون. والنضرة البهجة والحسن قال الحسن: النضرة في الوجه والسرور في القلب يعني ولقاهم نظرة وسروراً النضرة في الوجه والسرور في القلب، واضافه نظرة الى النعيم من اضافه المسبب الى السبب. يعني هذه النضرة ما سببها؟ النعيم الذي هم فيه، فالنضرة والبهجة التي تكسا لوجه المسرور الراضي اذ تبدو على وجهه ملامح السرور.
ثم زاد تعالى في تفصيل نعيمهم فقال: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ﴾ [المطففين: 25] من الذي يسقيهم؟ ربهم عز وجل بهؤلاء الغلمان الذين جعلهم لخدمتهم، ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مَّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ * لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ [الواقعة: 17-19] لا تصدع رؤوسهم من شربها كخمر الدنيا ولا تذهب عقولهم وينزفون، أو لا ينفد شرابهم لأنه في الجنة دائم لا ينقص. فالله عز وجل يسقيهم بما أعد لهم من الغلمان الذين يقدمون لهم هذا الذي يشربونه من رحيق. الرحيق من أسماء خمر الجنة، رحيق لأن صافية طيبة لا غش فيها ولا شائبة ولا شيء يفسدها. رحيق مختوم رحيق شراب لا غش فيه طيب صافي خالص لا ضرر ولا أذى مختوم ختامه مسك. يعني ممزوج هذا الرحيق مختوم مخلوط، ما خلط؟ خلط بماذا؟ ختامه مسك فمزاجها مسك. وقيل ختم ومنع من أن تمسه يد إلى أن يفك ختمه الأبرار فكانه معد في أواني، وهذه الاواني مقفلة مختومة لا تفض إلا عند الشرب فهم الذين يفضونها وعناية بالغة ختامه مسك اخر طعم الشراب النكهه مسك فشراب الجنة رائحة اخر رائحة المسك، أما خمر الدنيا ختامها الكدر والرائحة الخبيثة. وقال قتاده رحمه الله عن خمر اهل الجنة يمزج لهم بالكافور ويختم بالمسك، ما هي المناسبة؟ سنعرف ذلك بعد قليل ان شاء الله.
الحمد لله الذي رزق اهل الجنة هذا النعيم المقيم يسقون فيه من رحيق مختوم ختامه مسك. فهؤلاء الأبرار لما حبسوا أنفسهم عن الملاذ المحرمة في الدنيا أعطوا يوم القيامة ملاذ أعظم صافية خالية من الكدر في هذا الخمر اللذة للشاربين. قال سبحانه لما ذكر شيئا من نعيمهم: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 26] في هذا الذي وصفناه من أمر الجنة ونعيمها المقيم فليتقاتل المتفاخرون وليتبادر المبادرون وليتباها وليكا، فليتسابق في المبادرة بالاعمال الصالحة الى هذا النعيم أولى ما بذلت فيه نفائس الانفاس وأحرى ما تزاحمت للوصول اليه نفوس الناس كما قال تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: 61].
إذا في هذا ندب من الله لنا ان نسابق ننافس في هذا ولاجل هذا النعيم وللحصول عليه. المنافسة اظهار شدة الطلب، المنافسة المسابقه الى التحصيل، ولام الامر في قوله فليتنافس فيها تحريض وحث. وفي هذه الآيات دلالة على أن المؤمن مندوب إلى الرغبة في ملاذ النفوس وشهواتها في الآخرة وأن يسعى في تحصيلها، وفي هذا رد على من تنطع من بعض المتصوف الذين يقولون لا نريد الجنة ولا نفكر في الجنة ولا نعمل الجنة، لا هذا النعيم الذي أمر الله بالتنافس لأجل تحصيله النفس لها حظ، ومن حكمته تعالى أنه لم يعدم نصيب النفس نهائيا. ولو كل واحد فينا بقي يفكر في نعيم الجنة من هذا الخمر وهؤلاء وهذه الحور والثياب والقصور والسرور ربما أعرض عن كثير من هذه المعاصي والترهات، وخصوصا لما نرى أن هناك وصفا دقيقا.
يعني كما قال تعالى بعد ذلك: ﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ [المطففين: 27] مزاج ذلك الشراب الذي هو الرحيق المختوم مزاجه وخلطه وما يمزج به من تسنيم. طبعا تسنيم في اللغة الارتفاع، سنام البعير سمي لعلوه على بدن البعير تسنيم اشرف شراب لأهل الجنة وأعلاه شراب ينصب عليهم من علو فهي عين ماء تجري من أعلى إلى أسفل. وقيل التسنيم عين في الجنة تجري في الهواء بقدرة الله فتنصب في أواني أهل الجنة فاذا امتلات امسك الماء فلا تقع منه قطرة على الارض ولا يحتاجون الى الاستقاء، وذكر هذا ابن كثير رحمه الله والقرطبي والبغوي والسمعاني وغيره من المفسرين. وهذا الرحيق المختوم يفض ختامه الذي هو مسك ثم يمزج بشيء من هذه العين المسمى تسنيم التي يشرب بها المقربون يشربون منها ولكن يشرب بها تضمنت معنى الاشباع الارتواء. قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما هو خالص للمؤمنين المقربين يشربونها صرفا دون خلط، صرفا ويمزج لسائر اهل الجنة. فاذا فهم بعض السلف من الصحابه من المفسرين ان هنا يوجد تفاوت في النعيم، فناس يشربونها صرفا مثل السابقين، اناس يشربونها مخلوطة اهل اصحاب اليمين سائر اهل الجنة، ولذلك قال تعالى في وصف هذا التسنيم: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: 28]. ومزاجه من تسنيم ما هي تسنيم؟ عيناً يشرب بها المقربون يشرب بها طبعا هم يشربون منها لكن كما قلت بها تعطي معنى الارتواء يشرب بها ليس فقط منها. أي يشربها المقربون صرفا دون خلط وتمزج لاصحاب اليمين مزجا وهي اعلى اشربه الجنة على الاطلاق فلذلك كانت خالصه للمقربين الذين هم اعلى الخلق ممزوجه لاصحاب اليمين بالرحيق وغيره من الاشربه اللذيذه.
طبعا، ما اعظم النعيم وما أجل الكرامة. فيا خاطب الحسناء إن كنت باغياً فهذا زمان المهر فهو المقدم فاقدم ولا تقنع بعيش منغص فما فاز باللذات من ليس يقدم وإن ضاقت الدنيا عليك باسرها ولم يكن فيها منزل لك يعلم فحي على جنات عدن فإنها منازلنا الأولى وفيها المخيم.
ناتي بعد ذلك إلى نهاية السورة ويل المطففين وذكرهم، والفجار وذكرهم، والأبرار وذكرهم المقطع الاخير: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: 29-31] الآيات إلى آخر السورة. لما ذكر تعالى جزاء المجرمين وجزاء المؤمنين وذكر ما بينهما من التفاوت العظيم أخبر أن المجرمين كانوا في الدنيا يسخرون بالمؤمنين ويستهزئون بهم ويضحكون منهم ويتغافلون وازدراء ولا يبالون ولا عندهم خوف من الأخره اعظم ما يكون من الاغترار. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: 29] هؤلاء الكفار منهم مشركو مكة أبو جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأمية بن خلف وأبو لهب وأشياعهم كانوا من الذين آمنوا يضحكون من مثل عمار وصهيب وخباب وبلال والمستضعفين وفقراء المؤمنين يستهزئون بهم ويحتقرون هذا ضحك الاستهزاء والسخرية. الله يصف حالهم في الدنيا كيف كانوا الذين أجرموا يسخرون بالرسوم الكاريكاتيرية وبالأفعال، التغامز تفاعل تغامزوا إشارة عيب وذم للمؤمنين إشارة بالأعين والحواجب استهزاء واحتقاراً حتى بالإشارة. ﴿وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: 31] إذا رجع هؤلاء المجرمون إلى منازلهم وخرس مع اهلهم تحدثوا باحاديث الفكاهة بذكر المؤمنين وذمهم والانتقاص منهم والسخرية ما يسمونه اليوم نكت على الجنة وعلى النار وعلى المؤمنين وعلى اهل الايمان والدين وعلى الاحكام الشرعية تفكه سخرية اهل الرجل زوجته وأبنائه. والعادة أن الإنسان إذا رجع إلى أهله ينبسط معهم بالحديث، لكن ما هو انبساط هؤلاء المجرمين الحديث بالسخرية بالمؤمنين. سنعرف تفسير بقية هذه السورة بعد قليل ان شاء الله.
حياكم الله ايها الاخوه والاخوات ومع هذا المقطع الاخير في تفسير هذه السورة في هذا الفصل الدراسي نسال الله سبحانه وتعالى ان يرزقنا الفهم.
لكتابة الآيات هذه في آخر السورة، واضح منها تحريم السخرية بالمؤمنين، وتحريم الضحك منهم. تغامزوا الكفار، ومن فعل هذا يخشى أن يكون مثلهم. قال عز وجل عن فعل هؤلاء المجرمين بالمؤمنين: ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين: 32]. كما قال الكفار مشركو قريش عن المؤمنين الأوول: هؤلاء أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام هؤلاء ضالون يأتون محمداً وهم في طريق الغي والباطل ضالون. سبحان الله، كم هي الأذية شديدة عندما يتهم الصادق أنه كاذب، ويتهم المهتدي أنه ضال، وهكذا تقلب الأمور.
ما أعظم اغترار هؤلاء المجرمين! جمعوا بين غاية الإساءة والأمن في الدنيا، حتى كأنه جاءهم من الله كتاب أنه من أهل السعادة وأنهم على الهدى وأن المؤمنين على في ضلال! افتراء على الله، تجرؤ على القول بلا علم. هؤلاء الكفار المجرمون جمعوا بين الأذية بالإشارة وبعيئة بالحركات وبسوء القول إذا غابوا وإذا حضروا. فإذا حضر المؤمنون أمامهم قالوا عنهم، وإذا ذهبوا إلى أهلهم تكلموا في ظهور المؤمنين. رد الله عليهم، فماذا قال: ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ [المطففين: 33]. من الذي بعثكم يا أيها المجرمون حفظاً على أعمال المؤمنين وموكل بها ورق باء عليهم؟ من الذي كلفكم بذلك؟ لماذا تشتغلون بهذا؟ طبعا لم يكلفهم أحد بهذا، بل هو تعنت وعناد واستكبار.
ويوم القيامة سيعترفون أنهم هم الضالون، كما قال تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون: 106]. وسيققال لهم: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون: 109-111]. الآيات هذه فيها تنبيه أن على الإنسان أن ينظر في شؤون نفسه. قال تعالى في بيان عاقبة هؤلاء المجرمين بعد ما ذكر أفعالهم بالمؤمنين: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: 34]. يعني عندما يرى المؤمنون الكفار في غمرات العذاب يتقلبون ويرون أنفسهم يعني المؤمنون يرون أنفسهم في الراحة والطمانينة سيضحكون لما هم فيه ولما فيه هؤلاء الكفار.
قال المفسرون: إن أهل الجنة إذا أرادوا نظروا من منازلهم إلى أعدائهم وهم يعذبون في النار، فضحكوا منهم، لكن الضحك في الآخرة غير ضحك أولئك في الدنيا. الفاء هذه في قوله فاليوم هي فاء السببية؛ يعني أن استهزاء المجرمين بالمؤمنين في الدنيا كان سببا لجزائهم؛ حيث جعل الله المؤمنين يضحكون منهم، فكان جزاء وفاقا. فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون. ما الفرق بينه وبين يضحكون من الكفار؟ تقديم ذكر الكفار قدم على المتعلق وهو يضحكون للاهتمام بشأن المضحوك منهم، أنهم هم محل محط الآن السخرية والضحك تقريع وتوبيخ وعذابا. وضحك المؤمنين من المجرمين في الآخرة ضحك لا بكاء بعده، أما ضحك المجرمين بالمؤمنين من المؤمنين في الدنيا فعقب بكاء وحزن وويل وثب عليهم في الآخرة.
ثم قال تعالى في ختام السورة عن المؤمنين الذين يضحكون من المجرمين: أن هؤلاء المؤمنين على الأرائك، السرر المزينة كما سبق، لكن سرر من در وياقوت، ينظرون إلى ما أعد الله من النعيم إلى ما أعد الله لهم من النعيم، ينظرون إلى الكفار في النار، ينظرون إلى وجه الله، وهذا قول قوي جداً. وقال بعض المفسرين: ينظرون هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون؟ هل جوزي الكفرة على أفعالهم في الدنيا؟ وإذا قلنا على الأرائك ينظرون إلى وجه الله أو ينظرون إلى النعيم الذي هم فيه، فيكون الكلام منفصلاً، وأن هناك استفهام جاء في النهاية: هل استفهام تقريري هل ثوب يعني الكفار ما كانوا يفعلون؟ بلى نعم، قد حصل ذلك عدلاً من الله وحكمة، ثوب واثب وأثابكم واحد، إذاً قد حصل الجزاء فعلاً وتم الوعد حقاً وجوزي الأبرار بالنعيم على حسناتهم وجوزي الفجار بالجحيم على سيئاتهم.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الجنة وأن يعتقنا من النار، وأن يدخلنا الجنة بلا حساب ولا عذاب إنه كريم وهاب. بهذا تنتهي محاضرات هذا الفصل الدراسي الثاني من مادة التفسير، والوصية لنا جميعاً بتقوى الله وإخلاص النية والاهتمام بالقرآن تلاوة وحفظاً وتفسيراً وفهماً وتدبراً ومدارسة وعملاً وتعليماً، والمواصلة في طلب العلم: ﴿مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ﴾. العلم أحلى وأغلى ما استمعت أذن وأعرَبَ عنه ناطق بفمي، العلم أشرف مطلوب وطالبه لله أكرم من يمشي على قدمي، العلم والعمل التواصي والدعوة: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3]. نسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً. استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان وتريد سهلاً نوال يسراً ياتيك ميسوراً بأي مكان زاد زاد أكاديمية ينبوعها صاف صاف ليروي غلة الظمآن هذا كتاب الله روح قلوبنا خير الدروس تعلم القرآن بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالازهار في البستان
الشيخ محمد صالح المنجد