بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوان والأخوات والطلاب والطالبات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حياكم الله في الدرس الثاني والعشرين من سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد. وقد سبق في الدرس الماضي الكلام عن تفسير سورة الانفطار في مطلعها، وقلنا إنها سورة مكية إجماعاً، وأن من مقاصدها إثبات البعث، وذكر أهوال تتقدمه، والتحذير من الانهماك في الأعمال السيئة اغتراراً بإحسان الرب وكرمه ونسياناً ليوم الدين، وأن أعمال العباد محصاة عليهم.
وقول الله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: 1] أي تشققت بأمره لنزول ملائكته. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ تَانتَثَرَتْ﴾ [الانفطار: 2] تساقطت وتهافتت. وقوله: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فَجِّرَتْ﴾ [الانفطار: 3] أي فجر بعضها في بعض فصارت بحراً واحداً واختلط العذب بالمالح، وكذلك فجرت واشتعلت ناراً. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: 4] أي أثيرت وقلب أسفلها فصار في أعلاها، وأخرج ما فيها من الموتى فصاروا أحياء وحشروا للموقف بين يدي الله للجزاء على الأعمال. وقوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار: 5] هذا هو الجواب؛ إذا السماء انفطرت، وإذا الكواكب انتثرت، وإذا وإذا الجواب: علمت نفس ما قدمت وأخرت من خير أو شر، وبسط أمامها بسطت صحف الأعمال وتذكر كل واحد كل ما عمل.
ثم قال الله سبحانه وتعالى منادياً: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: 6-8]. قالوا: هذا النداء «يا أيها الإنسان» للانسان الكافر الذي جحد ربه وأنكر البعث، وقالوا كذلك إنه يشمل العصاة تذكيراً لهم باغترارهم ما أنعم الله وأعطاهم من الإمكانات لكن استعملوها في معصيته. «يا أيها الإنسان» هل هو إنسان معين؟ قال بعضهم: هو الوليد بن المغيرة، وقيل: أُبي بن خلف، وقيل: إشارة إلى كل كافر. يا أيها الإنسان ما غرك، ما خدعك وسول إليك الباطل؛ ما غرك بربك الكريم حتى أضعت ما وجب عليك تجاهه، وجرأك ما جرأك على معصيته، ما الذي سول لك ارتكاب ما ارتكبت من معصيته تجاوز حدوده وانتهاكها؟ أيضاً الآية فيها معنى: ما الذي أمنك من عقاب الله؟ ما غرك؛ يقال: غره إذا أمنه المحذور من جهته، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: 33]. ما غرك؟ هذا استفهام، لكن ما معناه؟ الإنكار والتعجيب من الإشراك بالله والكفر به ومعصيته وانتهاك حدوده. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ فقال: غره والله جهله.
فإن قيل: ما سر مجيء هذا الاسم «الكريم» في هذا السياق؟ قالوا: لينبه على أنه لا ينبغي أن يقابل الكريم بهذه الأفعال القبيحة والكفران، فيكون المعنى: ما غرك يا ابن آدم بربك الكريم والعظيم الذي أقدمت على معصيته وقابلته بما لا يليق؟ أكرمك وأعطاك ثم تفعل هذا؟ لا يليق بك، لا يجوز أن يكون سبباً لاغترارك وأغواء الشيطان لك. وقال بعضهم: يا من غلا في العجب والتيه وغره طول تماديه، أملى لك الله فبارزته ولم تخف غب معاصيه. هذه الآية فيها تذكير للإنسان المقصر في حق ربه المتجرأ على مساخطه ليعود إليه؛ ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾؛ خلقك وأوجدك من العدم، فسواك جعلك سوياً معتدل القامة تمشي على رجلين ليس كذوات الأربع، منتصباً في أحسن الهيئات والاشكال متوازناً قائماً معتدلاً حسن الصورة، سوى بين يديك ورجليك وعينيك وأذنيك، ووضع كل شيء موضعه. هذا أيضاً من معاني قوله: فعدلك؛ عدل في خلقك وأعطى كل عضو حجمه وما فيه من الخلايا والأعمال المناسبة له.
وفي قوله فعدلك قراءتان مشهوران؛ فقرأ عاصم وحمزة والكسائي: فعدلك بالتخفيف، والمعنى: سواك وعدل بعضك ببعض فكنت معتدل الخلقة متناسبها لا تفاوت فيها، فعدلك إلى أي صورة شاء أن يركبك فيها ركبك، فيكون حرف الجر في في قوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ﴾ بمعنى إلى، يعني إلى أي صورة يشاء يكون تركيبك. القراءة الأخرى ما هي؟ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: الذي خلق خلقك فسواك فعدلك بالتشديد؛ عدل خلقك وقومك تقويماً حسناً، وأخرجك في احسن تقويم مهيأ فيك بلطف الخلقة وتعديلها، ما قدرت به على ما لم يقدر عليه غيرك. فيكون تقدير الآية ومعناها: الذي خلقك فسواك فعدلك هذه جملة كاملة، ثم تبتدأ فتقول: في أي صورة ما شاء ركبك، إما طويلاً وإما قصيراً وإما وإما وهكذا. ويصح أن يكون ما في قوله ما شاء ركبك بمعنى الشرط والجزاء، فيكون المعنى: في أي صورة ما يشاء أن يركبك فيها ركبك وتكون شاء بمعنى يشاء.
وقوله تعالى: ﴿خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ هذه صفات مقررة للربوبية؛ أن الله رب يخلق ويسوي ويشكل كما يشاء. كذلك فيها إثبات كرم الله على الإنسان؛ أول نعمة أنه أوجده ثم عدل خلقه عدله سواه. وكذلك فيها إثبات البعث والجزاء، لأن من كان قادرا على خلق ابتداء كان أقدر عليه بعد ذلك في الإعادة. ثم هذه الآية فيها توبيخ للكافر والعاصي بعد أن سواك وعدلك وحسن صورتك وانعم عليك تقابله بالكفران والعصيان. نسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يمقتنا، ونسأله عز وجل أن يوفقنا للخير.
فاصل ثم نعود معكم لإكمال السورة إن شاء الله.
ربما تحب أحد الابناء أو البنات أكثر من إخوتهما؛ أما لبره أو أدبها أو غير ذلك، ولكن هل يجوز أن تفضل من تحب في العطية وتخصه بالهدايا دون الآخرين؟ لنستمع إلى هذه القصة التي جرت لصحابي جليل؛ النعمان بن بشير يقول رضي الله عنه: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله فوهبها لي، فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله عليه وسلم. فأخذ بيدي وانا غلام فأتى بي النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا بشير أكل ولدك سوى هذا؟ قال: نعم. فقال: «أكلهم وهبت لهم مثل هذا؟» قال: لا. قال: «فلا تشهدني إذاً، فاني لا أشهد على جور».
ففي هذا الحديث تحذير من تفضيل أحد الأبناء على إخوته وأنه من الجور والظلم، ولم يفرق بين الذكر والأنثى، وذلك لما يؤدي إليه من الكراهية والنفور بينهم. ولا حرج في الميل القلبي لأحد الأولاد دون غيره؛ لأن ذلك أمر ليس في مقدور العبد، وإنما الذي يحرم أن يفضل المحبوب على غيره بالعطايا دون سبب شرعي. فان حصل مثل هذا التفضيل وجب رد القضية أو إعطاء الآخرين مثل أخيهم. ويجوز التفضيل بين الأولاد إذا كانت هناك أسباب وجيهة تدعو إلى ذلك؛ كأن يخص أحد أولاده لمرض أصابه أو فقر وحاجة ألمت به، أو لاشتغاله بطلب العلم ونحوه من الفضائل. وللوالد أن يمنع العطية عمن يستعين بها على معصية الله تعالى ويعطيها لمن يستحقها. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
الحمد لله، حياكم الله أيها الإخوان والأخوات، ومع قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: 6-8]. هذه الصورة الجميلة السوية المعتدلة الكاملة الشكل والوظيفة، إنه أمر يستحق التدبر الطويل والشكر لله سبحانه وتعالى والادب معه والحب له؛ أكرمنا بهذه الخلقة تفضلا منه ورعاية ومنة. في أي صورة ما شاء ركبك؛ قادر والله ربنا على ذلك كما قال قتادة: قادر على خلق النطفة على أي شكل يريد، ولو شاء أن يخلقها كأقبح الحيوانات لخلقها، لكن بلطفه وكرمه خلقنا في أحسن تقويم معتدل تام حسن المنظر والهيئة. في أي صورة يا أيها الإنسان ما شاء ربك ركبك، فتأمل في كرمه؛ لو شاء أن يركبك في صورة دابة أو حمار أو قرد أو خنزير أو أي حيوان آخر ركبك، لكنه ركبك على هذه الصورة الجميلة؛ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم. أحمده ثم أيضاً في أي صورة ما شاء ركبك، ما شاء ركبك ذكراً أنثى أب أم خال عم وهكذا، سبحان الله الذي أحسن كل شيء خلقه وتبارك الله أحسن الخالقين.
والآية فيها معنى: أليس هو الذي خلقك فسواك في أحسن تقويم فعدلك وركبك في هذا التركيب القويم المعتدل في أجمل الهيئات، افتجحده فتعصيه افتكفره؟ فمن خصه الله تعالى بهذه المنزلة وبهذه الخلقة الكريمة لا يجوز له أبدا أن يقابل ذلك بالكفران والعصيان. وهذا الجمال والاستواء في الخلقة وفي تكوين الإنسان الجسدي والعقلي والروحي؛ انظروا إلى الأجهزة، الأجهزة في جسم الإنسان؛ الجهاز العظمي، والجهاز العضلي، والجلدي، والهضمي، والدموي، والتنفسي، والتناسلي؛ يعني أجهزة مدهشة مدهشة. كم في عضلاته في أنامله؟ «على كل سلامى من أحدكم صدقة في كل يوم»، كم سلامى كم عظم خلق الله في الإنسان؟ انت الآن تحرك أصابعك وتمدها وتثنيها وتكتب بالقلم وتشد وتصافح وتعطي وتفتح وتغلق وتعمل مجموعات من العظام؛ اليدين سبعة وعشرين عظمة، مجموعات من العضلات في كل من اليدين تسع عشرة مجموعة من العضلات، هذه يعني بعض الارقام؛ عضلة العين أسرع عضلة تتفاعل في الجسم ككل تتقلص في أقل من واحد على مئة من الثانية.
الدم هذا؛ كل كرة من كرات الدم الحمراء تحوي ثلاث مئة مليون جزيء من الهيموجلوبين. عدد كرات الدم الحمراء في الرجل تقريباً خمسة مليون في المليمتر المكعب الواحد، الأنثى أربعة مليون والنصف في المليمتر المكعب الواحد. دم الإنسان يقطع كل يوم رحلة داخل جسمه كل يوم مقدارها تسع آلاف كيلو متر تقريباً. وهذا الجسم لو جرح على طول يتجلط ويغلق مكان الجرح بهذه القدرة الإلهية الإبداعية في نظام التجلط في الدم، والا الدم كان انساح وخرج والنزيف استمر حتى يموت.
الرئتان؛ هذه الرئة وما فيها، نستنشق بها الاكسجين، يدخل فيها ما يعادل ثلاث مئة مليون غرفة صغيرة، هذا الاكسجين يدخل في نحو ثلاث مئة مليون غرفة صغيرة في الرئتين وهي الحويصلات الهوائية. هذا العضو الصغير لو تم تفكيكه؛ الرئة لو تم تفكيكها تفكيك التلافيف والتجاويف التي فيها، يصل حجمها إلى حجم حمام سباحة. هذا الهواء يدخل الأنف، فالأنف يلطفه يجعله بدرجة حرارة معينة اثنتين وثلاثين؛ خلاص الأنف يكيف هذا الهواء لأجل أن يكون جاهزاً للحنجرة والقصبة الهوائية.
الكلية؛ هذه الكلية تقوم بعملية ترشيح الدم وتصفيته وتنقيته، مجموعة من الأوعية الصغيرة يقدر عددها بالمليونين؛ لو وضعت كل واحدة بجانب الأخرى يطلع الطول ثمانين كيلو متراً تقريباً، يمر على الكليتين يومياً تقريباً ألف وتسعمائة وثلاثون لتراً من الدم تقوم بتصفيته وترشيحه وتنقيته من المواد الضارة.
هذا القلب في الإنسان؛ يربط القلب مئة تريليون خلية في الجسم يربطها بعضها إلى بعض، دقات القلب تصل إلى مئة ألف دقة تقريباً في اليوم الواحد. يضخ القلب يومياً ثلاثة وأربعين ألف لتراً من الدم يومياً، يعني القلب يضخ مائتين وخمسين طناً من الدم في حساب عمر الإنسان المتوسط، وهذه العضلة تعمل بلا كلل ولا ملل. عدد الأوعية الدموية في جسم الإنسان يصل إلى مئتين وستين مليارا؛ طول الشعيرات الدموية لو مدينا بعضها إلى بعض بالطول تقريباً تسعمائة وخمسو كيلومتراً من الشعيرات الدموية في جسم الإنسان. والحرارة التي تنبعث في جسم الإنسان في اليوم الواحد من جسم الشخص العادي كافية لجعل أربعين لتراً من الماء تصل إلى درجة الغليان.
هذا يعني سبحان الله، هذا التناسق العجيب، هذه النعم، أجهزة تعمل وتشتغل، ايش يعني تتطلب منك؟ هل هي تتطلب منك صيانة مستمرة أنت تشرف على صيانتها؟ وإنما كل ما تعمله أنت مجموعة من الأعمال والرياضات حتى يصير الجسم وضعه أحسن؛ ألا لجسدك عليك حقاً. لكن الله جعل فيه من الإمكانات عجب، ولذلك قال بعد ما ذكر نعمه: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ [الانفطار: 9]. لما بين الله اغترار الإنسان وانخداعه بامهال الله له، وأنه ما أخذه ما عاقبه في الدنيا الآن، ما أباد جنسه وإنما تركه أمهله أنظره؛ ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾، تكذبون بيوم الجزاء والحساب. وكلا هذه كلمة ردع وزجر بمعنى لا، ليس الأمر كما تقولون من أنكم لا تبعثون، من أنكم لا يجب عليكم عبادة لله، من أنكم تفعلون ما تشاؤون وليس لله عليكم واجبات أو حقوق. وقال بعض المفسرين: كلا بمعنى حقاً؛ كلا حقاً بل هذه كلمة إضراب ودخول في لون جديد من القول. ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾؛ ما هو الدين في اللغة؟ الجزاء والحساب، وهذا معناه تكذيبهم بيوم القيامة وزعمهم أنه غير كائن، وتكذيب بالحساب والجزاء، فيكون المعنى: انما يحملكم على مواجهة الكريم ومقابلته بالمعاصي تكذيبكم بيوم الميعاد والجزاء والحساب. وهذا فيه إشارة إلى أنه ينبغي أن يرتدعوا عن الاغترار بكرم الله وأن يستقيموا على دينه ومنهجه. وقال بعض المفسرين: كلا بل تكذبون بالدين؛ الدين العدل والقضاء، وقيل: الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو الإسلام.
أيها الإخوان والأخوات، فاصل ثم نعود إليكم إن شاء الله.
الخطبة أولى خطوات الزواج ومقدماته، وقد حث الشرع على تيسيرها، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن من يمن امرأة تيسير خطبتها». والمرأة التي يجوز خطبتها هي غير المتزوجة وغير المعتدة وغير المخطوبة، والتي ليس بها مانع من موانع النكاح من الخاطب. ويحرم التصريح بخطبة المعتدة من وفاة أو من طلاق رجعي أو بائن، وأما التلميح بابداء الرغبة في الخطبة فمباح إلا الرجعية فلا يجوز التلميح لها. قال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِمْ﴾ [البقرة: 235]. وتستحب للخاطب النظر إلى المخطوبة لقوله صلى الله عليه وسلم:
للمغيرة بن شعبة وقد ذكر له امرأة أراد خطبتها: «اذهب فانظر إليها، فإنه أجدر أن يؤدم بينكما».
وقد ذكر الفقهاء لجواز النظر إلى المرأة المخطوبة شروطاً؛ منها: أن يكون الخاطب عازماً على الخطبة، أن يغلب على ظنه الإجابة، أن يكون النظر بلا خلوة، أن يكون مقصده الاستعلام لا الاستمتاع، أن ينظر إلى ما يظهر غالباً كالوجه والكفين، ألا تكون المرأة متبرجة أو متطيبة. ونظر المخطوبة إلى خاطبها كحكم نظره إليها. ويجوز للخاطب تكرار النظر إذا لم يكتف بالنظرة الأولى، فاذا اكتفى بالأولى لم تجز له الثانية. ولا يجوز للخاطب مصافحة المخطوبة ولا مسها ولا الخلوة بها ولا الخروج معها؛ لأنها قبل عقد النكاح لا تزال أجنبية عنه.
وتحرم خطبة الرجل على خطبة غيره بغير إذنه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب». ولا يترتب على الخطبة حق للخاطب غير أنه مقدم في النكاح على غيره. فإذا فسخت الخطبة فإن للخاطب أن يسترد ما قدمه من هدايا؛ لأنها في حكم المهر موهبة لأجل إتمام الزواج ولم يحصل، ولكن الأفضل ألا يستردها، خاصة إذا كان الترك من جهته. وينبغي للولي أن يحرص على تزويج الكفء متى تقدم للزواج؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض».
حياكم الله أيها الأخوة والأخوات، والآن في هذه السورة العظيمة، لما ذكر الله سبحانه وتعالى بعض ما يحدث في العالم عندما تقوم الساعة: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ تَنتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فَجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: 1-4]، ثم ذكر الحقيقة: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار: 5]. ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ﴾ -خاطب كل كافر وعاصٍ-: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: 6-8]، هذه الموعظة بذكر نعمه عليهم. ﴿كَلاَّ﴾ الحقيقة أنكم تكذبون بالدين، المصيبة أنكم تكذبون بالدين يوم الجزاء والحساب.
استمرت موعظة الله تعالى لهؤلاء البشر، استمر هذا التنبيه الشديد بذكر أن عليهم ملائكة يراقبونهم ويكتبون أفعالهم. فقال الله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: 10]، رقباء يحفظون أعمالكم، ذكر لهم أربع صفات: حافظين، كراماً، كاتبين، يعلمون ما تفعلون. ابتدأ بذكر الحفظ لأنه الغرض الذي سيق من أجله الكلام، حفظ أعمالكم للمحاسبة عليها والجزاء، ثم ذكرت بعده ثلاث صفات فيها كمال الحفظ والإحصاء تنوهاً بشأن الملائكة. إذاً، ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾.
لو قال واحد: هذي الواو معاطفة، تعطف ماذا على ماذا؟ تعطف جملة ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ على جملة ﴿كَلاَّ بَل تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾؛ يعني تكذبون بالدين وعليكم هؤلاء الحافظين الذين يحفظون أعمالكم ليوافوكم بها يوم الدين، فيوافيكم الله بالجزاء عليها؟ انتبهوا! لكن من الذي يتعظ؟ تجد أحياناً العالم سادراً لاهياً؛ أغاني، أفلام، رقص، فواحش، ملاهي ليلية، ألعاب، ناس، ماركات، استمتاع، أطعمة، تبرج، تعري، شهوات، يعني ما قضية أن يوم الدين والحساب والجزاء ونعم الله التي أعطاكم، ماذا تفعلون؟ ماذا يوم الدين سيأتي؟ ترى هؤلاء الكتبة يكتبون، هؤلاء الكتبة يكتبون كل شيء.
﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ﴾ ما قال: وإن عليكم حافظين، قال: ﴿لَحَافِظِينَ﴾، هذي اللام لام التأكيد؛ لماذا؟ لأن هناك إنكاراً ويقابله بمؤكدات، (إن) تأكيد، (اللام) تأكيد، وهذا معناه أنكم محاسبون، هؤلاء الحفظة يكتبون وبعد ذلك ستأتي مرحلة الجزاء والحساب، يكتبون أقوالكم ويعلمون أفعالكم، فلا تعملوا قبائح، كله مكتوب عليكم. أفعال القلوب وأفعال الجوارح؛ يعني لو قال واحد: سوء الظن، الحسد، الرياء، الحقد، هذي أشياء قلبية، أعمال قلبية، هل الملائكة تكتبها علينا؟ تكتب سوء الظن، نعم، يعلمون ما تفعلون مما اطلعهم الله عليه.
طيب، يعني ﴿كِرَاماً﴾، هذا المدح، الملائكة ما ماذا يعنينا نحن؟ أكرموهم، أجلّوهم، وقروهم، أكرموهم أن يروا منكم أفعالاً مشينة. فكر في الكتبة الذين يكتبون أعمالك وأنت تعمل هذه الأعمال، قل: علي ملكان يراقباني ويسمعانني ويعلمان ما أفعل، رقيب، عتيد، كراماً على الله، كاتبين يكتبون الأقوال والأعمال. يقعدون عن اليمين والشمال يكتبون ما للإنسان وما عليه، كل واحد من البشر عنده عن يمينه ملك وعن شماله ملك، صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات. وقالوا إن الذي عن يمينه أمين على الذي عن شماله، وقد ورد في الإنسان إذا فعل الأعمال الصالحة تكتب مباشرة، وإذا فعل العمل السيء صاحب اليمين يقول لصاحب الشمال: أمهله، أي لعله يتوب، فإذا تاب ألقاها ما كتبها؛ يعني من كرم الله تعالى. ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّقَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: 17]، هذا تفسير لقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾، والقرآن يفسر بعضه بعضاً.
ذكر الله الحفظة والكرام الكاتبين بصيغة الجمع باعتبار التوزيع على الناس، ووصف الملائكة الكاتبين بالكرام لاستجاشة القلوب والإحساس بالحياء والخجل من يعني تجملوا بحضرة هؤلاء الملائكة، احتشموا، استحيوا، أنتم لستم وحدكم، أنت لو كنت وحدك أنت بحضرة ملكين، ورب يراقبك من فوقهم، فافعل ما يليق بذلك الأسلوب القرآني يستجيش ما في النفس، يعني يثير مشاعر لأجل أن تبني قواعد الإيمان في النفوس، يكون هناك تعديل للسلوك وتقويم لتصرفات الإنسان. ويكفي أن يشعر القلب البشري أنه غير متروك، وأن هناك عليه حفظة، وأن هناك من يراقب، وأن هناك من يكتب ويرصد، حتى لو كان القلب سليماً يرتعش ويستيقظ ويتأدب.
﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ من خير أو شر فيكتبونه عليكم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّقَالِ قَعِيدٌ * مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 17-18]. فيتلقى الملكان أعمالك ويكتبانها عن اليمين وعن الشمال، وتأتي الصحائف يوم القيامة لتوزن الأعمال. عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك، كما قال الحسن: الرقيب العتيد وصفان للملكين.
قال الحسن: يا ابن آدم، بسطت لك صحيفة، ووكل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن شمالك سيئاتك، فاعمل ما شئت أقلل أو أكثر، حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك حتى تخرج يوم القيامة. عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك. الرقيب العتيد، طبعا صفة للملكين؛ رقيب: حافظ، عتيد: حاضر. الملائكة تحصي الأعمال، الأقوال، الأفعال، الحركات، السكنات، الهم، الخواطر، لا يزيدون لا ينقصون. ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: 80]. ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ وكل شيء فعلوه في الزبر مكتوب، وكل صغير وكبير من الأعمال مستطر، مجموع مسطر في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
ايها الأخوة والأخوات، فاصل ثم نعود إليكم إن شاء الله.
ما أوثق العلاقة بين العلم والعمل! العلم شجرة والعمل ثمرة، والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «القرآن حجة لك أو عليك»؛ أي تنتفع به إن تلوته وعملت به، وإلا فهو حجة عليك. وإنما يراد العلم لأجل العمل، قال أبو الدرداء: لا تكونوا بالعلم عالمين حتى تكونوا به عاملين. وقد ذم الله تعالى من لا يعملون بالعلم فقال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]. وقال صلى الله عليه وسلم: «مثل العالم الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه».
والعلم النافع يورث خشية الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [فاطر: 28]. قال ابن مسعود: ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية، والخشية تنير العقل. قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّه﴾ [البقرة: 282]؛ أي أن التقوى والله وسيلة إلى حصول العلم، فمن صدق العلم بالعمل كان قدوة للمتعلمين، ومن خالف فعله قوله كان من الممقوتين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3].
حياكم الله أيها الأخوة والأخوات. المقطع الأخير من هذه السورة؛ السورة هذي سورة الانفطار اشتملت على مواعظ، وابتدأت بالتذكير بما يكون يوم القيامة: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ﴾ وإذا وإذا ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمتْ وَأَخَّرَتْ﴾، هذه موعظة بليغة هنا، ثم استجاشة مشاعر في النفس: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ * كَلاَّ بَل تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ [الانفطار: 6-9]. ثم موعظة أخرى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: 10-12].
طيب، ستأتي الآن الموعظة التي بعدها: بما أن الأعمال كتبت وحفظت ورفعت تقارير إلى الله، بقي الجزاء يوم المحكمة الكبرى، والجزاء هذا سيترتب عليه ثواب وعقاب، ولذلك ختم الله السورة بالموعظة هذي: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: 13-19].
الموعظة إذاً هذي قبل الأخيرة: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ الأبرار: القائمون بحقوق الله وحقوق عباده، الملازمون للبر في أعمال القلوب وأعمال الجوارح، الذين بروا وصدقوا في إيمانهم بأداء الفرائض واجتناب المعاصي. فيخبر الله عن حال الأبرار وما يصيرون إليه من النعيم؛ أطاعوا ربهم ولم يقابلوا بالمعاصي، فهم في نعيم الجنة في الآخرة طبعا، كما ذكر ابن القيم رحمه الله: يعني لا تحسبن أن الأبرار في نعيم فقط في الآخرة، حتى في الدنيا نعيم القلب، نعيم الروح، نعيم البدن، نعيم الطمأنينة، نعيم الرضا بالقضاء، نعيم ما يفيض الله عليه في الدنيا من هذه اللذة القلبية النفسية نتيجة الإيمان: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97].
إذاً، ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ حتى في الدنيا ولو كان فقيراً، ولو كان ولو كان مضطهداً، لكن الله يرزق طمأنينة قلبية ورضا نفسي ولذة لقربه منه، فلا تجد أحداً أطيب قلباً ولا أنعم بالاً من الأبرار أهل البر. والابرار في نعيم في دار الدنيا وفي البرزخ وفي دار القرار في الآخرة، هذا المعنى الذي يقول بعض العباد: مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها! قالوا: وما أطيب ما فيها؟ وما هو؟ قال: محبة الله والانس به والشوق إلى لقائه والتنعم بذكره وطاعته؛ لأن الطاعة لها لذة، تلاوة القرآن تدبر القرآن له لذة، الدعاء اللجوء إلى الله له لذة، القرب من الله له لذة، السجود.
ثم ذكر الله عز وجل ما يصير إليه الفجار من الجحيم والعذاب المقيم في المقابل فقال: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: 14]. الفجار فجروا، فجرت قلوبهم ففجرت أعمالهم، تركوا الواجبات وفعلوا المحرمات، ما هو جزاؤهم؟ في جحيم عذاب أليم. في الدنيا والبرزخ والآخرة، الكفار مهما كانوا في ثراء في الدنيا ومناصب وحشم قصور ومراكب أطعمة والألبسة، لكن الكفر له شقوة، المعاصي لها شؤم، هناك جحيم في الدنيا أيضاً.
وكما قال ابن القيم رحمه الله مرة أخرى: ولا تظن أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: 13-14] يختص بيوم المعاد فقط، بل هؤلاء في نعيم في دورهم الثلاثة، وهؤلاء في جحيم في دورهم الثلاثة، وأي لذة ونعيم في الدنيا أطيب من بر القلب وسلامة الصدر ومعرفة الرب عز وجل ومحبته والعمل على موافقته؟ وهل عيش في الحقيقة إلا عيش القلب السليم؟ لكن الأبرار في نعيم والفجار في جحيم: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾ [طه: 124]، هذا جحيم الدنيا. لماذا ينتحرون مع كون كل الإمكانات الدنيوية هذه عندهم؟ لماذا يكتئبون؟ الأمراض النفسية هذه جحيم، نوع من الجحيم.
لكن جحيم الآخرة: ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الانفطار: 15]، يوم الحساب والجزاء، يقاسون حرها، يحترقون بها وفيها، ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾ [الانفطار: 16] ملازمون لها، غير مبعدين عنها، لا ينفكون ولا يغيبون ولا ساعة واحدة، ولا يخفف عنهم من عذابها، ولا يجابون إلى ما يسألون من الموت: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 74-77].
قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾ [الانفطار: 16] حتى في البرزخ في القبر يشاهدون النار، ويأتيهم من سمومها وحميمها ويحمومها. ما هو معنى بغائبين؟ ولا يمكن الفرار ولا الخروج: ﴿وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: 48]، هذا يدل على أبدية النار لا تفنى: ﴿إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [النساء: 169]. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لاَّ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ [الأحزاب: 64-65]. ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ [الإسراء: 97]. ﴿كُلَّمَا نَضِجَت جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: 56]. فمأواهم النار، كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها.
طيب، آخر موعظة في السورة: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: 17-19]. هذا الأسلوب في القرآن يتكرر كثيراً: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾؛ تعظيم التفخيم لأمر هذا اليوم، كرر ذكره تعظيماً لشأنه وتعجيباً من شأنه: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة: 1-3]. ابن عباس رضي الله عنه يقول: كل شيء من القرآن من قوله: «وما أدراك» فقد أدراه، وكل شيء من قوله: «وما يدريك» فقد طوي عنك؛ يعني هذا ما تعرف ما تعرفه، «وما يدريك لعل الساعة تكون قريبة»، «وما يدريك لعل الساعة قريب».
قوله: «وما أدراك» يوقع في الحس أن الأمر أعظم جداً وأهون جداً من أن يحيط به إدراك البشر المحدود، ما أدراك ما الحطمة! ما أدراك ما القارعة! ما فوق كل تصور، كل توقع. تكرار السؤال (ثم ما أدراك) يزيد في الاستهوال والتهويل: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ [الانفطار: 19]، يوم يوم الدين هذا المذكور لا تملك نفس لنفس، لا يقدر أحد على نفع أحد، ولا على خلاص أحد، ولا على افتداء أحد، ما يعطي أحد أحداً شيئاً، لا يعطي أحداً شيئاً.
طبعاً إذا شاء شفاعة أذن بها الله هذا استثناء، وإلا الأصل كل مشتغل بنفسه لا يطلب الفكاك لغير نفسه. ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: 48].
ختم الآية بقوله: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمِئِذٍ لِّلَّهِ﴾ [الانفطار: 19]. طبعاً الأمر لله في كل وقت وحين وفي الدنيا وفي الآخرة، لكن في ذلك اليوم بهذه الأهوال وما أحد يملك لأحد شيئاً، في الدنيا ممكن يعمل أشياء بأمر الله طبعاً ومشيئته، لكن يوم القيامة لا، ما أحد يعمل لأحد شيئاً.
﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: 16]. ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَٰنِ﴾ [الفرقان: 26]. ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4]. ﴿وَلَهُ الْمُلْكَ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [الأنعام: 73]. قال قتادة: والامر والله اليوم لله. يعني حتى في الدنيا، ولكنه يومئذ لا ينازعه أحد.
الدنيا الآن ممكن يأتي مثلاً ذلك الذي حاج إبراهيم في ربه ويقول أنا أحيي وأميت، ينازع طبعاً ينازع بالباطل، والله أخذه وأخذ غيره من الجبابرة والطواغيت.
أنا نمرود ولا فرعون ولا أخذهم، يوم القيامة ما أحد يستطيع يتكلم بكلمة إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً، والامر يومئذ لله، ما في منازعة، ما في منازعة حتى بالباطل؛ في الدنيا ينازعون بالباطل، في الآخرة ما يستطيعون ينازعون أصلاً.
انكشف الغطاء وانقطعت الدعاوى والخصومات، شوف لاحظوا هذه اللام لام الاختصاص: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمِئِذٍ لِّلَّهِ﴾ [الانفطار: 19]. آخر كلمة في السورة: لله، الاختصاص تفيد عموم الأمر، لا أمر يومئذ إلا لله وحده، التصرف والإذن لله وحده.
في يوم الدين في ذلك اليوم العظيم، نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينجينا يوم الدين، وأن يجعلنا فيه من الفائزين، وأن يجعلنا من أهل جنة النعيم، وأن يعتق رقابنا من النار ويغفر لنا أجمعين.
استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة يأتيك ميسوراً بأي مكان، هذا كتاب الله ريح قلوبنا خير الدروس تعلم القرآن، بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
الشيخ محمد صالح المنجد