بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة والأخوات الطلاب والطالبات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نحن في الدرس الرابع عشر من سلسلة محاضرات التفسير في أكاديمية زاد.
سبق الكلام في الدرس الماضي عن تفسير سورة عبس، وقلنا أنها سورة مكية إجماعاً. ومن مقاصدها تعليم الله لرسوله صلى الله عليه وسلم الموازنة بين المصالح؛ هناك مصلحة أعلى ومصلحة أدنى، وكذلك استقراء خفياتها ترجيح المصلحة الأعلى ولو فاتت المصلحة الأدنى، المهم عدم تفويت الأهم.
وعرفنا أن هذه السورة نزلت في ابن أم مكتوم، صدرها نزل في عبد الله رضي الله عنه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أعرض عنه لما جاءه. قال الله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس: 1]، يعني قبض وجهه عليه الصلاة والسلام تكرهًا لمجيء عبد الله بن أم مكتوم، فأعرض عنه عليه الصلاة والسلام. والمعنى: ظهرت الكراهة على وجهه لمجيء عبد الله في هذا الوقت. وقوله: ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: 2] هذا سبب العبوس؛ لأن الأعمى جاءه. وعرفنا أن في هذا حثاً على الترحيب بالفقراء والإقبال عليهم في مجالس العلم وقضاء حوائجهم، وعدم إثار الأغنياء وتقديمهم على الفقراء.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس: 3]، لعل هذا الأعمى الذي عبست في وجهه يتزكى ويتطهر من ذنوبه بما ينتفع منك من العلم والعمل به. وعرفنا أن العتاب هذا من النبي صلى الله عليه وسلم فيه تلطف أيضاً؛ لأنه ما وجه قال: عبست وتوليت، قال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: 1-2]، ثم التفت: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾، وصار أوب الخطاب مباشرة: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس: 3-4]. ومعنى ذلك أن التذكر والاتعاظ يفيد من يريده، من يقبل، من يعمل بتلك الذكرى، هذا الذي يحصل له الاتعاظ والإنزجار.
أما من استغنى فانت له تصدى، وما عليك الا يزكى، هذا المستغن عنك بماله أو قوته وسلطانه، لا يريد سماع القرآن ولا الهداية ولا يقبل الموعظة، فأنت تتعرض له وتقبل عليه وتصغي إليه. طبعا النبي عليه الصلاة والسلام لا يريد منهم مالاً ولا يريد منهم دنيا، يريد كل رجاء أن يسلموا، ولعل الله أن يهدي بهم أقوامهم؛ لأن هذا الصنديد أو الرئيس إذا أسلم، أسلم من بعده، أسلم من تحته، وهذه مصلحة، لكن تلك مصلحة أكبر في الإقبال على المقبلين وعدم الإعراض عنهم، هذا رأس المال.
قال الله تعالى عن هذا المعرض: ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عبس: 7]، يعني لو ما أسلم، ما عليك، أنت لست آثماً ولن تحاسب، عليك إلا البلاغ. وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس: 8-10]، من جاءك يمشي يطلب الخير، يسعى في التقرب منك، يريد العلم والهداية، فأنت عنه تلهى، أي تتشاغل، تنشغل بغيره. طبعا كان اجتهاداً بالنبي صلى الله عليه وسلم، رغبة في إسلام أولئك الكفرة. هذا ملخص ما تقدم، نتابع الآن في تفسير الآيات.
قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: 11-16]. كلا، كلمة ردع وزجر، يعني لا تفعل بعدها مثلها، لا تعود إلى مثلها، تقبل على الغني وتعرض عن الفقير المؤمن؟ لا.
الذي جرى من النبي عليه الصلاة والسلام، كما قال القرطبي رحمه الله في التفسير، كان ترك الأولى؛ فحاصل العتاب ترجيح الاقبال على من جاء يسعى راضياً وراغباً، هذا عنده أهلية الانتفاع، وذاك مستغن غير قابل للانتفاع. وقصد النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان صالحاً في حرصه على هداية صناديد قريش وزعمائهم، لكن الله سبحانه وتعالى نبه إلى ما هو الأولى، وهو الإقبال على المقبلين ولو كانوا فقراء، الفقير يقبل بتواضعه والغني يدبر لتكبره.
وقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرض عن فقير بعدها، وكذلك ينبغي لفضلاء أمته، يعني من العلماء والدعاة إلى الله سبحانه وتعالى، أن يهتموا بالمساكين والفقراء، كان الفقراء في مجلس سفيان الثوري أمراء. قال الله عز وجل بعد ذلك، يعني كلا إذا، هذا بيان حكم ما تقدم: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾، قيل هذه الموعظة، وقيل هذه السورة، وقيل آيات القرآن، وقيل الوصية بالمساواة بين الناس في إبلاغ العلم. وقوله تذكرة، يعني موعظة وتذكير للخلق. والمعنى: حقاً أن هذه الموعظة تذكرة من الله، يذكر بها عباده ويبين لهم في الكتاب ما يحتاجون إليه، ويبين لهم الرشد من الغي.
فإن قال قائل: ما هو اتصال هذه الآية بما قبلها؟ فالجواب من وجهين: الأول، كأنه قيل هذا التأديب الذي أوحيته إليك وعرفتك به في إجلال الفقراء وعدم الالتفات إلى الأغنياء على حساب الفقراء، قد أثبت في اللوح المحفوظ، هذا البيان والتذكرة هذه الموعظة مثبت في اللوح المحفوظ الذي وكل بحفظه أكابر الملائكة. الوجه الثاني، أن المعنى هذا القرآن قد بلغ في العظمة إلى هذا الحد، فأي حاجة به إلى أن يقبله هؤلاء الكفار؟ وسواء قبلوه أو ردوه، فلا تلتفت إليهم ولا تشتغل بهم، ولا تعرض عن المقبلين من أجلهم طيب قلوبهم.
فإن قيل: كيف قال الله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ ثم قال: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾، إنها مؤنث، ذكر الهاء مذكر، يعني ما قال: كلا أنها تذكرة فمن شاء ذكرها، ولا قال: كلا إنه تذكرة فمن شاء ذكره، قال: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾، هنا مؤنث هنا مذكر؟ الجواب: الضمير المؤنث كلا أنها قيل لآيات القرآن أو لهذه السورة، فمن شاء ذكره قيل راجع إلى القرآن، وقيل راجع إلى الوعظ والتذكير.
فإذا تبين ذلك، وأن هذه تذكرة وموعظة، فمن شاء ذكره، قيل فمن شاء ذكر الله في جميع أموره، وقيل فمن شاء ذكره يعني ذكر الوحي وعمل به واتعظ واعتبر. وإذا قلنا كلا أنها، يعني هذه الآيات التي مضت تذكرة لك في عدم الإعراض عن الفقراء المؤمنين المقبلين، هذه موعظة في هذا الأمر، فمن شاء ذكره والتزم به، من شاء أوعى سمعه وأرعى سمعة وعمل به.
طبعاً ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ يتضمن وعداً ووعيداً وليس تخييراً، يعني الذي يريد يعمل والذي لا يريد لا يعمل، لا، مثل قول الله: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ [النبأ: 39]، يعني من أراد أعد العدة واتخذ إلى ربه مآبا بأعمال صالحة وجهز واستعد.
﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾، سنعرف ما هي هذه الصحف بعد قليل إن شاء الله، نعود إليكم.
يحرص كثير من الآباء والأمهات على تعليم أبنائهم شتى العلوم، ويبذلون في ذلك الغالي والنفيس من أوقاتهم وأموالهم، وهذا مما يؤجرون عليه من الله تعالى. ولكن هل اعتنوا مع ذلك بتعليمهم أدب العلم وسمته؟ فهو الذي يهذب أخلاقهم ويحسن طباعهم؛ فحاجة الأطفال إلى الأدب وحسن الخلق أشد من حاجتهم إلى كثير من العلم. لهذا كان السلف يحرصون على تعليم أبنائهم الأدب قبل العلم.
قال سفيان الثوري: كانوا لا يخرجون أبناءهم لطلب العلم حتى يتأدبوا. وقال عبد الله بن المبارك: طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة. وهذا ما جعل الآباء والأمهات قديماً يدفعون بأولادهم إلى المؤدبين والعلماء حتى يقتبسوا من أخلاقهم وآدابهم قبل علومهم. قال الإمام مالك بن انس رحمه الله تعالى: كانت أمي تعممني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة، فتعلم من أدبه قبل علمه.
وذلك أن العلم لا ينتفع به إلا بطهارة القلب عن مساوئ الأخلاق. ولعل هذا الأمر هو ما دفع العلماء إلى اشتراط أن يتتلمذ طالب العلم للعلماء لا للكتب، وذلك حتى يتأكدوا من تخلقه بأخلاق العلماء وتحليه بأدبهم، ويظهر عليه سمت العلم، والأدب هو نوره. قال عبد الله بن وهب: ما تعلمناه من أدب مالك أكثر مما تعلمناه من علمه.
ومما يدلك على منزلة الأدب والأخلاق أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع بين العلم والأخلاق والادب، ولما أثنى عليه ربه سبحانه وتعالى أثنى عليه بالأخلاق والأدب فقال.
﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ إذاً هذه التذكرة وهذه الآيات وهذا القرآن وهذه التعليمات والبيان في صحف اللوح المحفوظ، وقيل كتب الأنبياء: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: 18-19]. والمراد أن هذه السورة أو الموعظة في صحف كلاهما متلازم، بل جميع القرآن في هذه الصحف.
طيب ما صفاتها؟ مكرمة، معظمة موقرة كريمة على الله، مكرمة نزلت من رب كريم، الله كرمها، أي أن هذا الذكر الذي تضمنته هذه الآيات في صحف معظمة عند الله لأنها تحمل آياته.
هذه الصحف ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾، إذاً انظروا إلى الصفات المتوالية مكرمة مرفوعة مطهرة، مرفوعة عالية القدر والرتبة، مطهرة من الدنس والتناقض والكذب والخلل والزيادة والنقص ما في، وقيل مرفوعة يعني في السماء السابعة، ومطهرة ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79] وهم الملائكة، مطهرة أن تنالها أيدي الشياطين.
﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾، قوله تعالى: بأيدي سفرة، سفرة الكتبة وهم الملائكة الكرام الكاتبون، والمفرد سافر. إذاً سفر جمع، طيب سافر مأخوذة من إيش؟ يعني سافر اسم فاعل، فاعل فعل سافر، ما معنى سافر سفر سافرت يعني كتبت، ومنها يعني من هذا قيل للكاتب سافر، وللكتاب سفر، وجمع أسفار، أسفار وردت في كلام الله.
قيل السفرة هم الرسل من الملائكة مفردها سفير، إذاً نحن بين سافر وسفير، إذا قلت سافر من سفره يعني كتب، وهم طبعا من الملائكة أو كنا سفير، سفر جمع سفير أيضا، الرسل الملائكيون سفراء بين الله وخلقه. قال بعض المفسرين أيضاً هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال قتادة هم القراء، أي حفاظ القرآن.
والراجح والله أعلم أنهم الملائكة، والسفر يعني بين الله وخلقه سفراء. قال البخاري رحمه الله: جعلت الملائكة إذا نزلت بوحي الله وتأديته كالسفير الذي يصلح بين القوم. كلمة سفير تستعمل أيضاً الذي يأتي هؤلاء يأتي هؤلاء محاولاً الإصلاح بينهم، هذا طبعا من جهة اللغة، لكن من جهة المعنى المراد هنا سفراء بين الله وخلقه، أو من سفر سافر يعني كتب كاتب.
وقد جاء ذكر السفرة في حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «الماهِرُ بالقرآنِ مع السفرةِ الكرامِ البررةِ، والذي يقرأ القرآنَ ويتتعتع فيه، أي يتردد يصعب عليه وهو عليه شاق، له أجران». فهو يقرأ ويحاول ويرجع مرة أخرى، ويخطئ فيصلح، وهكذا، الحديث رواه البخاري ومسلم.
طبعاً حصل نقاش بين المفسرين في السفرة هل هم أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أولى؟ طبعا القاضي ابن العربي رد ذلك وقال: لقد كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كراماً بررةً، ولكن ليسوا بمرادين في هذه الآية، بل هي لفظة مخصوصة بالملائكة عند الإطلاق لا يشاركهم فيها سواهم، ولا يدخل معهم غيرهم فيها.
قوله تعالى: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ الكرام يعني على الله، بررة يعني مطيعين له، يعني برر جمع بار، إذا يعني طبعا في اللغة موجود، يعني فاجر فجرة، ساحر سحرة، كافر كفرة. وقد قال الله تعالى عن الملائكة: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]، بررة ويفعلون ما يؤمرون هذا شأن البار، وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: 10-11]. وقيل كرام عن المعاصي يرفعون أنفسهم عنها، يترفعون عنها. ومعنى الآية أن خلقهم كريم حسن شريف، أخلاق عالية، أفعال بارة، نفوس طاهرة. ومن هنا ينبغي لحامل القرآن أن يتشبه بالملائكة في هذه الصفات، وأن يكون في أفعاله وأقواله على السداد والرشاد.
وانظروا في حفظ الله لكتابه وتشريفه له بأن جعل بأيدي هؤلاء الرسل الكرام السفراء بينه وبين خلقه، الاقوياء الأتقياء، ما جعلوا بأيدي الشياطين، لا. وبالرغم من هذه النعمة -لاحظوا الآن الربط والمدخل- وبالرغم من هذه النعمة وأن الله انزل هذه التذكرة وانه جعله وانه تعالى جعلها في الصحف المكرمة وأنها بيد هؤلاء الخلق الخاصين من الكرام البررة الملائكة، مع ذلك فإن الإنسان كفور، يجحد القرآن ولا يعرف حقه، ولا يعمل بمقتضى ما جاء في هذه الصحف في هذه الآيات ولذلك قال: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: 17]، ما أكثرها لنعم الله، ومن نعم الله انزال هذا القرآن وهذه التذكرة وهذا البيان وجعل بهذه المنزلة العظيمة الرفيعة عند الله، لكن من الذي يعرف قيمة هذه النعمة؟ ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ لا يعرف قيمة هذه النعمة، بل يكفر هذه النعمة، يرد ويكذب.
هذه الآيات تبين حقيقة هذه الدعوة وكرامتها ورفعتها، وأن مستغن عن كل أحد كائناً من كان. وقد استنبط العلماء من هذه الآيات ومن قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 77-79]، استنبطوا أن المحدث لا يمس المصحف في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بايدي سفرة أنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمس إلا المطهرون يعني الملائكة، فأنتم يا أيها البشر استفيدوا من ذلك وتشبهوا به، لا تمسوا هذه الصحف التي بايديكم فيها القرآن وآيات الله والتذكرة هذي إلا على طهارة، وطهروا أنفسكم من الأدناس والأرجاس المادية والمعنوية.
وإذا كان الملأ الأعلى من الملائكة قائمين بشأن هذا الكتاب وحفظه وحريصين عليه مهتمين به يراعيونه غاية المراعاة وبأيدي سفرة كرام بررة، فأهل الأرض أولى وأحرى بذلك؛ لأنه نزل عليهم ومن أجلهم، والخطاب الذي فيه متوجه إليهم، فهم أحق أن يقابلوا بالإكرام والتعظيم والانقياد والتسليم، وقد قال الله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: 4].
بعد قليل إن شاء الله نكمل في تفسير الآيات، ونعود إليكم بإذنه تعالى.
العلم مراتب، فمنه فرض عين وهو تعلم ما لا يتأدى الواجب إلا به، كتعلم صفة الوضوء والصلاة. ومنه فرض كفاية كعلوم الحديث، ومنه نفل كالتبحر في أصول الأدلة، فلا بد من التدرج فيه خطوة خطوة.
فإن من رام أخذَهُ جملةً ذهب عنه جملةً، ولكن الشيء بعد الشيء مع الليالي والأيام. ونراعي الأولويات في التعلم، فنبدأ بالعلوم الأصلية كالتفسير والفقه قبل علوم الآلة كمصطلح الحديث وأصول الفقه، ونبدأ بتعلم الفروض قبل النوافل، وفي الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه»، وقد قيل: من شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور.
ونبدأ بالأسهل قبل الأصلح، وبالمختصرات قبل المطولات؛ قال تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: 79]، والرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره. ونبدأ بتعلم ما يترتب عليه ثمرة قبل المسائل النظرية البحتة، ونبدأ في التعلم قبل التصدر للتعليم فإن فاقد الشيء لا يعطيه.
ونهتم بالفهم والتدبر ولا نقتصر على الحفظ والتلقين، فتدرج في طلب العلم حتى تكون من الراسخين، قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين».
بسم الله، نعود إليكم والعود أحمد، ومع قول الله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: 17-19] الآيات.
قتل الإنسان، المراد به -طبعاً- الكافر؛ ما أكفره! سواء يكفر بالبعث، أو يكفر بالقرآن، يكفر بالله. وإذا رجعنا إلى موضوع البعث الذي كان مشركو العرب ينكرونه، فإن في هذه الآيات رداً بليغاً عليهم، وذكر أمور من قدرة الله تبين أن البعث والنشور سهل على الله.
قال ابن عباس: لعن الإنسان. والمقصود به جنس المكذب، واضح يعني أن هذا الإنسان نوعية معينة من البشر وليس كل البشر، لا، لأن الله قال: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: 17]، فلو كان مؤمناً تقياً لم يدخل في ذلك. ما أكفره! أسلوب تعجب في اللغة، وعادة العرب إذا تعجبوا من شيء قالوا: قاتله الله ما أظلمه! وما، حتى لو كان أحياناً عندهم نفيسة: ما أحسنه! ونحو ذلك. ما معنى الآية؟ قتل الإنسان ما أكفره! وقلنا: ما تعجبيّة، يعني تعجبوا من حال هذا الإنسان، تعجب من كفره تحدداً، يعني: ما أكفره بالله! ما أكفره بنعمه! ما أكفره بآياته! إذاً، تعجب من إفراط هذا الإنسان في الكفران. ما أكفره أسلوب من جوامع الكلمات القرآنية، فيه شدة وغلظة وسخط ومذمة: قتل الإنسان ما أكفره!
قتل، ما أكثر! طيب، قتل الإنسان في دعاء عليه، صحيح؛ لماذا دعاء تحقير وتهديد؟ ما أكفره! ثم يكفر، وهو أصله من أي شيء؟ ما هي حقيقته؟ ما هي قوته؟ ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: 17-18]. من نطفة خلقه! يا من أصله نطفة، كيف تكفر؟! يا من منشأه من ماء مهين، لماذا تكفر؟ خلقتك من ماء مهين، وأنا قادر على أن أعيدكَ وأبعثكَ، فلم تكفر بالبعث؟ ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: 17] أسلوب تعجب. ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: 18] أسلوب استفهام.
القرآن بلاغة وبيان، أسلوب، أساليب جمالية ومؤثرة، يعني موقعة في النفس: قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه! فعلاً يعني أسلوب عرض جذاب وشيق، وفيه بيان الكفران، وفي رد قوي قوي على منكري البعث والمكذبين بالقرآن. ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: 17-18] يريد أن يقرر التفاهة الأصل الذي خلق منه الإنسان، هذا الكافر من أي شيء هو مخلوق؟ ومن أي شيء خلقه الله؟ وإذا علم هذا وعلم هذا فلماذا التكبر ولماذا الكفران؟
قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه! اعجبوا ممن هو مخلوق من النطفة والماء المهين، لم يفعل ذلك؟ لم يكفر؟ كيف يتكبر؟ خرج من سبيل البول مرتين؛ مر من ذكر لأبيه مرة، ومن فرج أمه، فَعَلَامَ يتكبر؟ أصله من أي شيء؟ من أي شيء أصله؟ من أي شيء خلقه؟ من نطفة خلقه فقدره أطواراً، ونقله من حال إلى حال، ثم علق، مضغة، عظام، كسونا لحماً، وتم خلقه في بطن أمه، قدر يديه ورجليه وعينيه وأعضاءه، حسناً أو دميماً، قصيراً طويلاً، شقياً سعيداً، وقيل: قدر أجله ورزقه وعمله. من نطفة خلقه فقدره، وقيل: قدره سواه، كما قال: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ [الكهف: 37]، وقال: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: 7]، إذاً، من نطفة خلقه فقدره؛ قيل: هيأه لما يصلح له.
ما هو المعنى الإجمالي؟ ما أكثر هذا الانسان لنعمة الله؟ ما أشد معاندته للحق؟ ومن هو؟ هو من هو، مخلوق من ماء مهين، من أضعف الأشياء، والله خلقه ونقله من حال إلى حال، وقدر خلقه وسواه بشراً سوياً وأعضاءه، وكتب رزقه وأجله وعمله، فَلَمَ لَا يتذكر أصل خلقته؟ ولمَ لا يتذكر قدرة الذي خلقه، حتى لا يكفر بكلامه ولا بشرعه ودينه، ولا يتكبر على خالقه؟ فمن كان اصله من هذا الشيء المهين فكيف يتجبر؟ وهل يليق به أن يتكبر؟
روي أن مطرف بن عبد الله بن الشخير رحمه الله رأى رجلاً يتبختر في مشيته، وعليه ثياب من حرير -طبعا الحرير الطبيعي حرام على الرجال- فقال له: يا عبد الله، ما هذه المشية التي يبغضها الله؟ قال له: تعرفني؟ قال: نعم، أولك نطفة مذرة، وآخِرك جيفة قذرة، وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة -النجاسة-. فمضى الرجل وترك مشيته، كأنه أصابه خزي، خجل من نفسه. نسأل الله أن ينفعنا بالقرآن العظيم، وأن يوفقنا بالاتعاظ بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وإلى درس قادم إن شاء الله نتابع فيه وإياكم تفسير هذه الآيات العظيمة. أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. هذا كتاب الله، ربيع قلوبنا، خير الدروس تعلم القرآن.
الشيخ محمد صالح المنجد