بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب. الحمد لله الذي نزل الفرقان على عبده.
أيها الإخوة والأخوات، الطلاب والطالبات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد؛ فهذا هو الدرس الثامن من سلسلة محاضرات مادة التفسير في أكاديمية زاد. سبق في الدرس الماضي الكلام عن تفسير قوله تعالى في مطلع سورة النازعات: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً﴾ [النازعات: 1-5].
وذكرنا تفسير جمهور المفسرين للنازعات وللأقسام والأيمان الخمسة بأنها الملائكة: النازعات، والناشطات، والسابقات، والمدبرات. النازعات تنزع أرواح الكفار، والناشطات تنشط وتقبض أرواح المؤمنين برفق ولين، والسابحات الملائكة تسرع بما أمرت به في تنفيذ أوامر الله، والسابقات تسبق إلى ما أمرها الله به للعمل به، والمدبرات تدبر الأمر من السماء إلى الأرض بأمر ربها. وهم مراتب وأنواع وأصحاب مهام مختلفة؛ فجبريل موكل بالوحي، وميكائيل بالقطر والنبات، وإسرافيل بالنفخ في الصور، وملك الموت بقبض الارواح، وهكذا.
سنتكلم بإذن الله تعالى في هذا الدرس عن تفسير بقية الآيات. قال الله عز وجل: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ [النازعات: 6-7]. نستحضر في سورة النازعات أن الله أقسم بملائكته العظام، والله لا يقسم إلا بأمر عظيم، وقيل إنه أقسم بالنجوم، وقيل أقسم بالخيل في الجهاد وغير ذلك. أقسم على شيء، فما هو هذا الشيء الذي أقسم عليه ربنا؟ نحن إذا رأينا لله قسماً في كتابه فلا بد أن تتجه أنظارنا لمعرفة ما هو الأمر الذي أقسم عليه. لماذا أقسم سبحانه؟ ليؤكد شيئاً. ما هو؟ ما هو جواب القسم؟
قال: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾. يعني أقسم بما أقسم به ليؤكد حقيقة هذا اليوم ومجيئه واتيانه وقيامه، وانه سيتحقق في الواقع. يوم ترجف الراجفة؛ الرجف الاضطراب الشديد. يقال: رجفت الأرض، ورجف البحر، وبحر رجاف، كما في المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني، وهو تفسير لطيف وجيد وفيه معان غزيرة. والراجفة هي النفخة الأولى، وهي صيحة عظيمة مزلزلة يموت منها كل الخلائق. والرادفة التي تتبعها وتثرها وتأتي بعدها، وهي النفخة الثانية التي يحيي الله بها من مات.
قال مجاهد رحمه الله: أما الأولى وهي قوله يوم ترجف الراجفة، فكقوله جلت عظمته: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ [المزمل: 14]. والثانية وهي الرادفة فهي كقوله: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: 14]. القرآن يشبه بعضه بعضاً، وآية كآية، والعلماء يقارنون ويجمعون المتشابهات والآية التي تشبه الأخرى.
قوله تعالى الآن، لما أقسم بهذه الأقسام العظيمة على الحقيقة؛ حقيقة البعث والنشور، يوم، طبعا هو يوم البعث والنشور، ماذا سيحدث فيه؟ ترجف الراجفة. ما هي التي ترجف؟ الأرض، لتبعثن منها يوم تهتز وتضطرب بسبب النفخة الأولى، التي تتبعها النفخة الثانية الرادفة التي يخرج العباد نتيجة لها من الأرض التي دفنوا فيها أولاً.
وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: «يا أيها الناس، اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه». حديث حسن رواه الترمذي. يذكرنا صلى الله عليه وسلم، يذكرنا: يا أيها الناس، استيقظوا، استيقظوا من غفلة الملهيات والمشغلات والالعاب. استيقظوا من غفلة التجارات والاموال والاستمتاعات والسياحات. استيقظوا من غفلة الأطعمة والملبوسات والأثاث والمركوبات والتنافس فيها والانشغال والتفاخر. استيقظوا من غفلة المعاصي.
فإذا رجفت الراجفة وتبعتها الرادفة انقسم الناس إلى قسمين، كما قال الله: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ [النازعات: 8-9]. هذا القسم الأول، واما القسم الثاني فعلى العكس والنقيض. القرآن مرتب وفي أقسام. طبعاً في أقسام بمعنى الأيمان، وفي أقسام بمعنى تقسيمات. يدل للتقسيم قوله تعالى: قلوب يومئذ؛ قلوب نكرة، فيكون المعنى: وهناك قلوب أخرى بعكسها. فقوله تعالى: قلوب يومئذ واجفة، أنت لما تسمع هذه ستتوقع أن يكون هناك قلوب أخرى. رجفت الراجفة وتبعتها الرادفة، فما هي النتيجة؟ ما هو الأثر؟ الأثر على القلوب أنها ستكون على قسمين. قلوب يومئذ واجفة، نتيجة للراجفة والرادفة ستكون القلوب واجفة مضطربه وخائفه منزعجه.
طيب، ماذا يفيد التنكير أيضاً؟ قلوب قلوب. التنكير يفيد التقسيم؛ إذاً في نوع قلوب وهناك نوع آخر. وأيضاً ماذا يفيد التنكير في قوله قلوب؟ يفيد في التكثير؛ فهناك قلوب كثيرة خائفة في هذا اليوم. من هي القلوب الخائفة المضطربه المنزجه القلقه؟ من هي هذه القلوب المزلزلة؟ قلوب منكري البعث، قلوب الكفار، قلوب الذين ما استعدوا لذلك اليوم. ابصارها خاشعة ذليلة.
طيب، هل القلوب لها أبصار، أم المقصود أبصار أصحاب القلوب؟ وأن القرآن من بلاغته فيه اختصار، والشيء المفهوم الواضح لا ينص عليه دائماً، فقد يختصر ذكره بلاغة. إذاً الضمير، وإن كان في ظاهر الكلام يعود إلى القلوب؛ أبصارها، ما هو أقرب مذكور؟ القلوب. قلوب يومئذ واجفة أبصارها. لكن المقصود أصحاب القلوب، فعبر عنهم بجزء منهم وهي القلوب التي هي محل الخوف والاذعان، ثم يظهر ما في القلب على البصر. لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه. إذا نزل حب في القلب حل إزارة في العين، كما قال الواعظون المسلمون من أهل البلاغة. طبعا حب شهر الحرارة، وإذا شهر المطر، إذا نزل حب في القلب يعني حرارة الإيمان حل إزار في العين الدموع من خشية الله. على أي حال: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾.
القلوب ليس لها أبصار، الأبصار في الرأس، لكن المقصود أبصار أصحاب القلوب. ما معنى خاشعة؟ ذليلة، حقيرة، منكسرة، حاسرة، خائفة، أذهلها الفزع، غلب عليها التأسف، استولت عليها الحسرة مما عاينت من تلك الأهوال. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يقينا شر ذلك اليوم، وأن يلقينا نضرة وسروراً. وقفة قصيرة ثم نعود إليكم إن شاء الله.
أنت حريص على تصحيح عباداتك؟ هل ترجو أن يتقبلها الله؟ اطلب العلم، إذ لا تصح العبادة إلا به. قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19]. وشرط قبول طلب العلم الإخلاص فيه، بأن لا تريد به إلا وجه الله. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: 11]. وبالإخلاص ترزق صحة الفهم وقوة الاستنباط. قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». وبالإخلاص يذعن المتعلم للحق ويقبل النقد. قال الذهبي: علامة المخلص أنه إذا عتب لا يبرئ نفسه، بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى الي عيوبي. ويجب أن يتوفر الإخلاص في التعلم والتعليم والتأليف. قال أبو داود الطيالسي: ينبغي للعالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك نصره الدين، لا مدحه بين الأقران لححسن التأليف. فأخلص النية واحذر من فسادها؛ كطلب العلم لأجل المال والثروة أو الجاه والشهرة أو المراء والجدل، فإن ذلك يفسد العمل. قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان: 23].
الحمد لله، حياكم الله.
قال الله تعالى بعد ذلك بعد قوله: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾، يقولون؛ أصحاب تلك القلوب منكرون البعث، يقولون: ﴿أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ [النازعات: 10]. ماذا كان يقولون في الدنيا؟ قلوب يومئذ واجفة أبصارها خاشعة، لأنهم كانوا يقولون في الدنيا؛ لأنهم كانوا يعتقدون الاعتقاد الباطل أن لا بعث ولا نشور ويكذبون بيوم الدين، كانو يقولون: ﴿أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾.
أإنْ؛ استفهام انكاري استبعاد تكذيب. فإذا قيل لهم إنكم مبعوثون ليوم عظيم يقولون: هيهات! أإنا لمردودون في الحافرة؟ ما هي الحافرة؟ الحياة التي كانوا عليها أول الأمر قبل موتهم. يقال لمن كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه: رجع على حافرته. هذا تعبير عربي والقران نزل بلسان عربي مبين. ما معنى العبارة: رجع على حافرته؟ يعني رجع في طريقه التي جاء منها فحفرها أو أثر فيها بمشيه، كما في الطبري والبغوي.
فهؤلاء المكذبون معنى كلامهم: أإذا متنا نبعث ونرد إلى الدنيا ونمشي على الأرض بأقدامنا؟ أنرجع إلى أول أمرنا وحالنا؟ لانرجع إلى الحياة بعد أن نموت وندفن تحت التراب؟ إذاً: ﴿أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾، يعني أإنا راجعون إلى الحياة بعد الموت؟ لا يكون.
قال بعض المفسرين: الحافرة وجه الأرض التي تحفر فيها قبورهم، سميت حافرة أو اطلق عليها حافرة بمعنى محفورة، وقد يطلق اسم الفاعل ويراد به اسم المفعول؛ حافرة بمعنى محفورة، كقوله تعالى: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: 21]، راض اسم فاعل، لكن مقصود بها عيشة مرضية. صاحبها هو الراضي، ليست هي المقصود راضية، صاحبها راض، أما هي ذاتها مرضية من قبل صاحبها. وقيل: سميت حافرة لأنها مستقر الحوافر، أي أئنا لمردودون إلى الأرض التي تعدو عليها حوافر الخيل والدواب ونبعث مرة أخرى نمشي عليها؟
قال هؤلاء المكذبون في استبعادهم: ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً﴾ [النازعات: 11]، فكيف نرجع إلى حالنا الأول وقد تحللت أجسامنا وصرنا عظاماً بالية رميماً؟ أإذا كنا عظاماً بليت وتفتتت واختلطت بتراب الأرض أنرد ونبعث من جديد؟ ذلك أمر بعيد، فاستبعدوا أن يبعثهم الله وأن يعيدهم بعد أن يصبحوا عظاماً نخرة، جهلاً منهم بقدرة الله وجرأة عليه سبحانه ووقاحة تكذيب. ﴿يُحْيِيكُمُ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.
طيب، ما معنى نخرة؟ إذا كنا عظاماً نخرة؛ يقال نخرت الشجرة أي بليت وصارت مجوفة ليس فيها لب، وقيل معنى نخرت الشجرة أي هبت بها نخرة الريح، يعني هبوب الريح كف، كما في المفردات في غريب القرآن. وجاء في هذه اللفظة قراءتان في القراءات السبع: قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو: ﴿عِظَاماً نَاخِرَةً﴾، وقرأ البقية: نخرة، بدون ألف، كالحذر والحاذر والطمع والطامع. لكن المقصود نخرة أو ناخرة يعني باليه. وبعض العلماء فرقوا بين القراءتين في المعنى، فقالوا: النخرة الباليه، والناخرة المجوفة التي تمر فيها الريح فتنخر يعني تصوت. طبعاً هذه معاني لطيفة من تأملات المفسرين وربط هذه الكلمات بما وردت في سياقاتها في لغة العرب، لكن تفسير السلف يدل على أن معناهما واحد، يعني نخرة وناخرة والله تعالى أعلم.
قالوا: ﴿تِلْكَ إِذاً كَرَةٌ خَاسِرَةٌ﴾ [النازعات: 12]. هذه الآية التي بعدها، هذا من بقية كلام منكري البعث. يقولون: إن رددنا بعد الموت لنخسرن بما يصيبنا إذا. قالوا: تلك إذا كرة خاسرة؛ يعني لو وقعت ستكون رجعتنا مصيبة وسنكون في خسار. كرة خاسرة، يعني كرة خسران، يعني أهلها خاسرون، كما يقال تجارة رابحه يربح صاحبها. فمن تتمة كلامهم: لن نعود، ولو عدنا ستكون عودة خاسرة. قال ابن زيد: وأي كرة أخسر منها، أحيوا ثم صاروا إلى النار. وأيضاً قيل في تفسيره: ها كرة خاسرة، رجعة خائبة كاذبة باطله ليست كائنه، تكذيبا. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يؤمن بيوم الدين ويعمل له.
والحقيقة أيها الاخوة والاخوات، نحن في عالم الإلحاد المعاصر نحتاج إلى فهم فهم ادعاءات القوم ومنطلقاتهم في التكذيب. أن نفهم هذه المنطلقات حتى نستطيع الرد ونستطيع العلاج. يعني مثلاً هؤلاء الذين حكى الله كلامهم ذكر كلامهم، ما هي المنطلقات في التكذيب؟ الاستبعادات، ما يرونه من تحول العظام، تحول الإنسان الميت إلى عظام بالية، فلذلك تقول في الرد أشياء تراعي فيها السبب الذي من أجله كذبوا أو بنوا كلامهم الباطل عليه حتى تنسف القواعد التي لديهم فيخر البنيان، وهذا طبعا من فقه الدعوة.
والحقيقة أن التأمل في هذه الآيات يقود إلى أي طريقة قوية في الرد على الملاحدة وعلى منكري البعث، وأيضاً فيها موعظة لنا. يعني فعلا هؤلاء منكروا البعث؛ ما يتحمل الإيمان بالبعث لأنه هو ما استعد له نهائياً. هو كله في تكذيب وفي طغيان وفي كفر وفي ظلم وفي معاصي ومنكرات ولهو ولعب. هو عندما يفكر في قضية البعث مع سيقول: هذه ستكون خاسرة. لو رجع، لو عدنا، ماذا سنقابل؟ ماذا سنجد؟ لا يمكن. يلجؤون للتكذيب. سبحان الله، بعضهم يلجا للتكذيب، مع أن المسألة عنده على الأقل فيها احتمال، لكن يكذب لأنه ما يتحمل، نفسه ما تتحمل.
ونحن أهل الإيمان سنقول: لو عدنا إلى الله ماذا سنجد؟ فلا بد أن نستعد. لو عدنا إلى الله ماذا سنجد؟ فلا بد أن نستعد. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من الفائزين يوم الدين. استراحة قصيرة ثم نعود إليكم.
أمانة عظيمة ومسؤولية كبيرة؛ إنها تربية الأهل الأولاد. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم: 6]. قال علي بن أبي طالب: أدبوهم وعلموهم. فنعلهم العقيدة الصحيحة. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]. وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «يا غلام، إني أعلّمك كلمات: احفظ الله يحفظك». ونعلمهم حب النبي صلى الله عليه وسلم وحب أصحابه، فقد كان السلف يعلمون أولادهم حب أبي بكر وعمر كما يعلمون السورة من القرآن. ونعلمهم الصلاة. قال صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر». ونعلمهم مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب. قال صلى الله عليه وسلم لعمر بن أبي سلمة: «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». ونعلمهم شيئاً من القرآن بأنفسنا أو نلحقهم بحلقات التحفيظ، ونعلمهم الحلال والحرام بالتدريج، ونعلمهم لغة القرآن قبل أن نعلمهم اللغات الأخرى. قال نافع: كان ابن عمر يضرب ولده على اللحن. فاحرص على تعليم أهلك، واعلم أن غذاء الروح أهم من غذاء البدن. قال صلى الله عليه وسلم: «والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم».
الحمد لله.
نعود والعود أحمد إلى كتاب الله وإلى آيات هذه السورة العظيمة سورة النازعات. إيمان من الله مؤكد للحقيقة العظيمة يوم الدين، وردود على المكذبين، ولما ذكر الله قولهم واستبعادهم أئنا لمردودون في الحفيرة أإذا كنا عظاما نخرة، ذكر الرد عليهم بذكر الحقيقة: فانما هي زجرة واحدة.
والزجر الطرد بصوت، يقال زجرته فانزجر، كما في المفردات في غريب القرآن. ومعنى قوله: فانما هي يعني نفخة البعث النفخة الأخيرة، فانما هي زجرة واحدة. ما هي الرادفة؟ لان الأولى الراجفة والثانية الرادفة، فانما هي النفخة الأخيرة هذه الرادفة زجرة واحدة فاذا هم بالساهره. زجرة واحدة وصيحه واحدة في الصور ينفخها إسرافيل عليه السلام، نتيجتها انبعاث كل المدفونين، كل الذين هم في بطن الأرض يخرجون.
الزجر الكلام الذي فيه أمر أو نهي في حال غضب، يقال زجر البعير إذا صاح له لينهض، وهذه مناسبة استعارة كلمة زجر هنا. زجره، كأنه كأنه بهذه الزجرة يقوم جميع الأرواح والأجساد، ويقوم جميع الموتى وكل من كان هامدا، كالزجرة التي تقيم البعير البارك فينهض سريعا. شوف بلاغة القرآن: فانما هي زجرة واحدة قاموا جميعا، فكأنه يقول: ليس عسيرا على الله هي زجرة واحدة ونفخة واحدة وأنتم كلكم قيام منشورون أحياء على وجه الأرض.
فالمعنى لا تحسبوها على الله عسيرة ولا صعبة، هي زجر كما قال تعالى: وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق. ما لا رجوع إذا جاءت لم ترد ولم تصرف. إذا تقدير الكلام يا أيها المكذبون نعم والله لتربن ولتبعثن ولتقومن من قبوركم، وكيف تستبعدون وتكذبون وتنكرون؟ من جهة القدرة، الابتداء أصعب من الإعادة فإذا كنتم تقرون بالابتداء ألا سالتهم أمن خلقهم ليقولون الله، إذا الإعادة أسهل. إذا كنت يا أيها الكافر تؤمن أن الله الذي خلقك، فاسهل عليه إذا بعثك، إذا خلقك من العدم ما يبعثك من عجب الذنب ومن التراب.
المكذب سبحان الله المكذب يمكن أن يسلك أي سبيل، يعني يقول: وكيف يتميز ترابي عن تراب غيري؟ الذي خلقك من العدم قادر أن يعيدك من ترابك. ولذلك فإن الذي خلق الملائكة والنازعات والناشطات والمدبرات، فلا يعسر عليه ولا يصعب عليه أن يعيدكم. ثم من جهة العادة فإن الراعي لا يدع رعيته بلا حساب، ومن جهة الوعد ليس من شيم الكرام إخلاف الوعد ولا إقرار الظلم. أفتظنون أيها المكذبون أن المجرمين الذين بغوا في الدنيا وطغوا وظلموا وحبسوا وسرقوا ونهبوا وقتلوا واغتصبوا أن ينتهي المشهد هكذا بموتهم؟ وكثير منهم لم يحاسبوا في الدنيا ولم يعاقبوا على أفعالهم، ليس كل المجرمين في العالم أخذوا جزاء في الدنيا، فمنهم من يموت في سطوته وقوته ورئاسته، خلاص انتهي المشهد هكذا بلا مشهد آخر يكون فيه محاكمة وإعادة الحق إلى نصابه وإلى أهله؟ ولذلك يعني العقل العقل يقتضي يقتضي مجيء يوم الحساب يقتضي.
قال الحسن البصري رحمه الله: فانما هي زجرة واحدة، يعني زجرة من الغضب. وقال إبراهيم التيمي رحمه الله: أشد ما يكون الرب غضبا على خلقه يوم يبعثهم، ولذلك جاء في الحديث أن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله نسأل الله السلامة. يغضب لأن هذا وقت قدوم أعدائه ليعاقبهم، كل المكذبين والكفار والمجرمين الآن جاؤوا، زجرة من الله يزجرون بها جميعا ويصاح بهم ويقومون من قبورهم قيام رجل واحد بعد أن كانوا في بطن الأرض، إن كانت إلا صيحة واحدة فاذا هم جميع لدينا محضرون. قال تعالى: يوم يسمعون الصيحه بالحق ذلك يوم الخروج.
انظروا إلى ألوب القصر في الآية: فانما هي فقط زجرة واحدة، ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فاذا هم لاحظوا فاذا هم، فانما هي زجرة واحدة فاذا هم قيام ينظرون. سبحان الله على السرعة والقوة والقدرة، فاذا هم بالساهرة كل الخلائق مجموعون. ما هي الساهرة؟ وجه الأرض، لكن وجه الأرض يوم القيامة يعني أرض القيامة غير أرض الدنيا، يوم تبدل الأرض غير الأرض، فاذا هم قيام ينظرون يجمعهم الله الساهرة. العرب تسمى الفلاة ووجه الأرض ساهرة، لأن فيها نوم الحيوان وسهرهم، فسميت ببعض ما يكون فيها، هذا وجه تسمية الأرض بالساهرة.
والساهرة أيضا الأرض المستويه البيضاء التي لا نبات فيها، فيجمع سبحانه الناس في أرض بيضاء جديدة كالمراة كالفضة مستوية، ما فيها قاع ولا أمت ولا ارتفاع ولا معلم لأحد ولا شيء يختبئ وراءه أحد، يوم تبدل الأرض غير الأرض. قال ابن مسعود رضي الله عنه: أرض كالفضة نقية لم يسل فيها دم ولم يعمل فيها خطيئة، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، حفاة عراة قياما كما خلقوا، حتى يلجمهم العرق، قياما قياما بين يدي الله.
ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا، فيذرها قاعا صفصفا، يعني ملساء مستوية لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، لا ارتفاعا ولا انخفاضا ولا فيها نبات. فانما هي زجرة واحدة فاذا هم بالساهره على سطح تلك الأرض بأعلاها بعدما كانوا في جوفها.
هل وردت عن المفسرين أقوال أخرى في تفسير الساهرة؟ نعم، قيل: مكان معروف من الأرض بالشام، والشام هي أرض المحشر، وقيل: هي جبل عند بيت المقدس، وقيل: جهنم. ورد عن قتادة فلعل من قال بأنه موضع بالشام أراد تعيين أرض المحشر وأنها جزء من الأرض. والقول الثاني أي ليس هو قول جمهور السلف، كما عرفنا ما هو قول جمهور السلف. وإذا أراد القائل جزءا من أرض المحشر محتمل، فالساهرة وجه الأرض وهو قول جمهور السلف المعروف في لغة العرب. وابن كثير رحمه الله لما ذكر أقوالا قال: أقوال كلها غريبة، والصحيح أنها الأرض وجهها الأعلى.
فهذا تقرير لعقيدة البعث والنشور وإحياء الله تعالى للموتى، عندما ينفخ إسرافيل في الصور النفخة الثانية فيقوم الناس لرب العالمين. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من المؤمنين بيوم البعث والنشور، وأن يجعلنا من الآمنين يوم الفزع الأكبر. سنواصل بمشيئة الله تعالى الكلام في تفسير هذه السورة في درسنا القادم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ محمد صالح المنجد