بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الأخوة والأخوات من الدارسين في هذا المجتمع العلمي في زاد، مرحبا بكم في الفصل الدراسي الثاني الذي نسأل الله تعالى أن يجعله مباركا علينا جميعا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا.
نتناول في هذا الفصل الدراسي بإذن الله تعالى تفسير بعض سور القرآن الكريم من الجزء الأخير، جزء عم، وذلك كتطبيق عملي لبعض أصول التفسير التي درسناها سويا في الفصل الأول.
رحلة معا في طلب العلم وتحصيله نستهلها بتفسير سورة النبا. سورة النبا سورة مكية، آياتها أربعون، تسمى سورة عما يتساءلون، وكذلك سورة النبا لقوله: عن النبا العظيم.
ومعظم مقصود السورة ذكر القيامة، وخلق الأرض والسماء، وبيان نفع الغيث، وكيفية النشر والبعث، وإقامة الحجة على إمكان البعث بخلق المخلوقات التي هي أعظم من خلق الإنسان وإعادته بعد موته، وبالخلق الأول للإنسان وأحواله.
وكذلك من مقاصد السورة صفة يوم الحشر، وإنذار الذين جحدوا به، وعذاب العاصين، وثواب المطيعين من المؤمنين، وقيام الملائكة في القيامة. هذه السورة الكريمة من السور التي شاب لمعانيها النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال أبو بكر: يا رسول الله، قد شبت! قال: «شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعما يتساءلون وإذا الشمس كورت» رواه الترمذي رحمه الله.
وفي رواية: «شيبتني هود واخواتها» يعني أشباهها من السور التي فيها ذكر أهوال العذاب والقيامة. وهذه السور، ومنها سورة عم، فيها ذكر عذاب الله واليوم الآخر، وهو يوم يجعل الولدان شيبا. شيب ذلك اليوم شيء منه قد كان في شعر النبي صلى الله عليه وسلم من خشيته لله.
وهذه السورة فيها أمور عظام، والهم يخترم الجسم مخافه، ويشيب ناصية الصبي ويهرم، ومشهد الكفار يوم القيامة وهم يقتادون بالسلاسل إلى النار لا شك مما يدخل الخوف والخشية في القلب.
يقول تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ: 1-5].
عما أصلها عن ما، عن أي شيء، أدغنت النون في الميم: عما، وحذفت ألف ما فصارت عم، كقوله فيما، بما، وأصلها في ما، ب ما. وهذا الاستفهام: عم، عن أي شيء، استفهام تفخيم وتهويل وتعجيب من جدال هؤلاء في حقيقة اليوم الآخر الذي ينكرونه وينكرون البعث بعد الموت.
عما يتساءلون؟ إن الحق واضح، عما يتساءلون؟ إن القول صدق، أنه من عند الله، لا يمكن أن يحدث تساؤل -أي تساؤل شك وتساؤل إنكار- في أمر أخبر الله به. ولما فخم ما يتساءلون عنه، وهذا معنى آخر الاستفهام: عما يتساءلون؟ هل أتاهم ما في ذلك اليوم الذي يتساءلون عنه؟ استفهام إعظام.
عما يتساءلون؟ هذا السؤال أجاب عنه: عن النبا العظيم، الرسالة التي جاءت من عند الله وفيها خبر ذلك اليوم، يوم الفصل. ولما كان في مقام التفخيم له وصفه تأكيدا بقوله: العظيم، عن النبا العظيم. النبا أصلا هو الخبر العظيم، فليس كل خبر نبا، إذن كل نبا خبر، وليس كل خبر نبا، لأن النبا هو العظيم من الأخبار، لو قال عن النبا لكفى في تعظيم خبره، فكيف وقد زاده بقوله: العظيم. إن هذا النبا أمر جلل، إنه نبا حق، لا يمكن أن يكون كذبا ولا أن يشك فيه.
عن أي شيء يتساءل هؤلاء المشركون والنبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى التوحيد وينذرهم بالبعث بعد الموت ويتلو عليهم القرآن؟ عما يتساءلون من معانيها استفهام وتفخيم، فإنك تقول: أي شيء زيد؟ إذا عظمت أمره وشانه.
قال مجاهد والأكثر: عما يتساءلون، المقصود القرآن، وهو النبا العظيم بقرينة آية أخرى، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ [ص: 67]. والقرآن يفسر بعضه بعضا، ويدل بعضه على بعض. إذن عما يتساءلون عن النبا العظيم، قيل هو القرآن، وقال قتادة: هو البعث.
وقوله عما يتساءلون سؤال، وقوله عن النبا العظيم جوابه، والمجيب هو الله العليم بالغيب. فإن قيل: ما الفائدة أن يورد السؤال ويذكر الجواب معه؟ فالجواب: لان إيراد الكلام في معرض السؤال والجواب فيه لفت الذهن، لفت النظر، فهو وسيلة لفت الانتباه، وفي هذا مزيد إيضاح وتعظيم لهذا الأمر، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ ثم أجاب: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: 16].
عما يتساءلون عن النبا العظيم الذي هم فيه مختلفون، هم البشرية مختلفون ما بين مؤمن وكافر ومصدق ومكذب، الذين نزل لأجلهم القرآن اختلفوا واختصموا، فمنهم من آمن ومنهم من كفر. والجمله هذه، الذي هم فيه مختلفون، جملة اسمية، والجملة الاسمية تدل على الدوام والثبات أكثر من الجملة الفعلية، ومعنى ذلك أن الخصومة في اليوم الآخر باقية ومستمره في هذه الخليقه، الذي هم فيه مختلفون الآن وبعد الآن، هكذا قضى الله أن يبقى في البشر المؤمن والكافر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ولما كان من هؤلاء من كفر وشك في ذلك اليوم أو انكره وجحده، توعدهم فقال: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ: 4-5]. تهديد شديد ووعيد أكيد.
فإن قلت: ما كلا هذه؟ فالجواب هي حرف ردع وابطال لشيء يسبقه غالبا في الكلام. كلا يقتضي ردع المنسوب إليه وابطال ما نسب إليه. وهنا ردع الذين يتساءلون عن النبا العظيم ويشكون فيه وينكرون ويجحدون، فسيعلمون كيف حالهم في ذلك اليوم، فسيعلمون إذا جاء ذلك اليوم أنه حق، وسيعلمون ما فيه من الأهوال والشدائد عندما يعاينون بأنفسهم ويرونها بعيونهم ويواجهون بأشخاصهم.
عما يتساءلون عن النبا العظيم الذي هم فيه مختلفون. كلا، الغالب في استعمال كلا أنها تعقب وتتلى ويجيء بعدها كلام يبين ما أجملت، فلذلك عقبت هنا بقوله سيعلمون، وهذا زيادة في إبطال كلامهم وتكذيبهم وتهديد لهم. سيحصل بعد الموت علمان، علم بحق وقوع البعث وعلم في العقاب عليه. والمؤمن أيها الأخوة سينتقل من علم اليقين الذي عليه في الدنيا إلى عين اليقين إذا بعث ورأى القيامة أمامه، إلى حق اليقين عندما يعاين النعيم بنفسه ويتلذذ به.
نلاحظ أن مفعول سيعلمون قد حذف، يعلم الفعل الواو فاعل، لكن يعلمون ماذا، أين المفعول؟ كلا سيعلمون ما سيصيرون إليه، كلا سيعلمون ما يأتيهم بعد الموت، كلا سيعلمون بما يكذبون به.
ثم أكد الجمله بجمله ثانية فقال: ثم كلا سيعلمون، تأكيدا للأولى. وهذا التأكيد فيه علاج لمسألة الشك والريب الموجودة عند هؤلاء الكفرة بشأن اليوم الآخر وبشأن البعث، فليس الأمر كما يقول هؤلاء في النبا العظيم أنه باطل أو أنه لا يكون، وإنما هو حق قادم.
وقال بعض المفسرين: الآية الأولى كلا سيعلمون للكفار، والثانية ثم كلا سيعلمون للمؤمنين. فسيعلمون عاقبة تكذيبهم، وسيعلم الآخرون، أي المؤمنون، عاقبة تصديقهم. وقيل أيضا: كلا سيعلمون ما الله فاعل بهم يوم القيامة، ثم كلا سيعلمون أن الأمر ليس كما كانوا يتوهمون من أنه لا بعث بل لقد قامت القيامة وحصل البعث فعلا. وقيل: كلا سيعلمون ما يصل إليهم من العذاب في الدنيا وكما جرى على كفار قريش يوم بدر، ثم كلا سيعلمون بما ينالهم في الآخرة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الفهم في كتابه.
وعودة بعد قليل إن شاء الله. أنيق المنظر، طيب المخبر، مجالسته أنفع مجالسة ومؤانسة العلماء والصالحين. قيل لابن المبارك: ألا تجلس معنا؟ قال: ما أجلس إلا مع الصحابة والتابعين، يعني قراءة سيرهم.
وقد كان العلماء مشغوفين بالكتب شراء وقراءة، قال ابن الجوزي: ما أشبع من مطالعه الكتب، وإذا رأيت كتابا لم أره فكاني وقعت على كنز، ولو قلت إني طالعت ألف مجلد لكان أكثر.
وطالب العلم لا تخلو مكتبته من الكتب الأساسية في شتى العلوم، ففي التفسير مثلا: تفسير السعدي وتفسير ابن كثير، وفي العقيدة: كتاب التوحيد والطحاوية والواسطية مع بعض الشروح، وفي الحديث: الكتب السته مع أهم شروحها، وهكذا بقيه العلوم. وقبل الشراء، استشر أهل الخبرة ليدلوكم على أهم الكتب وأفضل الطبعات، لاسيما ما حققه العلماء الثقات كالألباني وبكر أبى زيد.
احرص على التنويع في شراء الكتب، ولا تقتصر على فن واحد أو فنين، واعتني بكتب النوازل الفقهية والعقدية، ولا تبخل بثمن تلك النفائس، لو تباع بوزنها ذهبا لكان البائع المغبون.
﴿خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: 137]. التاريخ مخزن العبر ومعلم الأمم، فيه أخبار السابقين الأول، وأسباب التمكين وزوال الدول، من يعتبر بدروسه نجا ومن تعامى عن حوادثه هوى.
وقد عني القرآن بذكر الكثير من القصص والتنويع في أحداثها لتوجيه الانظار إلى الاعتبار بأحوال الأمم في كفرهم وإيمانهم وشقاوتهم وسعادتهم، فلا شيء يهدي الإنسان كالمثل والوقائع. قال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 176].
ومن هنا ينجلي للعاقل أهمية العلم بالتاريخ وعلو شأنه، فإذا نظر الإنسان إلى أحوال الأمم السالفة وأسباب قوتهم وضعفهم وعزهم وذلهم حمله ذلك على حسن الأسوة والاقتداء بأسباب السعاده والتمكين واجتناب ما كان من أسباب الشقاوه والهلاك والتدمير.
وإن التحولات في أحوال الأمم من رخاء إلى شدة، ومن شدة إلى رخاء، إنما هو من جراء أعمال العباد. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
فمن فوائد وثمرات دراسة التاريخ: الإحاطة بالتطبيق العملي للإسلام وذلك من خلال السيرة النبوية، العلم بأن الأمة مكلفة بهدف عظيم وهو عمارة الأرض بمنهج الله تعالى، العلم بأعداء الأمة والعلم بطبيعة الصراع بين الحق والباطل، فهم الحاضر لأن الحاضر جزء من ماض، فمن لم يعتبر بماضيه لن ينتفع بحاضره، إدراك سنن الله تعالى في هذا الكون وأنها لا تحابي أحدا. قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43].
الحمد لله، حياكم الله مرة أخرى أيها الأخوة والأخوات. ذكرنا إذن تفسير قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ: 1-5]. ما هي الفوائد التي يمكن أن نجتنيها من هذه الآيات؟
بيان مظاهر قدرة الله وعلمه، تقرير عقيدة البعث والجزاء والنبوة والتوحيد. وهذا الخلاف والمعركة فيها في البشرية قديمة وستبقى وتستمر ما بين مثبت وناف ومصدق ومكذب.
وقد أكثر الله تعالى في كتابه من ذكر يوم القيامة وسماها بأسماء عديدة ووصفها بأوصاف كثيرة لعظم أمرها وخطر شأنها. والقاعدة عند العرب أن الشيء كلما عظم شانه تعددت أوصافه وكثرت أسماؤه، وهذا ما نجده في السيف والأسد ونحوهما.
وقد ذكر تعالى أن هذا اليوم تبلى فيه السرائر، وتشخص فيه الابصار، ولا مرد له من الله، ولا بيع فيه ولا خلال، ولا تملك نفس لنفس شيئا والامر يومئذ لله، يوم يدعون إلى نار جهنم دعا، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافيه، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم، هذا يوم لا ينطقون.
هذا يوم القيامة واليوم الآخر والساعة والقارعة والحاقة والواقعة والطامة الكبرى والصاخة ويوم الفصل ويوم حسرة ويوم الدين، وغير ذلك كثير. فيا له من يوم ينبغي على كل عاقل أن يعد له عدته وأن يتزود بصالح الأعمال والطاعات والعبادات من أجله.
وقد قال ربنا: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281]. وهذا آخر وصية من الله للبشرية، وآخر آية نزلت من القرآن، كما صح عن ابن عباس رضي الله عنهما.
حذرنا الله من اليوم الآخر وما فيه من الموبقات، أنه يوم مجازات الأعمال، ليس يوم استقاله -يعني إقالة ورجوع عن الذنب- وليس يوم استعتاب أو استرضاء وتوبة، انتهى خلاص. إذا جاء اليوم الآخر لا توبة تنفع ولا فدية تنفع ولا ندم ولا اعتذار، لكنه يوم جزاء وثواب ومحاسبة.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما جهلنا، وأن يفقهنا في ديننا، وأن يسترنا بستره الجميل، وأن يرزقنا الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، نعوذ بالله من النار، ونسأل الله دار القرار في الفردوس الأعلى. وإلى درسنا القادم.
الشيخ محمد صالح المنجد