تسجيل الدخول

المحاضرة 21 - تفسير سورة الانفطار (5:1)

محمد صالح المنجدالشيخ محمد صالح المنجد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، أشهد أن لا إله إلا هو الحق المبين، وأشهَد أن محمداً عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.

أيها الإخوة والأخوات، معشر الطلاب والطالبات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله نحن وإياكم في هذه الحلقة الحادية والعشرين من مادة التفسير في أكاديمية زاد، نسأل الله عز وجل أن يوفقنا لاتباع هدى كتابه.

كنا ذكرنا في الدرس الماضي في سورة التكوير كيف دافع الله عن كتابه وعن نبيه وأقسم، فقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: 15-19]، ومدح الرسول الملك الذي نزل بالقرآن من عنده على الرسول البشري، مدح الرسول الملك قال: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: 20-21].

وما صاحبكم -الدفاع عن الرسول البشري- بمجنون، ولقد رآه بالافق المبين، هذا اللقاء بين الرسولين، وما هو -محمد صلى الله عليه وسلم- على الغيب بضنين، الكريم يعطيكم بلا أجرة، وما صاحبكم بمجنون، تدافع عن نبيه ونفى الجنون عنه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: 22].

لما اكتمل الدفاع من كل الجهات، ولم يبقَ عند الكفار من حجة ولا من شيء يواجهون به، قال لهم: فإين تذهبون؟ فإين تذهبون؟ حاولتم الطعن في القرآن، هذا كتاب عربي مبين، حاولتم الطعن في طريق التبليغ، وهذا أنقى ما يكون، حاولتم الطعن في المبلغ لكم وأنه مجنون وأنه قول ساحر وأنه قول شاعر، بطلت كلامكم واضح البطلان.

قلتم إن المصدر الذي نقل إليه شيطان رجيم، وما هو بقول شيطان رجيم، وقد ذكر لكم من هو الذي بلغه، جبريل وليس في شيطان، فأين تذهبون؟ أين تذهبون بعد كل هذا؟ ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: 27-28].

إذاً وصلْنا الآن إلى هذا المقصود العظيم، محاصرة الكفار ومحاصرة المشركين من جميع الجهات بعد إسقاط كل ما قالوه والرد عليهم، وأنه لم يبقَ لهم إلا طريق واحد، وهو الإيمان بهذا القرآن، وأنه ذكر للعالمين، موعظة الخلق ولكل العالم، ذكر للأحكام لصفات الله وعظمته وجزائه وأحكامه القدرية والشرعية، مصالح الدارين والمعاملة مع الله مع العباد، تذكير لجميع الناس.

مع أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في مكة وكانت الدعوة محاصرة، والله سبحانه وتعالى يعلن عالمية دينهم من ذلك المكان. في الآية من الفوائد: الدلالة على أن القرآن موعظة لمن صدق في توجهه إلى الله، وأن العبد قد يحجب نفسه عن الهيادة بيده هو يختار: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: 17]، وقال الله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 10].

إذاً الضلالة صاحبها يختارها، الزين هو الذي يقرر أن يزيد، فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم، إذاً: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: 27-28]، القرآن هذا ذكر موعظة ومنهج لمن أراد الاستقامة، وهذا في رد على من يقول: آآ نحن مجرد مسيرين ما لنا اختيار، ونحن مجبورون على ما نقوله، لا، ما أنت عندك إرادة، أنت تختار في الأمور الدنيوية تأكل هذا الطعام لهذا الطعام، ثم إذا جئت على القرارات المصيرية والامور الخطيرة والهداية والضلالة قلت: أنا مجبور على الضلالة وأنا مجبور على المعاصي وعلى الكبائر.

عجبا! أنت تختار التخصصات للتدخل بها الجامعة، وتختار نوع الفرش ولون الفرش الذي تريد أن تفرش في بيتك، وتختار أنواع الأجهزة، ثم إذا جئت إلى هذه الأشياء العظيمة تقول: أنا مكره أنا مجبور! إذاً من شاء وأراد الهداية سيهتدي، ومن شاء وأراد الضلالة سيضل وإثمه عليه.

﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 29]، إذاً هذه الآية فيها اثبات أن للعبد مشيئة واختيار وقدرة إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، إن شاء زنى وإن شاء لم يزنِ، إن شاء شرب الخمر وإن شاء لم يشرب، كذلك إن شاء صلّى وإن شاء ما صلّى، إن شاء اهتدى وإن شاء ضلّ، اثبت الله للعباد مشيئة واختياراً بناءً عليها يحاسبون.

ولكن هذه المشيئة ليست خارجة عن مشيئة الله ولا عن إرادة الله، ولهذا قال: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 29]، إذاً هذه الآية فيها الرد على الجبرية وعلى أهل الباطل الذين يقولون لا لا يصح أن نحاسب على ما نفعل ولا أن نُجازى بعذاب على ما نفعل من هذه الأباطيل والكبائر والمحرمات.

كذلك الآية فيها أن من الخطأ أن يحاكم الدين بتصرفات من ينتمي إليه مهما كانت، لماذا؟ الدين الإسلام ليس مسؤولاً عن أخطاء المسلمين، لا يتحمل الدين انحرافات من ينتسب اليه، ولكل أحد واحد قال: ما أعظم دينكم ولكنكم تفعلون وتفعلون، كما يقول بعض الغربيين وغير المسلمين للمسلمين: ما أحسن دينكم ولكنكم تستر تشون وتكذبون وتخفون المواعيد، نقول ولماذا يحمل الإسلام أخطاء من ينتسب إليه؟ لماذا تحملون المنهج أخطاء من يخالفه؟ هؤلاء عصوا، لماذا لا تمدحون المنهج بحسنات من يتبعه؟ لكن طبعاً عين السخط لا تعدل أبداً، لا تعدل، والدين كل محاسن الحمد لله.

ختم الله السورة بقوله: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 29]، فرستم أنتم تتحكمون بالامور ولا يمكن أن تخرجوا عن مشيئة الله، وقد قيل في سبب نزول هذه الآية أنها لما نزلت لما نزل قوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: 28] قال أبو جهل: الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم، فانزل الله: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 29]، فالخير والتوفيق بيده، ولا يعمل أحداً شرا إلا بخذلان، خذلان، فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم، أرادوا القعود سبقهم، وقيل اقعدوا مع القاعدين.

بعد قليل أيها الإخوة والأخوات، لما انتهينا الآن من تفسير سورة التكوير، سندخل في تفسير سورة الانفطار إن شاء الله إلى عودتنا بعد هذا الفاصل.

الحمد لله حياكم الله أيها الإخوة والأخوات ونحن نلف من التكوير لانفطار، وقد عرفنا ما في سورة التكوير من الحقائق العظيمة وتلك الأمور الجسام وأمور الإيمان مما يجب أن يستقر في نفوسنا. وهذه السور من القرآن المكي تبني قواعد الإيمان في النفوس، ترد على المكذبين بالبعث، ترد على المكذبين بالقران، تقرر الحقائق الحقائق الإيمان وتذكر باليوم الآخر، وهذه قضية اليوم الآخر قضية كبيرة، إذا استقرت في النفوس استعدت لها.

يعني مما يغير السلوك لأن بعض الناس يقولون: كيف نستقيم؟ كيف كيف نحول؟ كيف نتغير؟ كيف نترك؟ كيف نأخذ؟ نقول: هذه المسألة البعث والجزاء الاعتقاد بها لابد أن يغير مسلك الإنسان، ولذلك كثر في القرآن ذكرها، عندها من معدلات السلوك وأسباب الهداية، لأنك عندما تتذكر ذلك اليوم الآخر وما يكون فيه مما ذكره لنا ربنا من التفصيلات في امور القيامة وقيامها والجزاء والحساب والجنة والنار، هذا يبعث في النفس الهيبة والرهبة والخوف من ذلك اليوم، ويرث الاستعداد له وترك ما يؤدي إلى العذاب في الآخرة.

تعالوا بناء على سبيل المثال على هذا الكلام إلى سورة الانفطار التي نحن بصددها في الترتيب بعد سورة التكوير، سورة الانفطار مكيه إجماعاً، آياتها تسع عشرة، من مقاصدها إثبات البعث وذكر الأهوال التي تتقدم أو ذكر أهوال تتقدم، التحذير من الانهماك في الشر والاغترار برحمه الله ونسيان يوم الدين. فيها إقامة المشركين للنظر في الأمور التي صرفتهم عن الاعتراف بتوحيد الله، والأشياء التي صرفتهم عن التفكر والتذكر اليوم الآخر والبعث والجزاء.

سورة الانفطار فيها الإعلام بأن أعمال العباد محصية والجزاء قادم عليها، قادم، إن خيراً فخير وإن شراً فشر. ما هي علاقة سورة الانفطار سورة التكوير؟ لما ختمت سورة التكوير بأنه سبحانه لا يخرج شيء عن مشيئته وانه موجد الخلق ومدبرهم: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 29]، وكان من الناس من يعتقد أن هذا العالم هكذا يبقى ويستمر بلا نهاية، أرحام تدفع وأرض تبلع ومن مات فات وصار إلى الرفات ولا عوده بعد الفوات.

لما كان هذا النوع من البشر الدهرية ومن مشاكلهم موجودا، ولهم أبواق يتكلمون بها قنوات وكتب وإعلام، الله سبحانه وتعالى رد عليهم، طبعاً هذا من المبدأ مبدأ قديم يعني إنكار البعث القديم. افتتح الله سبحانه وتعالى سورة الانفطار بما يكون مقدمة المقصود التي قبلها، وأن الله لابد أن ينقض هذا العالم وأن يبنيه ليحاسب الناس ويجزي المحسنين في الاحسان والمسيء.

قال الله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار: 1-5]. سبحان الله، مطالع سور متشابهة في تقرير الحقيقة الواحدة بالأساليب المتنوعة، وذكر تفصيلات هنا تشابه تفصيلات هناك وتزيد عليها، يذكر هنا ما لا يذكر هناك، ويذكر هنا ما يؤيد ما ذكر هناك، وتذكر هناك مرحلة في السماوات والجبال مثلاً عند قيام الساعة ماذا يحدث لها، وتذكر في هذه السورة مرحلة أخرى.

﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: 1] تشققت بأمر الله، تتحقق من هيبة الله وطاعة له. إذا قال: استقي وانفطري، كما قال: ﴿وَيا سَماءُ أَقْلِعِي﴾ [هود: 44] في طوفان نوح وقوم نوح، فأمسكت السماء عن المطر. يقول الله للسماء والارض: قال لهما اتيا طوعا أو كرها قالتا اتينا طائعين، هنا قال: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: 1] بأمره لتحول العالم إلى عالم آخر يتم في البحر البعث والجزاء غير العالم الدنيوي الذي كان.

تنتظر لنزول الملائكه تحاصر الثقلين في أرض المحشر لينزل من كل سماء اهلها، وقد كانت السماء لهم مسكناً، كانو سكان السماوات، وسيكون له الان شان آخر يتعلق بحساب اهل الأرض. قال الله في الآية الأخرى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: 25]، وقال الله في الآية الأخرى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: 18] في ذلك اليوم، وكذلك من فترة بامره سبحانه.

قال الله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: 1]، وقال الله: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ [الحاقة: 16] تفطرت لهيبة الله. إذاً: السماء انفطرت، الفطر الشق يقال فطرته فانفطر، ويقال العرب تقول فطرنا البعير يعني طلعه فهو بعير فاطر، وتفضل الشيء تشققه. افتتحت الآيات باداه الشرط إذا تشويقا لما بعدها، سنعرف بعد الفاصل إن شاء الله بقية القصة العظيمة.

الحمد لله حياكم الله ايها الإخوة والأخوات ونحن مع مطلع هذه السورة العظيمة إذا السماء، إذا التسويقية، إذا وإذا وإذا سيقع أمر فما هو؟ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: 1] وتشققت، ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الانفطار: 2] وتساقت وتهافتت، والانتظار التفرق ضد الجمع والضم والنثر رمي الأشياء على الأرض بتفرق.

فانتثار الكواكب معناه تفرق اجتماعها على هذه الصفة المعروفة في مواقعها ومداراتها، انتظرت خرجت من أفلَاكها، اضطربت وسقطت، انتظرت تبددت وتفرقت، سبحان الله الذي أمسكها بقوة الجاذبية في الدنيا وجعلها تسير بهذه الحركة المنتظمة في أفلَاكها، تدور وتنتقل وتحرك بلا اصطدام ولا خروج عن المسار.

يوم القيامة يأمر بأن يذهب هذا كله فتختلف الجاذبية وتذهب هذه الأشياء، وهذا العالم العلوي يوم القيامة أمور موران ويموت موج أو يطلب اضطراباً وتضارب وتسقط وتنتثر في مشهد مخيف مرعب نهائي. والعالم السفلي أيضاً في الأرض قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار: 3]، فجر بعضها في بعض، دخل بعضها على بعض، اختلط العذب بالمالح صارت بحراً واحداً.

قال قتادة رحمه الله: فجر عذبها في مالها ومالها في عذبها، وقيل فجر بعضها في بعض فذهب ماءها، وقيل يستقيل فاضت، وأيضاً كما مر معنا سابقاً اشتعلت ناراً ويمكن أن تكون مراحل تفجر يدخل بعضها على بعض وتسجل وتشتعل ناراً ثم ييبس. تفجير البحار انطلاق ماءها من مستواه وفيضانها على ما حولها من الأرض كما يتفجر ماء العين فينتشر، إذاً: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار: 3] يتضمن معنى أن يعم الماء الأرض أهلك من عليها بالصيحة وهذه البحار يختل سطحها وتطغى على ما حولها.

قال الله تعالى فيما يكون أيضاً: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾. أثيرت قرب أسفلها فصار في أعلاها، بعثرت المتاع إذا قربته. البعث في اللغة: البعثرة والبحث، إثارة الشيء بقلب باطنه إلى ظاهره، قلب تراب القبور وأخرج من فيها من الأموات وصاروا أحياء. وبعثوا وحشروا للموقف بين يدي الجزاء على الأعمال، بعثرت وأخرج ما في بطنها، حتى الأرض يبعثر ترابها ويخرج ما فيها من الذهب والفضة أمثال الأسطوان لتأتي يوم القيامة حتى يحاكم من طغى وبغى في المال ومن أجل المال، ويقول القائل في هذا قتلت، والقاتل في هذا قتلت، والسارق في هذا قطعت.

وإذا الأرض بعثرت من أشراط الساعة أن تخرج الأرض أيضاً ذهبها وفضتها، وتخرج ما فيها من الجثث والأموات. سبحان الله، تنفطر السماء، تنتثر الكواكب، تفجر البحار، تبعثر القبور، خراب العالم العلوي والسفلي. ذكر الله أمراً علويين انكسار السماء وأن تثار الكواكب، وأمرين سفليين تفجير البحار وبعثرت القبور. في هذه السورة النفس والسامع يستحضر حالة الأرض ألقت ما فيها وتخلت، أخرجت هذه الجثث، قاموا أجساداً تدخل فيها الأرواح.

ونبدأ إذا حصلت هذه الأشياء الأربعة ماذا سيكون؟ جاء الجواب: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. في الآية في السورة التي مرت معنا علمت نفس ما أحضرت، ما أحضرت هو ما قدمت وأخرت. إذا وقعت هذه الأمور عند قيام الساعة ستعلم كل نفس ما قدمت وما أخرت، كما قال الله في الآيات الأخرى: ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر. ما قدمت: ما عملت من عمل، ما أخرت: ما تركت من العمل.

فويل للذين قدموا سيئاً من الظلم والبغي والفواحش وأخروا وتركوا الصلاة والصلة والبر والخير. هذا معناه في قوله ما قدمت وأخرت، وقيل: ما قدمت ما أدت إلى الله مما أمرها به، وأخرت ما ضيعت مما أمرت به. إذاً ما قدمت وأخرت يعني ما أدت إلى الله مما أمر به، وما ضيعت مما أمرت به. فإن هناك أناساً أخرتوا عملاً صالحاً وأخر سيئاً، وهناك أناساً استقاموا على الطريقة والسابقون السابقون، وهناك أناساً كثر مجرمون لا يعملون خيراً قط.

قيل أيضاً في المعنى: علمت نفس ما قدمت من عمل صالح أو سيء، وأخرت من سنة حسنة أو سيئة. لأن الإنسان أعمال ذاتية له هو، وأعمال متعددة النفع أو الضر، من أشياء خطها فسرقها آخرون، وقد يخطئ في الخير وقد يخطئ في الشر. فيكون التقديم ما عمل من النفع الذاتي أو الشر الذاتي غير المتعدي، وما أخره من خير متعد أو شر متعد. وقيل: ما قدمت من الصدقات وأخرت من التركات. كما قدمت في حياتك من مالك هذا لك شأن به يوم الدين، وما أخرته وتركت وأخذه الورثة وتسال عنه يوم الدين.

قال الحسن رحمه الله في قوله تعالى: علمت نفس ما قدمت وأخرت، جواب القسم في قوله تعالى: إذا السماء انفطرت. فإذا من العلماء من قال إذا هذه الشرطية المشوقة إذا السماء انفطرت يكون جواب الشرط علمت نفس ما قدمت وأخرت. الحسن رحمه الله الآيات عنده قسم، يعني إذا السماء انفطرت قسم، فيكون علمت نفس ما قدمت وأخرت جواب القسم. علمت نفس، نفس هذه نكرة تفيد العموم يعني كل نفس، ليست نفس واحدة أو نفس معينة، لا، علمت نفس لنفسك، كما قال تعالى: ﴿وَأَبْسِلْ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ تمسل تسلم إلى الهلاك وتدفع وتحدث تكون مرتهنة بما كسبت، وقال الله: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَفَرَّطتُ فِي جَنۢبِ اللَّهِ﴾ ليست نفس واحدة، كل نفس مفرطة.

المعنى الإجمالي إذا لم مطلع هذه السورة إذا وقعت هذه الأمور إلى السماء انفطرت وما بعدها، ينكشف الغطاء ويزول ما كان خفياً، وتععلم كل نفس ماذا فعلت قدمته، ويتذكر كل واحد بالتفصيل كل أعماله، يعطي ذاكرة قوية جداً يتذكر كل شيء. نحن الآن في الدنيا نعمل ننسى، لكن في الآخرة سيتذكرون كل شيء، وهنالك يعض الظالم على يديه إذا رأى أعماله الباطل وميزانه قد خف، والمظالم تتداعى عليه والمطالبات والسيئات قد حضرت بين يديه، فعند ذلك يسقط في يده ويمكن بالشقاء.

ما المقصود من ذكر التقديم والتأخير ما قدمت وأخرت؟ تعميم التوقيف على جميع الأعمال، كما قال الله في الآية الأخرى: ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر. هذه الآية علمت نفس ما قدمت وأخرت تفيد أن كل واحد في ذلك اليوم يعلم تماماً ماذا سار عليه من الأعمال الطيبة، وماذا تكاسل وتاخر عنه من الحقوق حقوق الله، وماذا أسرف وماذا ترك من حقوق العباد.

ولذلك لابد أن نحاسب أنفسنا الآن على ما نقدم ونؤخر حتى نتدارك، لأن هناك فرصة للتدارك الآن أما هناك انقطعت الفرصة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحمنا برحمته، وأن يتوب علينا، وأن ينجينا من شر ذلك اليوم، وأن يقينا أهواله وما فيه من العذاب والشرور، إنه سميع مجيب. استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.